|
الخدمة الصادقة والفاعلة لحالة الدواء البحث
والتطوير:- تجد
المقولة الرسمية التي كثيرا ما تطلق في
بلادنا النامية بأن البلد ينتج غالبية
احتياجاته من المستحضرات الصيدلية - وهي
حقيقة – حقيقة أخرى
تناقضها، وهي أن البلد يستورد الغالبية
الساحقة من مستلزمات تلك المستحضرات من
صنوف الكيماويات الدوائية الفعالة. ومع قدوم عصر "الجات" وتطبيق
اتفاقية التجارة المرتبطة بحقوق الملكية
الفكرية في البلد، بعد انقضاء الفترة
الانتقالية التي تقررها الدولة حسب ما
تقتضيه المصلحة الوطنية، تسود ظروف جديدة
تمتلئ بالتحديات والمخاطر مما يهدد
المواطن في معيشته ودوائه، ومن ثم أمنه
الاجتماعي.
ولا نجد سبيلا آخر لمواجهة تلك الظروف سوى
الارتقاء الصادق بحالة الدواء في بلادنا
بتعميق صناعته بدلا من الإبقاء علي
قشريتها، وبناء قدر كبير من الاعتماد
العلمي- التكنولوجي علي الذات بدلا من
الاعتماد المفرط علي موردي التراخيص
والمنتجات، ومع الاجتهاد لاكتساب بعض من
القدرات الإبداعية بدلا من استمرار حالة
التبعية واستفحالها. ولا نعرف لهذه الغاية
من سبيل إلا من خلال الارتقاء بحالة البحث
والتطوير، والتحالف بين مؤسسته وبين
مؤسسة إنتاجه، واحتماء كل من الجانبين
بالآخر. وإلا فإن الاغتراب علي أرض الوطن
هو المصير الحتمي الذي ينتظر كلا منهما. فالبحث
العلمي - الذي لا بد وأن يكون راقيا - هو
اليوم سلاح الإنسانية الأعظم، الذي لم
يعرف سواه ولن يكون هناك سواه، لإنتاج كل
جديد ومتطور من الوسائل لصيانة الصحة
وخدمة المريض.
فصناعة الدواء - ومن ورائها جهود البحث
والتطوير - تماثل تماما صناعات السلاح
والفضاء والإلكترونيات من حيث انها كلها
تدين بالوجود نفسه، وليس مجرد الارتقاء،
للبحث العلمي، فأصبحت كلها صناعات
استراتيجية لا حياة للمجتمعات بدونها في
عالمنا المعاصر. وهي
حقيقة، بغير شك أليمة. إن بلادنا قد تأخرت
كثيرا في الأخذ بأسباب البحث والتطوير
سبيلا لبلوغ درجة من الاقتدار الإنتاجي في
مجال الدواء بما يبعث علي الاطمئنان، رغم
امتلاك بعضها لموارد مؤسسية وبشرية ذات
حجم ونوعية وتنوع في الخبرات لها أهميتها.
وتوشك الأوضاع الراهنة أن تتخذ أبعادا
مأساوية لو استمر حائط الجليد فاصلا بين
المنتجين في صناعة الدواء وعلماء البحث
والتطوير، مع تواصل الحديث (وهو انفعال
أحيانا) عن الفترة الانتقالية وضرورة
التمسك بها. فخير من كل ذلك هو الحديث (والانفعال
ان لزم الأمر) عما يجب أن يتفق عليه ويحسم
أمره وينفذ من العمل الصالح خلال الفترة
الانتقالية، والترابط من أجل ذلك - بل
التحالف - مع مؤسسة البحث والتطوير
الوطنية لإعداد البــلاد لمواجهة
التحديات والمخاطر والمهددات.اذ ما قيمة التمسك بالفترة
الانتقالية، ولو طالت لمائة عام، لو انها
انقضت دون عمل صادق يبدل من النوايا ومن
الأفعال ومن الأحوال. |