الإنجازات الجراحية لأبي القاسم الزهراوي

الدكتور/ أحمد عبد الحي 
الهند

يحكي عن نيوتن أن أحد معارفه امتدحه لإنجازاته العلمية، فرد قائلا: إنه إذا كان يبدو طويلا فذلك لأنه كان يقف على أكتاف العمالقة، ولكل مجال من مجالات الاجتهاد الإنساني نصيبه من أمثال هذا الرجل العظيم، وستبقى الجراحة الحديثة دائما مدينة للرواد الأوائل الذين يرجع إليهم الفضل فيما حققته اليوم من إنجازات هائلة وتقدم كبير. 

ومنذ ما يقرب من ألف عام ظهر على مسرح الأحداث أحد هؤلاء الرواد العمالقة في شخص أبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي، الذي عمل أكثر من غيره على الحفاظ على التراث اليوناني العظيم، وإثرائه بخبراته الشخصية قبل نقله إلى أوربا.

نبذة عن حياته:

ولد الزهراوي في مدينة الزهرة التي كانت تقع بالقرب من قرطبة، ويقال إن أجداده كانوا قد هاجروا إلى هناك من المدينة المنورة، وهناك بعض الجدل حول تاريخ مولده، ولكن هناك اتفاق عام على أنه ولد في عام 936 ميلادية. ولا نعرف إلا النذر اليسير عن حياته التعليمية، خاصة في مجال الطب والجراحة، أو عن رحلاته. ويقال إنه كان الطبيب والجراح الخاص للخليفة عبد الرحمن الثالث والخليفة المستنصر من بعده، وإن كان يشك في صدق هذه المعلومات.

وقد أشيع أن الزهراوي عاش إلى أن بلغ الواحدة بعد المائة، ولكن أغلب الظن أنه مات عن عمر يبلغ السابعة والسبعين في عام 1013 ميلادية (454 هجرية). وقد اتفقت معظم المراجع على هذا التاريخ (1).

فلسفته الجراحية:

على الرغم من قلة ما نعرفه عن حياته الشخصية، إلا أننا نستطيع أن نتعرف على أفكاره وفلسفته في مجال الجراحة، من خلال كتابه العظيم " التصريف لمن عجز عن التأليف "

. إن اتهام الزهراوي (خاصة من قبل باولوس آيجينيتا Paulus Aegineta بأنه لم يكن إلا مجرد ناقل لعلوم اليونان، لا يستند إلى أي أساس من الصحة. وصحيح أنه استفاد كثيرا من " القدماء " الذين لم يكن يذكرهم بكل تقدير وإجلال فحسب، بل كان دائما يحث تلاميذه على الرجوع إليهم للاستزادة من علمهم.

إلأ أن الزهراوي كان يمارس الجراحة بالفعل، ولم يقتصر على وصف الجديد في مجال العمليات والأساليب والأدوات الجراحية، بل لم يكن يتردد في الخروج عن الخط اليوناني كلما وجد أن نظرياتهم ليست عملية عند تطبيقها ولا تفيد المريض.

فعندما كان يناقش مسألة علاج تقوس العمود الفقري بشكل غير طبيعي قال: " وهنا ينغمس الأقدمون في مباحث طويلة عن أنواع متعددة من العلاج لا أرى في الكثير منها أية جدوى ". (الكتاب الثالث، الفصل30).

وكان دائما يؤكد في كتاباته على أهمية الإلمام التام بعلم التشريح الذي يصبح الجراح بدونه عاجزا تماما، حتى في أيامنا هذه. 

يقول الزهراوي في مقدمة كتاب " التصريف): " من لا يبرع في التشريح لا بد وأن يقع في خطأ قد يودى بحياة المريض).

ولقد كان الزهراوي نفسه طرازا من الجراحين الذين لا يخشى منهم؟ إذ كان يكره التدخل الجراحي في علاج المرضى ولا ينصح به إذا كانت العملية الجراحية تنم عن التسرع، ولا يرجى من ورائها فائدة عملية حتى ولو كانت تبدو زاهية وجريئة. ومن نصائحه لتلاميذه: " أبنائي.... توخوا الحرص والعناية في عملكم وعاملوا مرضاكم برقة وصبر ". (مقدمة " ا لتصريف 1).

كما كان ينصح تلاميذه باتباع أفضل الطرق المؤدية إلى شفاء المريض وسعادته، وكان يوصى بذلك إلى تفضيل العلاج باستخدام الأدوية أو أقل الطرق إيلاما للمريض، وكان ينصح تلاميذه أيضا بأن يكونوا مستعدين لأية احتمالات طارئة: " يسرع الجراح في إنهاء عملياته وتعظم شهرته بين زملائه بقدر ما يجد تحت يده من أدوات، فلا تفرطوا في تجهيز أي أداة من هذه الأدوات قبل البدء في عملكم. . " (الكتاب الثاني، الفصل 77).

وعندما يتعرض لعلاج الأورام الخبيثة يقول إن الجراح لا يجب أن يلمس السرطان بمشرطه إلا إذا كانت الإصابة في جزء يمكن استئصاله استئصالا تاما كاملا، كما هو  الحال إذا كانت الإصابة في الثدي. واستئصال الجزء المصاب يجب أن يتم بكل دقة وإتقان، " حتى لا يبقى في الجسم أي جذر من جذور المرض " على أن تتم هذه العملية في مرحلة مبكرة من حدوث الإصابة، إذ لا يرجى شفاء الحالات المتأخرة عندما يتفشى المرض.

ويرى الزهراوي أن النقد الذاتي ضروري لأي تقدم علمي، فعلى قدر ما يغتبط المرء لنجاحه، لا بد أن يكون من الشجاعة الأدبية بحب لا يغفل ذكر لحظات فشله. ومن محاسن الزهراوي أنه كان يسجل على نفسه أخطاءه ولحظات فشله، سواء كان ذلك تأخرا في بتر ساق غرغرينيه،  أو  فشل في علاج جرح لترك شظية من العظم الميت فيه... هذا على الرغم من أن فضيلة نقد الذات لم تكن من سمات ذلك العصر.

وكان إيمانه بأخلاقيات مهنة الطب راسخا حتى ليظهر في أمور بسيطة، فما من مرة فحص فيها امرأة مريضة، أو أجرى لها جراحة إلا وكانت ثالثتهما قابلة. وكان يحذر تلاميذه من وقت لآخر من إجراء عمليات من شأنها أن تلحق بهم سمعة سيئة نظرا لخطورتها وصعوبتها، إلا أن القاعدة عنده أن الجراحة يجب أن يكون الدافع الأول والأخير لها مصلحة المريض.

ففي المقدمة التي صدر بها الكتاب الثاني من موسعته الطبية " التصريف " يقول الزهراوي بكل وضوح: " لا تشرع في عمل أي شيء إلا إذا كنت واثقا أنه سيعود على المريض بنتيجة طيبة ".

ثم يقول: " ليكن الحرص أقوى عندك من الجشع وحب الكسب ".

إن القارئ لكتاب " التصريف " لا يحتاج إلى كثير من التعمق لكي يلاحظ إيمان مؤلفه المطلق بالله. فشعار" أنا أعالج والله يشفي " يبرز في كل صفحة من صفحات الكتاب. ويعبر الزهراوي بكلماته عن هذا الشعار قائلا: " أدعو الله يا أبنائي أن يلهمكم الهداية والنجاح، فالنجاح بيد الله ".

التصريف:

تجمع الآراء على أن كتاب " التصريف لمن عجز عن التأليف " هو أول مؤلف منطقي في موضوع الجراحة، جاء مكتملا وموضحا بالصور والرسومات.

وقد خلد هذا الكتاب اسم مؤلفه في عالم الجراحة، والكتاب عبارة عن دليل كامل لفن الشفاء، يتناول فيه الزهراوي سائر فروع الطب. وقد خصص معظم أجزاء الكتاب (حوالي 45% منه) لموضوع العقاقير الطبية، بينما يتناول في بقية أجزائه شتى المواضيع كالتشريح والعلا في السريري (الاكلينيكي) والمزاجات البشرية وأصول التغذية، سواء في الصحة أوفي وقت المرض وأسماء العقاقير وتركيبها إلى غير ذلك من الموضوعات الطبية.

أما الجراحة فقد) فرد لها آخر جزء من الكتاب وهو يحتوي على الرسالة الثلاثين، ويتضح الدافع الذي حدا بالزهراوي لتأليف هذا الكتاب من صميم كلماته عندما يقول: إن فن الجراحة آخذ في الاضمحلال " وإننا نفتقر في بلادنا إلى الجراح الماهر " ثم ينقل عن بوقراط الذي كان يكن له كل إجلال واحترام كلماته المشهورة: " الأطباء كثيرون، ولكن أغلبهم أطباء بالاسم. أما الأطباء فعلأ فهم قلة، خاصة من الناحية الجراحية " (مقدمة الرسالة الثلاثين).

تمت أول ترجمة لكتاب التصريف الذي نال شهرة واسعة إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عثر بمدينة توليدو على يد جيرارد الكريموني. وظهرت النسخة المترجمة تحت عنوان "Liber al- Sharavi de Cirugia  " (كتاب الزهراوي في الجراحة). وقد طبعت هذه النسخة في مدينة البندقية عام 1497 ثم صدرت منها طبعات متعددة في القرن السادس عشر.

كما تمت ترجمة الرسائل الأولى والثانية والثامنة والعشرين إلى اللغة العبرية في القرن الثالث عشر، وظهرت للكتاب ترجمة إلى اللغة التركية قام بها شرف الدين بن علي الحاج إلياس في القرن الخامس عشر، وفي هذه النسخة لا نجد صورا للأدوات الجراحية فحسب، بل صور المريض أثناء إجراء الجراحة عليه أيضأ. وفي عام 1778 أصدر جون شانبخ نسخة أكسفورد، بينما أصدر ليسيين لكليرك Lecien Leclerc  نسخة فرنسية بعنوان: " La Chirurgie d albucasis" (جراحة أبي القاسم) في باريس عام 1 186 (2).

وظهرت نسخة عربية مطبوعة بطريقة الطباعة على الحجر ومزودة برسوم إيضاحية بديعة في مدينة لكنو وعام 08 9 1، وفي عام 1973 صدرت عن سبنك ولويس   Spinky Lewis (3) طبعة إنجليزية مترجمة تشتمل على النص الأصلي ورسومات إيضاحية للأدوات التي كان يستخدمها الزهراوي بالإضافة إلى الحواشي والتعليقات.

وينقسم الجزء الخاص بالجراحة إلى ثلاثة أقسام (كتب). الكتاب الأول عن الكي Cauterization، والكتاب الثاني عن الجراحة العامة بما في ذلك علاج الجروح والرضوض traumatology ، وجراحة النساء والولادة وجراحة المجاري البولية urology  إلى غير ذلك من أفرع الجراحة.

والكتاب الثالث يتناول موضوع تجبير العظام bone setting. وقد لعب كتاب التصريف منذ بدء ظهوره دورا كبيرا في نشأة الجراحة الأوربية وتطورها، وتشهد بذلك تعليقات مشاهير الجراحين من أمثال وليام دي ساليسيتو William de Saliceto (في القرن الثالث عشر) وجي دي شولياك Guy de Chuliac  (1300- 1367)، وفابر يكوس أكوابندينني Fabricus Aquapendente (533 1- 9 1 6 1) وكثيرين غيرهم.

وتقول دائرة المعارف البريطانية (طبعة 1980) (4) إن الزهراوي كان أول من يصف حالة الاستعداد الوراثي للنزف الدموي haemophilia وعن كتابه " التصريف " تقول إنه " ظل الكتاب المدرسي الرئيسي عن الجراحة في الجامعات الأوروبية للمدة تقارب الخمسمائة عام ".

وكانت هذه الجامعات تفضله حتى على مؤلفات عمدة الطب اليوناني القديم جالينوس، وذلك لسلاسته وإيجازه.

ويقول الزهراوي نفسه في تعليقه على كتابه " التصريف،: " لقد وصفت لكم في هذا الكتاب كل ما أحطت به علما وخبرته عمليا وأضع كل ذلك الآن بين أيديكم بعد أن أنقذته من لجة الإسهاب،  ولقد أضفت إلى مادته كثيرا من الرسوم للأدوات المستخدمة كوسيلة إيضاحية. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". (مقدمة الكتاب الثالث).

الكي Cauterization:

الكتاب الأول من " التصريف " مخصص بالكامل لموضوع الكي، وهو إجراء لم يعد له مكان في الجراحة الحديثة اليوم باستثناء بعض الحالات النادرة.

والواقع أن معظم الناس يشكون في أن تكون للكي أي نتيجة سوى ما يحدثه بالجلد من تهيج، وإذا كانت هناك فعلا أي فائدة لهذا النوع من العلاج فالعلم الحديث يعجز عن تفسير هذه الظاهرة.

وللكي طريقتان: إما بتسخين الأنسجة المصابة، أو باستعمال مادة كيميائية كاوية على هذه الأنسجة، وكان الزهراوي يفضل الطريقة الأولى مع مناقشة العوامل التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

إذ يمكن استخدام أنواع مختلفة من المعادن في صنع أداة الكي كالبرونز أو الحديد أو الذهب (معدن كريم؟) وهذا يتوقف على طبيعة المرض ومزاج المريض وأي فصل من فصول السنة يتم فيه العلاج. ومن هذه العوامل أيضآ شكل المكواة ومكان الكي وعدد مراته .

وقد أخذ العديد من طرق العلاج بالكي من اليونانيين، ولكن كانت للزهراوي طرقه الخاصة في الكي لعلاج الشق الخلقي في الشفة العليا (الشفة الأرنبية) والشتر الداخلي، وأمراض الرئة والناصور الشرجي وما قبل الشرجي، وانخلاع عظمة الفخذ والتواء العمود الفقري وثفن أصابع القدم.

وقد جاء في هذا الجزء وصف ما يقرب من عشرين مكواة مختلفة، كل واحدة منها لحالات محددة.. فهناك المكواة الزيتونية لعدة حالات، منها الصداع والمكواة المسمارية للصداع النصفي. والمكواة المرقطة لاسترخاء الجفن ومكواة المسبار للناسور والمكواة الأنبوبية لالتهاب اللثة ومكواة شوكية لانخلاع العضد والمكواة الخلقية لعرق النسا (ألم العصب الوركي) ومكواة على شكل عراق ريثة الطائر لمسمار القدم (corn)، كما جاء وصف أنواع مختلفة من الكي لعلاج سائر أنواع الأمراض التي تصيب الجسم من الرأس إلى أخمص القدمين. وحسبما نرى اليوم.. فإن نسبة بسيطة فقط من هذه الأنواع يمكن اعتبارها مفيدة حقا وهي الأنواع التي تؤدي إلى اندمال الجرح في نهاية الأمر. ومن أمثلة هذه الأنواع المفيدة كي الشفة الأرنبية والبواسير والكي الهلالي لارتخاء جفون العين والكي لعلاج الشتر الداخليentropion والكي لعلاج الناسور الدمعي والناسور المحيط بالشرج.

وفكرة استخدام الكي لفتح خراج الكبد تبدو فكرة بارعة بالنسبة للوسائل المحددة التي كانت متاحة في تلك الأيام. ومن حيث المبدأ يستخدم كل جراح الآن فكرة الكي للتحكم في النزيف ولكن على شكل حديث في صورة الوحدة الجراحية الكهربائية.

وبينما تعتبر طريقة العلاج بالكي فكرة مذمومة عند كثير من الناس، إلا أن البعض يبالغ في الثناء عليها، بل يعتبر أن تأثيرها يضارع تأثير الإشعاع المؤين ionized radiation ، ومن المحير حقا أن بعضا من أنجح طرق العلاج التي كانت تجد قبولا عاما عند اليونانيين والرومان والعرب كا لفصد والكي والعلقة والحجامة أصبحت لا نجد لها مكانا في جعبة المداواة الحديثة، والأغرب من ذلك أن الطب الحديث صار ينظر إلى هذه الأساليب العلاجية باحتقار شديد. أليس الكي كالإبر الصينية؟ لقد استعاد هذا العلاج القديم مجده الآن وأصبحنا نسميه العلاج الميتافيزيقي، ربما لمداراة جهلنا.

عمليات وآلات جراحية مبتكرة:

لا شك أن الزهراوي لم يكن متأثرا باليونانيين فحسب، بل أيضأ بجراحين آخرين من معاصريه، بما في ذلك الهنود الذين اتصل بهم سواء بطريق مباشر أو غير مباشر(5).

لقد كانت الجراحة الاسلامية التي وصلت ذروتها في أيامه نتاج أعظم العقول الطبية التي عاصرت تلك الفترة، فقد كان هناك جراحون من بلاد فارس والعراق وسوريا ومصر والهند.

ولقد أسهموا جميعا إسهاما رائعا في تقدم فن الجراحة، وأسبغوا عليها لونا عالميا، وأرسوا أركانها من قرطبة حتى دلهي (6).

وقد نسب سنبك ولويس (7) وغيرهما (8) من العلماء الذين أجروا دراسات مقارنة عددا كبيرا من الأدوات والعمليات الجراحية المبتكرة إلى الزهراوي. ومن أمثلة هذه الأدوات والعمليات المشرط ذو الطرف المدبب لفتح تورم جسم غريب في الأذن ومنظار العين. وصنانير الملتحمة ومقصات لعلاج الناسور الدمعي والمقضة والمزرد لكشط الأسنان والكلاليب لاستخراج جذور الأسنان وقطع الفك الأسفل، والمنقر والمبرد لإزالة الأسنان الزائدة، واستخدام عظام الثيران لعمل أسنان صناعية إلى غير ذلك. ومن الاكتشافات المبتكرة للزهراوي أيضا إزالة الشرغوف (ورم كيسي تحت اللسان بالتدخل الجراحي واستخدام مقصلة ومكعم في عمليات استئصال اللوزتين.

وينسب عميد الجراحة الحديثة في أمريكا، هالستيد (9)، إلى الزهراوي فضل إجراء أول عملية جراحية ناجحة لاستئصال الغدة الدرقية في عام 952 ميلادية. ويقول أيضا: " إن عملية استئصال الغدة الدرقية لعلاج الدراق OITRE تمثل أعظم انتصار لفن الجراح أكثر من أي عملية أخرى ". وهذه شهادة لها قيمتها بعظمة الزهراوي. 

وللزهراوي ابتكاراته في الناحية التناسلية البولية أيضأ. وقد كان لليونانيين قسطرتهم التي كانت على شكل حرف S. ولكن القسطرة التي استخدمها الزهراوي كانت أكثر استقامة، وكانت " رفيعة وناعمة وجوفاء كعراق ريشة الطائر"، وكان لها قمع قرب طرفها، ويصف لنا الزهراوي مجسا كان يستخدمه لتحديد مكان الحصاة في مثانة الأنثى. ويرجع إليه الفضل في أول استخدام للمحقن لشطف المثانة في حالة إصابتها بالتهاب يؤدي إلى وجود الدم والقيح في البول.

وعلى الرغم من معرفة اليونانيين بفكرة الكباس Piston and Cylender إلا أنهم لم يستخدموها لأغراض جراحية بينما فعل العرب ذلك. فقد استخدمها الزهراوي في تفتيت الحصيات المثانية الكبيرة الحجم، ثم كان يستخرج الأجزاء المفتتة بسهولة بشق المثانة فيما فوق العانة. وهكذا مهد الزهراوي للمرضاخ الحديث Lithortniteأما طريقته في تفتيت الحصيات العالقة بمجرى البول، فقد وصف لنا مثقابا رفيعا من الصلب كان يصل به إلى مكان هذه الحصوات، ويقوم بتفتيتها ثم تخرج الجزئيات أثناء التبول.

وهناك أيضأ ذلك العدد الكبير من أدوات الجراحة النسائية والولادية التي جاء وصفها في الجزء الأخير من الكتاب الثاني، وكلها تشهد على أصالته، ومن هذه الأدوات المنظار المهبلي المعدل والصنانير ومفدخ الرأس cephalotribe والكلاليب الولادية لاستخراج الجنين الميت، كما برخ الزهراوي في علاج الجروح والرضوض وفي الجراحة الحربية. ويعتبر وصفه لجروح الرقبة وإصابات القصبة الهوائية والجروح والرضوض التي تصيب الغشاء الرئوي أو الرئة نفسها أو الأمعاء من الآئار الطبية الخالدة.

وقد أفاد مجال الجراحة المعدي والمعوي من خبراته العريضة. وعلى سبيل المثال تبين له أن جراح القولون تلتئم بشكل أسرع من جراح العظم الحرقفيilium ، أما جراح الصائمي jijunal فلا يحتمل شفاؤها على الإطلاق، وغالبا ما تؤدي إلى الوفاة، ويتحدث في هذا المجال عن خيوط الجراحة التي تستخدم للأمعاء الرفيعة، وهي من القطن أو الحرير أو يمكن صنعها من رءوس النمل. وكان العرب بهذه المناسبة أول من صنعوا خيوط الجراحة من أوتار يسهل امتصاصها عن طريق الجسم. ويقول هاريسون (10) إن الفضل في ذلك يرجع إلى الزهراوي نفسه. 

ويناقش الزهراوي في هذا الجزء أيضأ مشكلة التحكم في النزيف والعوامل التي تؤخر التئام الجروح، مع مناقشة العوامل التي تساعد على نشأة الالتهاب المزمن في نخاع العظم Osteomylitis. ويقال إن الزهراوي كان أول عالم يصف حالة الصداع النصفي التي تنجم عن التهاب الوريد الجلطي thrombophilibitis وهي حالة نادرة. 

وقد تم اكتشاف اللصوق (اللزقة) بعد الزهراوي بفترة طويلة ولكن كانت لديه فكرة مشابهة، وصفها في بداية الكتاب الثالث، ويذكر في هذا الجزء بوضوح أثر إصابة العمود الفقري على الأعصاب، إلى جانب مناقشة الكسور وانخلاع العظام وطرق علاجها بما في ذلك استخدام الأقراص.

نقد وتساؤلات:

باستطاعة الانسان في هذا العصر الحديث أن يوجه الكثير من الانتقادات للزهراوي، ومما يثير النقد على سبيل المثال إصراره على جعل الجرح يتقيح كجزء من التئامه الطبيعي، ونصيحته للمريض بعدم الحركة بعد العملية الجراحية لفترة طويلة، وتركيزه على عملية الفصد واستخدام المسهلات، وإهماله للعلاج الطبيعي بعد علاج أمراض العظام.

أما عن أدواته الجراحية فهي بالطبع ليست على المستوى الأمثل في الدقة والتعقيد، ورسومه وأشكاله لا توضح كل شيء، وعلى المرء أن يلجأ إلى خياله لاستكمال هذا النقص.

ولكن هل يجوز أن نحكم على الزهراوي الذي عاش منذ أكثر من ألف عام على أساس المستوى الرفيع الذي وصلت إليه جراحة اليوم؟.

لقد حدثت في كل مجال من مجالات الفكر والثقافة تغييرات ضخمة، بل وثورات في الاتجاه والأسلوب، وربما انطبق هذا على مجال الطب والجراحة أكثر من أي مجال آخر.

فإذا نظرنا إلى جراحة الزهراوي مع أخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار لوجدنا فيها أصالة لم تستطع ألف سنة من الزمان أن تطمسها، أو تذهب بروعتها.

وتبقى تساؤلات عديدة لا نجد لها إجابات شافية. فالمرء لا يكاد يصدق أن كل هذه العمليات التي جاء وصفها في كتاب " التصريف " قد تمت بدون استخدام أي نوع من العقاقير المسكنة للألم، أوأي نوع من أنواع التخدير. ولا نجد للأسف في الفصول الخاصة بالجراحة أي إشارة إلى هذا الموضوع. وهو أمر يستحق المزيد من البحث.

ويلح سؤال آخر عن سبب ذلك الاضمحلال المفاجى الذي أصاب الجراحة الاسلامية. ماذا حدث لكل هذا النشاط العلمي الذي كان يشمل العالم الإسلامي كله، وكان كما قال حيتي مصدر الهام لأوربا في عصر نهضتها؟ لماذا انتهى كل ذلك فجأة؟.

إن اندثار الجراحة الاسلامية يتطلب بكل تأكيد إجراء المزيد من الدراسات التحليلية المستفيضة. 

الخلاصة:

أطلقت دائرة المعارف البريطانية على أبي القاسم الزهراوي لقب أعظم جراح في الاسلام خلال القرون الوسطى، وقالت: إن تعاليمه ظلت تؤثر على تطور الجراحة في أوربا خلال خمسة قرون.

وأختم بحثي هذا بأن أقول: إن عظمة الزهراوي وتراثه الذي خلفه للإنسانية جمعاء، ينعكسان على كل تخصص من تخصصات الجراحة الحديثة، سواء كان ذلك في مجال الأعصاب أو زرع الأعضاء أو تخصص العيون أو تخصص المعدة والأمعاء.