|
رأي ابن سينا فى علم التشريح أستاذ دكتو ر جو
رناليس أوذين مقدمة: قال ميتلر Mettler بكل وضوح: إن فضل العرب على علم التشريح يتجلى فما اكتشفه عبد اللطيف البغدادي (1162- 1321) من أن عظمة الفك السفلي لا تتكون من قطعتين كما قال جالينوس، ولكن من قطعة واحدة (ميتلر 1947). وقد قيل إن إسهام العرب المحدود في علم التشريح يرجع إلى أن الشريعة الإسلامية كانت تحرم تشريح- جسم الإنسان، ولو أن التحريم المطلق للتشريح كان دائما موضع جدل من الفقهاء (نصر 1976). وهناك عقبة أخرى وقفت فى الطريق، وهي أن المناخ الحار الجاف الذي كان يسود البلدان العربية جعل من المستحيل تقريبا دراسة التشريح ( ميتلر 1947) إلا أن الطب على الرغم من كل هذه العقبات قد ازدهر في بلاد ا (حرب أيام القرون الوسطى، وكان لا بد على الدول الغربية المتخلفة ني ذلك الوقت من أن تتتلمذ على يد العرب في جميع مجالات العلوم، كما كان كتاب " القانون في الطب ! لابن سينا أكبر شاهد على عظمة الطب الإسلامي، وقد ظ!! هذا الكتاب يستخدم كمصدر إجباري ني كل الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر الميلادي (أودين 1981). وفي الكتاب الأول من ! القانون " يأتي الموضوع الرئيسي وهو علم التشريح ووظائف الأعضاء، وأب هذا الكتاب نجد وصفاً دقيقاً لجميع الظواهر المرضية التي تتضح نتيجة لدراسة وظائف الأعضاء وما يمكن أن يعطل هذه الوظائف، ولقد كانت معرفة ابن سينا بعلم التشريح مثار دهشة وإعجاب، وهذا يناقض تماماً ما قاله ميتلر. ولتطرح الآن بعض الأسئلة المحددة التي تقيم الدليل على خطأ رأيه. -
ما هي وجهة نظر ابن سينا في علم التشريح؟ رأي ابن سينا في علم التشريح: طرح ابن سينا في الفن الأول من الكتاب الأول من (القانون مفهومه الأساسي عن الصحة والمرض (جرونر سنة 1970)، ولن نستطيع أن نستوعب آراءه في علم التشريح دون فهم حقيقي لهذا المفهوم. وعن أسباب الصحة والمرض قال ابن سينا إنها أربعة: مادية، وفاعلية، وصورية، وتمامية:- أ- الأسباب المادية: هي الأشياء الموضوعة التي فيها تتقرر الصحة والمرض. ا-
الموضوع الأقرب: عضو أو روح. والأخلاط والأركان موضوعان بحسب التركيب، وإن كانا أيضأ معرضين للتغير، ولكن بحكم التركيب والتغير وحدة واحدة، وتلك الوحدة إما مزاج، وإما هيئة. أما المزاج فبحسب التغيير، وأما الهيئة فبحسب التركيبط. ب- الأسباب الفاعلية: وهي الأسباب المغيرة أو الحافظة لحالات بدن الانسان، وهي: أسباب خارجية تتمثل في الهواء وما يتصل به، والمطاعم والمياه والمشارب وما يتصل بها، والبلدان والمساكن وما يتصل بها. أسباب داخلية: تتمثل في الحركات والسكنات البدنية والنفسانية منها: *
النوم واليقظة. ج- الأسباب الصورية: وتقع في ثلاثة موضوعات:- ا-
ا لمزا جات Constitutions د- الأسباب التمامية: وهي الأفعال وفي معرفة الأفعال معرفة القوى لا محالة ومعرفة الأرواح الحاملة للقوى. ويبين هذا العرض لأسباب الصحة والمرض أن هذه الأسباب وثيقة الصلة بالأركان والأعضاء والأخلاط والقوى الخ... وقد حصر ابن سينا حديثه عن علم التشريح في أعضاء الجسم، وأجهزة الحواس. إلا أن مفاهيمه في علم التشريح لن تتضح لنا بشكل شامل وكامل إلا إذا عرفنا بقية المصطلحات التي استخدمها في هذا المجال. وإليك ملخصاً للموضوعات الأخرى التي جاء شرحها في الكتاب الأول من " القانون، (جرونر 1970). العناصر (الأركان) Elements هي أجسام بسيطة، تتمثل في الأجزاء الأولية لبدن الإنسان وغيره من الكائنات في صورها المختلفة والمتنوعة. والعناصر أربعة اثنان منها خفيفان، النار والهواء، واثنان ثقيلان: الأرض، والماء. العناصر الخفيفة هي المعادل لصفات: ضعيف، ذكر ا لأنه مانح أو استهلالي). إيجابي نشيط، سماء. والعناصر
الثقيلة هي المعادل لصفات: قوى، أنثى ا لأنه متلقية)، سلبي، خامل،
أرض. المزاج كيفية تحدث من تفاعل الصفات الأربعة الأولية بالعناصر وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. ويمكن
تصنيف المزاج إلى نوعين: - غير معتدل: حيث لا يكون المزاج من بين الصفات المتضادة وسطاً مطلقاً، ولكن يكون أميل إلى أحد الطرفين إما إلى الساخن أكثر من البارد، أو إلى الرطب أكثر من اليابس أو عكس ذلك). إلا أن المعتدل على هذا المعنى لا يجوز أن يوجد أصلاً، فضلاً عن أن يكون مزاج إنسان أو عضو إنسان، والمقصود بالمعتدل هو مشتق لا من التعادل الذي هو التوازن بالسوية، بل من العدل في القسمة، وهذه القسمة هي ما يجب أن تكون محل الاعتبار سواء بالنسبة للجسم ككل أو- بالنسبة إلى أحد أعضائه. والمزاج يتغير إلى درجة كبيرة بتغير السن والجنس والمسكن والصناعة: -
فالمزاج في فترة الحداثة (حتى سن الثلاثين) يتميز بالحرارة، وتكون
الرطوبة زائدة. ا
لأخلاط: humours والخلط
الرديء unhealthy humour هو عكس ما نجده في الخلط المحمود، وقد يتحول
نادراً إلى خلط محمود، ويكون حقه قبل ذلك أن يدفع عن البدن وينفض.
- الأخلاط الأولية. جنب
ا لدم Sanguinous - الأخلاط الثانو ية: -
غير فضول ((غير برازي) non - excrementitious أصل الأخلاط: تشتق الأخلاط الجسدية من امتصاص الطعام في القناة الهضمية. وبذلك تمر بعدة مراحل هضمية. ا-
الهضم المبدئي. من فوق- القلب. والناتج النهائي لهذه المرحلة الهضمية هو ما يسمى با لكيلوسChyle وهو جوهر سيال شبيه بماء الكشك الثخين . المرحلة
الثانية: الطريقة: عند تكون الكيلوس تمتصه الأمعاء، ثم يمر منها إلى أوعية الأغشية التي تربطها بالبطن، ثم من هذه الأوعية إلى الوريد البابي portal vein وأخيراً يدخل الكبد، وفي الكبد ينتقل الكيلوس عبر أوعية دموية دقيقة حتىيصل إلى الأوعية الشعرية، ومنها يندفع في العرق الأعظم superior vacal vein الطالع من حدبة الكبد،فيسلك في الأوردة المتشعبة منه، ثم في جداوله الأوردة، ثم نب سواقي الجداول، ثم في رواضح السواقي، ثم في العروق الليفية الشعرية، وأخيراً يدخل القلب، ومنه يتوزع إلى باقي أعضاء الجسم. ولا ينتقل الكيلوس في الأوعية الدقيقة في الكبد ما لم يختلط بالماء المشروب الذي يزيد عن حاجة البدا ن. النواتج
الأصلية والثانوية لعملية الهضم حتى مرحلة الكبد هي:-
نواتج
ثانوية: والدم الذي يتصفى من الكيلوس في الكبد يكون أرق مما ينبغي بسبب ازدياد نسبة الماء فيه، ولكنه إذا انفصل عن الكبد يتصفى الدم من المائية الزائدة فيه، حيث تنجذب عنه في عرق نازل إلى الكليتين، وتحمل معها من الدم ما يكون بكميته وكيفيته صالحاً لغذاء الكليتين، ويندفع باقيها إلى المثانة وإلى الإحليل. أما الدم الحسن القوام، فيندفع في العرق الأعظم الطالع من حدبة الكبد، فيسلك في الأوردة المتشعبة منه، ثم في قنوات رفيعة في سمك الشعرة حيث يرشح من فوهاتها، ويغمر الأنسجة. 4-
المرحلة الثالثة: 5-
المرحلة الرابعة: ا لقو ى: Faculties القوى
هي خواص تتبدى من خلالها ظاهرة الحياة. وأنواع القوى ثلاثة *
القوى الطبيعية (الطبيعيات) ومسكنها ومصدر أفعالها هو الكبد.
والنفسbreath: ينشأ من الجانب الأيسرللقلب، وهو ليس بمستوح للنفس فحسب ولكنه أيضأ المركز الذي يصنع فيه هذا النفس، وينتج النفس من الجزئيات الدقيقة من الخلط بيما تنتج الأنسجة (وهي البدن المرئي) من الجزثيات الخشنة الأرضية من الخلط. والنفس فيض إلهي من حالة المتمكن إلى حالة الواقع المحسوس، ويظل مستمرا دون انقطاع أو قيد حتى يكتمل الشكل ويتم. ووظيفة
النفس هي أن تنقل قوى الروح إلى الأعـضاء بحيث: ويمر النفس من القلب إلى المراكز الرئيسية بالبدن، ويتريث في كل مركز منها بعض الوقت حتى يمنحه هذا المركز أو ذاك خصائصه المزاجية، فهو يتريث في الدماغ حيث يتلقى نزعة يمكنه أن يكتسب بها قوى الحس والحركة، ويتريث في الكبد حيث يتلقى قوى التغذي والنمو (القوى الطبيعية)، ويتريث في أجهزة التوالد حيث يكتسب مزاجاً يتلقى به القوة المولدة. وبالرغم من أن النفس غير مادي إلا أنه يحتاج إلى أساس مادي له مكونان: - بخار مائي وبخار سخامي، وبه أيضأ جزء من الأوكسجين حيث إن أفعال الأوكسجين في البدن هي نفسها الأفعال التي تعزى للنفس الذي يحمله. أعضاء الجسم: تشتق أعضاء البدن بصفة أولية من مزيج الأخلاط، كما تشتتق الأخلاط بصفة أولية من الغذاء، ويشتق الغذاء من الأركان (العناصر). وأعضاء الجسم نوعان: أعضاء مفردة، وأعضاء مركبة. ا-
الأعضاء المفردة (أو الأنسجة الأولية): طبيعته:
صلب ا-
14 لأ وتار tendons: ا-
5 الر باطات: Ligaments ا-6
الشرايين : arteties ا-
7 الأوردة veiins ا-
8 الأ غشية : membranes ا-
9 اللحم : Flesh 2-
الأعضاء المركبة: وتسمى أعضاء آلية، لأنها هي آلات النفس في تمام الحركات والأفعال. العلاقة
بين القوة والعضو: وتنقسم
الأعضاء من حيث علاقتها بالقوى إلى ما يأتى:- *عضو معط وغير قابل: يوجد هنا خلاف كبير بين الأطباء والفلاسفة، إذ يرى الفلاسفة أن القلب هو الأصل الأول لكل قوة، وهو يعطي سائر الأعضاء القوى التي تغذي والتي تحيي والتي تدرك وتحرك، أما الأطباء فيرون أن كل عضو قابل ومعط ولم يقولوا بعضو معط غير قابل، فالقوى الآتية تتوزع على سائر الأعضاء: -
قوة التغذية في الكبدي *عضو قابل غير معط: مثل اللحم القابل قوة الحس والحياة، وليس هو مبدأ القوة يعطيها غيره في مقابل ذلك. * عضو كير قابل وغر معط: وهنا اختلف الفلاسفة والأطباء أيضأ، فيرى الفلاسفة أن العظام واللحم غير الحاس وما شابههما إنما تبقى بقوى فيها غريزية تخصها لم تأتها من مباد آخر، لكنها بتلك القوى (ذا وصل إليها غذاؤها كفت نفسها، فلا هي تفيد شيئا آخر قوة فيها، ولا يفيدها أيضأ عضو قوة أخرى؛ بينما يرى الأطباء أن تلك القوى ليست تخصها، لكنها فائضة إليها من الكبد أو القلب في أولا الكون ثم استقرت فيها. وقد أدلى ابن سينا برأيه الخاص قي هذا الخلاف بين الأطباء والفلاسفة فصنف الأعضاء إلى ثلاثة أنواع: أ- الأعضاء الرئيسية: وهي الأعضاء التي هي مبادئ للقوى الأولى في البدن المضطر إليها في بقاء الشخص أو النوع، وهذه الأعضاء هي: أ-
القلب: وهو مبدأ قوة الحياة. ب- الأعضاء الخادمة : auxiliary تنقسم
إلى نوعين وعملها
يتقدم عمل الأعضاء الرئيسية، وهي تسمى بالأعضاء الملاصقة Adnexa.
تصنيف
الأعضاء حسب فعلها: وهنا يختلف ابن سينا مع جالينوس؟ فهو يرفض هذا التصنيف ويرى أنه يجب أن نعنى بالفعل ما يتم بالشىء وحده من الأفعال الداخلة في حياة الشخص أو بقاء النوع مثل ما للقلب في توليده الروح، وأن نعني بالمنفعة ما يهوى لقبول فعل عضوآخر، حينثذ يصير الفعل تاما فى إفادة حياة الشخص أو بقاء النوع. مثال:
تصنيف
الأعضاء حسب نشأتها: العلاقة بين دم الحيض وبين الجنين: يتغذى الجنين على دم الحيض أثناء فترة الحمل: إذ يتحول جزء من هذا الدم إلى ما يشبه المنى والأعضاء المكونة منه، فيكون غذاء منميأ للجنين، ويسمي هذا الجز بغذاء النمو. وجزء لا يصير غذاء للجنين ولكن يصلح لأن ينعقد في حشوه ويملأ الأمكنة التي بيت الأعضاء الأولى فيكون لحما وشحما. ولحم الجنين يتولد عن مني الدم الذي يتخثر بفعل الحرارة واليبوسة، أما شحمه فمن مائية الدم ودسمه، وهذه تتخثر بفعل البرودة ثم تتفكك بفعل الحرارة. يتبقى بعد ذلك من دم الحيض فائض لا يصلح لأحد الأمرين السابقين فيبقى إلى وقت النفاس فتدفعه الطبيعة فضلا. تجبير الأعضاء: بالنسبة
للأعضاء المتخلقة من السائل المنوي: بالنسبة
للأعضاء المتخلقة من الدم: وبالنسبة للأعضاء المتخلقة من الدم والساثل المنوي: ما دام العهد بالمني قريبا فذلك العضو إذا مات أين أن ينبت مرة أخرى (كالسن عند الصبي)، وأما إذا استولى على الدم مزاج آخر فإنه لا ينبت مرة أخرى. الأغشية
التي تغلف الأعضاء الداخلية: نسيج الأعضاء: هناك ثلاثة أنواع من الأنسجة. -
أنسجة لحمية. والنسيج الليفي يلائم الأعضاء المنوطة بالحركة، أما الإرادية فبسبب ليف العضل، وأما الحركة الطبيعية (اللا إرادية) كحركة الرحم والعروق والمركبة كحركة الازدراد فتعتمد على شكل واتجاه الألياف من وضاع الطول والعرض والتوريب. -
فالألياف الطولية خاصة بحركة الجذب. وما
كان من الأعضاء ذا طبقة واحدة، مثل الأوردة، فإن أصناف ليفه الثلاثة
منتسج بعضها في بعض، وما كان منها ذا طبقتين، فالليف الذاهب عرضا
يكون في طبقته الخارجية والآخران في طبقته الداخلية، إلا أن الذاهب
طولا أميل إلى سطحه الباطن، وقد خلق كذلك لئلا يكون ليف الجذب والدفع
معأ، بل ليف الجذب والإمساك لا أولى بأن يكونا معا، إلا في الأمعاء
فإن حاجتها إلى الإمساك ليست شديدة، وإنما حاجتها إلى الجذب والدفع.
-
الحاجة الماسة إلى شدة الاحتياط لا وثاقة جسميتها لئلا تنشق بسبب
قوة حركتها، كالشرايين. - إذا احتاج عضو إلى أن يكون كل واحد من الدفع والجذب فيه بحركة قوية أفرد له آلة بلا اختلاط، وذلك كالمعدة والأمعاء. - إذا أريد أن يكون كل طبقة من طبقات العضو لفعل يخصه، وكان الفعلان يحدث أحدهما عن مزاج مخالف للآخر، كان التفريق بينهما أصوب مثل المعدة، فإنه أريد أن يكون لها الحس وذلك إنما يكون لعضو عصباني، وأن يكون لها الهضم وذلك إنما يكون لعضو لحماني، فأفرد لكل واحد من الأمرين طبقة: فطبقة عصبية للحس وطبقة لحمية للهضم. وجعلت الطبقة الباطنة عصبية، والخارجية لحما نية؟ لأن الهاضم يجوز أن يصل إلى المهضوم بالقوة ودون الملاقاة، وأما الحاس فلا يجوز أن يلاقى المحسوس أعني لا حس اللمس. المناقشة: ا- يتضح من هذا العرض أن مفهوم العناصر أو الأركان القائل بأن جسم الإنسان يتكون من عناصر خفيفة (النار والهواء) وعناصر ثقيلة الأرض والماء هو مفهوم غامض، ولا يوجد مثل هذا التصنيف في علوم التشريح والفسيولوجيا الحديثة. 2- ويكاد يكون من المستحيل تفسير مفهوم المزاج عند ابن سينا، فقد صنف أعضاء الجسم إلى درجات مختلفة من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولم يتم تطوير أي دراسات تتعلق بهذا المجال في العلوم التشريحية والفسيولوجية الحديثة. ولم يوضح ابن سينا في كتابه الأول من " القانون- " ما هو التغيير الفسيولوجي المعين الذي يحدث في عضو ما من أعضاء الجسم، يمكن للمرء أن يستنتج منه أن ذلك العفو سيكون باردا أو رطبا أو ساخنا أو يابسا . إلا أن فكرة التوازن أو عدم التوازن في الأنشطة الفسيولوجية أو المرضية- الفسيولوجية فكرة معقولة وحديثة في نوعها، كما أن تأثير السن والجنس والعمل والسكن على توازن أنشطة أعضاء الجسم أو عدم توازنها يجري الحديث عنها بشكل عام، وقد أجريت بحوث كثيرة في هذا المجال تتعلق بعدم توازن الهرمونات والأنزيمات وعدم توازن النمو الخ... 3- ويتضح كذلك أن مفهوم الأخلاط ينم عن جهد بذله ابن سينا لفهم الدور الذي تلعبه السوائل في جسم الانسان، وكذلك طريقة تركيبها وعملها، وقد قال ابن سينا: إنه يوجد نوعان من الأخلاط في الجسم: -
الأخلاط الأولية: وهى الدم والبلغم والصفراء والسوداء.
كما قال: إن سوائل الجسم تشتق من امتصاص الطعام في القناة الهضمية، وبذلك فالطط م يمر بعدة مراحل هضمية، وهناك ثلاثة أشياء مما قالها ابن سينا تثير الإعجاب حقا. أولا: مفهومه عن طريقة تكون الدم. فقد قال: إن الدم يتم تكوينه في الكبد ثم يتدفق من الكبد إلى القلب خلال الوريد الأعظم، ومن هناك يتوزع على بقية أعضاء الجسم، وهو هنا يتبنى رأي جالينوس (جنري 1947). وقد ثبت خطأ هذا الرأي إذ وفقأ للمفاهيم الحديثة يتكون الدم في الأعضاء المنتجة لهhematopietic organs مثل: نخاع العظام التي تنتج كرات الدم الحمراء والخلايا الحبيبة platelets والصفائح الدمويةplatelets بينما ينتج الطحال والعقد اللمفاوية الخلايا اللمفاوية والخلايا ذات النواة الواحدةmonocytes. ثانيا:
والنقطة الثانية تناقض الرأي الأول إذ من المدهش أن ابن سينا يقول:
بأن كل الطعام المهضوم ينجذب ص ت الأمعاء إلى الأوعية الدموية في
الأغشية التي تغلفها، ومن هذه الأوعية يتجه إلى الوريد البابي ثم
يدخل الى الكبد، وبعد عملية معينة في الكبد يصعد إلى الوريد الأعظم
الذي يخرج من حدبة الكبد، وأخيرا يدخل إلى القلب، ومنه
الأجوف السفلي portavacal anastomosis، أو بالدورة البابية الثانوية Collateral portal circulation ( هولينشد 1966) . وقد أكد ابن سينا أيضأ على أهم عملية من عمليات الهضم، وهي أن كل الطعام المهضوم الذي تمتصه الأمعاء يجب أن ينزح منها إلى الكبد، حيث يعالج بطريقة خاصة قبل أن يتوزع على بقية أعضاء الجسم. ثالثا
: والنقطة الثالثة هي تأكيده للعملية الأساسية التي تسمى بعملية
الأيض أو عملية التمثيل الغذائي metabolism، والتي تتم في الكبد.
إذ يتجه الغذاء المهضوم من الأمعاء عبر الوريد البابي إلى الكبد.
وهنا طرح ابن سينا بعضا لأفكار الغامضة عن عملية التمثيل الغذائي
فقال مثلا إن الدم في الكبد يكون مخفف بشكل أكبر بسبب زيادة نسبة
رابعا: ومن الأفكار التي يصعب فهمها فكرته عن القوى. إذ لا يعرف شيء في علم التشريح الحديث عما قاله ابن سينا من: أن الكبد هو مركز القوة الطبيعية (الطبيعيات)، وأن القلب هو مركز القوة الحيوانية (الحيوانيات)،وأن المخ هو مركز القوة النفسانية (النفسانيات). خامسا:
ونفس الشيء ينطبق على مفهومه عن الروح ي 4 كاحل3 لأ فإذا نظرنا إلى
قوله بأن الروح تنشأ في الجانب الأيسر من القلب فقد نفهم أنه يقصد
بالروح شيئا شبيها بالأوكسجين، ولكنه قال إن الروح شىء غير مادي
على الرغم من أنها تحتاج إلى أساس مادي، وقال إن الأوكسجين يدخل
في تكوين الروح. وما يقبله غالبية علماء التشريح اليوم هو أن الروح
يمكن أن يقال عنها إنها شيء غير مادي ولكن ما لا نعرفه حتى الآن
هو المكان المحدد سادسا: ما يسميه ابن سينا بعلم التشريح جاء خاليا من أهم ناحية في التشريح وهي الناحية الوصفية descriptive anatomy، فلم يحدث أبدأ أن صنف ابن سينا أعضاء الجسم إلى أجهزة systems كالجهاز الهضمي والجهاز البولي والجهاز التنفسي والجهاز العصبي المركزي الخ.. كما لم يصف لنا طبوغرافية الأعضاء ولم يذكر لنا أي تفاصيل عن بنية الأعضاء. على أننا نستطيع أن نفهم السبب في هذا القصور عندما ندرك أن بعض الفقهاء حرم التشريح، وأن الظروف المناخية الصعبة التي كانت تكتنف البلدان العربية في ذلك الوقت جعلت من المستحيل القيام بأي عمليات تشريحية. وباستثناء هذه النواحي من القصور فلقد جاء كتاب القانون لابن سينا غنيأ بالمعلومات في مجال علم التشريح الوظيفي والإكلينيكي. ونحن ندرك ما لهما من أهمية سواء من الناحية التعليمية أومن ناحية البحث العلمي؟ فبعد أن يشرح ابن سينا في كتابه طبيعة أي- عضو من أعضاء الجسم كان يتبع ذلك بشرح وظيفته. وعلى سبيل المثال قال عن وظيفة العظام: إنها أساس البدن كما أنها توفر للجسم أسباب الحركة. أما عن وظيفة الأعصاب فقد قال: إنها توفر الحسرة للجسم والحركة للأطراف، وعن الأوتار قال: إنها تساعد على شد العضلات وارتخائها وبذلك تتحرك الأطراف وقد صنف ابن سينا الرباطات إلى قسمين: رباطات حقيقية تربط بين طرفي العظمة، ورباطات ثانوية شكلية لا يوجد بها حس ولا تسبب ألما إذا تعرضت للحركة والحك، وهي تشكل نهاية العضلات. وما يسميه ابن سينا بالرباطات الثانوية الشكلية False Ligaments غير معروف بالنسبة لعلم التشريح الحديث. وما قاله ابن سينا عن الشرايين صحيح في مجمله. إلا أنه قال: إن مبدأ الوريد من الكبد. وهذا ليس صحيحا من وجهة نظر علم التشريح الحديث الذي يرى بأن الشرايين هي جميع الأوعية الدموية التي تتفرع من القلب، بينما الأوردة هي جميع الأوعية الدموية التي تنتهي عند القلب. وجاء وصف ابن سينا لوظيفة الأوردة صحيحا عندما قال إنها تنقل الدم المتدفق من جميع أعضاء الجسم وليس إليها. ومما
يثير الإعجاب أيضأ ما قاله عن وظائف الأغشية: ا-
لتحفظ جملتها على شكلها وهيئتها. وكل هذه المقولات صحيحة وبخاصة المنفعة الأخيرة (دانسون وكلارك 1953) ونندهش كيف توصل! ابن سينا لهذه المعلومات بدون خبرة عملية في تشريح جسم الانسان. والربط
بين أعضاء الجسم وبين القوى كما جاء وصفها في كتاب " القانون " أمر
يصعب فهمه، خاصة وأن مفهوم القوى!سه يعتبر من الأمور الغامضة علينا
والجدير بالملاحظة هنا أن ابن سينا قد اختلف مع جالينوس، وكانت له
آراؤه الخاصة عن هذه المساثل، وينطبق هذا علىتصنيفه لأعضاء الجسم
حسب أفعالها، فقد صنف جالينوبس الجسم إلى ما يلي:-
وهنا يختلف ابن سينا مع جالينوس، فهو يرفض هذا التصنيف ويرى أنه يجب أن نعني بالفعل ما يتم بالشيء وحده من الأفعال الداخلة في حياة الشخص أو بقاء النوع مثل ما للقلب في توليده الروح. وأن نعني بالمنفعة ما يهيء لقبول فعل عضو آخر حينئذ يصير الفعل تاما في إفادة حياة الشخص أو بقاء النوع. وضرب مثلا بالكبد عندما تهضم أولا هضمها الثاني، وتعد للهضم الثالث والرابع. فيما يهضم الهضم الأول تماما حتى يصلح ذلك الدم " لتغذيته نفسها " تكون الكبد قد فعلت فعلأ، وبما قد يفعل فعلا معينا لفعل منتظر تكون الكبد قد نفعت. وتؤيد
الأبحاث التي أجراها العلماء في العصر الحديث في مجالات الفسيولوجيا
والكيمياء الحيوية هذه الفكرة ا لبارعة. إن سائر أعضاء الجسم تشتق من اللاقحة zygote التي تنتج عن إخصاب البويضة بالخلية المنوية للرجل. ويعطينا
مفهوم ابن سينا عن تركيب نسيج الأعضاء نظرة شاملة عن عمل الأعضاء
الأنبوبية tubular members ، فقد قال: إن الحركة المركبة كحركة الإزدراء
تعتمد على شكل واتجاه الألياف من وضع الطول والعرض وا لتور يب.
- ثبت صحة ما قاله عن أفعال الألياف المختلفة. - إن معرفته بوجود ثلاثة أنواع مختلفة من الألياف تدل على أنه قام بعمليات تشريح، وربما يكون قد استعمل لذلك أجسام الحيوانات، ولكن لا يستبعد أن يكون قد استعمل أجساما آدمية أيضأ، ونعرف الآن أن هذه الأنواع الثلاثة لا توجد في كل أعضاء الجسم الأنبوبية، فمنها ما يوجد فيه نوعان فقط من هذه الألياف، كالأمعاء والحالب، ومنها ما توجد فيه الأنواع الثلاثة كالمعدة والمرارة والرحم، وقال ابن سينا أيضأ: إن الألياف الطولية تميل نحو السطح الباطن. وقد خلق كذلك لئلا يكون ليف الجذب والدفع معا بل ليف الجذب والإمساك هما أولى بأن يكونا معا، إلا في الأمعاء فإن حاجتها إلى الإمساك ليست شديدة، بل حاجتها إلى الجذب والدفع، ويسمى هذا الآن بعملية التمجح peristalsis وهي موجات متعاقبة من التقلص اللا إرادي تحدث في جدران الأمعاء فتدفع محتوياتها إلى أمام، ويدلك هذا الجزء على ما كان لابن سينا من آراء غاية في التقديم. نتائج المناقشة: ا- من الناحية العملية البحتة لا نستطيع أن نفهم ما يعنيه ابن سينا بمفاهيمه عن الأركان والمزاج والأخلاط والقوى والروح. ولكننا يجب أن ندرك أن ما لا نستطيع إثباته اليوم بالوساثل التجريبية العلمية لا يمكن اعتباره مجرد هراء، والأفضل أن نعتبره تحديا ملغزا، يدفع بالمفكرين والعلماء في عصرنا الحديث إلى إجراء أبحاث مستفيضة للعثور على الحلول المناسبة لما ألغز علينا. وكان (بن سينا يتبع آراء جالينوس في مواضيع معينة... كرأيه أن الكبد هو مركز إنتاج الدم في الجسم، وهو ما ثبت عدم صحته الأن، إلا أنه عارض جالينوس في مواضيع أخرى، وصاغ لنفسه مفاهيم مستقلة، كما حدث في مسألة الصلة بين الأعضاء والقوى وكذلك في مسألة تصنيف الأعضاء حسب أفعالها. 2- على عكس ما ادعى ميتلر أسهم ابن سينا بنصيب وافر في مجال علم التشريح، وبخاصة في فرعيه الوظيفي والإكلينيكي. فلقد قال: بأن سائر الأعضاء الداخلية أو الأحشاء عديمة الحس وأن الشعور بالألم يأتي فقط من تمدد الأغشية التي تحيط بها إذا أصاب هذه الأعضاء تورم أو التهاب. وذكر عملية خاصة تخم قي الكبد للطعام المهضوم القادم إليه من الأمعاء وبذلك أقر بوجود الدورة البابيية التكميلية. وفيما يخص الأعضاء الأنبوبية الشكل تحدث عن وجود ألياف طولية وماثلة ومستعرضة مع ذكر وظائف كل منها. هوما ثبت صحته تماما . وأخيرا،
استنتج ابن سينا ما نسميه الآن بحركة التمجحperistaltic movement
لا القناة الهضمية. |