تشريح الكبد والطحال والبطن
وأمراضها ومعالجتها في كتاب التيسير لعبد الملك بن زهر

الدكتورة كارمن بينيا الدكتور أمادور دياث
أسبانيا

خلاصة البحث:
إننا نقصد ببحثنا هذا دراسة تشريح بعض أعضاء البدن الإنساني، وهي الكبد والطحالي والبطن، استنادا لهذا إلى كتاب من أشهر المؤلفات الموضوعة في الأندلس في القرون الوسطى وهو " كتاب التيسير في المداواة والتدبير " للطبيب الأندلسي المشهور أبي مروان عبد الملك بن زهر المعروف في الغرب باسم 
Avenzoar

سيرة ابن زهر:
ولد أبو مروان عبد الملك بن أبى العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر في اشبيليه فيما بين عامي 484 هـ/ 1 9 0 1 م و 487 هـ/ 94 0 1 م حسب ما يقول ابن الآبار   من عائلة أطباء أصلهم جزيرة العرب، فإن عضوا من عائلته وصل إلى الأندلس، واستقر بنو زهر في شاطبة أولا ثم في دانيه تحت حماية ملوكها من مجاهد ملك دانيه حتى الأمراء الموحدين الذين خدموهم كأطباء. تجول بنو زهر أيضا في شمال إفريقيا واحتلوا مناصب بارزة هناك. يذكر ابن خلكان بعض أعضاء هذه العائلة كعلماء ورؤساء وحكماء .

من هذا الجيل الأطباء كان أشهرهم في صناعة الطب وتأليف الكتب الطبية أبو العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر المعروف بكنيته أبي العلاء وخاصة ابنه عبد الملك بن زهر مؤلف كتاب "التيسير". درس أبو العلاء الطب فبرز في صناعته. قال ابن أبي أصيبعة إنه كان مشهورا بالحذق والمعرفة وله علاجات مختارة تدل على قوته في صناعة الطب واطلاعه على دقائقها وكانت له نوادر في مداواته المرضى.

ثم ذهب بعد ذلك إلى قرطبة حيث درس الأدب والحديث  ودرس أيضا مؤلفات ابن سينا من حيث إنه ألف لابنه عبد الملك بن زهر كتابا بعنوان " مقالة في الرد على أبي علي بن سينا في مواضع من كتابه في الأدوية المفردة ". 

خدم أبو العلاء كطبيب ملكي أولا للمعتمد بن عباد في اشبيليه ثم في اغمات منفى المعتمد لمعالجة زوجته الرميكية. ثم بعد ذلك رجع إلى الأندلس وعمل بخدمة يوسف بن تاشفين الذي لقبه وزيرا وعرف هذا في القرون الوسطى عند الافرنج باسم Alguazer Albulelizor وهو تحريف " الوزير أبي العلاء بن زهر ". توفى في قرطبة عام 1131 م ودفن في باب الفتح باشبيليه.

ابنه عبد الملك بن زهر أصبح أبرز أطباء العائلة ويعتبر من أعلام الطب الأندلسي. وصفه ابن رشد في الكتاب الخامس، الباب الحادي والثلاثين من " كتاب الكليات" كأكبر الأطباء بعد جالينوس.

تعلم عبد الملك صناعة الطب من أبيه ودرس في أحسن مدارس الأدب والفقه والدين في عصره. خدم كطبيب الأمراء المرابطين، ثم الموحدين.

كان في خلال كل حياته معرضا للتغيرات السياسية فإنه سجن قي مراكش تحث حكم المرابطين. ثم عند انتصار الموحدين خدمهم كطبيب بلاطهم وألف لأبي محمد عبد المؤمن بن علي " كتاب الأغذية والأدوية .

وتوفي أبو مروان عبد الملك بن أبي العلاء بن زهر في اشبيليه سنة 557 هـ/ 1131 م ودفن خارج باب الفتح جنب قبر أبيه.

المفهوم الطبي لابن زهر:

يرجع المفهوم الطبي والفلسفي لابن زهر، كما يحدث لأطباء آخرين من العرب، إلى نظريات جالينوس المعتمدة.على نظرية العناصر الأربعة هي النار والأرض والهواء والماء وصفاتها الخاصة أي الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة. وتبعا لهذا النظام الرباعي فإن الجسم الإنساني مكون من أربع أخلاط: المرة السوداء والمرة الصفراء والبلغم والدم. وتتعلق حالة الصحة والأمراض المختلفة بتناسب هذه الأخلاط الأربعة.

دقة الملاحظة لابن زهر:

ذكر ابن أبى أصيبعة بعض الحكايات التي تنعكس فيها دقة الملاحظة والاطلاع لابن زهر، منها أن الخليفة عبد المؤمن احتاج إلى شراء دواء مسهل وكان لكره شرح الأدوية المسهلة فتلطف إن زهر في ذلك وأتى إلى كرمة في بستانه فجعل الماء الذي يسقيه به ماء قد أكسبه قوة أدوية مسهلة بنقعها فيه أو بغليانها معه ولما تشربت الكرمة قوة الأدوية المسهلة التي أرادها وطلع فيها العنب وله تلك القوة أحمى الخليفة ثم أتاه بعنقود منها وأشار عليه أن يأكل منه وكان حسن الاعتقاد في ابن زهر فلما أكل منه وهو ينظر إليه قال له يكفيك يا أمير المؤمنين فإنك قد أكلت عشر حبات من العنب وهي تخدمك عشرة مجالس فاستخبره عن علة ذلك وعرفه به ثم قام على عدد ما ذكره له ووجد الراحة فاستحسن منه فعله هذا وتزايدت  منزلته عنده .

وتوجد حادثة أخرى تدل على دقة ملاحظة ابن زهر: كان عبد الملك بن زهر في وقت مروره إلى دار أمير المؤمنين باشبيليه يجد في طريق حمام أبي الخير بالقرب من دار ابن مؤمل مريضا به سوء قتبه وقد كبر جوفه واصفر لونه ق كان أبدأ يشكو إليه حاله ويسأله النظر في أمره فلما كان في بعض الأيام سألت مثل ذلك فوقف أبومروان بن زهر عنده ونظر إليه فوجد عند رأسه إبريقا عتيقا يشرب منه الماء فقال اكسر هذا الإبريق فإنه سبب مرضك فقال له لا بالله يا سيدي فإنه ما لي غيره فأمر بعض خدمه بكسره فكسره فظهر منه لما كسر ضفدع وقد كبر مما له من الزمان فقال له ابن زهر خلصت يا هذا من المرض انظرماكنت تشرب وبرئ الرجل بعد ذلك  .

مؤلفات ابن زهر:

ولأبي مروان بن أبي العلاء بن زهر من الكتب:

- " كتاب التفسير في المداواة والتدبير ".
- " كتاب الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد ".
- " كتاب الأغذية والأدوية " ألفه لأبي محمد عبد المؤمن بن علي.
-  كتاب الزينة ".
- " كتاب الجامع في الأشربة والمعاجين ".
- " كتاب القانون المقتضب ".
- " كتاب مختصر حيلة البرء لجالينوس ".
- " رسالة في تفضيل العسل على السكر ".
- " كتاب تذكرة في الدواء المسهل ".

وكتابان مفقودان وهما " مقالة في علل الكلى " و" رسالة في البرص ".
" كتاب التيسير ".

عنوانه الكامل هو " كتاب التيسير في المداواة والتدبير وهو مرتب على الترتيب التقليدي أي بذكر أمراض الأعضاء من الرأس إلى القدم.

لا نعرف بالضبط تاريخ تأليفه. ابن الآبار قال إنه ألفه بعد تأليف " كتاب الاقتصاد ".

يقول المستشرق الفرنسي كولان Colin إنه كان قد ألف، إذن، فيما بين عامي 1121 و 1162 م.نعلم أن هذا الكتاب ألفه لأبي الوليد بن رشد فإن هذا يقول في نهاية (كتاب الكليات "  فمن وقع له هذا الكتاب دون هذا الجزء وأحب أن ينظر بعد ذلك في الكنانيش فأوفق الكنانيش له الكتاب الملقب بالتيسير الذي ألفه في زماننا هذا أبو مروان بن زهر وهذا الكتاب سألته أنا إياه وانتسخته .

" كتاب التيسير " من أهم الكتب العربية في الطب وله تأثير عظيم على طب العصور التالية وكان دائما موجودا في مكتبات الأطباء المسيحيين.

وتوجد بعض النسخ المخطوطة من هذا الكتاب: واحدة في المكتبة الوطنية في باريس، مخطوطة شرقية رقم 2960، ص 0 5 و 189 و، وانتهى من هذه النسخة في برشلونة عام 561 هـ لم 165 1 م. توجد نسخة ثانية في المكتبة البودليان في أكسفورد (إنجلترا) مخطوطة هونتينتون رقم 255، ص ا- 180 ظ، ولا نعرف مكان النسخ ولا تاريخه. أما النسخة الثالثة فهي موجودة في المكتبه المديشية اللورنزية في فيرنزي (في إيطاليا) رقم 215، ص ا و-0 1 1 ظ. وأخيرا كانت مخطوطة أخرى، وهى مفقودة اليوم في المكتبة العبدلية بتونس، تحت رقم 2867/ 7.

وتوجد أيضأ تراجم قديمة عديدة باللغتين العبرية واللاتينية.

ذكر الكبد وأمراضها ومعالجتها:

الكبد أحد الأعضاء الرئيسية وأرسطو يرى أن الأصل في حرارته الطبيعية حرارة القلب والأطباء يرون أن الكبد بذاته عضو رئيسي يكون له بذاته آثار عظيمة وأفعال جسيمة ولذلك قال أبو قراط إن كنا نحى حياة طيبة فبصحة أكبادنا. والكبد ينبوع القوة الطبيعية التي بها يكون الهضم والإنضاج والجذب والدفع. وأفاضت الكبد من هذه القوة خاصة القوة المحيلة لا جميع البدن وبهذه القوى تهضم الأعضاء أغذيتها وتغيرها بعد أن تجتذبها وتمسكها. وهذه القوى كلها بالكبد وعنها.

فمتى أصاب قوتها المغيرة ضعف عرضت في البدن آفات بحسب ذلك الضعف كالاستسقاء. برؤه برد مزاج الكبد إلى اعتداله المعهود. وأما ضعف الكبد الذي يكون فيها من حيث إنها عضو آلي فمثل السد ومثل الورم فإن الورم من أمراض الأعضاء المتشابهة الأجزاء فإن برء ذلك بتفتح السدة إن كان السدة، وإذهاب الورم إن كان ورما وإن كان شيء عرض في الكبد. مثلا صلابة تعرض فيها بسبب شرب ماء بارد على غيرما ينبغي أو ضعف قوة بسبب إفراط في أكل الخلول فلا كان عن صلابة لشرب ماء شديد البرد فليس يعالج من ذلك بما يسخن جزافا بما يسخن وما يكون فيه مع تسخينه قوة مقوية بالقبض المعتدل والعطرية، والبابونج مع زهر الورد دواء نافع في ذلك ولتعلم أنه قد تتركب  أنواع الاستسقاء كما تتركب أنوع الحميات وإذا أجاد الطبيب النظر في الأنواع كل على حدته سهل عليه علم ما يترتب وإذا أجاد النظر ودققه في علاج كل نوع منها لم يصعب عليه ما يتركب منها كل بتوفيق الله وعونه.

مركب لذلك:

لك منقى من عيدانه وفقاح البابونج وزهر الورد ودار صوص ومصطكا وقرنفل وسطوخوس من كل واحدا أوقية، بزر كتان محمص وغافت وسقولوفندربون من كل واحد نصف أوقية، تسحق الأدوية فرادى  وتنخل بالخمار فرادى ثم مجموعة ويعجن الجميع بشراب القرصنة المحكم ويؤخذ من جميع ذلك كل غدوة خمسة دراهم إلى حو ل ذلك وتدهن إزاء الكبد بدهن الأقحوان ودهن الياسمين ودهن حب الضر وأجزاء متساوية والغذاء الخبز المختمر باليمام أو العصافير أو بفراخ الحجل تفايا بيضاء أوخضراء، إن شاء الله.

وأما إن كان ضعفها عن إفراط أكل الخلول فعالج من ذلك بما أصف وهو زبيب شمسي منزوع العجم وعود سوس مجرود، من كل واحد نصف رطل، قرصعنه وغافت من كل واحد ربع رطل، مصطكا أوقية، يرض من هذا ه الأدوية ما يجب رضه فرادى وينقع ليلة في حدود ربع من ماء مغلي ويرفع غدوة على نار لينة حتى يذهب من الماء النصف فحينئذ يصفى ويضاف إلى الصفو من السكر نحو عشرة أرطال ومن العسل خمسة أرطال ويطبخ حتى يأتي شرابا محكما والمأخوذ منه كل غدوة أوقيتان بست أوراق من ماء عذب فاتر على خمسة دراهم من ذبيد الورد العشاري ويدهن الكبد من خارج بدهن حب الضرو ودهن فقاح البابونج بشطرين.
ويعرض في جوهر الكبد الورم وما كان في جوهرنا وقاح فإني لا أرجو برء ذلك بوجه لأنه ينبوع قوي وبمرضه تختل تلك القوى ولاختلالها يعاجل الموت.

ويعرض فيه السدة وعلاج السدة في الكبد تفتيحها بماء طبخ فيه الغافت وكزبرة البئر والسنقولوفندوريون وما أشبه ذلك ولعصارة الرازيانج أثر محمود في ذلك.

ويعرض في غشاء الكبد أن تتمدد كما تتمدد سائر الأعضاء فيجد العليل بما يخيل إليه في الكبد وجعا لا يطيق احتماله وإنما كان حس هذا الغشاء ذكيا لأن كل ما يأتيه من العصب إنما ينقسم فيه وهو صغير فيكون حسه حسا ذكيا وهذا الوجع كان كثيرا ما يصيبه الشقي عليا  وعالجته منه بدهن استخرجته من مجاح البيض مع شحم بط فبرئ من يومه وكان يصيبه بعقب ذلك الوجع يرقان أصفر.

وأما الطحال فهو عضو يندفع إليه الفضول السوداوية وهو يجذبها ويغتذي بما هو لطيف مما يجتذبه ويعرض فيه كما يعرض في غيره وليس هو من الأعضاء الرئيسية ولا تنبت منه قوة في البدن ولكنه يقبل فضول البدن الغليظة!ما تقبل الكليتان الفضلة الرقيقة وهو يعظم كثيرأويجسو.

وعلاجه ما ذكرته من أدوية الكبد فيما قبل غير أنك يجب أن تعلم أن اخط ل يحتمل من قوى الأدوية ما لا يحتمله جوهر الكبد وتذكر دائم دهرك أنك متى سقيت دواء ينفع الطحال فاخلط إليه ما فيه حمضة لأن هذا العضو إنما يغتذي بما فيه نحو ذلك الطعم فهو يجتذب ذلك إليه يختطفه اختطافا فيسرع وصول الأدوية النافعة المخلوطة بالحمضة إليه.

ومما علمنا أن الطحال إذا جسا وصار في حد لا يمكن أن يقبل ثقل الدم وبقي الثقل مبثوثا في البدن إن الكبد يفسد حالها يتبع جساء الطحال ضعف الكبد ويتبع ضعف الكبد الاستسقاء إما آحادا من أنواعه وإما أكثرمن واحد.

 مركب لجساء الطحال:

بابونج ولحاء أصل الطرفاء وغافت وأسطوخذوس وجعيدة وبرشياوشان وسقولوفندريون وأسارون من كل واحد أوقية، قوة الصبغ نصف أوقية، أصل أرز لحاء أصل رازيانج ولحاء أصل كبر من كل واحد خمسة دراهم، مصطكا ستة دراهم، وزعفران درهم، عود سوس مثل نصف الجميع. يرض ما يجب رضه فرادى وينقع ليلة في أربعة وعشرين رطلا من ماء شديد الحرارة ويمرس غدوه يصفى عنها ويرفع على نار لينة مع ثمانية أرطال من عسل أزيلت رغوته ورطلين من سكر فإذا قارب الانعقاد يضاف إلى الجميع من خل العنب الصادق الحمضة رطلان فإذا عافى شرابا محكما فحفظ في إناء زجاج أوحنتم وتأخذ منه في كل غدوة من أوقية ونصف إلى أوقيتين بثلاثة أمثالها من ماء عذب على درهمين من معجون المريمة وإن كان قد ظهر ضعف في الكبد فعوض معجون الصريمة بثلاثة دراهم من ذبيد الورد العشاري والغذاء ألطف ما يكون من اللحوم حسبك لحم الفروج الصغير وفراخ الشفانين ولا بأس بلحم الدجاج في الغب حتى يمكن البرء واحمل على الطحال من خارج هذا الضماد.
 
    ضماد لجساء الطحال:
 
     أصل طرفاء وفقاح البابونج وزهر النرجس وزهر الياسمين من كل واحد جزء، أصل كبر ربع جزء، أضف، إلى ذلك مثل نصف الجميع من دقيق الشعيرأودقيق الشيلم ويعجن بماء وخل بشطرين وضمد الطحالب من ذلك واربط. فوقه على ورق كرم غضه، ويجص أن يطعم العليل في أول ما يأكل حبات من الكبر  المتخذ بالخل، فإن الكبر على تلك الحال من أدويته وخاصة إذا استعمل على فراغ المعدة، وضمده هكذا بالليل ومر بدهنه في النهار بدهن السوسن ودهن الورد بشطرين، يدهن من مجموعهما هكذا مرتين بالنهار والضماد بالليل وكثيرا ما يعرض بسبب أن الطحال لا يقبل، هذا العكر ويبقى مبثوثا في البدن أن تدفعه قوة البدن إلى إحدى الجهات، فربما اندفع كما قالوا وخرج من الدبر دم شديد السواد جدا وإثر خروجه ينحل غلظ الطحال وقد رأيته وشاهدته وربما كان اندفاع هذا الثقل إلى الجلد فيعرض في الجلد اسوداد كأنه بنفسج وينحل غلظ الطحال بأثر ذلك. وقد شاهدت هذا أيضا ورأيته كما قد رأيت مرارا كثيرة اليرقان الأصفر الذي يكون عندما يندفع الفضلة الصفراوية وهذه الفضلة لدقتها متى اندفعت من دبر لم يلتفت إليها ولا شعربها وحملت محل لين في الطبيعة أو محل إسهال فإن كان اندفاعها إلى جلد البدن كان ذلك عند العوام شيئا  مخوفا، وبادروا بإسراع إلى الأطباء.

واليرقان الأصفر يكون عن خلط صفراوي يندفع إلى نحو البشرة فينصبغ صفرة في لون قشر الأترج وكذلك، بياض العين فمتى رأيت ذلك فانظر هل تقدم اندفاع هذا الخلط حمى من الحميات الحادة أوهل خفت الحمى بعد اندفاعها أو هي ثابتة على حالها وهل اندفع ولا حمى أو هل اندفع وتبعته الحمى بعد اندفاعه فإن كانت الحمى باقية وكان اندفاعه بعد خروجها فانظر هل كان ذلك بعد السابع، أو السابع حسه فإن كان في السابع أو نحوه فارج خيرا لأنه إنما اند فع بعد النضج وإن كان إنما اندفع إثر حلول الحمى فاحذرأن يكون ورم في الكبد من الأورام الحارة أو في غشائها فإنه إذا عرض فيها ذلك كان جميع ما يصل إليها يستحيل إلى هذا الخلط فليس خروجه حينئذ إلى صفحة البدن تكون على طريق البحران بل على طريق أن هذا يشمل البدن ويعمه فإن علمت أن الكبد أو غشاءها وارم فاحذرأن يطعم العليل شيئا مما يكون حلاوة أو شيئا مما تكون فيه حلاوة أو شيئا يقع فيه زيت أو دهن، فإنك متى فعلت ذلك أهلكت العليل وبادر إلى أن تسقيه ماء الدلاع أوحسوالفتات مركبا على عصارة الدلاع من غير أن يقع في الحسو زيت ولا تابل غير الكزبرة اليابسة وأطعمه لحم الدلاع أوحسوالفتات فلابأس به بلحم القرح إذ اطبخ بالماء ويسير الملح، ثم برد في الثلج أو في، البئر فإنه ينتفع بذلك.

ذكرما يعرض في مراق البطن من الفتوق:

المراق يعرض فيه الفتق إما لصدمة من عودأوحجرعلى امتلاء البطن وإما لوثبة عظيمة وخاصة على الشبع، وقد يعرض لأدمان السعال الشديد أو لرفع الثقل العظيم ونحو ذلك.

والمراق متى عرض ذلك فيه وإن كان الإفسان صغيرا لا يزال يزداد عظما حتى يعظم جدا فيبرز شي، ء من المعي ويبقى لاتواريه إلا جلدة البطن فيحدث في المعي القراقر وأوجاع في البطن وتسوء حال العليل بسبب انفتاق مراق البطن وخاصة إن كان ممن يجهد نفسه ويتعبها إما بالمشي وإما بالركوب وركض الخيل أو الأعمال الشاقة والانفتاق متصل التزيد إذاحدث لأن الإنسان لا بد له أن يتحرك حركات شديدة، وأما فيمن يمكنه السكون والدعة فإنه إذا قلل من التصرف وأدام الرقاد على الظهر ويتجنب الصياح وبلطف في أن لا يسعل ولا يعطس ورد المعى وربط فوق البطن على ضماد يكون قابضا ولا يكون غليظ الجوهر ما أمكن والتزم ذلك فيه فربما انتفع به.

والمراق جوهر رطب فلذلك يعسر التئامه وبسبب أنه كثيرا ما يتحرك بحركات البدن وقد رأيت رجلا كان صديقا لي عرضه فتق وكان قد بقي زمنا بسببه وكنت في ذلك الوقت فتى، فأصابت الرجل أوجاع شديدة لا أشك أن سببها كان إما أكل تفاح أكثر منه وإما أكل عنب كثير فحدثت به أوجاع حادة عصت بدنه كله فكان لا يمكنه أدن يتحرك إلا عن مشقة شديدة وبقيت أعالجه وحميته عن الأغذية أجمع إلا يسير الخبز المختمر بصغار العصافيرتفايا بيضاء يجاد طبخها حتى يكاد لحم العصافير أن يتهرأ وبقي الرجل مدة كثيرة نحو شهرين راقدا على ظهره لا يصلي إلا إيماء، وبعد ذلك ارتفعت الأوجاع بنفاد مادتها وبرئ منها برءأ تاما وأفاق وقام لا محالة وقد برئ مما كان يشكوه قبل من الفتق الذي كان أعياني بسبب تصرفه في ذلك الوقت فلما أقام والتزم السكون أفاق عام طريق العرض فإنه برقاده على ظهره انصرف المعي إلى موضعه وبقي الموضع ساكنا كان غذاؤه يسيرا فكان "بطنه خيصأ فبرئ باجتماع هذا من غيرأن يقصد أحد علاجه من الفتق.

ذكر جراحات البطن:

ويعرض في البطن الجرح إما بحديدة أو بخشبة حديدة تشق جلدة البطن والمراق معا فيبرز الثرب وعند بروزه يجب أن يصرفه صانع اليد وإن أصابه تراب أو غبار أو نشارة خشب فيجب أن يغسل ذلك عنه بماء فاتر ثم يصرفه برفق فإن تمزق منه جزء واسود فالحزم أن تقطع عنه ما تمزق وفسد، ثم يصرفه إلى البطن وتخيط عليه بخيط حرير إبريسم وصانع الكف كفيل بعمل ذلك وإنما عرفه علما لا عملا ويضع على الخياطة ما يعين على الالتحام ومع ذلك فيجب بسبب الجرح أن يلطف الغذاء ما يمكنه ليقل انصباب المواد. وإن لم يخرج دم كثير فلا يضره أن يستفرغ من دم العروق الحل شيئأ، وهذا أمر شامل في جميع الجراحات ليقل انصباب المواد. وربما خرج مع الخرج شيء من المعي وإن خرج والمعي صحيح لا آفة به كبيرة ولا صغيرة حاشا بروزه إلى خارج فيجب المبادرة إلى رده برفق كيلا يعرض فيه انتفاخ فلا يسع من حيث خرج فإن وقع توان حتى أصاب المعي انتفاخ فيجب عند ذلك أن تصب ماء عذبا معتدلا في الحرارة بحيث يلتذه الإنسان بصفحه خده يصب منه على ما انتفخ صبأ متواليا حتى تذهب النفخة فإذا ذهبت تسعى في رده بغاية الرفق ثم بعد ذلك يخاط الخرق من الجلدة ومن المراق بحرير ابريسم على غاية الرفق ألزم العليل السكون وألا يرفع صوته ولا يتحرك ولا يتملأ من الطعام ولا جرح من تلك الحديدة فإن كانت في الأمعاء الدقاق وكثير ما يكون ذلك فما أظن إلى علاجه من سبيل وأما إن كان من المعي الغلاظ فربما عاش المريض.

فإن كان الخرق إنما حدث في طبقة واحدة من الأمعاء يمكن أن يبرأ، وأما إن كان انخرقت الطبقتان كلتاهما وخاصة إن كان خرقهما له قدر فإن البرء من ذلك بعيد جدا غيرأن قد يمكن أن يعيش الإنسان على تلك الحال ورأى الأطباء ذلك وشاهدوه في الناس وفي الحيوانات. فأما أنا فرأيت رجلا يتغوط من جرح كان أصابه وبقي كذلك مدة طويلة وكان يتصرف في طلبه الرزق كثيرا وتمارت حياته غير أنها كانت حياة سوء وقد أتيت على هذه الأعضاء فأنا آخذ في ذكر المعدة إن شاءا لله.

ذكر أمراض المعدة:

والمعدة يصيبها الهلاس والضعف حتى يدق جرتها ويكون كالخرقة فلا تهضم غذاء وإنما ذكرت هذه الآفة وقدمتها لإغفال الناس لها وما كان على هذا فاحذر فيه الأدوية المشهورة لتقوية المعدة مما يقبض ويجفف وربما أسخن وأما علامة هذه الآفة فهي أن يكون العليل لا يجد تهوعأ في معدته ولا يجد عندما ينام جري ريق من فيه وتكون شهوته ضعيفة جدا وهضمه أضعف بكثير وأن يخرج ثقله غيرمنهضم ولا منسق ويكون الثفل قليل النتن يجرز لون المأكول ولا يتجشأ وإن تجشأ يسيرأوأن يتعاهده الفواق وأن تضربه الأطعمة المجففة كانت حارة أو باردة وأن يكون نبضه ضعيفأ صلبا غير مختلف يميل الصعر فإذا رأيت هذه الأعلام فثق بأن الآفة إنما هي هلاس جوهر المعدة  وهزاله وإن شهد لك مع ذلك أن ترى المعدة من خارج إذا رقد على ظهره العليل كأنها حفرة فلتزد ثقتك فإن كان مع ذلك وكنت ذكي جس اللمس ووضعت  يدك عليها ببعض شدة ولم يألم العليل لذلك وأحسست بحركة نبضه تحت يديك فاعلم أن حدسك صادق صحيح، وأن المعدة قد أصابها الهلاس لأن تلك الحركة النبضية إنما تكون من الشريان المار على سلسلة الظهر من داخل وبين إذا تلك الحركة النبضية لم تكن تحسن بها لولا هلاس المعدة فلازم حينئذ دهنها بدهن اللوز الحلو مع يسيرمن دهن حب الضرو واجعل للأوقية من دهن اللوز الحلو درهمين من دهن حب الضرو واخلط إلى ذلك ولو مثل عشر الجميع من ماء فاتر وضربه جدا وادهن المعدة من خارج وغذ العليل بالدجاج الفتايا الإناث تفايا يكون زيتها دهن لوز وتابلها صريرة مصطكا واجعل على المعدة مئ خارج خرقة خشنة قد مددت عليها زفتا قد لينته بدهن اللوز بعض التليين وليكن وضعك إياها على المعدة زمانا معلوما فإنك إن أبقيتها أكثر مما تستحق أضررت بالعليل ولتكن المدة التى تقيم الزفت على المادة من نصف ساعة إلى ما حول ذلك ثم تزيل الخرقة بزفتها عن المعدة وتدهن المعدة بدهن اللوز الذي اتخذ عليه دهن الورد تكون مادة دهن الورد دهن لوزحلو وتوخ أن يكون حديثا من عامه واسق العليل من لبن المعز لحين ما يحلب قبل أن يتمكن الهواء به طرفه عين مقدارا معتدلا إن أمكن من أوقيتين إلى ثلاث أواق وغذه بالدجاج أو بأخصية الديوك خيرله من لحوم الدجاج، واجعل غذاءه مقسوما على مرات وتوخ أن يكون سريع الانهضام وجنبه من جميع الأغذية اليابسة كانت حارة أو باردة والحار أشد بسبب أن الحرارة وإن كانت رطبة تحلل كثيرا فهي تجفف بطريق العرض وأن كانت ترطب بطبعها فإن الماء يرطب برطوبته الطبيعية ترطيبا ظاهرأوهوأيضأ بما أكتسب من الحرارة يحلل من جوهر العضو وما يحلل من جوهر العضو يجب أن تتجنبه في هذه العلة واجعل سعيك كله في أن ترطب وفي أن يجود هضمها إذ لا يلصق بها غذاء إلا بعد انهضامه، وتذكر مع ذلك أنها عضو رئيسي بسبب مشاركة فيها الأعلى للدماغ بما بينهما من العصب الكثير فاحفظ قوتها عليها ولا تخل دواءك مما فيه قبض لطيف وعطرية وإن كانت فيه مرارة يسيرة كحرارة زهر الورد فإن ذلك مما ينفع به. وما أطعمت العليل من لحوم الفراريج والدجاج وأخصيتها يجب أن يكون في نهاية جودة النضج بأن يكون الخبز حسن الاختمار معتدلا غير كثير الملح وأن يكون الدقيق الذي يتخذ الخبز منه من الحنطة الكريمة التي تطحن بعد أن تبل وقبل عجن العجين يوضع في صلاية ويحك بالفهور زمانا حتى يأتي كالهباء ويعجن بماء فاتر على أحسن ما يكون ويكون زيت طعامه دهن لوزحلو أودهن سمسم بعد أن تعلم أن دهن اللوز أفضل وأن دهن السمسم إذا أدمن استعماله يخل بالأعضاء لأنه لا قبض فيه وإن كان فيه خاصية مذمومة يولد البخر وليس يولد البخر إلا وقد أحدث أمراضا وأعراضا رديئة لكن استعما له مرة أو مرتين لحين ما يستخرج لا أرى به بأسا، وزيت الزيتون العذب إذا غسل بالماء ثلاث مرات جيد في مثل هذا المرض وماء الشعير المحكم جيد أيضأ إذا أخذ منه بمقدار يسير وما أظن أنه بقي على هذا المرض شيء إلا ذكرته إلا واحدة فإن المريض نفسه يقتضي بحب ما فيه قبض أو مرارة وذات العضو من حيث إنه معدة ينفعه القبض المعتدل والمرارة اليسيرة، فاجعل لكل شيء من هذه الوجوه حظك في علاجك وكذلك ذات المرض وذات العضوتقتضى تجنب ما فيه حمضه وتوصيل القوى إلى طبقات المعدة يقتضي أن تجعل في بعض الأوقات ما فيه حمضة يسيرة، والكمثري إذا شوى ينفع بما فيه من رطوبة شأنه أن تقطع العطش وتقوى بما فيه من قبض وعطرية يسري القوة وينفذ بما فيه من حمضة.