حتمية العمل في إطار استراتيجي: -

من المحال أن يتحقق النجاح في العمل الوطني (الذي يكون فيه لمؤسسة البحث والتطوير دور قطب الرحى) للارتقاء المتسارع بحالة الدواء من خلال أسلوب الملاحقة التكنولوجية، اذا اقتصر العمل علي أنشطة متناثرة، أو مبتورة، أو وقتية، أو عفوية. والعمل المنشود نظرا لحالة التخلف التي لا بد من الاعتراف بها ورفضها يجب بالتالي أن يتخذ هيئة وطبيعة الملاحقة المحمومة التي تبتغى تدارك ما فات أو كثيرا مما فات، والاقتراب من السابقين بأمل اللحاق بهم ولو في بعض موضوعات سبقهم، حتى يتحقق هدف التواجد بين هؤلاء السابقين إلي أن تتكون القدرة علي التنافس معهم في الأسواق العالمية، ومن بينها أسواقنا المحلية. كل ذلك يفيد بأن التغيير المطلوب حدوثه لا بد وأن يقوم علي إجراءات غير تقليدية أكثر منها نمطية، وأن يسيطر عليه فكر براجماتي ملتزم، وأن تنفذ خطواته التي تحقق أهدافا مرحلية في إطار استراتيجي جامع.

وترمى استراتيجية العمل المقصودة، في صياغتها والأنشطة المنفذة لها، لترجمة الاجتهاد الوطني الشامل (الماكرو - اقتصادي) إلي عمل وطني أو إقليمي محدد الأدوات والأهداف والأفق الزمني في المجال (الميكرو - اقتصادي) لحالة الدواء في بلادنا. وللاستراتيجية مرامي مؤكدة، تحددها فرص المشاركة العالمية والظروف المحلية. وقد يكون عام 2020 أو 2025 هو أفقها الزمني الذي تتحقق عنده أهداف كيفية وكمية متوالية ومتراكمة(2)، تدل علي بلوغ بلادنا حالة الاقتدار علي تلبية كثير من الاحتياجات الدوائية للمواطنين، بالاعتماد التكنولوجي علي الذات ودون أن يعنى ذلك الاكتفاء بالذات، إلي جانب القدرة علي النفاذ إلي الأسواق الخارجية، والمشاركة العالمية بقدر معقول ولكن متعاظم من الكفاءة والندية.والمعول الأساسي في كل ذلك هو امتلاك القدرة التكنولوجـية الضرورية التي تستند إلي الأداء الراقي في المؤسسة الوطنية للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي ، ومع الترحيب بالاستعانة بكل الفرص التي تسنح ومن أهمها التحالفات الاستراتيجية مع الأطراف الأجنبية.

وللاستراتيجية الوطنية للارتقاء بحالة الدواء في بلادنا - التي بات تنفيذها مطلبا ملحا للخروج من مأزق التخلف - عديد من الخصائص نورد منها فيما يلي ثلاثا لعلها الأهم والأعم:

1- الخاصية الأولي هي أن الاجتهاد المطلوب له أرضية مذهبية يقف عليها ويعتز بها، وهي إعلاء قيمة البحث العلمي الذي يهدف لتلبية الاحتياجات العاجلة للمجتمع، وتأجيل نزعات الفردية والذاتية، إضافة إلي الحرية العلمية (رغم أن كلها من ضرورات الإبداع) إلي أن يأتي أوانها. ومن مقومات هذه الأرضية (أو الخلفية) الحالة النفسية الرافضة للتخلف العلمي - التكنولوجي، والإصرار علي تجاوزها بمسئولية أخلاقية - اجتماعية جماعية.

2- الخاصية الثانية هي استراتيجية الإطار الذي تصاغ وتدار فيه كل الأنشطة من لحظة تصورها كأهداف كلية، ثم تنفيذها كمجموعة من التحركات الجزئية والمكانية، ولكنها التحركات المتناسقة والمتآزرة، ولها آثارها التراكمية والمتراكبة، التي تفضي مع الوقت إلي الأهداف الكلية المحددة مسبقا ملامحها الكيفية والكمية، ليجنى المجتمع ثمارها عند بلوغ الأفق الزمني المرصود، الذي قد يكون عام 2020 أو 2025. ووقتئذ تتوفر أسباب الأمان والاطمئنان لحالة الدواء في بلادنا مع المشاركة به في الأسواق العالمية بتنافسية واقتدار.

3- والخاصية الثالثة هي قومية العمل، بإشراك كل الأطراف الفاعلة - كل مؤسسة وكل فرد له قدرة وتتوافر لديه النية الحسنة للمشاركة - على الصعيد الوطني أو الوطني والإقليمي بصرف النظر عن التبعية الإدارية أو موقع العمل أو الانتماء المهني .

وفي أي صياغة وتطبيق لاستراتيجية الارتقاء بحالة الدواء في بلادنا، لا بد من تصور الأدوار التي تسند للمساهمين (الفاعلين) وكيفية تكامل أدوارهم وضرورة اعتماد الأدوار بعضها علي بعض، سواء منهم المساهمون من الأطراف الوطنية أو الأطراف الأجنبية. وهنا لا بد من النظر إلي عمليات نقل التكنولوجيا (أفقيا عبر الحدود الدولية) علي انها إسهام (بالمعارف وليس بالمعدات والمواد وحدها) يكون له دور فاعل ترى فيه بلادنا مصلحة لها فتطلبه وتسعى إليه. ولا بد أيضا من النظر إلي المساهمين، في مجموعهم، علي أنهم أطراف تتحالف لخدمة قضية واحدة تعتزم بلادنا المضي فيها حتى بلوغ أهدافها. وأول المتحالفين هم الأطراف المحلية صاحبة المصلحة المباشرة، الذين يهددهم جميعا استمرار حالة التخلف التكنولوجي في مجال الدواء. ويتكامل مع هذا التحالف الوطني - الوطنى، تحالف آخر يجب النظر في بنائه ويقوم بين الأطراف الوطنية والأطراف الأجنبية.

وإذا كان الأمر يخص جماعة اقليمية، أو تحت - إقليمية، من الدول التي تجمعها مصلحة واحدة، فسوف تبرز فوراً قيمة " العزيمة السياسية"التي تتوفر لدي القيادة / القيادات السياسية، التي تري الخطر (علي الأقل في مجال الدواء) في التشرذم وتري السلامة في التضامن والتكامل والتكافل.وهنا تكون الاستراتيجية الوطنية (المحلية) جزءا من استراتيجية جماعية ذات نطاق جغرافي أوسع واحتمالات للنجاح أكبر بكثير، وبغير مقارنة، من أي استراتيجية للعمل المنفرد. فمن خلال العمل الجماعي (ولدينا نموذج المجموعة الأوروبية) يمكن أن يجري تصور الاستراتيجية ثم تنفيذها لتوجب في مجال الدواء إنشاء كيانات كبيرة للبحث والتطوير تتوفر لها موازنات تواكب طموحاتها الكبيرة، وتستفيد من كل الموارد المتاحة (بشريا، وعلميا، وصناعيا، وماليا) لدي دول الجماعة المتحالفة دوائيا، ولكن يعود النفع الذي تحققه علي كل دول الجماعة، ومنها دول قد تقصر مواردها عن المشاركة في مدخلات العمل الجماعي.