|
تتبع أثر الإسلام فى كتيب مصور عن علم التشريح دكتور ينيز فيولي
أونيلا مضت خمس وسبعون سنة منذ نشركارلى سدهوف Karl Sudhoff أستاذ تاريخ الطب بجامعة ليبزج فى ذلك الوقت، النص الكامل مع الرسوم الإضاحية لرسالة فى علم التشريح، كتبت فى القرون الوسطى، اكتشفها في مخطوطين وجدهما في أحد أديرة بافاريا، ومنذ ذلك الوقت اهتم العلماء اهتماما كبيرا بتفسير الرسوم وتقييم أهمية الرسالة والبحث في أصولها (1) وهذا المطلب الأخير مجهد على قدر أهميته. وبما أن الرسالة تعتبر من أقدم ما كتب وصور عن علم التشريح في الغرب اللاتيني، فإن تحديد مصدرها يبشر بتوفير معلومات جوهرية عن أصل التصوير التشريحي الذي صار تراثا لعب دورا هاما فى تطور علوم التشريح فى أوروبا الغربية. وبعد دراسة لهذه الرسالة وما جاء بها من رسوم استغرقت فترة تربو على الخمسة عشر عاما، ركزت بحثي في الفترة الأخيرة على مشكلة تقصى أصلها، وأعتقد الأن أن هذه الرسالة تستمد أصولها من نموذج شرقي يحتمل أن يكون إسلاميا . والهدف من البحث الذي بين أيديكم الآن، هو استعراض ما توصلت إليه، على أمل أن يمد العلماء المسلمون يد المساعدة في حل هذا اللغز، ذلك الحل الذي ينتظر أن يلقي ضوءا على أثر الأطباء المسلمين في تطوير الدراسات التشريحية في الغرب. ومنذ عدة سنوات مضت، ألقيت بحثا في الاجتماع السنوي للرابطة الأمريكية لتاريخ الطب، نشر بعد ذلك في مجلة تاريخ الطب. Bultetin of the History of Medicine (2) وفي هذا البحث، أقمت الدليل على أن رسالة التشريح التي كتبت في القرون الوسطى والتي اعتقد سدهوف أنها تتكون من الخمسة رسوم والخمسة نصوص التي وجدها في مخطوطات بافاريا، وأطلق عليها اسم " فنفبيلديرسي " Funfbilderserie كانت تتكون أصلا من مجموعة مترابطة من الرسوم، توضح تسع مجموعات من أعضاء جسم الإنسان، وليس خمس مجموعات كما قال سدهوف. وكان الدليل الحاسم هو تلك المجموعة المترابطة التي تتكون من تسعة أجزاء، والتي ما زالت توجد بكاملها في مخطوط يرجع تاريخه إلى أواخر القرن الثاني عشر، أو أوائل القرن الثالث عشر، محفوظ في مجلد للمخطوطات في مكتبة كلية جونفيل وكايوس بكمبريدج. " Gonville and Caius College Library, Cambridge" وفي هذا المخطوط نجد تسع صفحات ط من الرسوم تظهر بنفس الترتيب الذي جاء ذكره فى مقدمة وجدت في نسخ بافاريا التي اكتشفها سدهرف ونشرها بعد ذلك. وتشير سمات هذه الرسوم، إلى أن نسخة كمبريدج تمثل الرسالة كما تصورها وصممها مؤلفها الأصلي، ويكشف نص المقدمة عن نية مؤلفها في أن يصف التركيب الداخلي لأعضاء جسم الإنسان حسب ماجاء به جالين متضمنا أو صافا للأعضاء التالية: أولا الشرايين. ثانيا: الأوردة. ثالثا: وضع العظام. رابعا: الأعصاب. خامسا : العضلات. سادسا: الأعضاء التناسلية للذكر. سابعا: المعدة والكبد وتجويف الوطن. ثامنا: الرحم. تاسعا : المخ والعينان (3) وبالرغم من أن الرسوم في مخطوط جونفيل وكايوس تعرض هذه الأعضاء بهذا الترتيب تماما، ولا أن الرسوم التخطيطية sketches في المخطوط الوحيد الآخر، الذي يضم المجموعات التسع كلها تظهر بدون أي ترتيب. وهكذا فإن الصور الايضاحية في المجلد الطبي الشهير" أشموليان 399 "399Ashmolean 399 والموجود في مكتبة بودليان Bodleian باكسفورد تتوزع بدون ترتيب معين على عدة نصوص. ومعظم الرسوم البيانيةgraphics في مجلدات كمبريدج وأكسفورد، باستثناء الرسم التخطيطي للمخ والعينين، تظهر أيضأ في ملخص طبي medical compendium يرجع تاريخه إلى القرن الخامس عشر يوجد حاليا بمعهد ويلكم Wellcome في لندن. وفي هذا الملخص نجد بين الرسوم الأصلية للمجموعة عدة رسوم أخرى ليستا- منها لا الأصل (4) والشىء الوحيد الذي يستجدى على سلسلة رسوم أشموليان، هو رسم تخطيطي لقلب يبرز من رئتين تشبهان جراب السيف. وهذا الرسم للقلب مع الرئتين، هو الوحيد من بين مجموعة كمبريدج الذي يعوزه الماسك والانسجام، بيما تماثل الرسوم التوضيحية لبقية الأعضاء، الأشكال التي نجدها على الصفحة السابعة من مجموعة جونفيل وكايوس. وتشمل هذه الرسوم رسما للكبد بفصوصه الخمسة، يتداخل مع رسم المعدة، ويزينه رسم للمرارة زمردي الشكل، ورسم تخطيطي بياني للقصبة الهوائية تمتد إلى داخل الرئتين، ورسم منفصل للمرارة ذو لون يميل إلى الاخضرار، ورسم للط!حال ذو لون أصفر ضارب إلى السمرة (5). وبمقارنة المخطوطين اللذين يحتويان على رسوم إيضاحية لتسع مجموعات من أعضاء جسم الإنسان نكون قد اكتشفنا أن الترتيب الطبيعي لهذه المجموعات قد اختل في مجموعة أكسفورد. وأن شرح الصور قد استبعد تماما فيما عدا النقوش التي ظهرت على قوالب هذه الرسوم. فإذا فسرنا هذا الطمس! على أنه جهل ممن نسخوا الرسوم أو خطأ غير مقصود منهم، فكيف نفسر ذلك الرسم الفريد للقلب وقد غلفته رئتان على شكل أقماع؟ وبينما تؤكد المقارنة بين هذين المخطوطين أدن الرسالة التشريحية كانت تشتمل على تسع مجموعات مصور"، فإنها كذلك تطرح أسئلة جديدة كما تضع أيدينا على مفاتيح جديدة تساعد على حل لغز أصل هذه الرسالة وسر نقلها إلى أوربا. وفي متابعتنا لنتائج هذه المقارنة دعنا نتفحص نموذجا آخر. ظن سدهوف أنه قد وقع على اكتشاف لأقدم نسخة من هذه الرسالة في مخطوط كتب في دير القديس بنيديكت Benedict في بلدة بروفيننج.Prufening ويعتبر هذا المخطوط الأن من بين الكنوز التي تحتفظ بها المكتبة الحكومية البافارية في ميونخ ضمن المجلد رقم 2..Codex 13002 وهو عبارة عن مائتين وثلاثين صفحة من القطع الكبير، مكتوبة كلها بخط أليد، ومعظم هذه الصفحات مخصص لشرح الكلمات الصعبة، وتفسير النصوص التي جاءت بالمخطوط والصفحات الثمانية الأولى من هذا المجلد وهي تلك التي تضم الدليل التشريحي الذي درسه سدهوف تختلف شكلا وموضوعا عن باقي محتويات الصفحات التالية. وقد
استخدم عدد كبير من النساخ لكتابة هذا الجزء مما يدل على أن محتوياته
كانت موضع اهتمام كبير لدى رئيس الدير الذي كلفهم بالعمل، ولدى الدير
الذي تم فيه هذا الم نجاز. وقد رسم هذا النموذج بالأسلوب الرومانسيكي وشرح الصور فيه مقتبس من كتابElucidarium الذي ألفه أنوريوس الأوتوني في العقد الثالث من القرن الثاني عشر. وقد رسم هذا النموذج أحد الرهبان من زملاء الفنان الذي نسخ نص المخطوط ذي الخمس مجموعات، وقام بعمل الرسوم الا!ضاحية له. وعندما نقارن هذا النموذج بالرسوم التي جاءت في الرسالة التشريحية نتوصل إلى استنتاجين في غاية الأهمية (7) أولهما أن نساخ مخطوط بروفيننج كانوا أقدر على توضيح جوانب جسم الانسان توضيحا طبيعيا مما نجده في مجموعة الخمس مجموعات. والسبب في أن ناسخ الرسالة التشريحية اختار ألا يفعل ذلك قد يكمن في خوفه من أن يحيد عن النماذج التي وجدها في النص الذي كان ينسخه والاستنتاج الثاني: هو أنه بالرغم من أن الأجسام في رسوم مجموعة الخمس قد تكون نقلت عن أصل ذي أسلوب معين إلا أن الرؤوس في هذه الرسوم قد أصابها بعض التغيير حتى تماثل الأسلوب الذي رسمت به أشكال مخطوط بروفيننج. وتشبه الرؤ وس في الأشكال التي جاءت بالقسم التشريحي من الصفحات الثما نية الأولى بالمجلد رقم 13002 الرأس الذي جاء في النموذج المصغر على صفحة العنوان كما تشبه رؤوس الأشخاص في هذا الجزء وفي الأجزاء الأخرى من المجلد. ويؤكد هذا الاستنتاج رسم الشكل الشرياني حيث كتب عليه النص نفسه ونجد جزءا من هذه الكتابة على الخد الأيمن " للرجل الشريانى" (6) وجاء هذا العيب في الرسم نتيجة لعجز الناسخ عن التوفيق بين رسم الرأس بأسلوب بروفيننج وبين المساحة المخصصة في الرسم للشكل الأكثر استدارة والأقل في التفاصيل الذي كان قد تخيله في ذهنه عندما بدأ في نسخ النص وبينما حافظ ناسخ مخطوط بروفيننج على الوضع القرفصائي للأشكال التي رسمها إلا أنه أحدث تغييرات في وضع رؤ وسها. ثم لماذا لم يجر أي تعديلات إلا في هذا الجزء فقط؟ أغلب ظني أنه أجرى هذه التعديلات لكي يخفي أصول الرسالة وأن ما كان الناسخ أو رئيس الدير يسعيان إلى إخفائه هو أن النص والرسوم الإضاحية به كان مأخوذا عن أصل إسلامي. ويدعم هذا الرأي تلك الرسوم التي نجدها في بعض المخطوطات الإسلامية المحفوظة في مكتبة الهند بلندن، ومكتبة بودليان بأكسفورد، والبيليوجرافيا القومية في باريس (8) .Bibliotheque Nationale in Paris وفي كل من هذه المجموعات وجد سدهوف وسيدل Seidel أمثلة على أشكال تشبه إلى حد بعيد الأشكال الإيضاحية الأوربية التي كان قد نشرها قبل ذلك، وليست هذه الأشكال نادرة في العالم الإسلامي، ويوجد منها عدة نسخ حتى في الولايات المتحدة الأمريكية. والمثال على ذلك تلك الرسالة الرائعة التي كتبها منصور وتوجد في مجموعة ترينت Trent Collection بجامعة ديوك Duke University حيث نجد أن شرح الرسوم مكتوب باللغتين الفارسية والعربية، وحيث نجد أنه بالإضافة إلى الخمسة المناظر الأمامية المعتادة يوجد منظر سادس لامرأة حامل (9). كما نجد رسوما لأشخاص في وضع القرفصاء توضح الأعضاء الداخلية للجسم في الكتابات الطبية الصينية، والأمثلة على ذلك رسم لهيكل عظمي، ورسم آخر لشخص يعالج بوخز الإبر، ملحق بكتيب للأطباء الشرعيين، يعود تاريخ تأليفه إلى القرن الثالث عثر(10). وتوجد نسخ من الأشكال القرفصائية في الكتابات الطبية بالتبت Tibetan writings ولو أنه يعتقد بأنها قد تأثرت بالكتابات الصينية (11). وكما تبين هذه الأشكال الشرقية فإن المشكلة التي كان سدهوف يعتقد أنها محلية أو خاصة بأوربا فقط اتضح أنها توجد في ثقافات متعددة أو أنها في الواقع مشكلة عالمية. وخلال دراسته الطويلة للرسالة كان سدهوف يصر على أن ما أطلق عليه مجموعة الخمسة كانت تخلوان أقي تأثيرات عربية، وبما أنه لم يجد أي كلمات عربية في النصوص التي حققها فقد أكد بأن الرسالة نشأت أصلا في الإسكندرية، وأن النموذج الأصلي لها كان كتابا مدرسيا موجزا في علم التثريح، جرى تأليفه باللغة اليونانية خلال القردة الثالث قبل الميلاد، وأن النص ورسومه الإيضاحية لا بد وأنه قد ناقل عن هذا التراث القديم عبر بيزنطة إلى دير بروفيننج في بافاريا، حيث كتبت أقدم نسخة لاتينية حسب ما كان يعتقد. ويدحض الرأي القائل بأن الرسالة تعود في أصلها إلى الإسكندرية، أن جالين هو المرجع الوحيد الذي بالنص، جاء بعد عهد هيمنة الإسكندرية بخمسة قرون. كما يقوض رأي سدهوف من أساسه، أن النموذج الأصلي الذي نقلت عنه الرسالة حسبما كان يتصور لم يظهر إلى الوجود أبدآ، وعدم وجود هذا النموذج، أو وثائق محايدة تشهد بوجوده يلقي ظلال الشك على الإفتراض بأنه قد كتب في يوم من الأيام، وقد تلقت نظريات سدهوف ضربات موجعة بعد اكتشاف نسخة جونفيل وكايوس من الرسالة. ورغم اعتقاده أن نسخة بروفيننج هي أقدم نسخة موجودة في الغرب اللاتيني، إلا أننا نعرف الآن أن نسخة كمبريدج، إما أنها تسبق فى تاريخها نسخة بروفيننج المعدلة، أو أنها هي نفسها نسخة من الرسالة أقرب إلى النسخة الأصلية. وبعد إئبات أن الرسالة الأصلية كانت تحتوي على تسعة أجزاء أو تسع مجموعات من الرسوم وبعد ما وجدنا نسخة تتكون من تسعة أجزاء بنفس الترتيب الذي حدده المؤلف. لا بد أن تتهي إلى أن النسخة الكاملة هي أقرب ما يكون إلى الأصل من أي نسخة أخرى مختصرة، وبالإضافة إلى ذلك، فالرسوم الموجودة بنسخة كامبريدج ذات التسعة الجزاء مذيلة بشروح. ويوجد بهذه الشروح دليل دامخ على خطأ نظرية سدهوف، حيث نجد بها ترجمات لاتينية حرفية لعبارات عربية. فالأشكال الغريبة نصف الدائرية التي توجد على صدر " رجل العضلات) مثلا تحمل اسم " أمينديولا " amindula وهي ترجمة حرفية لكلمة العربية " لوزتان "، وكلمة " لوزة " العربية هي المقابل لكـلمةalmond في الإنجليزية. وقد استخدم الأطباء العرب هذا المصطلح لتسمية لوزة الحلق فخىسهم (13) وميل هذه التكوينات اللمفاوية إلى أسفل لا يقلل كثيرا من شأن دلالتها على التأثير العربي الذي أصر سدهوف على عدم وجوده، كما تحتوي الرسالة على ألغاز تبين أن النساخ الغربيين قد أساءوا فهم المفاهيم العربية أو فسروها تفسيرا قاصرا. ومثال على ذلك تلك الفتحات التي يبدأ بها القسم الشرياني حيث وصفت والشرايين أو الأوردة النابضة على أنها تأتي من وعاء دموي كبير، مصدره حبة سوداء (nigrum granum) في القلب، وعلى أنها تكون في الرأس شبكة من الأوعية الدمو ية تسمى أنا فوسا anaphusa (14) . وقد تحير المؤ رخون الطبيون لعشرات السنين في فهم المعنى الذي كان يقصده المؤلف فى هذا الجزء من المخطوط. وبما أن المرجع الوحيد الذي جاء ذكره بالرسالة هو جالين، لنبحث إذن عن تفسير ما أغلق علينا فهمه من وصف هذا المؤلف في الكتابات التي ألفها جالين. كتابه " أوجه الاتفاق بين أبو قراط وأفلاطون "On the Concordance of Hippocrates and plate . " أول نجد أطول وصف قدمه لنا جالين عن البدايات الشريانية. ففي هذا الكتاب عمد جالين إلى التدليل على أن الأعصاب تبدأ من المخ، وأن الشرايين تبدأ من القلب وأن الأوردة تبدأ من الكبد، ويتتبع جالين الشرايين الى نقطة بدايتها فيقول إنها تخرج من وعاء دموي واحد، يبدأ من نقطة محددة في القلب، وشبه الشريان الرئيسي بجذع الشجرة، ويمضى في شرحه فيقول، إن هذا التركيب الذي يشبه تركيب الشجرة ينقسم إلى شعبتين: فيتجه الفرع البر إلى العمود الفقري، بيما يصعد الفرع الأصغر إلى الرأس حيث يتفرع بالتالي إلى فروع أصغر فأصغر، ويكون شبكة مترابطة من الأوعية الدموية. وأخيرا يقوله: وكما أن الكبد هو منشأ الأوردة فإن الشرايين تتفرع من القلب لأن بذرة الشجرة الشريانية قد بذرت هناك (15). وفي هذا النص الذي كتبه جالين نجد إذن شيئا يشبه الحبة مكانه في القلب، ولو على سبيل القياس، ونجد أن منطقة القلب قد وصفت على أنها المصدر الذي يخرج منها وعاء دموي تتفرع منه كل الشرايين، كما نجد وصفا للشبكة الشريانية في المخ. والتشابه واضح للعيان بين هذه الأفكار وتلك التي نجدها في الدليل التشريحي المصور، ولكن المشكلة تكمن في معرفة المصدر الذي استقي منه مؤلف الرسالة المكتوبة في القرون الوسطى مثل هذه المعلومات، حيث لا علم لنا بوجود نسخة لاتينية أيام القرون الوسطى، وحيث إن الفضل في اكتشاف النص اليوناني لرسالة جالين وترجمته إلى اللاتينية يعود لعلماء عصر النهضة (16). إلا أن هذا العمل الذي ألفه جالين كان معروفا منذ قديم الزمان للعلماء المسلمين، فيخبرنا حنين بن إسحاق أنه ترجم كتاب " الاتفاق "Concordance من اليونانية إلى اللغة السريانية وأن أيوب Ayyub of Edessa كان قد أعد من قبله نسخة مترجمة أيضأ إلى السريانية. وجاء بعد ذلك حبيش، ربما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ليترجم هذا الكتاب من السريانية إلى العربية وبذلك جعله في متناول أيدي الأطباء العرب (17). ويميل الناشرون الغربيون إلى الاعتقاد بأن الطبيب اللامع ابن سينا استخدم كتاب " الإنفاق " كمرجع عندما كتب الفصل الخاص بتشريح القلب في كتابه الشهير " القانون " (18)، والأسهل من ذلك إثبات معرفة علي بن رضوان بكتاب " الإنفاق " ففي حاشيته التي شرح بها كتاب جالين Arsparra وصف هذا الطبيب القاهري القلب بأنه يمثل جذر الشجرة الشريانية وقارن الشريان الرئيسي الكبير بجذع الشجرة، ولاحظ أن كل شرايين الجسم كانت تتفرع منه (19). إذن ففكرة وجود حبة في القلب تشع منها كل الشرايين يبدو أنها لاقت قبولا في العالم الإسلامي. وبما إنه لا يبدو أن أفكارا مشابهة قد وصلت أوربا في النصف الأول من القرن الثاني عشر، وهو الوقت الذي ذاعت فيه الرسالة التشريحية المصورة، فإن الحبة السوداء في قلب " رجل الشرايين " تؤ يد فكرة أن أصول هذه الرسالة كانت إسلامية بالفعل. وعلى ذلك، فبدلا من أن نقول إن أصل هذه الرسالة يعود إلى الإسكندرية، نجد أنه من الأسهل بكثير أن نفترض لها أصلا إسلاميا. أما مشكلة انتقالها إلى أوربا فسنجد لها حلا يسيرا إذا أعدنا إلى الأذهان بعض الحقائق التاريخية المتعلقة بهذا الموضوع. فلقد لعبت إنجلترا دورا في غاية الأهمية فى تلقي العلوم العربية ونشرها خلال القرن الثاني عشر. وبدءا من " ايدلارد أوف باث " Adelard of Bath فلقد كان الكثير من العلماء الإنجليز يترددون على المدارس والمعاهد الأسبانية خلال تلك الفترة، ونشطوا كثيرا قي دراسة وترجمة المؤلفات العربية العلمية (20)، وعقب الغزو النورماندي لإنجلترا وانتشار عادائهم وتقاليدهم فيها ازداد اهتمام الأديرة، وخاصة أديرة القديس بنديكت بدراسة العلوم الطبية وممارستها، وطأ وجود رهبال! من أمثال بولدوين،Baldwin رئيس ديرسانت أدمونذر في بيري، الى ت ي استبقاه وليام الفاتح ليكون طبيبه الخاص، وفاريسيوس Faricus رئيس دير أبينجتون Abington؟ ول الذي أشرف على الملكة ماتيلدا عندما وضحت مولودها الأول في عام 1101، لدليل على ازدهار العلوم الطبية في الأديرة الانجليزية خلال الفترة التي بدأت فيها المؤلفات العربية العلمية تصل إلى إنجلترا من أسبانيا (21) 0 إن النسخة اللاتينية من الرسالة والوحيدة التي. نجدها في أتم شكل، ودون أن تمس رسومها الإيضاحية بأي أذى، هي نسخة جونفيل وكايوس، وهذه النسخة موجودة حاليا في إنجلترا، وربما كانت دائما هناك منذ أن وجدت. وأبسط افتراض بخصوص دخول نموذجها الأصلي إلى أوروبا، هو أن نفترض أن دليلا تشريحيا عربيا مصورا قد وجد طريقه من إسبانيا إلى أحد أديرة القديس بنيديكت في إنجلترا، وقبل وصوله أو بعده، فإن هذا الدليل لا بد أنه ترجم كلمة إلى اللغة اللاتينية، ونقلت رسومه الإيضاحية بكل صبر وأناة. وفي فترة لاحقة، أعير هذا الدليل، أو صورة طبق الأصل منه إلى دير القديس بنيديكت في بروفيننج، حيث أدت إصلاحات هيرساو Hirsauفي النصف الثاني من القرن الثاني عشر وعدد من الرهبان الذين تولوا رئاسة الدير إلى نشيط حركة النسخ والعمل على اقتناء مكتبة ضخمة. والأحداث المعاصرة في تلك الفترة قد تنشر التغييرين الأساسيين اللذين لاحظناهما في نسخة بروفيننج، فلقد طالبت حركة إصلاح هيرساو، كما فعلت حركة كلونياك Cluniacالتي سارت على نهجها بالعودة إلى تطبيق القوانين الشرعية فيما يتعلق بتحريم الزواج على رجال الدين، والتأكيد على طهارتهم بصفة خاصة. لذلك لا يستبعد أن يكون أحد رؤساء الدير المتحمسين لهذا الاتجاه قد أمر بحذف الأربعة الأقسام الأخيرة من الرسالة، اعتبارها لا تليق بأن تقع عليها عيون رهبان الدير الأطهار، وقد يكون أيضأ وراء التغييرات التي أجريت على شكل الرؤ وس في مجموعة بروفيننج دوافع نشأت عن عداوات سياسية أو دينية أو اقتصادية (22). وباختصار، فإن الفرضية التي أطرحها هنا عن الأصول الحقيقية لهذه الرسالة التشريحية تتميز عما قاله سدهوف في أنها تبرر ما لاحظناه أثناء هذه الدراسة، وتفسره بشكل أدق وأقرب إلى الأفهام، كما تكتسب هذه الفرضية أهميتهـا من أنها تشير إلى طريق انتقلت عبره المفاهيم التشريحية إلى أوربا لم تلتفت إليه الكثيرون. ومع ذلك، تظل الفرضية تحتاج إلى إثبات علمي قاطع. فإن كنا نهدف إلى فهم حقيقي لمغزى الرسالة التي تختفي وراء هذه الوثيقة الغربية، ينبغي أن نهتم بجمع كل الدلائل المتعلقة بها مهما قل شأنها، ولقد تم الأن إرساء الأساس اللازم لهذا العمل، وتبقى المرحلة التالية وهي إعداد تحقيق نهائي عن كل النسخ المعروفة لنص الرسالة التشريحية وما جاء بها من رسوم إيضاحية. وحتى الآن لم يتوفر التمويل الضروري لإكمال هذا الجزء الحيوي من المشروع، وعندما يتم ذلك، يمكننا البدء في تحديد مصادر النسخة التي تضم تسع مجموعات من الرسوم وتقييم أهميتها. وإننا نتطلع إلى تحقيق هذا الهدف بمساعدة العلماء المسلمين، كما نتطلع إلى إثبات وجود صلة أخرى بين تراث الطب الم سلامي وبداية علم التشريح في الغرب، والذي أص بح أساسا لعلوم الطب الحيوي Biomedical هناك. |