الاعتبارات التنموية والحقوق المترتبة

عليها للتوازن مع الواجبات الجديدة

(المواد أرقام 7ـ 8)

التوازن المفقود: -

حقيقة الأمر هي أن الاتفاقية تحفل بالأحكام التقييدية، وتلك التي تكرس من مزايا المبدعين والمبتكرين أكثر من أية أداة قانونية دولية عرفها العالم حتى الآن، وكلها مزايا ترمى لاستئثارهم بحقوق أوسع نطاقا وأعمق أثرا وأطول زمنا. والاتفاقية تلزم الأطرف الموقعة عليها بمراعاة تلك الحقوق وتتوعد من يجور عليها. والالزام هنا يتوزع بالتساوي بين كل المجتمعات ولا يفرق بين مجتمعات شديدة التخلف وأخرى شديدة التقدم .

وعلي النقيض من ذلك نجد أن الاتفاقية لا تنطق بالكثير مما قد يعتبر مزايا أو حقوقا للمجتمع إزاء أصحاب الملكية الفكرية. وبالتالي أصبح علي المجتمع أن يستخرج بنفسه ولنفسه من الأحكام ما يدخل في باب الحقوق، من بين ما تدرجه الاتفاقية في تعبيرات ضمنية أو يقرأ فيما بين السطور.

احتمالات التجاوز:-

والمشاهد في واقع الحياة، وفي عالم الملكية الفكرية وما يترتب عليها من حقوق، أن المجتمعات التي تمتلئ بالحركة والحيوية تمتلئ أيضا بأنواع لا تحصى من التجاوزات ومن المنازعات التي تأخذ أطرافها إلي ساحات القضاء ويبدو أنها سنة من سنن الحياة، أن يكون هناك بعض الاحتمال لوقوع بعض التجاوز والتضرر من ذلك التجاوز. لذلك نجد أنه كلما كان المجتمع متقدما علميا وتكنولوجيا واقتصاديا كلما تزايدت الحاجة فيه لحماية حقوق الملكية الصناعية، وكلما تزايدت وتنوعت أيضا حالات التحكيم أو التقاضي لفض المنازعات علي تلك الحقوق.وعلي النقيض تماما من ذلك الحال، نجد أن المجتمعات المتخلفة وشديدة التخلف لا توجد بها حاجة للحماية المشار إليها ولا توجد فيها تجاوزات ذات بال، ولا تسمع فيها أنباء عن مساجلات قضائية فمن ذا الـذي يقاضى من، وعلام يكون التقاضي ؟  ويشهد بذلك واقع الإحصاءات التي تدل عليها أعداد براءات الاختراع (المحلية والأجنبية) التي تصدرها الدولة وطوائف المهنيين المتخصصين في مجال الملكية الفكرية (من المحامين ووكلاء براءات الاختراع والدوائر القضائية المتخصصة)، وكذلك أعداد حالات التنازع التي تحتاج للفصل من خلال التقاضي أو التحكيم .

وكلها أرقام ذات حجم كبير ودلالة في المجتمعات المتقدمة والصناعية.وذات ضآلة بينة (أو انعدام) في المجتمعات النامية والمتخلفة .

سبيل الملاحقة: -

والدعوة الجوهرية التي تحملها الدراسة الحالية هي للاجتهاد علي طريق الملاحقة التكنولوجية، التي هي عماد الملاحقة الاقتصادية، أمل تحقيق هدف اللحاق بالآخرين. والميدان الطبيعي للملاحقة التكنولوجية هو معامل البحث والتطوير وصالات الإنتاج الصناعي  . وجهود الملاحقة، بحكم طبيعتها وممارستها في كل مكان، تحفل بأنواع من المخاطرة - ولا نقول المخاطر - في مجال الملكية الفكرية (الصناعية) لأنها تتعقب السابقين في موضوعات سبقهم (من صنوف السلع والخدمات التي ينتجونها) بهدف التعلم منهم والاقتداء بهم والاستعانة بنموذجهم، ولكن مع الحرص الواجب في نفس الوقت علي احترام حقوق الملكية لهؤلاء السابقين. ومن هنا تكون الاحتمالات قائمة (ولو بقدر ضئيل) لأن يقع تجاوز أو أن تكون هناك شبهة تجاوز مما قد يكون موضوع النزاع بين الأطراف .

لكل ذلك فإن اجتهادات الملاحقة التكنولوجية في دور الصناعة وفي دور البحث والتطوير ذات الحيوية والطموح، توجب علي الممارسين فيها أن يمتلكوا قدرا معقولا من الإلمام بجوانب الملكية الصناعية خاصة، والملكية الفكرية عامة، وأن يكون جميعهم علي درأية مناسبة بالحقوق والواجبات التي تنص عليها الاتفاقية صراحة وضمنيا، بل وأن يكون في حوزتهم نوع من "كود " الممارسة يوضح لهم نطاق الحرية في حركتهم وأنشطتهم، ومتى يحدث التجاوز وكيف يكون، وعواقب التجاوز، ومساحات الحركة المأمونة.وذلك إلي حد كبير هو ما تحاوله الدراسة الحالية بالفعل، وذلك أيضا هو القصد من إبراز أهمية الأحكام التي توردها نصوص المواد (7)، (8) .