|
دكتور/
أحمد مختار منصور نبذة عن البحث:-
ويحتوي كتاب التصريف على، حوالي مائتي آلة جراحية موصوفة ومرسومة، الكثير منها من اختراعه هو، فقد كان الزهراوي يحث على الخلق والإبداع، فهناك أشكال عديدة للصنانير والمشارط والمسابر والمجارد ، والجفوت والكلابيب، والمثاقب والمدسات ويحتوي كتابه بالإضافة إلى ذلك على أول صورة في التاريخ للمقص الحقيقي، إلى جانب صورة لأول محقن في التاريخ الطبي، وكان يسمى زراقة. وقد طور الزهراوي ما نعرفه اليوم بالجراحة العامة ككل، وفروعا عديدة من الجراحات الخاصة كالمسالك البولية والتجميل والأنف والأذن والحنجرة وجراحة الفم والأسنان. ويعتبر كتابه هذا أول كتاب علمي مصور في تاريخ الطب وهو يتسم بالوضوح والبعد عن النظريات، وهو متعة للقارئ حتى اليوم. والبحث يورد أمثلة من إسهامات الزهراوي في وضع أسس كثيرة من العمليات الجراحية التي نمارسها اليوم، ويبين مدى الدقة، التكامل والاهتمام بالتفاصيل الهامة التي أولاها الزهراوي، عنايته في كتابه. مقدمة:- لعل أشهر كتاب يدرسه طلبة الطب في الجراحة هو كتاب بيبي ولف ليس فقط في البلدان العربية التي يدرس فيها باللغة الإنجليزية، وإنما في كافة أرجاء العالم الذي تدرس فيه العلوم باللغة الإنجليزية، وفضلا عن ذلك فهو مترجم إلى اللغات الإيطالية والتركية والأسبانية، ومع أنه غني بالإشارات التاريخية عن أعظم الأطباء والجراحين من كافة أنحاء العالم وعلى مدى العصور ابتداء من أبوقراط حتى عصرنا الحالي، فإنك لا تعثر فيه إلا على أسماء ثلاثة من الجراحين والأطباء العرب المعاصرين. فإذا تركنا هذا الكتاب جانب أ وتصفحنا أهم المراجع التي يرجع إليها الجراح العام وهو كتاب ديفيز كريستوفر وجدناه أكثر غنى واهتماما بتاريخ تطور الطب بصفة عامة والجراحة بصفة خاصة ورغم أنه يقدر إسهامات الحضارة العربية في تطور الطب والجراحة إلا أن المؤلفين في تاريخ الطب نادرا ما يشيرون إلى طبيب أو جراح عربي معين بل كثيرا ما ينسبون اكتشافات عربية هامة لأطباء أوربيين جاءوا بعدهم بقرون طويلة، بينما يذكرون بتفصيل واف ما حققه أطباء الإغريق القدامى ثم يحيون أعظم عنايتهم للأطباء الأوربيين ثم الأمريكيين ابتداء من القرن السادس عشر حتى قرننا العشرين أما فترة ازدهار الحضارة العربية بدءا من القرن التاسع حتى القرن الثالث عشر فهي لا تظفر إلا بإشارات عابرة في أغلب الأحيان. ولا يكاد يختلف الحال عن ذلك في معظم كتب الطب المتخصصة ني فروعه المختلفة . من الصعب أن نلتمس العذر لهؤلاء المؤلفين والعلماء في صعوبة الحصول على المراجع والمخطوطات العربية الكثير منها تم نهبه ني العصورالاستعمارية ونقل إلى مكتبات بودليان وأكسفورد وباريس وبرلين وغيرها وهي هناك أسهل في العثور عليها وتدارسها عنها في مكتباتنا في بلادنا العربية، فضلا عن أن الغالبية العظمى من الإنتاج العلمي العربي قد ترجم إلى اللانينية وكثير من اللغات الأوربية. إنني أشارك الأستاذ الدكتور/ عبد الحليم منتصر في رأيه أنها مؤامرة على حجب علماء الحقبة العربية التي تقع بين العصر الإغريقي والعصر الحديث وليس ثمة تفسير آخر مقنع لهذا الصمت المتعمد التجاهل لإنجازات الحضارة العربية. وإنه لمن حسن الطابع أن يتنبه علماؤنا ومثقفونا إلى أبعاد هذه المؤامرة والتي استطاعت المستشرقة الألمانية سيجريدهونكس أن تعبر عنها أفضل تعبير، فظهرت في الأعوام الماضية مجموعة طبية من الكتب والأبحاث التي ترمي إلى دراسة إسهامات العلماء والمفكرين العرب وتوضيح دورهم الحقيقي في تطور الحضارة الإنسانية. والغرض من هذا بحث هو توضيح الدور الذي قام به عملاق من عمالقة الجراحة هو الزهراوي، في تطوير هذا الفن. فقد كانت الجراحة في أوربا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر فرعا محتقرا من فروع الطب يتجنبه الأطباء الذين تلقوا تعليمهم في جامعات أوربا والتي بدأت تظهر في ذلك الوقت وليس أدل على ذلك من تكوين رابطة موحدة للحلاقين والجراحين في إنجلترا سنة 1540. ومن خلال هذه الرابطة توصلوا إلى اتفاق يحدد لكل فئة حقوقها وواجباتها بحيث يمتنع الجراحون عن ممارسة الحلاقة ويقتصر الحلاقون على خلع الضروس. ودام هذا الحلف لمائتي عام، ولا نظن أنه من قبيل المصادفة أن يتقرر الجراحون الانفصال ويكونوا رابطة مستقلة لهم في عام 1745 بعد أن توالى ظهور طبعات عديدة من الترجمة اللاتينية للجزء الخاص بالجراحة من كتاب الزهراوي: "التصريف لمن عجز عن التأليف" ابتداء من عام 497 1 حتى عام 1778. وقد صدرت هذه الطبعة الأخيرة من هذا الكتاب (1778) باللغة العربية في اكسفورد مع الترجمة اللاتينية للنص العربي وقد أشرف، عليها جون تشاننج . ومرة أخرى ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية في سنة 1861 . وأخيرا صدرت ترجمة إنجليزية مع النص العربي في سنة"1973، اشترك فيها عالم لغات مع طبيب متخصص في علم الأمراض هما سبنك ولويس . ومن المدهش حقا أن ما نعرفه عن الزهراوي شحيح للغاية واسمه الكامل هو أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، مما يدل على أن مولده كان بمدينة الزهراء والتي تقع بالقرب من قرطبة بالأندلس. وقد عرفه الأوربيون بأسماء أخرى أشهرها (أبو الكاسس " وهو تحريف " لأبو القاسم"، وقد ولد عام 936 م (326 هـ) وتوفي عام 13 0 1 م (404). والجزء الخاص بالجراحة والذي نعرض له في هذا البحث هو آخر أجزاء الموسوعة الضخمة التي جعل عنوانها " التصريف لمن عجز عن التأليف ". والجزء الأول من هذه
الموسوعة يتناول العناصر والأخلاط وتركيب العقاقير والتشريح والجزء الثاني
يحوي فصولا في تقسيم الأمراض وأعراضها وكيفية علاجها، والأجزاء من الثالث
حتى الخامس والعشرين يبحث في " أطعمة المرضى وكثير من الأصحاء مرتبة
على الأمراض ". ومرة أخرى يتناول علم العقاقير، أو الأدوية في الجزأين
السابع والعشرين والثامن والعشرين، أما الجزء التاسع والعشرون فقد خصصه
للبحث " في تسمية العقاقير باختلاف اللغات وبذلها وأعمارها، وأعمار العقاقير
المركبة، وغيرها وشرح الأسماء المركبة الواقعة في كتب الطب، وأجيال والأوزان
" . ويتضح من ذلك أن الجزء الأعظم من موسوعة الزهراوي كان مخصصا لعلم
العقاقير، فلم تكن عبقرية الزهراوي تنحصر في الجراحة وحدها، وإنما شملت
أيضأ علم العقاقير فكان عالما متبحرا فيها، وقد وصفه ابن أبى أصيبعة
بأنه " كان طبيبا فاضلا خبيرا وقد ترجم جيرار الكريموني الجزء الخاص بالجراحة إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر، وبعد اختراع الطباعة بقليل، طبعت هذه الترجمة عدة مرات ابتداء من عام 1497، فكان لهذه الترجمة تأثير طاغ على أجيال عديدة من الجراحين في أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر. وسوف نحاول في هذا البحث أن نبرز إسهامات الزهراوي في تطور الجراحة وبعض فروعها، كذلك فسوف نتناول بالدراسة أيضأ بعض الآلات التي استحدثها الزهراوي والتي ما زلنا نستخدم الكثير منها، والتي أصبحت مع شيء من التطوير والتعديل معروفة لنا بأسماء جراحين آخرين لم يخترعوها أصلا وإنما حوروها وطوروها. والمؤلف يدرك قصور هذه الدراسة، فقد كتبت في كثير من العجلة وفي غيبة بعض المراجع التي تعذر العثور عليها، كذلك فإن هذه الدراسة لم تشمل الباب الثالث من الكتاب وهو الخاص " بالجبر " أي إصلاح الكسور وخلع المفاصل وحتى بالنسبة للباب الثاني (في الشق والبط والفصد والجراحات ونحوها فإننا لم نتعرض له بالتفصيل وإنما أوردنا بعض الأمثلة وتجنبنا ثلاثة تخصصات هامة. هي جراحة العين وجراحة العظام وأمراض النساء والتوليد رغم أهمية إسهامات الزهراوي في تطور هذه الفروع. وقد اعتمدنا في النصوص الواردة بهذا البحث على النسخ الثلاث من كتاب التصريف التي توفرت لدينا وهي مذكورة في ثبت المراجع (1، 2، 3). الكي كان العلاج بالكي من الطرق الشائعة في الأزمنة القديمة وقد استخدمه الإغريق على نطاق واسع تطبيقا لنظريتهم في الأخلاط والأمزجة، وجاء العرب فطوروا آلاته واستخدموه في علاج كثير من الأمراض، وقد كان من الصعب العثور على تفسير نظري لنجاح هذه الطريقة في تخفيف الآلام إلا أن ظهور " نظرية بوابة التحكم في الألم لملزاك يقدم لنا تفسيرا مرضيا له. والكي من الأساليب العلاجية التي لا غنى عنها اليوم في كافة التخصصات الجراحية وإن كنا بالطبع نستخدم آلات معقدة لتحقيق ذلك. ورغم أن الزهراوي يخصص لهذا الباب ستة وخمسين فصلأ، فسوف نقتصر على إيراد أمثلة قليلة مما احتواه هذا الباب، ليس فقط لأهميتها التاريخية، وإنما أيضأ لتبديد كثير من الأوهام التي تقرن كل تقدم حدث قي الطب بالمائة عام الأخيرة. ففي الفصل السادس عشر يصف الزهراوي كيفية كي جفن العين إذا انقلبت أشفارها إلى داخل فنخست العين، ويورد تفاصيل الكي بدقة بالغة فيجب أولا أن " تعلم على جفن العين بالمداد، علامة على شكل ورقة " آس " ويمضى في وصف الاحتياطات الواجب اتخاذها ومن المؤكد أن مثل هذه الطريقة ليست أفضل طرق العلاج، إلا أنها تؤدي في النهاية إلى ما يؤدي إليه العلاج الجراحي حاليا، وهو استئصال جزء هلالي من الجلد والعضلة المحيطة بالجفن، وهو يختتم هذا الفصل بنصيحة بالغة الأهمية: " واعلم أن أعين الناس قد تختلف في الصفر والكبر، فعلى حسب ذلك فليكن تشميرك، ولي!س بخفي طريق الصواب على من كانت له دربة بهذه الصناعة ". وفي الفصل الحادي والعشرين يصف كيفية استخدام المكواة من خلال أنبوبة من النحاس أو الحديد في كي وجع الضرس " لئلا يصل حر النار إلى فم العليل ". وفي الفصل الثاني والعشرين يصف المكواة المجوفة " منفوذة الطرفين ليخرج الدخان عند الكي من الطرف. الآخر. والفصل الثامن والعشرون ذو أهمية بالغة، فهنا نجد حالة إكلينيكية محددة هي خراج الكبد، يصف لفتحه آلة معينة تتكون- ليس فقط من المكواة المصممة على شكل خاص- وإنما أيضأ الأنبوبة الخاصة بها، وبهذا يجمع الزهراوي في تصميم هذه الآلة صفات الكي والبط وتفريغ الصديد: " إذا عرض في الكبد خراج وأردت أن تعلم إن كان ذلك الورم في لحم الكبد أو في صفاقه فإنه إن كان في لحم الكبد فإنه يجد العليل ثقيلا ووجعا بغير حدة وإن كان في صفاق الكبد كان مع الوجع حدة شديدة ورأيت أنه قد أعيا الأطباء علاجه فينبني أن يستلقي العليل على قفاه ثم تعلم على الموضع الوارم بالمداد ثم تحمى المكواة في النار وهي المكواة التي تشبه الميل وهذه صورتها . وتكويه بها كية واحدة حتى تحرق الجلد كله وتنتهي بالكي إلى الصفاق حتى تخرج المدة كلها ثم تعالجه بعلاج الجراحات حتى يبرأ وهذا النوع من الكي لا ينبغي أن يستعمله إلا من طالت دربته في صناعة الطب وجرت على يديه هذه الأمراض بالتجر بة مرارا فحينئذ يقدم على مثل هذا العمل وتركه عندي أفضل. والواقع أنه لم يحدث أي تقدم حقيقي على طريقة العلاج هذه في حالات خراج الكبد حتى بداية القرن العشرين إلى أن أدخل روجرز أملاح الأمتين لعلاج هذه الحالات، ومن بعده ديبكى (12) الذي أرسى قواعد العلاج المتبعة حاليا. وفي الفصل السادس والثلاثين في كي الناصور الذي يكون في المقعدة ونواحيها " نرى عقلية مخترعة متطورة، فقد جذبت مشكلة ناصور الشرج انتباه كثير من المؤلفين القدامى ولكن فكرة كى الناصور لم تخطر على بال أحد قبل الزهراوي " (24) وما فعله هو أنه استخدم المسبر- الذي كان معروفا من قبل كآلة للاستكشافات فقط- في كي الناصور الشرجى. وفي الفصل الحادي والخمسين، يرسى الزهراوي مبدأ هاما من مبادئ الجراحة فعند فتح الخراج لا بد أن يكون المنفذ إلى أسفل ليسهل خروج الصديد: " إذا حدث بأحد دبيلة... وأردت بطها بالكي، فاحم المكواة التي هذه صورتها: وأنزلها في وسط الدبيلة حتى تنفذ الجلد ولتكن الكية مما يلي الأسفل ليسهل جري القيح ثم تعالجها بما ينبني حتى تبرأ ". نلاحظ من الرسم أن تصميم المكواة نفسها يساعد على فتح نحرج للصديد. والفصل السادس والخمسون على جانب كبير من الأهمية وهو أعم وأشمل مما يدل عليه العنوان " كي النزف الحادث عن قطع الشريان ". " كثيرا ما يحدث نزف الدم من شريان قد انقطع عند جرح يعرض من خارج أو عند شق ورم أو كي عضو ونحو ذلك فيعسر قطعه فإذا حدث لأحد ذلك فأسرع بيدك إلى فم الشريان فضع عليه إصبعك السبابة وشده نعما حتى يحصر الدم تحت إصبعك ولا يخرج منه شىء ثم تضع في النار مكاوي زيتونية صغارا وكبارا عدة فتنفخ عليها حتى تصير حامية ثم تأخذ منها واحدة إما صغيرة وإما كبيرة على حسب الجرح والموضع الذي انفتق فيه الشريان فتنزل المكواة على نفس العرق بعد أن تنزع إصبعك بالعجلة وتمسك المكواة حتى ينقطع الدم فإن اندفع عند رفعك الإصبع ست فم الشريان وطفأ المكواة فخذ مكواة أخرى بالعجلة من المكاوي التي في النار المعدة ولا تزال تفعل ذلك واحدة بعد أخرى حتى ينقطع الدم وتحفظ ألا تحرق عصبا يكون هناك فتحدث على العليل بلية أخرى، واعلم أن الشريان إذا نزف منه الدم فإنه لا يستطاع قطعه ولا سيما إذا كان الشريان عظيما إلا بأحد أربعة أوجه: إما بالكي كما قلنا، وإما ببتره إذا لم يكن قد انبتر فإنه إذا بتر تقلص طرفاه وانقطع الدم، وإما أن يربط بالخيوط ربطا وثيقا، وإما أن توضع عليه الأدوية التي من شأنها قطع الدم والشد بالرفائد شدا محكما ". ويورد الزهراوي في هذا الفصل ربط الأوعية كأحد طرق وقف النزيف لأول مرة في تاريخ الطب ويقرر هارفي أن من أهم أسباب شهرة امبروازياري في القرن السادس عشر هو استخدامه لربط الأوعية الدموية لوقف النزيف بدلا من الكي في حالات البتر وبالإضافة إلى ذلك فالزهراوي يثبت لنا أنه كان على دراية عميقة بفسيولوجية الشرايين لأن القطع الجزئي يستمر منه النزيف أما القطع الكامل فقد يقف معه النزيف تلقائيا. الباب الثاني
يبدأ الزهراوي هذا الباب بمقدمة هامة: " قد ذكرنا في الباب الأول كل مرض يصلح فيه الكي بالنار والدواء المحروق وعلله وأسبابه وآلاته وصور المكاوي وجعلت ذلك فصولا من القرن إلى القدم وأنا أسلك في هذا الباب ذلك المسلك بعينه ليسهل على الطالب مطلوبه ، وقبل أن أبدأ بذلك فينبغي أن تعلموا يا بني أدن هذا الباب فيه من الغرر فوق ما في الباب الأول في الكي ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون التحذير فيه أشد لأن العمل في هذا الباب كثيرا ما يقع فيه الاستفراغ من الدم الذي به تقوم الحياة عند فتح عرق أو شق على ورم أو بط خراج أو علاج جراحة أو إخراج سهم أو شق على حصاة ونحو ذلك مما يصحب كلها الغرر والخوف ويقع في أكثرها الموت، وأنا أوصيكم عن الوقوع فيما فيه الشبهة عليكم فإنه قد يقع إليكم في هذه الصناعة صنوف من الناس بضروب من الأسقام فمنهم من قد ضجر بمرضه وهان عليه الموت لشدة ما يجد من سقمه وطول بليته وبالمرض من التقرر ما يدل على الموت، ومنهم من يبذل لكم ماله ويغنيكم به رجاء الصحة ومرضه قتالا فلا ينبغي لكم أن تساعدوا من أتاكم ممن هذه صفته البتة وليكن حذركم أشد من رغبتكم وحرصكم ولا تقدموا على شىء من ذلك إلا بعد علم يقين يصح عندكم بما يصير إليه العاقبة المحمودة، واستعملوا في جميع علاج مرضاكم تقدمة المعرفة والإنذار بما تؤ ول إليه السلامة فإن لكم في ذلك عونا على اكتساب الثناء والمجد والذكر والحمد. هذه نصائح طبيب حكيم مجرب يحذر تلاميذه من الوقوع فيما لا خبرة لهم فيه ويحذرهم أيضا من خداع المرضى الذين لا أمل في شفائهم واستغلال علمهم في ابتزاز أموالهم، ونبههم إلى أهمية التسلح بالعلم والمعرفة المستقبلية لتطور المرض ". الجراحة العامة يتناول الزهراوي في الفصل الأربعين " بط الأورام وشقها " وفيه يتحدث أساسا عن الأورام الالتهابية، وهو يرسى ثلاثة مبأديء غاية في الأهمية ما زالت تتبع حتى اليوم وتدرس لطلبة الطب مثل: ا- أهمية البط المبكر للخراج الحادث قرب المقعدة. " وإنما وجب أن تبط
الورم نيا غير كامل النضج الذي يكون بقرب المقعدة لئلا يعفن الغور فينفذ
إلى داخل المقعدة فيصير ناصورا ". وفي الفصل الواحد والأربعين في الشق على الأورام التي تعرض في جلدة الرأس نراه يميز بين الكيس الدهني Sebaceous cyst وبين الورم الشحمي Lipoma ويدرك أن كلأ منهما يحيط به صفاق ويؤكد على أهمية استئصال الصفاق جميعه " فكثيرا ما يعود إذا بقي منه شىء. " وفي الفصل الثاني والأربعين- في الشق على الخنازير التى تعرض في العنق فأغلب الظن- من سياق الكلام- أن هذه الخنازير كان يقصد بها تضخم الغدة الليمفاوية، وهو يدرك أن البعض منها قد يكون متحجرا ومنها ما تحوي رطوبات ومنها الخبيث الذي لا يستجيب للعلاج " فما رأيت منها حسنة الحال في اللمس، وكان ظاهريا قريبا من لون الجلد تتحرك إلى كل جهة ولم تكن ملتصقة بعصب العنق ولالائطا بودج ولا شريان ولا كانت غائرة فينبغي أن تشقها بسيطا من فوق إلى أسفل البدن على هذا الشكل من خط " ج " إلى خط " ب " (شكل رقم 3)، وتسلخها من كل جهة وتمد شفتي الجلد بصنارة أو بصنارتين أو بصنانيركثيرة إن احتجت إلى ذلك كما قلنا في أورام الرأس... " ويمضى في وصف تفاصيل الجراحة والاحتياطات اللازمة، وفي النهاية " ينبغي أن تجمع شفتي الجرح وتخيطه من ساعته بعد أن تعلم أنه لم يتبق منه فضلة البتة... ". الفصل الرابع والأربعون: في الشق على الورم الذي يعرض في الحلقوم من خارج ويسمى فيلة الحلقوم في هذا الفصل يتضح لنا تماما أن الزهراوي يتناول حالة جراحية هامة وهي تضخم الغدة الدرقية، فلنقرأ ما ورد فيه: " هذا الورم الذي يسمى فيلة الحلقوم يكون ورما عظيما على لون البدن وهو في النساء كثير وهو على نوعين إما أن يكون طبيعيا وإما أن يكون عرضيأ، فأما الطبيعي فلا حيلة فيه وأما العرضي فيكون على ضربين أحدهما شبيه بالسلع الشحمية والضرب الآخر شبيه بالورم الذي يكون من تعقد الشريان وفي شقه خطر فلا ينبغي أن تعرض لها بالحديد البتة إلا ما كان منها صغيرا أن سبرتها وفتشتها بالمدس فألفيتها تشبه السلعة الشحمية ولم تكن متعلقة بشيء من العر وق فشقها كما تشق على السلع وتخرجها بما يحويها من الكيس إن كانت فى كيس وإلا فاستقص جميعها ثم عالج الموضع بما ينبغي من العلاج ". ويسترعي انتباهنا في هذا النص ملاحظات عديدة، فالورم قد يصل إلى حجم كبير " ولونه على لون البدن " مما ينفي احتمال كونه نتيجة التهاب، وهو في النساء كثير" وهي حقيقة إحصائية، وهو على نوعين "إما أن يكون طبيعيا " أي خلقيا " وإما أن يكون عرضيا أي مكتسبا ، والأخير على ضربين إحداهما شبيه بالورم الذي من تعقد الشريان وفي شقه خطر " ومن الواضح تماما أنه يقصد بذلك تضخم الغدة الدرقية التسممي ، ففي هذه الحالة تتضاعف إمدادات الدم إلى الغدة الدرقية لدرجة هائلة بحيث تصبح الغدة كلها كما لو كانت ورما وعائيا . وهو في هذه الحالة ينصح بتجنب الجراحة، وأوضح أيضأ أنه اقتصر في جراحاته على ما نسميه الآن بالغدة الدرقية. قارن ذلك بما كتبه صامول كروس، أحد مشاهير الجراحين الأمريكيين خلال القرن التاسع عشر- كضب كروس سنة 1866 " هل يمكن إزالة الغدة الدرقية المتضخمة بالجراحة؟ إن التجربة تبين لنا أن الإجابة هي على وجه التأكيد بالنفي أما إذا كان الجراح، طائشا لدرجة محاولة هذه الجراحة فسوف يكون محظوظا لو عاش ضحيته حتى يكمل هذه المجزرة. ان أي جراح أمين وعاقل ينبغي له أن يتجنب إجراء هذه العملية". لقد مرت تسعة قرون كاملة منذ أن أجرى الزهراوي أول جراحة على الغدة الدرقية قبل أن يحدث تقدم حقيقي في هذا الفرع الهام من الجراحة على يد كل من هالستد والذي اعترف بفضل الزهراوي وسبقته وتيودور كوخر . فإذا انتقلنا إلى الفصل التاسع والأربعين، في شق الورم، الذي يعرض من قبل الشريان أو الوريد ويسمى أنورسما نجد مفاجأة أخرهما في انتظارنا: " إذا جرح الشريان والتحم الجلد الذي فوقه فكثيرا ما يعرض من ذلك ورم وكذلك يعرض أيضأ للوريد أن يعرض فيه نفخ وورم، والعلامات التي يعرف بها إن كان الورم والنفخ من قبل شريان أو من قبل وريد فالورم إذا كان من قبل الشريان يكون مستطيلا مجتمعا في عمق الجسد وإذا دفعت الورم بإصبعك تحس به كأن له صريرا والذي يكون من قبل الوريد يكون الورم مستديرا في ظاهر الجسد، والشق على هذه الأورام خطر ولا سيما ما كان في الإبط والأربية والعنق وفي مواضع كثيرة من الجسد وما كانت عظيمة جدا فينبغي أن يجتنب علاجها بالحديد وما كان منها أيضا في الأطراف أو في الرأس فينبغي أن تجتنب، فما كان منها من انتفاخ ورم الشريان فشق عليه في الجلد شقا بالطول ثم تفتح الشق بصنارات ثم اسلخ الشريان وخلصه من الصفاقات حتى ينكشف ثم تدخل تحته إبرة وتنفذها إلى الجانب الآخر وتشد الشريان بخيط مثني في موضعين على ما عرفتك في سل الشريانين اللذين في الأصداغ ثم مخز بمبضع الموضع الذي بين الرباطين حتى يخرج الدم الذي فيه كله وينحل الورم ". وهكذا نتأكد أن الزهراوي يدرك تماما أن الإصابة هي من أسباب الأنيورزم. وان الصرير من علاماته، وقد سبق أن رأينا في الحديث عن باب الكي أنه سبق امبرواز باري في استخدامه لربط الأوعية الدموية كطريقة من طرق وقف النزف، والآن يتضح لنا أن الزهراوي سبق أيضا جون هنتر والذي كان أهم ما اشتهر به هو ربط الأوعية الدموية في حالات الأنيورزم أو التمدد الوعائي، واعتبر ذلك أعظم تقدم علاجي في القرن الثامن عشر وبداية حقيقية لانطلاق الجراحة يا القرن التاسع عشر. وفي الفصل الثاني والخمسين يتناول الزهراوي علاج نتوء السرة، أو ما يسمى اليوم بالفتق السري فيبدأ أولا بمناقشة التشخيص التعريفي ثم يمضى في وصف تفاصيل إجراء العملية الجراحية: " يكون نتوء السرة من أسباب كثيرة إما من انشقاق الصفاق الذي على البطن فيخرج منه الثرب أو الماء على ما يعرض في سائر الفتوق وإما من دم ينبعث من وريد أو شريان على ما تقدم وإما من ريح تحتقن فيه، فإن كان من قبل انشقاق الصفاق وخروج الثرب فإنه يكون لون الورم شبيها بلون الجسد ويكون لينأ من غير وجع ويظهر مختلف الوضع وإن كان من قبل خروج الماء فيكون وضعه مع ما وصفنا أشد اختلافا فإذا كبسته بإصبعك يغيب ثم يرجع وربما كان معه قرقرة و!يعظم كثيرا عند دخول الحمام والتعب الشديد، فإن كان من قبل الى طوبة فإنه يكون لينأ لا يغيب إذا كبسته بيدك ولا يزيد ولا ينقص، فإن كان من قبل الدم فإنه مع هذه العلامات يظهر الورم إلى السواد، فإن كان من قبل لحم نابت فيكون الورم جاسيا صلبا ويثبت على قدر واحد، فإن كان من قبل الريح كان لمسه لينأ، والعمل في ذلك أن تنظر فإن كان نتوء السرة من قبل دم الشريان أو الوريد أو الرسخ فينبغي أن تمتنع من علاجه فإن في ذلك خوفا وغررا كما أعلمتك في الباب الذي ذكرت فيه الأورام التي تحدث من قبل الشريان والوريد، فإن كان نتوء السرة من قبل المعاء أو الثرب فينبغي أن تأمر العليل بأن يمسك نفسه ويقف واقفا ممتدا ثم تعلم بالمداد حوله السرة كلها ثم تأمره أن يستلقي بين يديك على ظهره ثم تحز بمبضع عريض حول السرة على الموضع الذي علمت بالمداد ثم تمد وسط الورم إلى فوق بصنارة كبيرة ثم تربط موضع الحز بخيط قوي أو بوتر حرير ربطا وثيقا ويكون عقد الرباط أنشوطة ثم تفتح وسط الورم المشدود فوق الرباط وتدخل فيه إصبعك السبابة وتطلب المعاء فإن وجدته قد أخذه الرباط فأرخ الأنشوطة وادفع المعاء إلى داخل البطن وإن وجدت ثربا فمده بصنارة واقطع فضلته 4 فإن اعترضك شريان أو وريد فاحزمه نعما" وارجع إلىعلمك وخذ إبرتين فأدخل فيهما خيطين قويين وتدخل الإبرتين في الحز الذي صنعت حول الورم،مصلبتين قد أنفذتهما، ثم تشد الورم في أربعة مواضع على الإبر...... ". إن المبدأ الأساسي في جراحة الفتق السري يبقى كما وصفه الزهراوي منذ عشرة قرون وهو إرجاع محتويات الفتق إلى داخل تجويف البطن ثم رتق الفتق، وقد أدخل (مايو) طريقته المشهورة في رتق الفتق السري عام 1907 ومع ذلك فإن فاريس (13) في سنة 1964 يقرر أن طريقة (مايو) ليست ضرورية في رتق الفتق السري ويبني رأيه هذا على نتائج تجاربه على الحيوانات بالإ ضافة إلى خبرته على الإنسان وهو يؤكد أن الرتق الأفقي البسيط يعطي نتائج جيدة، وأغلب الظن أن النتائج الجيدة بطريقة مايو تعتمد أكثر ما تعتمد على التقدم الذي حدث في نوعية الخيوط الجراحية وطرق التخدير والتعقيم. وفي الفصل الثالث والخمسين يتناول الزهراوي علاج السرطان فيقول: " وذكرت الأوائل أنه متى كان السرطان في موضع يمكن استئصاله كله، كالسرطان الذي يكون في الثدي أو في الفخذ ونحوها من الأعضاء المتمكنة لإخراجه بجملته ولا سيما إذا كان مبتدئا صفيرا فلتفعل، وأما متىقدم وكان عظما فلا ينبغي أن تقر به فإني ما استطعت أن أبرئ منه أحدا ولا رأيت قبلي غيري وصل إلى ذلك، والعمل فيه إذا كان ممكنا كما قلنا، أن تتقدم فتسهل العليل من المرة السوداء مرات ثم تفصده إن كان في العروق امتلاء بين ثم تنصب العليل نصبة يتمكن فيها بالعمل، ثم تلقي في السرطان الصنانير التي تصلح له ثم تقوره من كل جهة مع الجلد على استقصاء حتى لا يبقى شىء من أصوله واترك الدم يجري ولا تقطعه سريعا بل اعصر المواضع واسلت الدعم الغليظ كله بيدك أو بما أمكنك من الآلات، فإن اعترضك في العمل نزف دم عظيم من قطع شريان أو وريد فاكو العرق حتى ينقطع الدم ثم عالجه بسائر العلاج إلى أن يبرأ ". وتستوقفنا في هذا الفصل
عدة ملاحظات، فالزهراوي يبدأ بذكر أفضل ما تركه الأواثل، فلم يكن
والملاحظة الثانية أنه يثري معارف القدماء بخبراته وتجاربه، بأمانة وصدق وتجرد. ولنا أن نتساءل، ولم
إسهال المريض؟ وما فائدة فصده، إن الإجابة على التساؤل الأول قد تجرنا
وأخيرا فلنلاحظ ما ذكره عن أهمية وضع المريض، وضرورة استئصال الجلد المغطي للورم السرطاني بحيث يجب ألا يترك شيء من أصوله. وفي الفصل الرابع والخمسين نجد وصفا دقيقا لطريقة بزل الاستسقاء " الحبن " باستخدام مبضع شوكي (شكل رقم 4) محدد الطرف كالمبضع إلا أن فيه بعض الفطس قليلا لئلا تجور به عند العمل إلى المعاء فتؤذيه.. ثم تثقب بالآلة الجلد كله ثم تدخل الآلة في ذلك الشق وترفع يدكبال مبضع بين الجلد والصفاق كأنك تسلخه ويكون القدر الذي تسلخه قدر الظفر أو نحوه، ثم تثقب الصفاق حتى يصل المبضع إلى موضع فارغ وهو موضع الماء ثم تخرجه وتدخل في الثقب الآلة التى هذه صورتها (شكل رقم ه) وهي شبه أنبوبة من قصبة رقيقة تصنع من فضة آو من نحاس، ملساء مصقولة أني أسفلها ثقب صغير وفي جوانبها ثلاث ثقب الاثنتان من جهة والواحدة من جهة، وقد يصنع طرفها مبريا على هيئةبرية القلم وهذه صورتها: (شكل رقم 6) في طرفها الأعلى حلقة، فإن الآلة إذا وصلت إلى الماء فإنه ينزل من ساعته على الآلة فتستفرغ من الماء في الوقت قدرا متوسطا لأنك إن استفرغت منه أكثر مما ينبغي في الوقت فربما مات العليل... ثم تخرج الآلة وتحبس الماء وذلك انه يحتبس من ساعته بسبب الجلد الذي يمسك الثقب الذي على الصفاق الذي أخبرت أن تبطه على تلك الصفة... " ما من شك في أن خبرة
الزهراوي هي التي مكنته من الكتابة بهذه الدرجة من الدقة والوضوح
وفي الفصل الخامس والستين-
في علاج الأدرة المعائية - يبهرنا الزهراوي بدقته وواسع خبرته
" حدوث هذه الأدرة من
شق يعرض في الصفاق الممتد على البطن في نحو الإبربتين من مراق البطن
فينصب المعاء من ذلك الفتق إلى أحد الإنثيين وهذا الفتق يكون إما من
شق الصفاق وإما من امتداده ويحدث هذان النوعان من أسباب كثي؟ إما ضربة
أو وثبة أو صيحة أو رفع شىء ثقيل ونحو ذلك وعلامته إذا كان من امتداد
الصفاق أن يحدث قليلا قليلا في زمن طويل ولا يحدث بغتة ويكون الورم مستويا
إلى نحو العمق من قبل أن الصفاق يعصر المعاء، وعلامته إذا كان من شؤم
الصفاق أنه يحدث من أوله وجعا عظيما دفعة ويكون الورم مختلفا ظاهرا تحت
الجلد بالقرب وذلك بخروج المعاء ومصيره إلى خارج من الصفاق، وقد يخرج
مع المعاء الثرب فتسمى هذه الأدرة معائية وثربية وقد تكون مع ريح، وقد
يجري في المعاء الزبل ويحتبس هناك فيكون معه هلاك العليل لأنه يحدث وجعا
صعبا وقرقرة ولا سيما إذا عصر، وعلاج أنواع هذه العلة بالحديد خطر فينبغي
أن تحذر الوقوع فيه، وصفة العمل أن تأمر العليل أن يرد المعاء إلى داخل
جوفه إن تأ"ني للرجوع ثم يستلقي على قفاه بين يديك ويرفع ساقيه ثم تمد
الجلد الذي يلي الاربية إلى فوق وتشق جلدة الخصي كلها بالطول ثم تغرز
في شفتي الشق صنارات على قدر ما يحتاج لفتح الشق بها ويكون الشق على
قدر ما يمكن أن تخرج منه البيضة، ثم تسلخ الصفاقات التي تحت جلدة الخصي
حتى إذا انكشف الصفاق الأبيض الصلب من كل ناحية فحينئذ فادخل إصبعك السبابة
فيما يلي البيضة فيما بين الصفاق ويتضح لنا من هذا الفصل أنه استطاع أن يفرق بين الفتق الاربي المائل وبين الفتق الاربى المباشر، وأنها استطاع- ولا بد أن ذلك قد تأتى له من خبرته الجراحية الواسعة- أن يدرك أن محتويات الفتق قد تكون أمعاء أو ثربا ، وأنه كان يعلم أن انسداد الأمعاء قد يحدث كأحد مضاعفات الفتق. ومع فرق واحد- هو عدم استئصال الخصية- فالواقع أن العملية التي وصفها الزهراوي هى ما نطلق عليه الآن عملية استئصال الفتق Herniotomy وهو ما نقتصر عليه حتى اليوم في علاج الفتق عند الأطفال أما الشق الثاني من العملية والذي نجريه اليوم للكبار Herniorrhaphy فلم يعرف إلا على يد باسيني في سنة 1884 بعد تقدم المعرفة بتشريح جدار البطن. وفي الفصل الخامس والثما
نين يتناول " جراح البطن وخروج المعاء وخياطتها ". فينصح بتدفئة
" وأما إذا كان الخرق
واسعا وكان في أسفل البطن، فينبغي أن يضجع العليل على ظهره ويجعل
" وهو أن تأخذ إبرة
أو عدة إبر على قدر سعة الجرح ثم تترك من طرف الخرق قدر غلظ الخنصر
وهناك طريقة أخرى هي:- " أن تجمع بالخياطة
الحواشي الأربع أعني حاشيتي الجلد وحاشيتي الصفاق في مرة واحدة
ثم يصف خبرته في الجروح التي قد تحدث في الأمعاء: إ.. " ذكر الجرح الذي يعرض
في المعاء ، فأما إذا عرض خرق في المعاء وكان صغيرا فقد يمكن أن ينجبر!
ولأول مرة في تاريخ
الطب يورد استخدام الكاتجت في خياطة الأمعاء فيقول: ولا أجد أفضل ما أختتم به هذا الجزء من البحث من إيراد نص كامل عن حالة إكلينيكية ذكرها الزهراوي في الفصل السادس والثما نين وهي حالة التهاب مزمن بالعظم مصحوب بنواسير: " وأنا أخبرك بزكام كان قد عرض لرجل في ساقه لتجعله مثالا وعونا على علاجك، كان هذا الرجل حدث السن في نحو الثلاثين عاما قد عرض له وجع في ساقه عن سبب تحرك عليه من داخل البدن حتى اتصلت المواد إلى الساق !تورم ورما عظيما ولم يكن سبب من خارج ثم تمادى به الزمان مع خطأ لأطباء حتىانفتح الورم وجرت منه مواد كثيرة وأسيء لا علاجه حتى تزكم الساق وصارت فيه أفواه كثيرة كلها تمد القيح ورطوبات البدن فعالجه جماعة من الأطباء نحو عامين ولم يكن فيهم حاذق بصناعة اليد حتى قصدنى فرأيت ساقه والمواد تسيل من تلك الأفواه سيلانا عظيما والرجل قد نحل جسمه واصفر لونه فأدخلت المسبار في أحد تلك الأفواه فأفضى المسبار إلى العظم ثم فتشت الأفواه كلها فوجدتها تفضى بعضها إلى بعض من جميع جهات الساق فبدرت فشققت على أحد تلك الأفواه حتى كشف بعض العظم فوجدته فاسدا قد تآكل واسود وتعفن وتثقب حتى نفذت الثقب إلى المخ فنشرت ما انكشف لي وتمكن من العظم الفاسد وأنا أظن أن ليس في العظم غير ذلك الفساد الذي قطعت ونثرت وإني قد استأصلته، ثم جعلت أجبر الجرح بالأدوية الملحمة مدة أطول فلم تلتحم ثم عدت فكشفت عن العظم ثانية فوق الكشف الأول فوجدت الفساد متصلا بالعظم فنشرت ما ظهر لي أيضا من ذلك الفساد ثم رمت إجباره فلم ينجبر ولا التحم ثم كشفت عليه أيضأ فلم أزل أقطع جزءا جزءا وأروم جبره فلا ينجبر حتى قطعت من العظم نحو شبر وأخرجته بمخه ثم جبرته بالأدوية فالتحم سريعا وبرئ وإنما وجب هذا التكرار في عمله وشقه لحالة ضعف العليل وقلة احتماله وخوفي عليه الموت لأنه كان يحدث له في كل الأوقات من إفراط الاستفراغ غثير ديء فبرئ برءا تاما ونبت في موضع العظم لحم صلب وصلحت حاله في جسمه وتراجعت قوته وتصرف في أحواله ولم تعترضه في المشى آفة تضر به البتة ". جراحة المسالك البولية كان الزهراوي جراحا شاملا بمفهوم أوسع مما كان سائدا في الثلاثينات من هذا القرن، قبل أن تنفصل عن الجراحة العامة مختلف التخصصات التى نعدها اليوم، فقد كانت جراحة العين وأمراض النساء والتوليد تدخل ضمن اهتماماته ومع ذلك فإن إسهاماته في كافة هذه الفروع ما زالت واضحة جلية وإن كانت كلها أو أغلبها أصبحت تنسب لغيره. وسوف نقتطف مما ورد في كتاب الزهراوي خاصة بجراحة المسالك البولية بعض الأمثلة التي تدل على أصالته وقدرته على الابتكار. فالقسطرة اختراع إغريقي بدليل استخدام الزهراوي لهذه الكلمة، ومع ذلك فانظر كيف يصف الزهراوي بدقة بالغة كيفية إدخالها (الفصل الثامن والخمسون في علاج البول المحتبس في المثانة). " فإن لم ينطلق البول
بما ذكرنا واشتد الأمر على العليل فينبغي أن تستعجل إخراجه بالآلة التي
تسمى قثاطر تصنع من فضة وتكون رقيقة ملساء مجوفة كأنبوب ريش الطير في
رقة الميل طويلة في نحو شبر ونصف لها قمع لطيف في رأسها، ووجه جذب البول
أن تأخذ خيطا مثنيا وتربط في طرفه صوفة أو قطنة ربطا جيدا وتدخل طرف
الخيط في أسفل القثاطير وتقرض بمقراض إن فضاء شىء من الصوفة لكي تدخل
في الأنبوب تسده كالذر، ثم تدهن القثاطير بزيت) و بزبد أو بياض البيض
وتجلسه العليل على كرسيى وتنطل مثانته وإحليله بالأدهان الرطبة أو الزيت
والماء الفاتر، ثم تدخل القثاطير في المحليل برفق حتى يصل إلىأصل الإحليل
ثم تثني الإحليل إلى فوق إلى ناحية السرة ثم تدفع القثاطير في داخله
حتىإذا تم تثني المحليل، ثم تدفع القثاطير إلى داخل حتى إذا وصل قريبا
من المقعدة تميل ولأول مرة في تاريخ الجراحة يصف الزهراوي (الفصل التامعوالخمسون) كيفية غسيل المثانة ويخترع لذلك آلة ستحدث فيما بعد ثورة فى الطب: " إذا عرض في المثانة قرحة أو جمد فيها دم أو احتقن فيها قيح وأردت أن تقطر فيها المياه والأدوية فيكون ذلك بآلة تسمى الزراقة تصنع من فضة أو من عاج مجوفة لها أنبوبة طويلة على رقة الميل مجوفة كلها إلا الطرف فإنه مصم فيه ثلاث ثقب اثنتان من جهة وواحدة من جهة أخرى كما ترى والموضع الأجوف الذي فيه المدفع يكون على قدر ما يسده بلا مزيدحتى إذا جذبت به شيئا من الرطوبات انجذبت وإذا دفعت إلى بعد على ما تصنع النضاحة التي يرمي بها النفط في حروب البحر، فإذا أردت طرح الرطوبات في المثانة أدخلت طرف الزراقة في الرطوبة ،-جذبت بالمدفع إلى فوق فإن الرطوبة تنجذب في جوف الزراقة ثم تدخل طرفها في الإحليل على حسب ما وصفنا في القثاطير ثم تدفع الرطوبة بالمدفع فإن تلك الرطوبة تصل إلى المثانة على المقام حتى يحس بها العليل. ومن الجلي أن زراقة الزهراوي هي الحقنة العادية التي نستخدمها اليوم، فإذا أضيف إليها الإبرة يمكن إدخال الأدوية بواسطتها إلى داخل الجسم. " ترى هل من المبالغة أن نقارن أهمية هذا الاختراع في الممارسة الطبية بأهمية اختراع العجلة في تطور الحضارة الإنسانية؟ ويبدأ الزهراوي الفصل الستين في إخراج الحصاة- بملاحظات إكلينيكية هامة، فيقول: " إن الحصاة المتولدة في المثانة كثر ما تعرض للصبيان ومن علاماتها أن البول يظهر فيه الرمل ويحك ذكره ويعبث به وتبر ز المقعدة في كثير منهم… فإذا صرنا إلى العلاج فينبغي أولا أن يحقن العليل بحقنة تخرج جميع الزبل الذي في معائه فإنه قد يمنع وجود الحصاة عند التفتيش". ثم يمضى الزهراوي ليصف في تفصيل ودقة الوضع الأمثل للمريض ودور المساعدين وينتقل بعد ذلك إلى وصف إجراء العملية نفسها ويحدد بدقة بالغة مكان الشق على العجان ودور المساعدين في كل مرحلة من المراحل وما يمكن أن يصادف الجراح من مشاكل، والاحتياطات الواجب اتباعها. " فإن كانت الحصاة عظيمة جدا فإنه جهل أن يشق عليها شقا عظيما لأنه يعرض للعليل أحد أمرين، إما أن يموت وإما أن يحدث له تقطير البول والأفضل أن: " تتحيل في كسرها بالكلاليب حتى تخرجها قطعا ". وهو أول وصف في التاريخ الطبي لما نسميه الآن عملية تفتيت الحصاة فإن كانت الحصاة صغيرة وصارت في مجرى القضيب ولشبت فيه وامتنع البول من الخروج فعالجها بما أنا واصفه قبل أن تصير إلى الشق فكثير أما استغنيت بهذا العلاج عن الشق فتمد جربت ذلك وهو أن تأخذ مشعبا من حديد الفولاذ تكون مثلث الطرف حاد مغروز في عود، ثم تأخذ خيطا وتربط به القضيب تحت الحصاة لئلا ترجم إلى المثانة ثم تدخل المشعب في الإحليل وبرفق حتى يصل المشعب إلى نفس الحصاة وتدير المشعب بيدك في نفس الحصاة قليلا وأنت تروم ثقبها من الجهة الأخرى فإن البول ينطلق من ساعته ثم تزم يدك على ما بقى من الحصاة من خارج القضيب فإنها تتفتت وتخرج مع البول ويبرأ العليل. ولا تقف عبقرية الزهراوي عند ذلك بل هو يمضى قائلا:- " فإن لم يتهيأ لك هذا العلاج لعائق يعوقك عن ذلك فاربط خيطا تحت الحصاة وخيطا آخر فوق الحصاة ثم تشق على الحصاة في نفس القضيب بين الربطتين ثم تخرجها ثم تحل الرباط وتنقي الدم الجامد الذي سار في الجرح، وإنما وجب ربط الخيط تحت الحصاة لئلا ترجع إلى المثانة والربط الآخر من فوق لكيما إذا حل الخيط بعد خروج الحصاة يرجع الجلد إلى مكانه فيغطي الجرح ولذلك ينبغي لك إذا ربطت الخيط الأعلى أن ترفع الجلد إلى فوق ليرجع عند فراغك ويغطي الجرح كما قلنا ". وأخيرا نختتم هذا الجزء من البحث بالفصل الثاني والستين في الشق على الأدرة المائية. " الأدرة المائية إنما هي اجتماع رطوبة في الصفاق الأبيض الذي يكون تحت جلدة الخصي المحيطة بالبيضة وتسمى الصفن وقد يكون في غشاء خاص له تهيئه الطبيعة في جهة من البيضة حتى يظن أنه بيضة أخرى ويكون بين جلدة الخي وبين الصفاق الأبيض الذي قلنا ولا يكون ذلك إلا في الندرة، والعلامات التي يعرفها بها حيث اجتماع الماء فإنه إن كان في الصفاق الأبيض الذي قلنا فالورم يكون مستديرا إلى الطول قليلا كشكل بيضة ولا تظهر الخصية لأن الرطوبة تحيط بها من جميع النواحي، وإن كانت الرطوبة في غشاء خاص لها فإن الورم يكون مستديرا بجهة من البيضة ولهذا يتوهم الإنسان أنها بيضة أخرى وإن كانت الرطوبة بين جلدة الخصي والصفاق الأبيض فإنه يقع تحت الحس، واما إذا أردت معرفة لون الرطوبة فاسبر الورم بالمدس المربع الذي تقدمت صورته فما خرج في إثر المدس حكصت عليه بما داخله. فإذا صرنا إلى العلاج بالحديد... فلتأخذ مبضعا عريضا وتشق جلدة الخصي من الوسط بالطول إلى قريب أن العانة وتصير الشق على استقامة موازيأ للخط الذي يقسم جلدة الخصي نصفين حتى يصل إلى الصفاق الأبيض الحاوي فتسلخه وتحفظ من أن تشقه ويكون سلخك له من الجهة التى تلصق بالبيضة أكثر وتستقصي السلخ على قدر ما يمكنك، ثم تبط الصفاق المملوء ماء بطا واسعا وتخرج جميع الماء، ثم تفرق بين شفتي الشق بصنارات وتمد الصفاق إلى فوق، ولا تمسك جلدة الخصى الحاوية وتقطع الصفاق كيف ما أمكنك قطعه إما بجملته وإما قطعا ولا سيما جانبه الرقيق فإنك إن لم تستقص قطعه لم تأمن الماء أن يعود، فإن برزت البيضة إلى خارج عن جلدها في حين عملك فإذا فرغت من قطع الصفاق فردها ثم اجمع شفتى جلدة الخصي بالخياطة ثم عالجه علاج سائر الجراحات حتى يبرأ ". ومن الواضح أنه يفرق بين حالات ثلاث القيلة المائية ويصف علاماتها بدقة والكيس المنوي والأسباب الأخرى لتورم الصفن كما يحدث في هبوط القلب أو بعض أمراض الكلى وغير ذلك من أسباب، أما طريقة إجراء العملية الجراحية في يومنا هذا فلا تكاد تفترق عما وضعه الزهراوي من عشرة قرون مضت. جراحة التجميل ليس من المبالغة أن نقرر أن الزهراوي كان الرائد الأول، لجراحة التجميل فالآلات الجراحية العديدة التي اخترعها ما زلنا نستخدم معظمها حتى اليوم وإن كان يطلق على الكثير منها أسماء جراحين أتوا من بعده بقرون طويلة. والتعليم بالمداد قبل إجراء العملية الجراحية شرط جوهري لتحقيق الدقة التي تميز هذا التخصص الدقيق، وتكاد تكون هذه الخطوة إجراء روتينيا في العديد من جراحاته. وفضلا عن هذا وذاك فهناك وصف دقيق للكثير من العمليات الجراحية- التي أصبحت مع شىء من التطوير والإضافة- جزءا من الممارسة اليومية لهذا التخصص، وسوف نورد فما يلي أمثلة لذلك: ففي الفصل الحادي عشر يرسى الزهراوي مبادئ هامة من مبادئ جراحة التجميل ووصفه لأحد ضروب تخمير العين يماثل إلى حد كبير ما نمارسه اليوم عند إجراء هذه العملية. " إذا نبت في جفن العين أشفار زائدة على غير المجرى الطبيعي تحت الأشفار الطبيعية وأزمنت فإنها تضر بالعين وتحدث ضروبا من الأمراض كالدمع الدائم واسترخاء الأجفان والبياض والغلظ حتى يكون ذلك سببا لبطلان العين، وتشمير العين على أربعة أوجه إما بالكي بالنار وإما بالدواء الحاد على ما تقدم في باب الكي وإما أن يكون التشمير بالقطع والخياطة أو بالقصب على ما أنا ذاكره: ينبغي أن تجعل رأس العليل في حجرك ثم تقلب جفن العين بيدك اليسرى فإن انقلب وإلا فأدخل إبرة فيها خيط من أسفل الجفن وتنفذ الإبرة بالخيط من فوق ويكون ذلك قرب الشعر نفسه وتجذب الخيط إلى فوق بالجفن وتقلبه بالمرود ثم تشق في باطن الجفن دون الشعر الزائد بالمبضع النشل من المآق الأصغر ثم تسل الخيط وتضع تحت الجفن رفادة صغيرة من قطن أو خرقة ثم تعلم على الجفن بالمداد مثل شكل ورقة الأس، إلا أنه ينبغي أن يكون الشكل على قدر ما تريد من رفع الجفن لأنه قد يختلف في ذلك الناس فمنهم من يحتاج إلى أن تقطع من الجفن قدرا صالحا على قدر ما استرخى الجفن ومنهم من يحتاج إلى قطع أقل كل ذلك على قدر استرخاء الجفن، ثم تشق بالمبضع على الخطين اللذين علمت وتبدأ من المآق الأكبر إلى المآق الأصغر ويكون الشق الواحد بالقرب من الشعر الطبيعي بمثل غلظ المرود ثم تدخل الصنارة في أحد زاويتي الجلد ثم تسلخه كله ثم تجمع بالخياطة الشفتين بإبرة وخيط صوف رقيق وتمسح الدم وتلصق ما فضل من الخيوط على الحاجبين ببعض الأشياء المتدبقة ان شئت أن تفعل ذلك وإلا فلا تبالي، ثم تبقى الخياطة والخيوط إلى نحو ثلاثة أيام أو أربعة ثم تعالجه وإن شئت تركت الجرح من غير خياطة وتعالجه بما يجفف ويقبض فإن الجفن يرتفع عند ختم الجرح وإجماعه بالخياطة أفضل، فهذا الوجه من التشمير ذكرته الأوائل فيه مرونة على العليل وهو من جيد العمل ولا خطر فيه، ووجه آخر في التشمير أيضا هو أن تعلم على الجفن شكلا كشكل ورقة الآس كما وصفنا ثم ترفع بثلاث صنانير تكون مفرقة أو مجموعة على هذه الصورة (شكل رقم 11) ثم تقطع ما فضل من الجفن بمقص صغيرة على هذه الصورة (شكل رقم 12) قطعا باعتدال. فإن لم يمكنك حبس الصنانير ولم تستو ت لن فخذ إبرة فيها خيط وادخلها في وسط الشكل وادخل خيطا آخر قرب المآق الأكبر وخيطا ثالثا قرب المآق الأصغر واجمع بين أصابعك الخيوط باعتدال ثم ارفع بها يدك رفعأ معتدلأا وارفع الجلدة المعلم عليها كلها كما وصفنا ثم اجمع شفتي الجرح بالخياطة وعالجه حتى يبرأ. " والتشمير بالقصب يكون على هذه الصفة وهو أن تقلب الجفن وتشق الشق الذي من داخل على ما وصفت ثم تصنع قصبتين أو خشبتين رقيقتين طولهما على طول الجفن وعرضهما أقل من عرض مبضع وقد قرضت في أطرافها من كلتا الجهتين حيث تتمسك الخيوط ثم تجمعهما بلطف على ما فضل من جفن العين وتشد القصبتين من كلتا الجهتين شدا وثيقا وتتركه أياما فإن الجلدة المشدودة تموت وتسود وتعفن حتى تسقط من ذاتها فإن أبطأت فاقرضها بالمقراض ثم تعالجه حتى يبرأ، فإذا التحم ارتفع الجفن ولم تنخس الأشفار العين، وهذه صورة القصبتين تصنعها على هذا الشكل وهذا المقدار الطول والعرض بعينه ". ومن قراءة هذا النص ندرك على الفور أن الزهراوي كان يتصف بالأمانة العلمية فهو يعترف بفضل الأوائل ثم ها نحن نرى آلات جراحية لم تكن معروفة من قبل فهناك مبعد للجفن ذي خطاطيف أوصنانيرلتمسك بالجفن العلوي، وتتميز هذه الصنانير بنهايات زيتونية لا تسبب أذى للعين. وهناك أيضأ المقص الدقيق الذي لم يسبق لأحد من قبل أن وصف مثله، فضلا عن إيراد رسم. ويتناول الزهراوي في الفصل الرابع عشر العلاج الجراحى للشترة أو قصر الجفن ومرة أخرى نرى عبقريا فذا ورائدأ من رواد جراحة التجميل: " وهذه الشترة التي تكون من أسفل هي التي تسمى بالحقيقة شترا وتكون طبيعية وتكون عرضية فالعرضية تكون من جرح) و شق أو كي ونحو ذلك وطريق العمل فيها أن تأخذ إبرة فيها خيط مثني وتغرزها في اللحم وتنفذها من المآق الأيسر إلى المآق الأيمن حتى تصير الخيط في طرفي اللحم ثم تمد اللحم إلى فوق بالإبرة وتقطعه بمبضع عريض فإن رجع شكل الجفن على ما ينبغي وإلا فتأخذ مرودا وضعه على موضع الشق وتقلب به الجفن وتثق شقين في الجانب الداخل من الجفن وتكون أطراف الشقين من زاويتي القطع حتى تلتقي فتكون منها زاوية حتى إذا اجتمعت يصير شكلها شبيها بهذا الشكل، وهو حرف اللام اليوناني، ثم تنزع ذلك اللحم بقدر ما يكون الجانب الحاد منه أسفل مما يلي الجفن، ثم تجمع الأجزاء المتفرقة بخياطتين تخيطه بخيط صوف ثم تعالجه بما ذكرنا من الأدوية المرخية والفتل حتى يبرأ، وإن كانت الشترة عرضت من شق أو خياطة أو كي فينبغي أن تشق شقا بسيطا من دون شعر الأشفار أيضأ على ما تقدم ثم تفرق الشفتين بفتل على ما ذكرنا، وجملة القول في علاج الشترة إذا كانت من فوق أو من أسفل أن تجري فيها العمل على حسب ما يتهيأ لك من هيئة الشترة فإنها قد تكون كثيرة الاختتلاف في الصورة، والصانع الدرب يدبر الحيلة بأي وجه أمكنه حتى يرد الشكل على هيئته الطبيعية أو يقاربها ونفس المرض يدلك على ما يصلح له من العمل والآلة في أكثر الأحوال ". في هذا الفصل يتناول الزهراوي حالة بالغة الدقة وهي انقلاب الجفن السفلي للخارج، ويبدأ بالقول بأنها تكون طبيعية أو عرضية وهو قول مدهش حقا لأنه وإن كان المعروف أنها قد تحدث خلقيا إلا أن ذلك نادر للغاية ولا يكاد يدري بذلك إلا المتخصصون، ومع ذلك فالزهراوي على علم به، فإذا تابعنا تفاصيل عمليته الجراحية وجدنا أنفسنا أمام جراح فذ، ورغم أن المبدأ الأساسي لهذه العملية يبدو سهلا وبسيطا وهو استئصال مثلث تتجه قمته نحو قبوة العين إلا أن هذا المبدأ على بساطته من أهم مبادئ جراحة التجميل والمصلاح، ومع إضافة بسيطة فإن هذه العملية معروفة الآن باسم عملية كونت- زيمانوفسكي في مراجع جراحة التجميل . ثم تأمل ما يختتم به هذا الفصل، إنها دعوة صريحة لإعمال العقل والفكر وتنمية ملكة الابتكار والقدرة علىالتصرف المناسب في الظروف المختلفة. فالزهراوي يدرك أن الجراح الماهر يحتاج إلى كل هذه الصفات. وفي الفصل السادس والعشرين والذي يتناول خياطة الأنف والشفة والأذن إذا تفرق اتصالها عن جرح أو نحو ذلك يرسي الزهراوي مبدأين هامين من مباديء الجراحة: المبدأ الأول: هو ضرورة
الخياطة الأولية للجروح الحديثة والتي لم يمض على حدوثها سوى ساعات قليلة.
وفضلا عن ذلك فهو يدرك
صعوبة التئام الغضاريف إذا تفرق اتصالها وهذا صحيح خصوصا إذا حدث تلوث
وفي الفصل الثامن والعشرين نقرأ وصفا لقطع اللحم الزائد في اللثة لا يكاد يفترق عما نفعله اليوم يا علاج هذه ا لحالات. وفي الفصل السابع والأربعين في علاج ثدي الرجال الذي يشبه ثدي النساء تبدو لنا عظمة الزهراوي ليس فقط كجراح عام وإنما كرائد من رواد جراحة التجميل ففي هذا الفصل يصف ويرسم الشق الهلالي، والشق الهلالي ا المزدوج، يتصل كل واحد منهما بالآخر عند نهايتهما حتى يكون الخط الأكبر محيطا بالأصغر. جراحة الأنف والأذن والحنجرة يصف الزهراوي في الفصل السادس عدة آلات جراحية لم يسبقه إليها أحد لاستخراج الأجسام الغريبة التي قد تسقط في الأذن ومنها على سبيل المثال جفت يتكون من ذراعين مفصلين بيد أو قاعدة يتوسطه أنبوبة أسطوانية عندما يتم تحريكها بعيدا عن القاعدة يقترب طرفا الذراعين بحيث يمكن أن يقبضا على الجسم الغريب داخل الأذن . وإذا لم تنجح هذه الآلة
فهو ينصح باستخدام خطاف أو أنبوبة من النحاس والشفط من خلالها.
لقطع أي بذور نباتية يكون قد كبر حجمها بامتصاص الرطوبات من داخل الأذن. وفضلا عن ذلك فهناك منظار بسيط للأذن عبارة عن " أنبوبة ضيقة الأسفل واسعة الأعلى " وبها انحناءة توضح لنا دقة علمه بتشريح قناة الأذن. ومن الفصل الرابع والعشرين نتأكد أن الزهراوي لم يكن مجرد ناقل أو جامع لمعلومات القدماء، وسأورد النص الكامل لهذا الفصل " في علاج اللحم النابت في الأنف ". " قد نبتت في الأنف لحوم مختلفة زائدة منها شىء يشبه العقربان الكثير الأرجل ومنها ما يكون لحما سرطانيا متحجرا كمد اللون ومنه ما يكون لحما لينا كمدى اللون، فما كان من هذه اللحوم لينة وليست بخبيثة ولا سرطانية، فينبغي أن تجلس العليل بين يديك مستقبل الشمس وتفتح منخره وتلقى السنارة في تلك اللحوم ثم تجذبها إلى خارج ثم تقطع ما أدركت منها بمبضع لطيف حاد من جهة واحدة حتى تعلم أن اللحم كله قد ذهب فإن بقي منه شىء لم تستطع قطعه فاجرده بإحدى الآلات اللطائف برفق حتى لا يبقى منه شىء فإن غلبك الدم أو عرض ورم حار فقابله بما ينبغي أو كان من الأورام الخبيثة فبادر فاكوه حتى ينقطع الدم وتذهب جميع اللحوم ثم تلقى في الأنف بحد المع خلا وماء أو شرابا فإن انفتح الأنف وسلكت منه الرطوبة إلى الحلق فاعلم أنه قد برئ، فإن لم تنفذ الرطوبة على ما ينبغي فاعلم أن داخله لحما نابتا في أعلى العظام المتخلخلة لم تصل الآلة بالقطع إليها فحينئذ ينبغي أن تأخذ خيطا من كتان له بعض الغلظ وتعقد فيه عقدا كثيرة وتجعل بين كل عقدة قدر إصبع أو أقل ويتحيل العليل بدس طرف الخيط الواحد في أنفه بمرود أو بما أمكنه بعد أن يصنعه مثل الزر ويجذب ريحه حتى يصل إلى الخيشوم ويخرج على حلقه وكثيرا ما يفعل مثل هذا الفعل الصبيان في الكتاب وهو أمر يسهل على من أراده، ثم بجمع طرفي الخيط، الطرف الواحد الذي خرج على الفم والآخر الذي بقي لا الأنف ثم تستعمل نشر اللحم بالعقيد التي في الخيط بفعل ذلك حتى تعلم أن اللحوم قد تقطعت بعاقد الخيط ثم تخرج الخيط وتصير في الأنف بعد مسح الدم فتيلة قد شربتها في المرهم المصري تفعل ذلك ثلاثة أيام أو أكثر حتى يأكل المرهم جميع ما بقي من اللحوم ثم تصير آخر شىء في الأنف أنبوبة رصاص أياما حتى يبرأ، فإن احتاج إلى علاج يجفف استعملت ذلك، وهذه صورة المسعط الذي تقطر به الأدهان والأدوية في الأنف". وفي علاج ورم اللوزتين وما ينبت في الحلق من سائر الأورام: الفصل السادس والثلاثون ". " قد يعرض في داخل الحلق غدد تشبه الغدد التى تعرض من خارج تسمى لوزتين إذا عالجتها بما ذكرت في التقسيم فلم تبرأ فانظر فإن كان الورم صلبا تكمد اللون قليل الحس فلا تتعرض له بالحديد وإن كان أحمر اللون وأصله غليظ فلا تتعرض له أيضا بالحديد خوف نزف الدم بل اتركه حتى ينضج فإما أن تبطه واما أن ينفجر من ذاته وإن كان أبيض اللون مستديرا وكان أصله رتقا فهذا الذي ينبغي أن يقطع، والعمل فيه أن تنظر قبل العمل إن كان قد سكن ورمه الحار سكونا تاما أو نقص بعض النقصان فحينئذ فاجلس العليل بحذاء الشمس ورأسه في حجرك وتفتح فمه وتأخذ خادما بين يديك فيكبس لسانه إلى أسفل بآلة. تصنع من فضة أو نحاس تكون رقيقة كالسكين فإذا كبست بها اللسان وتبين لك الورم ووقع عليه بصرك فخذ صنارة واغرزها في اللوزة وتجذبها إلى خارج ما أمكن من غير أن تجذب معها شيئا من الصفاقات ثم تقطعها بآلة هذه صورتها بشبه المقص إلا أن طرفيها منعطفان فم كل واحد منهما بحذاء الآخر حادان جدا تصنع من الحديد الهندي أو الفولاذ الدمشقي. فإن لم تحضر هذه الآلة فاقطعها بمبضع حادة من جهة واحدة وغير حادة من الجهة الأخرى، فبعد أن تقطع اللوزة الواحدة تقطع الأخرى على هذا النوع من القطع بعينه، ثم بعد القطع فتغرغر العليل بماء بارد أو بخل وماء، فإن عرض له نزف دم تغرغر بماء قد أغلى فيه قشور الرمان أو ورق الآس أو نحو ذلك من القوابض حتى ينقطع النزف ثم تعالجه حتى يبرأ. وقد ينبت في الحلق أورام أخرى غير اللوزتين فتقطعها على ما ذكرت في قطع اللوزتين سواء. وقد عالجت امرأة من ورم كان قد نبت داخل حلقها يضرب إلى الكمودة قليل الحس قد كاد أن يسد الحلق وكانت المرأة تتنفس عن مجرى ضيق وكان قد منعها اجل وشرب الماء وكانت قد أشرفت على الموت لو بقيت يوما أو يومين والورم قد ارتفع منه فرعان حتى خرجا على ثقبتي أنفها فبادرت بالعجلة فأغرزت في أحدهما صنارة ثم جذبته فانجذب منه قطعة صالحة ثم قطعتها حيث أدركته من ثقب الأنف ثم فعلت ذلك بما برز من ثاقب الأنف الأخر ثم فتحت فمها وكبست لسانها ثم أغرزت الصنارة في نفس الورم ثم قطعت منه بعضه ولم يصل منه إلا دم يسير فانطلق حلق المرأة وبادرت من ساعتها إلى شرب الماء ثم نالت الغذاء فلم نزل نقطع من ذلك الورم مرارا وزمانا طويلا والورم يخلف بدلا مما يقطع حتى طال بي وبها ذلك فتحيلت وكويت الورم داخل الحلق فتوقف عن الزيادة ثم سافرت عن الجهة ولم أعلم ما فعل الله بها بعدي ". ونلاحظ أن هذا الفصل يبدأ بالتفرقة بين الأورام الخبيثة التي قد تصيب اللوزتين وبين الالتهاب وينصح بعدم فتح الخراج إذا تكون حتى ينضج، ثم نمضي في وصف عملية استئصال اللوزتين بنفس الطريقة التي كانت تجرى بها منذ أعوام قليلة، ومن خلال ذلك نرى وصفا لعدة آلات جراحية ذات أهمية فائقة، منها خافض اللسان ومقصلة اللوز، فاللوزة تمسك بخطاف أو صنارة وتستأصل بتلك الآلة الشبيهة بالمقص إلا أن طرفيها منعطفان فم كل واحد منهما بحذاء الآخر حادان جدا والجزء القاطع يقع على امتداد الآلة، ومن الواضح أن هذا التصميم يسمح بقطع اللوزة بعد رفعها من مكانها بالصنارة وفي نفس الوقت يضمن الإمساك بها جيدا، وإذا لم تتوفر مقصلة اللوز فهناك المشرط المنجلي الشكل والنصل القاطع له يقع في المنحنى الداخلي، وأخيرا فهناك مباعد الفكين وهو أحد الآلات التي أوردها في الفصل التاسع والثلاثين. ثم يعرض علينا خبرته الشخصية في علاج ورم خبيث متقدم، وحالة بمثل هذا الوصف الذي أورده الزهراوي في القرن العاشر الميلادي تشكل مشكلة صعبة للجراح المتخصص في قرننا العشرين ومع ذلك فقد استطاع الزهراوي أن ينقذ حياة مريضته التي كان الموت يتهددها. والفصل الثالث والأربعون " في شق الحنجرة عن ورم يحدث في داخل الحلق " فصل في منتهى الأهمية، وفيه يورد الزهراوي في البداية دواعي وأجزاء هذه الجراحة، ثم يصف ما ذكرته الأوائل عن هذا الموضوع، وهنا تبدو أمانته العلمية فهو لا يدعى أن ذلك من اكتشافه، ومع ذلك فالكثير من التفاصيل يؤدي لنا أسلوبه المميز في الدقة والحرص على اتخاذ كافة الاحتياطات، بلى إرساء قواعد ومبادئ تبناها جراحو التجميل، مثل استخدام الصنانير، وفي تعليقه الشخصي على هذا الفصل نراه يضيف خبرته ليؤكد أهمية هذه الجراحة لإنقاذ الحياة. " الفصل الثالث والأربعون في شق الحنجرة عن ورم يحدث في داخل الحلق: ذكرت الأوائل هذا الشق في الحنجرة ولم أشاهد أحدا في بلدنا صنعه وهذا نسق كلامهم، أما أصحاب الذبحة فينبغي أن يجتنبوا شق الحنجرة إذ لا ينتفعون بذلك من أجل أن جميع الأوراد والرئة تكون سقيمة، وأما الذين بهم ورم حار في الفم أو الحلق أو اللوزتين إذا لم تكن علة في القصبة فوجب استعمال شق الحنجرة للهرب من العطب الذي يكون من الاختناق، فينبغي إذا أردنا ذلك أن نشق الحنجرة تحت ثلاث دوائر من دوائر القصبة أو أربع شقا صغيرا بالعرض فيما بين دائرتين بقدر ما يكون الشق لا الصفاق لا في الغضروف وهذا الموضوع موافق للشق لأنه عديم اللحم وأوعية الدم منه بعيدة، فإن كان المعالج جبانا فينبغي أن يمد جلدة الحلق بصنارة ثم يشق الجلد حتى إذا صار إلى القصبة جنب أوعية الدم إن رأى منها شيئا ثم يشق الصفات الذي وصفناه ويستدل على شق القصبة من البلغم الذي يخرج منها مع ما تنخرق ومن انقطاع الصوت وتترك الجرح مفتوحا زمانا فإذا زال الوقت الذي كان يتخوف فيه الاختناق جمعت شفتي الجرح من الجلد وخطته وحده من غير الغضروف ثم تستعمل الأدوية التى تنبت اللحم إلى أن يبرأ، قال واضع هذا الكتاب، تفسير جملة هذا الكلام الذي حكيناه إنما هو إذا رأوا العليل قد سد حلقه أحد هذه الأورام التي ذكروا وأشرف العليل على الموت وهم نفسه أن ينقطع ذهبوا إلى شق الحنجرة ليتنفس العليل على موضع الجرح بعد التنفس ويسلم كمن الموت وإنما أمروا بتركه مفتوحا حتى تنقضي سورة المرض وتكون سورته ثلاثة أيام ونحوها فحينئذ أمروا بخياطة الجرح وعلاجه حتى يبرأ، والذي شاهدته بنفسي أن خادما أخذت سكينا فأرسلته على حلقها فقطعت به بعض قصبة الرئة فدعيت إلى علاجها فوجدتها تخور كما يخور المذبوح فكشفت عن الجرح فوجدت الدم الذي خرج من الجرح يسيرا فأيقنت أنها لم تقطع عرقا ولا ودجا والريح تخرج من الجرح فبادرت خطت الجرح وعالجته حتى يبرأ، ولم يعرض للخدم شىء إلا بح في الصوت لا مزيد وعادت بعد أيام إلى أفضل أحوالها فمن هنا نقول إن شق الحنجرة لا خطر فيه ". جراحة الفم والأسنان لقي طب الفم والأسنان اهتماما بالغا من الأطباء والجراحين العرب، ولأول مرة في تاريخ الطب يورد الزهراوي وصفا دقيقا لطريقة جرد الأسنان (الفصل التاسع والعشرون). " قد يجتمع في سطوح الأسنان من داخل ومن خارج وبين اللثات قشورخشنة قبيحة وقد تسرو وتصفر وتخضرحتى يصل من ذلك الفساد إلى اللثة وتقيح الأسنان لذلك، فينبغي أن تجلس العليل بين يديك ورأسه في حجرك وتجرد الضرس والسن الذي ظهر لك فيه قشور والشىء الشبيه بالرمل حتى لا يبا قى منه شىء وكذلك تفعل بالسواد والخضرة والصفرة وغير ذلك حتى تنقى، فإن ذهب ما فيها من أول الجرد وإلا فتعيد عليها الجرد يوما آخر وثانيا وثالثا حتى تبلغ الغاية بما تريد، واعلم أن الضرس يحتاج إلى مجارد مختلفة الصور كثيرة الأشكال على حسب ما يتهيأ لعملك من أجل أن المجرد الذي يجرد به الضرس من داخل غير المجرد الذي يجرد به من خارج والذي يجرد به بين الأضراس على صورة أخرى، وهذه عدة صور تكون عندك كلها معدة". ألا يوضح هذا الفصل بطريقة مبسطة ما تعلمه اليوم عن أسباب تسوس الأسنان وتقيح اللثة؟ ولا ينسى الزهراوي أن ينقل خبرته العملية في هذا المجال، فالمجرد الذي يجرد به الضرس من داخل غير المجرد الذي يجرد به من خارج والذي يجرد به بين الأضراس على صورة أخرى وفي نهاية هذا الفصل يورد رسومات لأربعة عشر مجردا مختلفا لتناسب كافة الظر وف والأحوال. والفصل الثلاثون- في قلع الأضراس فصل هام يتميز بالدقة العلمية، ويمكن أن يدرس لطلبة الطب كما هو: " ينبغي أن تعالج الضرس من وجعه بكل حيلة وتتوانى عن خلعه فليس منه خلف إذا قلع لأنه جوهر شريف حتى إذا لم يكن بدمن قلعه، فينبغي إذا عزم العليل على خلعه أن تتثبت حتى يصح عندك الضرس الوجع، فكثيرا ما يخدع العليل الوجع ويظن أنه في الضرس الصحيح فيقلعه ثم لا يذهب الوجع حتى يقلع الضرس المريض، وقد رأينا ذلك من فعل الحجامين مرارا، فإذا صح عندك الضرس الوجع بعينه فحينئذ ينبغي أن تشرط حول السن بمبضع فيه بعض القوة حتى تحل اللثة من كل جهة ثم تحركه بإصبعك أو بالكلاليب اللطاف أولا قليلا قليلا حتى تزعزعه ثم تمكن حينئذ من الكلبتين الكبار تمكينا جيدا ورأس العليل بين ركبتيك قد ثقفته لا يتحرك ثم تجذب الضرس على استقامة لئلا تكسره فإن لم يخرج وإلا فخذ أحد تلك الآلات فادخلها تحته من كل جهة برفق ورم تحريكه كما فعلت، أولا ، وإن كان الضرس مثقوبا أو متآكلا فينبغي أن تملأ ذلك الثقب بخرقة وتسدها سدا جيدا بطرت مرود رقيق لئلا يتفتت في حين شدك عليه بالكلاليب وينبغي أن تستقصى بالمشرط حول اللثة من كل جهة نعما وتحفظ- جهدك لئلا تكسره فيبقى بعضه فيعود على العليل منه بلية هي أعظم من وجعه الأول وإياك أن تصنع ما يصنع جهال الحجامين في جسرهم وأقدامهم على قلعه من غيرأن يستعملوا ما وصفنا فكثيرا ما يحدثون على الناس بلايا عظيمة أيسرها أن ينكسر الضرس وتبقى أصوله كلها أو بعضها وإما أن يقلع ببعض عظام الفك كما شاهدناه مرارا. ثم يتمضمض بعد قلعه بشراب أو بخل وملح، فإن حدث نزف دم من الموضع فكثيرا ما يحدث ذلك فاسحق حينئذ شيئا من الزاج واحش به الموضع وإلا فاكوه إن لم ينفعك الزاج وهذه صورة الكلاليب اللطاف التي تحرك بها الضرس أولا تكون طويلة الأطراف قصيرة المقض غليظة لئلا تنثني عند قبضك بها على الضرس، وهذه صورة الكلاليب الكبار. تكون كما ترى غليظة حتى إذا قبضت أنفسها ولا تنثني، قصيرة الأطراف، ولتكن من حديد هندي أو من فولاذ محكمة مسقية الأطراف وفي طرفها أضراس يدخل بعضها في بعض فتقبض قبضا محكما وثيقا، وقد تصنع الأطراف كهيئة المبرد فتكون أيضأ قوية الضغط. ويستلفت النظر في هذا عدة ملاحظات، أولها أن الزهراوي كان على علم بالألم المتنقل وربما كان أول وصف له في التاريخ الطبي ، وثانيها اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة إذ كان ذلك جزءا هاما لنجاح العملية، كطريقة جذب الضرس على استقامة وضرورة ملء ثقب الضرس إذا كان متآكلا، وأخيرا فهو لا يترك شيئا للصدفة، فإذا حدث نزيف بعد خلع الضرس فهو يدلك على طريقة العلاج. والفصل الحادي والثلاثون- في قلع أصول الأضراس وإخراج عظام الفكوك المكسورة يظهر لنا عبقرية الزهراوي وقدرته على الابتكار، فلم يسبق لأحد أن كتب عن هذا الموضوع بهذا التفصيل وتلك الدقة التي تدل على خبرة هائلة وهو يصف عدة آلات هامة سوف نتناولها بالدراسة في الفصل الخاص بالآلات الجراحية، ومرة أخرى يكرر الزهراوي دعوته لممارسى الطب والجراحة بألا ينصاعوا وراء الأوائل في كل شىء ويحثهم على إعمال الفكر ويشجعهم على تنمية ملكة الابتكار- أليست هذا هو أحدث مفهوم في التربية والتعليم؟ " واعلم أن آلات الأضراس كثيرة وكذلك سائر الآلات لا تكاد تحصى والصانع الدرب الحاذق بصناعته يخترع لنفسه آلات على حسب ما يدله عليه العمل والأمراض أنفسها لأن من الأمراض ما لم تذكر له الأوائل آلات لاختلاف أنواعها، فإن انكسر عظم من الفك أو من عظام الفم أو تعفن ففتش عليه في موضعه بما يصلح له من أحد هذه الآلات والكلاليب التي ذكرت في إخراج الأصول ". والفصل الثاني والثلاثون هو أول ما كتب في تاريخ الطب عن تقويم الأسنان () الذي) صبح الآن علما قائما بذاته، وفيه يتحدث الزهراوي عن نثر الأضراس النابتة على غير مجراها. فينبغي أن تنظر فإن كان الضرس قد نبت من خلف آخر ولم يتمكن نشره ولا برده، فاقلعه، وإن كان ملصقا بضرس آخر فاقطعه بهذه الآلة وهى تشبه المنقار الصغير. ولتكن من حديد هندي حادة الطرف جدا ويكون قطعك له في أيام كثيرة لصلابة الضرس ولئلا تزعزع غيره من الأضراس، وأما إن كان نابتا متمكنا لبرادته بمبرد ويكون كله من هندي ونصابه رقيق النقش جدا يكون كالمبرد الذي تصنع به الإبر، تبرد به الضرس قليلا قليلا في أيام كثيرة برفق لئلا تزعزع الضرس فيسقط ثم تلمسه آخر أو تجرد ببعض المجارد، وإن كان ضرس قد انكسر منه بعضه فكان يؤذي اللسان عند الكلام فينبغي أن تبرده أيضا حتى تذهب بخشونة ذلك الكسر ويستوي ويملس ولا يؤذي اللسان ولا يفسد الكلام ". والفصل الثالث والثلاثون في تشبيك الأضراس المتحركة بخيوط الذهب، لا يمكن إلى اليوم أن نزيد عليه وضوحا وتفصيلا وقد أصبح لهذه الطريقة تطبيقات عملية عديدة في تقويم الأسنان وفي علاج كسور الفك وعظام الوجه. إذا عرض للأضراس القديمة تزعزع وتحرك عن ضربة أو سقطة ولا يستطيع العليل العض على شىء يؤكل لئلا تسقط وعالجتها بالأدوية القابضة فلم ينجح فيها العلاج فالحيلة فيها أن تشد بخيط ذهب أو فضة والذهب؟ فضل لأن الفضة تتزنجر وتعفن بعد أيام والذهب باق على حاله أبدأ لا يعرض له ذلك، ويكون الخيط متوسطا في الرقة والغلظ على قدر ما يسع بين الأضراس وصورة التشبيك أن تأخذ الخيط وتدخل أثناءه بين الضرسين الصحيحين ثم تنسج بطرفي الخيط بين الأضراس المتحركة واحدة كانت أو أكثر حتى تصل بالنسج إلى الضرس الصحيح من الجهة الأخرى ثم تعيد النسج إلى الجهة التي بدأت منها وتشد يدك برفق وحكمة حتى لا تتحرك البتة ويكون شدك الخيط عن أصول الأضراس لئلا يفلت، ثم تقطع طرفي الخيط الفاضل بالمقص وتجمعها وتفتلهما بالجفت وتخفيهما بين الضرس الصحيح والضرس المتحرك لئلا تؤذي اللسان، ثم تترك هكذا مشدودة ما بقيت، فإن انحلت أو انقطعت شددتها بخيط آخر فيستمتع بها هكذا الدهر كله، وهذه صورة الأضراس وهيئة التشبيك في ضرسين صحيحين وضرسين متحركين . وترد الضرس الواحد أو الإثنين بعد سقوطهما في موضعهما وتشبك كما وصفنا وتبقى، وإنما يفعل ذلك صانع درب رفيق وقد ينحت عظم من عظام البقر فيصنع منه كهيئة الضرس ويجعل يخا الموضع الذي ذهب منه الفرس ويشد كما قلنا فيبقى ويستمتع بذلك ". ونلاحظ أن الزهراوي يختتم هذا الفصل بوصف أول محاولة في التاريخ لنقل الأعضاء وقد تبعه في ذلك أصبروا زباري في القرن السادس عشر ثم جون هنتر قي القرن الثامن عشر. ويتميز الفصل الثلاثون- في إخراج الضفدع المتولد تحت اللسان بدقة الوصف والتشخيص التفريقى ويقرر سينك ولويس أن هذه الحالة لم يسبق لأحد أن وصفها قبل الزهراوي. " وقد يحدث تحت اللسان ورم يشبه الضفدع الصغير يمنع اللسان عن فعله الطبيعي وربما عظم حتى يملأ الفم، والعمل فيه أن تفتح فم العليل بإزاء الشمس وتنظر إلى الورم فإن رأيته كمد اللون أو أسود صلبا لا يجد له العليل حسا فلا يتعرض له فإنه سرطان وإن كان مائلا إلى البياض فيه رطوبة فألق فيه الصنارة وشقه بمبضع لطيف وخلصه من كل جهة، فإن غلبك الدم في حين عملك فضع عليه زاجا مسحوقا حتى ينقطع الدم ثم عد إلى عملك حتى تحرجه بكما له ثم يتضمن بالخل والملح ثم تعالجه بسائر العلاج الموافق لذلك حتى يبرأ ". الآلات الجراحية لا يكاد يخلو فصل من
فصول " التصريف " من رسم لآلة أو أكثر من الآلات الجراحية، وقد سبق الزهراوي
بذلك كافة المؤلفين في الطب من قبله، فمهما بلغت دقة الوصف وتفاصيله
فهي لا يمكن أن تغنى عن شكل الآلة ورسمها والكتاب يحتوي على مائة وست
وتسعين رسما، الغالبية العظمى منها لآلات يشرح طريقة عملها ويوضح استخدامها
ويذكر أحيانا مادة صنعها، أما باقي الرسوم توضيحية. الميل: (شكل رقم ا)
ومعها الأنبوبة الخاصة بها، واستخدمها الزهراوي لفتح خراج الكبد.
" أحسن وأفضل من الحديد، وكما قالوا، إلا أنك إذا أحميت المكواة في النار من الذهب لم يتبين لك متى تحمى على القدر الذي تريد لحمرة الذهب، ولأنه يسرع إليه البرد، وإن زدت- عليه في الحمى ذاب في النار وانسبك فيقع الصانع من ذلك في شغل، فلذلك صار الكي بالحديد عندنا أسرع وأقرب من الصواب للعمل ". والزراقة أو المحقن،
من أهم اختراعات الزهراوي، وقد استخدمها لغسيل المثانة وإدخال الأدوية
إليها، وذكر أنها تصنع من فضة أو عاج ولا يمكن أن نتصور اليوم أي ممارسة
طبية بدونها واستخدام المشعب ، أو المثقاب لإحداث ثقب في الحصاة التي
تقف في قناة مجرى البول وتسد خروجه ولأول مرة في تاريخ الجراحة نجد صورة
للمقص الحقيقي وهو اختراع عربي أصيل وقد أورد رسما لنوعين منه الأول
(في ا الفصل الحادي عشر) مستقيم، والثاني (في شكل الفصل الثامن عشر)
ويتميز بانحناءة ثم هناك الجفت الذي
تحيط بطرفيه أنبوبة أسطوانية الشكل، يمكن تحريكها للأمام أو للخلف
ومن اختراعات الزهراوي
المتميزة أيضأ مقصلة اللوز (شكل رقم 21)، والتي كان يستخدم نوع
وقد أورد الزهراوي رسوما عديدة لأشكال مختلفة من الكلاليب التي " تشبه أطرافها منقار الطائر إذا قبضت على شىء لم تتركه " يصلح بعضها لاقتلاع الضرس والأسنان واستخراج جذورها، ومنها ما استخدمه لاستخراج العظام المتفتتة في حالات الكسور أو المتكرزة في حالات التهاب العظم المزمن، والبعض الآخر استعمله لاستخراج السهام، وبعضها مستقيم والبعض الآخر منحن. ونظرة واحدة إلى صور هذه الكلاليب تكفي لندرك أنها هي نفس الآلات التي يستخدمها جراح اليوم وكل ما أدخل عليها من تعديل هو المشبك لتصبح الجفوت الشريانية وليطبق عليها أسماء جراحين أتوا من بعد الزهراوي بقرون عديدة مثل سبنر ولز وكوخر وغيرهما وأعتقد أن كلمةClamp في اللغة الانجليزية مشتقة من تسمية الزهراوي لهذه ا لآلات. ويخصص الزهراوي الفصل السادس والأربعين لتصوير ووصف " الآلات التي تتصرف في الشق والبط " وهو يورد في هذا الفصل عددا كبيرا من الآلات منها. المسدسات ويصف ثلاثة أحجام منها الكبار والأوساط والصغار " تصنع من الحديد الفولاذ مربعة الأطراف محكمة لتسرع الدخول في الأوراما، ومع الأنبوبة المحيطة بها نتبين أنها تشبه في استخدامها إبرة البزل، وهو نفس الغرض الذي يفهم من سياق الكلام. المسابر وهى أيضا ثلاثة أحجام: كبار وأوساط وصغار " تصلح ليفتش بها الأورام والجراح والنواصير والمخابى " عن ما بداخلها من العظام وغير ذلك، تصنع مدورة مصقولة ملساء كالمسلات وتصنع من النحاس أو الحديد أو الفضة، وقد تصنع أيضأ من الرصاص الأسود وتصلح ليسبر بها النواصير التي يكون في غمورها تعويج لتنعطف بلينها مع ذلك التعويج، ويجعل غلظها على قدر سعة الناصور وضيقه!، الصنانير، وقد أورد لها صورا كثيرة وفي فصول مختلفة " لأن منها بسيطة أعني التي لها خطاف واحد وهي ثلاثة أنواع كبار وأوساط وصغار، ومنها الصنانير ذات الخطافين، وهى ثلاثة أنواع، وجميع هذه الأنواع يحتاج كل منها واحد منها في موضعه " وتستخدم هذه الصنانير الآن في كثير من الجراحات الدقيقة، وبصفة خاصة في جراحة اليد والتجميل، وكالعادة أصبحت تحمل اسم جراح آخر هو جيليز Gillies المشارط: وقد أورد أنواعا عديدة منها " تكون أشفارها التي يشق بها محدودة (أي حادة والأخرى غير محدودة". المخادع: ، وهي اختراع دون شك " وهى ثلاثة أنواع لأن منها كبارا ومنها أوساطا ومنها صغارأ، تصنع من نحاس شبه المورد الذي يكحل به، وفي الطرف الواحد شبيه ملعقة عريضة من طبقتين تكون في رأسها شفرة المبضع فيه تشبه لسان الطائر تجري إلى داخل وإلى خارج متى أحببت كما ترى". ورغم أن هذا البحث لم يتناول الفصول من الحادي والسبعين حتى الثامن والسبعين والتي يتعرض فيها الزهراوي لأمراض النساء والولادة، فهناك آلتان تسترعيان الانتباه وتشدانه شدا . أولهما منظار المهبل
، وتصميمه يدل على عبقرية فذة، أما طريقة عمله فهي واضحة لا تحتاج
وثانيهما المشداخ ،
والذي استخدمه الزهراوي لإخراج الجنين الميت إنقاذا لحياة الأم وسبق
به والشكل الأخير يمثل مجموعة من المناشير التي كان يستخدمها الزهراوي في جراحة العظام، ورغم ذلك فكل الأشكال لا تمثل إلا عددا ضئيلا مما ورد في كتاب التصريف وهناك آلات على جانب كبير من الأهمية لم نذكرها مثل المقادح والتي ما زالت أنواع منها تستخدم حتى اليوم في العين، تحتاج لدراسة من جانب المتخصصين في هذا الفرع. |