|
للدكتور
محمد زهير البابا
مقدمة
: قام الإنسان منذ القدم بتصنيف النباتات بالاستناد إلى تأثيرها في ثلاث زمر: أغذية- أدوية- سموم- فكل نبات استطاع أن يتناول منه كمية كافية لسد جوعه فهو غذاء. وكل نبات لا يمكن تناوله بكمية كبيرة ولا لفترت طويلة، ويحدث له راحة أو اضطرابا فهو دواء، وكل مادة لا يمكن تناولها ولو بكميات ضئيلة، لأنها تحدث فيه تأثيرا ضارا، اعتبرها من السموم ، ولم يتجرأ الإنسان على الاستفادة من السموم كمواد دوائية إلا في وقت متأخر جدا. لقد لعبت حواس الإنسان وذاكرته دورا كبيرا في حفظ حياته، فبواسطة حاستي الذوق والشم تمكن من التفريق بين النبات النافع والنبات الضار أو الخطر، ذلك لأن النباتات المؤذية قد زودتها الطبيعة غالبا بطعم مر أو لاذع أو مغث ، أو جعلتها نتنة الرائحة فتنبذ أو جميلة الرائحة فتستلطف، كذلك بواسطة ملاحظة الصفات الخارجية لأقسام النبات تمكن الإنسان ابن التفريق بين أجناس النبات، ولما اشتدت ملاحظته وتدقيقه في تلك الصفات تمكن من التفريق بين الأنواع المنتمية لكل جنس. وبهذه الصورة استطاع الإنسان العاقل المفكر أن يربط بين الاستعمال الغذائي والدوائي لأجناس النباتات وأنواعها وبين صفاتها الخارجية المحسوسة. وحينما تكونت لدى الإنسان فكرة واضحة عن التأثير الدوائي لبعض المواد الطبيعية (أي العقاقير) أخذ يسعى لتحويلها إلى شكل يسهل به تناولها أو حفظها. وقد ثبت لعلماء الآثار والتاريخ أن الأدوية التي استعملتها الشعوب القديمة كانت بسيطة التركيب ، سهلة التحضير، لا تحوي أكثر من مادة دوائية واحدة مع سواغ مائي أو زيتي غالبا، كما أن عدد العقاقير المعروفة والمستعملة كان ضئيلا جدا بالقياس إلى ما نعرفه اليوم. ولما
قام الإسكندر المقدوني بفتوحاته المشهورة اصطحب بعض العلماء، فاطلعوا
على منجزات الشعوب ذات الحضارة العريقة، كما اطلعوا على ما لديهم
من عقاقير وأدوية. وقد
استفاد اليونانيون بصورة خاصة من الطب المصري قبل وبعد تأسيس مدينة
الإسكندرية، وأخذوا عنهم كثيرا من الوصفات التي ذكروا أنهم عثروا
عليها في المعابد.
وفي العصر الروماني ازداد عدد العقاقير المعروفة، المحلية منها والمجلوبة، كما تطورت طرق تحضيرها. وأ صبحت الأدوية المركبة تضم عددا كبيرا من العقاقير المتشابهة أو المتكاملة بالتأثير، ويعتبر ترياق ميتريدات Mithriidate وترياق اندروماخس Andromachies خير مثال على تلك المعاجين التي شاع استعمالها في ذلك الحين، علما بأن عدد العقاقير في الدواء الأخير مثلا كان (70) عقارا. إن جمع هذا العدد الوافر من العقاقير في دواء مركب واحد نجم عنه عدة محاذير. أولا:+ صعوبة التحضير، و أصول المدة اللازمة لذلك. ثانيا:صعوبة تدارك تلك المواد، وخاصة أن أكثرها مستورد ونادر الوجود وبالتالي غالي الثمن. ثالثا: كثيرا ما تتفاعل المواد الداخلة في تحضير الدواء مع بعضها، أو تتأثر بالعوامل الخارجية، أو بالوعاء المحفوظة فيه فيحصل فيها تخمرات وتغيرات في الصفات الخارجية والداخلية، لذلك فإن صافات الدواء المركب وخصائصه العلاجية تتغير مع الزمن ومع طريقة الحفظ. إن تحضير الدواء كان يتطلب أحيانا بضعة شهور، لذلك سعى الأطباء إلى إيجاد صنيع لأدوية تمكنها من أن تفيد في عدد كبير من الأمراض، شافية وواقية، وبذلك ظهرت فكرة تحضير الترياق، التي ظلت أساسا من أسس المداواة مدة تقرب من ألفي عام . رابعا: لقد اهتدى الإنسان، منذ زمن الفراعنة، إلى فائدة العسل في حفظ المواد العضوية، فاستعمله سواغا في جميع المعاجين الدوائية، واستفاد منه في إكساب تلك الأدوية الكريهة غالبا طعما حلوا ورائحة مقبولة. خامسا: نظرا لفقدان كثير من العقاقير المجلوبة في الأسواق فقد شاعت نظرية الإبدال Quiproquo التي قال بها الطبيبان روفوس وجالينوس وفي تنص عام إمكان استبدال عقار بعقار آخر يساويه بالقوة وبدرجة التأثير. وقد نتج عن هاتين النظريتين، أي نظرية الإبدال ونظرية قوى الأدوية والأغذية فوضى في تركيب الأودية خلال القرون الوسطى، مما جعل الأدوية المركبة خلال تلك الفترة غير ثابتة في مواصفاتها ومدة حفظها. فحص
العقاقير والأدوية فى عهد اليونان والرومان: ولما كان الأفيون من أهم العقاقير المستوردة في ذلك الحين وأغلاها ثمنا وأكثرها غشا، لذلك فقد أسهب ديسقوريدس في المقالة الرابعة من كتابه في وصف الأفيون، كما عدد أنواع الغش التي يتعرض لها (كإضافة خلاصة نبات الماشيا أو الخس البري) واستند في فحصه على حل الأفيون بالماء وملاحظة اللون أو الرائحة أو الطعم الناتج. ومن الأدوية المركبة التي كانت معرضة للغش أو الفساد الترياق، ولكن نظرا لأن الترياق كان يحضر بكل اعتناء من قبل الطبيب الذي يقوم بتقديمه لمرضاه، لذلك فقد حرص الأطباء على انتخاب العقاقير الجيدة وتحضيرها وحفظها بأنفسهم، إلا أن الترياق، كما ذكرنا، تتغير صفاته مع الزمن، لهذا قالوا بأنه كالكائن الحي، يمر بأدوار الطفولة والشباب والشيخوخة وأخيرا يموت. ويبلغ الترياق أقصى قوته حينما يبلغ العشرين وبعدها تنحط. وكان أندورماخس ينهى عن استعماله قبل بلوغه عشر سنين، وقيل يجوز استعماله في السنة السابعة والخامسة. أما جالينوس فقد استقر رأيه على استعماله بعد ستة أشهر، حيث يكون شديد الحرارة ويصلح عندئذ للتخلص من السموم والأمراض الباردة. ويتمتع الترياق بقدرة شافية لجميع السموم والأمراض بصورة عامة، كما يتمتع بتأثير واق من لدغ الأفاعي ولسع الحشرات السامة. ولفحص الترياق ومعرفة قديمه من حديثه ذكر جالينوس الطريقة الآتية: يصاد ديك بري ويرسل عليه أفعى، سامه ، ثم يسقى الترياق، فإن عاش فالترياق جيد، وكذلك يمتحن على من يسقى أفيونا أو مشوكرانا أو دواء مسهلا، هذا امتحان للقدرة الشافية الموجودة في الترياق. ومن الممكن إجراء تجربة مشابهة لفحص القدرة الواقية للترياق وذلك بإعطاء الديك مقدارا قليلا من الترياق ثم إرسال الأفعى السامة عليه وملاحظة التأثير، فإذا سلم الديك كان الترياق جيدا. فحص
العقاقير والأدوية في الطب العرب: لم
يكن العرب قبل الإسلام يستعملون العقاقير والأدوية على نطاق واسع
لعدة أسباب: ثانيا: لطبيعة غذائهم، الذي كان قليل الكمية غالبا، محدود الأنواع، لا يتجاوز لحوم الإبل وألبانها مع التمر وقليل، من الحبوب والخضراوات النيئة. ثالثا: فقرهم الذي لم يسمح لهم باستهلاك العقاقير الغالية الثمن، والتي كانوا يتولون نقلها بقوافلهم . رابعا: انتشار الأمية بينهم على نطاق واسع، وخاصة في القبائل الضاربة في بطن الصحراء. ولما خرج العرب من جزيرتهم مسلمين فاتحين، استوطنوا بعض المناطق المجاورة لهم ، فتبدلت حياتهم وتعددت أنواع أطعتهم، وازدادت تعقيدا فكثرت الأمراض بينهم، ومن ثم أصبحوا بأشد الحاجة لمن يعتني بصحتهم ويداوي أمراضهم، لذلك لجأوا إلى الأطباء السوريين (السريان) أولا ثم الهنود وشجعوهم على مزاولة المهنة في جميع البلاد التي انتشر فيها الإسلام ، كما شجعوهم على الترجمة والتأليف. كانت مهنة الطب في سوريا ، خلال القرنين الخامس والسابع للميلاد محتكرة من قبل الأطباء المسيحيين وقليل من الأطباء اليهود. وأكثر من اشتهر بممارسة الطب هم الرهبان النساطرة ، ممن تلقوا العلم في مدرسة جنديسابور في بلاد فارس،.كذلك الرهبان اليعاقبة ممن درسوا في مدينة الإسكندرية. وقد وضع بعض هؤلاء الرهبان، أمثال اهرن الإسكندراني وسرجيوس الرأسفي مؤلفات في الطب استمدوا مادتها من كتب أبقراط وجالينوس، التي قام باختصارها الأطباء المتأخرون من مدرسة الإسكندرية. وأني الحصر العباسي استطاع المسلمون، عن طريق بيزنطة، الحصول على كثير من مؤلفات الأطباء اليونان أمثال: روفوس- أوريباسيوس- ديوسقوريدس بولس، بالإضافة إلى مؤلفات أبقراط وجالينوس الأصلية. وقد قامت مدرسة. حنين بن اسحق بنقل هذه الكتب إلى اللغة العربية. وفي نفس الوقت ورد إلى بغداد كتب أخرى دونت بالهندية أو الفارسية كان من أشهرها ما ألفه الطبيبان الهنديان مسروطا وتشاركا وغيرهما، وقد نقلت إلى العربية أيضا. كانت المؤلفات الطبية، بالنسبة للشعوب القديمة، تعتبر من الأسرار التي لا يجوز اطلاع الغرباء عليها، وخاصة ما يحوي منها الوصفات الدوائية والعقاقير ومقاديرها وفوائدها. وقد شاع بين عامة الناس قصص غريبة عن الكيفية التي تم بها انتقال تلك المعرفة إلى عقول وأذهان الكهنة والأطباء، حتى أنها اعتبرت نوعا من الإلهام الإلهي الذي لا يتجلى إلا للنخبة المختارة من الناس. ونظرا لهذه القداسة التي أحيطت بالوصفات الدوائية، فقد امتنع أكثر الأطباء قديما عن إجراء أي تعديل فيها كيفا أو كما، وخاصة الترياقات والأيارجات وغيرها من الأدوية المركبة، علما بأن كلمة الأيارج تحني الدواء المتقدم. إلا أن أكثر العقاقير التي وردت في تلك الوصفات القديمة غير متوفرة دائما في الأسواق التجارية، كما أن الأطباء من سريان وعرب، حينما قاموا بترجمة الكتب اليونانية، وخاصة كتاب ديوسقوريدس في الأعشاب لم يعرفوا ما يقابل بعض تلك الأسماء بلغتهم، لذلك أهملوا استعمالها أو استبدلوها بعقار يعتبر بديلا عنها. مر عصر الترجمة في تاريخ الطب العربي خلال القرن التاسع، وقد تم فيه تعريب كثير من المصطلحات اليونانية والفارسية والهندية والسريانية أو إيجاد ما يرافقها باللغة العربية. وظهر إثر ذلك مجموعة من المؤلفات الطبية باللغة العربية، وكان من أشهرها كتاب الحاوي والمنصوري للرازي- وكتاب كامل الصناعة لعلي بن العباس المجوسي- والقانون لابن سينا- وكتاب التصريف للزهراوي. فحص
الأدوية في كتب كامل الصناعة: من أراد المداواة بالأدوية المقررة فعليه أن يكون عارفا بطبائعها وقوتها ومنافعها. وتقسم قوى الأدوية إلى ثلاثة أقسام: 1 - القوة الأولية (Forces primairs) وتعرف بالأفرجة أو الطبائع وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . ولككل قوة منها أربع درجات : فإذا لم يؤثر الدواء في البدن أثرا محسوسا فقوته في الدرجة الأولى ( الأغذية) ـ أما إذا أثر ولم يضر فهو في الدرجة الثانية وإذا أثر ولم يبلغ ، أي لم يحدث ، فهو في الدرجة الثالثة وإن بلغ ذلك فهو في الدرجة الرابعة ، ويسمى الدواء السام . 2 - القوى الثواني (F. Secondairs) : وهي كثيرة العدد ، لا يختص بها عضو معين ، ذكر منها صاحب كتاب كامل الصناعة عشرين صنفا ، وذكر منها ابن سينا في كتابه القانون أربعين صنفا وأهم هذه القوى : المنضجة
Murissante المليتة Emolliente 3 - القوى الثوالث (F. tertlalrs) : وهي المتتة للحصى - المدرة للبول - المدرة للطمث - المدرة للبن - المولدة للمني والقاطهة له - المنقية للصدر . الطرق المؤدية لمعرفة القوى الأولية للعقاقير: وهي
الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة: (أ)
الطرق التي تستند إلى التجربة: وإذا أراد الطيب أن يتوصل لمعرفة وكمزاج وقوة دواء ما فلا يقدم عام تجربته على البدن قبل أن يفحصه أولا بالطرق المستندة إلى، القياس- وإذا أستدل الطبيب على أن الدواء خالي الضرر للحيوان أمكنه أن يجربه على الإنسان ، ضمن بعض الشروط وهي: ا-
أن يكون العقار نقيا خاليا من أية مادة غريبة. (ب)
الطم ق التي تشند إلى القياس: وعددها ثلاثة: 2- تجربة سرعة الانجماد وعسره: يعرض الدواء على برودة شديدة، فكلما كان أسرع انجمادا كان أكثر برودة. 3-
يمتحن الدواء بطعمه ورائحته ولونه: إن طعم الدواء يخبر عن مزاجه
وجوهره وكثير من فعله. الحلو حار Doux الدسم بارد Gras المر
حار Amere الحامض باردة
Aigre ملاحظة: إن أساس المعالجة عند الشعوب القديمة من يونان وعرب ليستند إلى المبدأ الضرري Allopathie أي إذا كان المرض مصابا بالحرارة (حمى) فيعالج بأدوية باردة، بشرط أن تكون قوة برودة الدواء المستعمل تعادل قوة الحرارة في جسد المريض. وتد قام جالينوس بتصنيف الأدوية المفردة بحسب قواها، كما صنفت جداول بالأدوية البديلة على هذا الأساس، مما سمح للصيادلة أن يقوموا باستبدال دواء بآخر عند فقدانه، ويكون عملهم قانونيا لا يحاسبون عليه. مراقبة
الأدوية وكشف غشها: ولما انتقل الحكم إلى مدينة دمشق في العصر الأموي، تعقدت الحياة الاجتماعية بالنسبة للعرب المسلمين، وأصبح رجال الأمر بالمعروف- أمام مشاكل جديدة يجب عليهم أن يجدوا حلولا لهـا- ومن هذه المشاكل زيادة عدد المهن- واختلاف المقاييس والأوزان والمكاييل بين مدينة وأخرى وقطر وآخر- ووجود أنواع مختلفة من العملة في الأسواق منها الناقص الوزن أو المغشوش والخ.. وفي العصر العباسي ازداد عدد الأطباء، وكان منهم المتعلم الماهر والأمي الجاهل. وقد حدث في سنة (931 م) أن أخطأ طبيب في معالجة مريض بارز، مما أدى إلى وفاته- فشاع الأمر بين الناس، كما شاع أن أكثر الصيادلة كانوا يغشون أدويتهم، لذلك أوعز الخليفة المقتدر بالله إلى طبيبه سنان بن ثابت بن قرة أن يقوم بامتحان الأطباء الصيادلة وعينه محتسبا، أي رئيسا لجماعة الأمر بالمعروف، الذين أصبحوا موظفين لدى الدولة. وقد قام سنان بذلك العمل، ومنح كل من "نبتت لديه كفاءته شهادة ليسمح له بمزاولة المهنة. اكتسب بعض رجال الحسبة خبرة واسعة بعملهم، من جراء مراقبتهم لمختلف المهن، فوضعوا مؤلفات شرحوا فيها الشروط التي يجب أن تتوافر في رجال الحسبة. أولها الإلمام بالفقه الإسلامي والتقيد بالدين والأخلاق ومعرفة أسرار المهن المختلفة. وكان من بين هذه المهن التي يجب مراقبتها بيع العطور والأدوية- ونظرا لعدم توافر المعرفة لطرف التحليل في ذلك العصر، فقد اعترف رجال الحسبة بصعوبة معرفة أنواع الغش التي يلجأ إليها الصيادلة. ومن أشهر المؤلفات التي عالجت هذا الموضوع كتاب وضعه طبيب سوري عاش زمن السلطان صلاح الدين الأيوبي (القرن الثاني عشر) اسمه عبد الرحمن الشيزري، وأطلق على كتابه اسم (نهاية الرتبة في طلب الحسبة). وسأكتفي فيما يلي بذكر أسماء بعض العقاقير التي كانت تتعرض للغش مع الطرق المستعملة في كشف ذلك: ا- الأفيون: ويغش بعصارة ورق الخس البري، أو المامثيا أو الصمغ. ولكشف غشه يحل في الماء فإذا ظهرت له رائحة الزعفران كان مغشوشا بالمامثيا، وإذا كانت رائحته ضعيفة وقوامه خشنا، كان مغشوشا بورق الخس ، وإذا أعطى محلولا صافي اللون كان مغشوشا بالصمغ. 2- الراوند: ويغش براوند الدواب (رايونتيك) وهو نبات ينمو بسوريا ويصفه البياطرة في مداواة الحيوانات، والراوند الجيد لونه أحمر، رائحته خفيفة، إذا نقع بالماء لونه بأصفر. 3- اللبان الذكر: يغش بالقلفونة والصمغ غشه بالقلفونه أنه إذا طرح في النار التهب بسرعة وفاحت منه رائحة القلفوزة. 4- وقد يغشون خلاصة الخفقي Lycium بعكر الزيت ومراثر البقر- ومعرفة غشه إن طرح منه شيء في النار فإن الخالص يلتهب، ثم إذا أطفيته بعد الالتهاب يصير له رغوة كلون الدم. وما لا يلتهب ولا يرغي يكون مغشوشا. 5- وقد يغشون القسط Costus سن بأحول الرأس Inula، والقسط له رائحة خاصة، وإذا وضع على اللسان يكون له طعم بعكس الرأس. 6- ويغشون الزنجار بالرخام أو القلقتد (الزاج) ومعرفة غشه أن تحمي صفيحة على النار، ثم يذر عليها من المادة فإن أحمر فهو مغشوش بالقلقند، وإن أسود فهو خالص. 7- إن جميع الأدهان الطبية تغش بدهن الخل (زيت السمسم)، بعد أن يغلى على النار- ويطرح فيه قليل من الجوز واللوز المرضوض ، لكي تزال رائحته وطعمه، ثم يمزجونه بتلك الأدهان. والدهن (العطري) الخالص إذا قطر مع الماء ينحل ويصير فيه قوام اللبن. أما الدهن المغشوش فيطفو مثل الزيت، ويطفو على شكل كواكب (أي قطرات) على رجه الماء. 8- ونظرا لأن الزعفران من العقاقير التي كانت تستعمل كثيرا في الطب العربي، نظرا لندرته وغلاء ثمنه، فهرمن أكثر العقاقير تعرضا للغش. وقد ذكر مؤلف هذا الكتاب عدة طرق لكشف غشه نذكر منها: أ- تؤخذ صدور الدجاج أو لحم البقر، وتسلق جيدا ثم تفرش وتقدد وتصبغ بالزعفران- ومعرفة هذا الغش أن يأخذ المحتسب منه شيئا وينقعه في الخل- فإذا تقلص وانكمش فهو مغشوش باللحم- كما أن لونه يتغير بالخل بينما الزعفران الخالص يبقى محتفظا بلونه. ب- يؤخذ ساق الكشوث ويقطع قطعا قصيرة كالزعفران، ثم يطبخ مع البقم ويضاف إليه شيء من ماء الزعفران والسكر المدقوق ليثقل ويلتصق بعضه ببعض. ربيان غشه أن تأخذه في فيك فإن كان حلوا فهو مغشوش. ج- ومنهم من يطحن الزعفران المغشوش ناعما لئلا يظهر غشه. وبما أن الزعفران المغشوش إذا طحن ابيض لونه، لذلك يخلط معه عند الطحن دم الأخوين ليبقى لونه على ما كان. ولمعرفة غشه يكفي أن يلقي شيء من مسحوقه هذا في قدح ماء، فإن رسب منه شيء فهو مغشوش وإن طفا كله فهو خالص . من المعلوم أن لكل بلد، في الماضي والحاضر، عقاقير وأدوية التي اعتاد على استعمالها- ولما انتشر الإسلام في بلاد الشرقين الأوسط والأدنى بدأت تنهال عقاقير تلك البلاد على مدينة بغداد، يحملها تجارها وباعتها الذين كانوا يقومون أحيانا بوظيفة الطبيب والصيدلي، فكثر التدجيل وشاع الغش. ويقول الشيزري في كتابه إن كحالي الطرقات لا يوثق بأكثرهم ولا ينبغي لأحد أن يركن إليهم ، لأن منهم من يضع أشياخا أصلها من النشا والصمغ، وبصبغها بألوان مختلفة، فيصبغ الأحمر بالأسريقون، والأخضر بالكركم والنيل، والأسود بالقاقيا، والأصفر بالزعفران. كما ذكر بأن بعض الجراحين كانوا يلجأون إلى صنع مراهم من الكلس المغسول مع الزيت، ثم يقومون بصبغ هذا المرهم بلون أحمر بواسطة المغرة أو بلون أخضر بواسطة الكركم والنيل، أو بلون أسود بالفحم. فحص
الأدوية في الأقرباذينات العربية: إن أول أقرباذين ظهر باللغة العربية في أواخر القرن التاسع الميلادي، ويدعى مؤلفه سابور بن سهل الكوسج. كان صاحبه طبيبا ملازما في بيمارستان جنديسابور. يتألف هذا الكتاب من سبعة عشر بابا، وخصص كل باب للكلام عن أحد أشكال الصيدلة. ثم ظهر بعد ذلك عدة أقرباذينات ، منها أقرباذين ابن التلميذ (ص 12) وأقرباذين السمرقندي (ق 13) ويعتبر أقرباذين ابن التلميذ نسخة معدلة عن أقرباذين سابور وقد زاد عدد الأشكال الصيدلية فأصبحت (20) أما أقرباذين السمرقندي فقد صنف في الأدولة بحسب تأثيرها الدوائي. لم يرد في هذه المؤلفات شيء عن فحص الأدوية إلى أن جاء صيدلي مصري يدعى (أبو المنى داوود بن أبي النصر) فوضع كتابا دعاه منهاج الدكان ودستور الأعيان Programme de lofficine on codex deselits وهو لا يختلف بموضوعه وترتيبه عن الأقرباذينات السابقة، إلا بشيء واحد، وهو أن مؤلفه أضاف له في آخره بابا (هو الخاص والعشرون)، ضمته الأمور الآتية:- ا-
امتحان الأدوية المقررة والمركبة وذكر ما يستعمل منها وما لا
يستعمل. أولا: جاء في هذا الكتاب ذكر لفحص العقاقير والأدوية المركبة الآتية: اللازورد- الحجر الأرمني- المحمودة- مسك- كاريقون- غير- صندل- عود- كافور- ترياق- دهن البلسان- دهن اللوز- خولان- مامثيا- زنجبيل مربى- إهليلج كابن، مربي. ثانيا:
لست عنوان امتحان العصارات ورد طرق فحص المواد الآتية:
ثالئا: أعمار الأدوية، وقد صنفها إلى حشائش أو أعشاب وأزهار وذات جذور صغيرة ويستحسن أن تستعمل حديثة الجني لأن حفظها يؤدي إلى استحالة ألوانها وصغر أجرامها. أما العقاقير ذات القوام الصلب فمنها ما يسرع إليه التسوس والفساد ومنها ما يمكن حفظه مدة طويلة - ومن الزمرة الأولى ذكر الشيطرج البظافلن والبهمين ، ومن الزمرة الثانية ذكر الدرونج والزراوند- ثم تكلم بعد ذلك عن المياه المقطرة وكيفية حفظها وإصلاحها، وكذلك عن الدهون. وفيما
يلي بعض النماذج من طرق فحص الأدوية كما جاء في كتاب منهاج الدكان:-
تجعل منه قطعة عك ثوب أبيض وتمسح به ثم ينفض، فإن صبغ التوب في اللازورد فهو مغشوش أو يجعل شيء قليل من اللازورد في الماء ويدعك، ويترك ساعة حتى يرسب فإن رسب وبقى الماء صافيا كان الحجر) خالصا وإن صبغ الماء فهو مغشوش. أو يجعل قليل من فوق صفحة نحاس أو على ظهر جمرة ، فإن اسود واحترق كان مغشوشا وإن بقى أزرق فهو خالص. 2-
امتحان الزئبق: 3-
امتحان الأسفيداج : 4-
امتحان المسك: 5-
امتحان العنبر الخام: وأما المعجون منه فإنك إذا دققته فانسحق ناعما فهو مغشوش وإن انسحق وفيه لدونة فيعمل منه شيء على النار فإن تصاعدت رائحته وبقيت منه بتحية ناعمة كالرماد فهو خالص وإن تجمع كإجماع الشعر إذا أحرق وفي ملمسه صلابة يسيرة فهو مغشوش. 6-
امتحان الزعفران:- والمغشوش ثقيل الوزن وشعرته متساوية إذا جفت في الشمس يتقلص ويلين ويتعجن تحت اليد مادام سخنا ثم يعدد بعد ذلك صفات الأصناف الأخرى من الزعفران كالمغربي والعراقي والكركي. 7-
امتحان السنا المكي: وأما الذي يجلب من بلاد الصعيد إلى نواحي مصر والذي يؤخذ من الجبل الذي بظاهر القاهرة فإنه أقل من فعل المكي وهو لبس بالسنابل يسمي العشرق عند أهل الطرق.. وطرف الورقة (في العشرق) مدور ولونها شديد الخضرة. 8-
امتحان الكبابة: (والنوع الحبشي) حبته رزينة أكبر من الصيني ممتليء الباطن إذا كسر ومكسره أبيض وفيه عطرية. 9-
امتحان بذر البقلة: 10- امتحان العصارات والخلاصات والأدوية المهيأة: أ)
عصارة الغافث Eupatorlum وهي نوعان: ب)
امتحان القاقياAcacia: ا- المغشوش ضد ذلك وهو الذي يعمل من القرظ اليابس ويكون لونه أسود سريع الكسر. امتحان
ماء الورد: امتحان
دهن النارجيل Cocos امتحان
التريات: تحضير
الأدوية وفحصها في أوربا قبل عصر النهضة. وبعد انتشار الدين المسيحي في أوربا ظهر طب جديد كنسي كان يمارسه رهبان وراهبات في أمكنة ملحقة بالأديرة والكنائس وبالرغم من أن هؤلاء المتدينين كانوا لا يتمتعون إلا بقسط بسيط من معرفة أصول الطب الصحيح فقد مارسوا الطب الروحاني على نطاق واسع بحماس وإخلاص وقد أصاب رجال الكنيسة من ممارسة الطب هدفين: الأول:
بسط نفوذهم الروحي والدنيوي على أفراد الرعية. لقد استفاد المجتمع الأوربي من ممارسة الرهبان للطب في وقت كان بأشد الحاجة للخدمات الطبية. ولكن لما بالغ الرهبان باهتمامهم بالتطبيب وبيع العقاقير وأخذوا يخرجون من أديرتهم وكنائسهم لجمع المال أصدرت أربعة مجامع كنسية بين عامي (1131- 1163 م) أمرها بمنع ممارسة الطب خارج الصوامع والأديرة. وعلى كل يمكننا أن نقول بأن الطب الكنسي قد ساد أوربا منذ القرن الخامس حتى القرن الثالث عشر للميلاد. أما العقاقير التي درج الرهبان على استعمالها فقد كانت محدودة العدد ومحلية غالبا وقد اهتموا بصورة خاصة بزرع بعض النباتات الطبية في حدائق الأديرة وعددها لا يتجاوز (16) عقارا منها المرمرية (1)- الجرجير(2)- الشمر- النعنع- الكرفس- الورد- الحلبة- الذاب- الجعدة (3)- السعتر- حشيشة القمر (4)- حشيشة الدود (5) وكان الرهبان يحضرون غالبا الأدوية منها بأنفسهم لذلك لم يكن ثمة حاجة لفحصها. هذه هي العقاقير التي كانت تستعمل لتحضير أدوية سواد الشعب بصورة عامة أما الملوك والأمراء وأفراد الطبقة الغنية فكانوا يتمتعون باستعمال أدوية غالية الثمن لأنها تهيأ من عقاقير مستوردة من الصين أو الهند أو إيران أو بلاد العرب ويكفي أن نستعرض أسماء العقاقير الداخلة في تركيب الترياق حتى نستطيع معرفة المجلوب منها والمستورد إلى أوربا في ذلك الحين. تأثير
مدرسة ساليرن في علم العقاقير والأدوية : ولكن الفضل الأول لشهرتها يعود إلى قسطنطين الأفريقي الذي جاءها يحمل كتب الطب العربية ثم تفرغ بعد ذلك هو وتلاميذه لترجمتها إلى اللغة اللاتينية وقد أحصيت الكتب التي قام في بترجمتها أو تأليفها فبلغت (22) كتابا منها كامل الصناعة لعلى بن العباس وزاد المسافر لابن الجزار والعشر مقالات قي العين لحنين بن اسحق وكتاب الحميات والبول والأدوية المفردة لاسحق بن سليمان الإسرائيلي بالإضافة إلى بعض كتب أبقراط وجالينوس مما نقله حنين بن اسحق من اليونانية إلى العربية. لقد تم انتقال صفوة التراث العلمي العربي إلى أوربا عن طريق مركزين رئيسيين هما مدرسة ساليرن وبعض مدن الأندلس وخاصة قرطبة وطليطلة ونظرا لأن اللغة اللاتينية لم تكن مؤهلة لاستيعاب المصطلحات والأفكار العلمية الواردة في المؤلفات العربية واليونانية، لذلك فقد مضت فترة طويلة من الزمن قبل أن تظهر باللغة اللاتينية مؤلفات طبية ذات قيمة علمية حقيقية وأصيلة. وإذا أردنا أن نستعرض المؤلفات الطبية التي شاعت في مدرسة ساليرن منذ ظهورها واشتهارها في القرن الحادي عشر حتى، إغلاقها في مطلع القرن التاسع عشر نجد الكتابين الآتيين هما الأكثر شهرة : أولا:-
"كتاب مدرسة ساليرن والمعروف باسم Schola Salernitana
إن أقدم المخطوطات الموجودة لهذه القصيدة لا تعود بتاريخها لأبعد من القرن الرابع عشر وتختلف أبياتها من طبعة لأخرى لا من ناحية عدد الأبيات فقط بل من ناحية الترتيب والمحتوى أيضا. فمثلا
بلغ عدد الأبيات في النسخة الأولى التي نشرهاAmould de Villeneuve
(362) بيتا بينما عدد أبيات القصيدة التي نشرها دورنزى de Renzi
بلغ (3520) بيتا. لقد قمت بإحصاء العقاقير الواردة في أحدث طبعة لقصيدة ساليرن المترجمة للغة الفرنسية والتي نشرها الدكتور شارل دارميرغ عام (1880 م) فوجدت فيها ما يقرب من مائة عقار منها حوالي عشرين عقارا من أصل أجنبي ولا يوجد في هذه القصيدة ذات المقصد التعليمي أية إشارة لغش تلك العقاقير أو فحصها. ثانيا:
كتاب الأدوية المركبة لنقولا والمعروف باسم Antidotarium Nicolai
أولا:
نقولا السالرني وهو يوناني الأصل إسكندراني المولد وضع كتابه حوالي عام (1300) وترجم عدة مرات إلى اللغة اللاتينية. وقد أصدر مللك فرنساJean le Bon عام (1359 م) أمرا إلى الصيادلة بوجوب اقتنائه. ويتألف هذا الكتاب من (48) مقاله، ويضم (6667) وصفة طبع آخر مرة في نورمبرنج (1658 م). رابعا:
نقولا المقدم: Nicolas Praepositus on Praevotius
لقد قام الدكتور بول دورفوP. Dorveaux بتحقيق هذا الكتاب و طبعه باللغة الفرنسية عام (1896) وقال في مقدمته: إن مؤلفه هو نقولا السالرني ، كتبه باللغة اللاتينية في أوائل القرن الثاني عشر. وقال إن الصيغة الموجودة في هذا الكتاب أخذت تتناقص مع تقدم علوم الطب ولم يبق منها في دستور الأجوبة الفرنسي الصادر عام (1884 م) سوى بضعة أنواع من المراهم بالإضافة إلى السكنجين وعطر الورد ومربى الورد. لم يذ كر الباحث Achereau شيئا عن نقولا السالرني ولا عن نقولا الإسكندراني. إلا أن الأستاذ مورين بوفيه M. Bouvet في كتاب تاريخ الصيدلة تكلم عن نقولا السالرني وقال بأنه وضع عام (1160 م) مؤلفين موجزين في الأودية الأول هوPetil Antidotairc (الأقرباذين الصغير). والثاني كتاب الإبدال Qui-pro-Quo ولم يزد على ذلك ، أما نقولا الاسكندراني فلم يتكلم عنه أحد وأغلب الظن أنه نقولا العطار السالف الذكر لأنه يوناني في الأصل واسكندراني المولد كما ذا ق سابقا. لقد قمت بدراسة كتاب الأدوية لنقولا المقدم باعتباره أكمل تلك المؤلفات كما يقول العالم Chereah وأكثرها أهمية لأنه بقي كل رجعا للصيادلة في أوربا حتى عصر النهضة. يقول المؤلف في مقدمته " إن المعلم نقولا بناء على رجاء زملائه المزاولين للصنعة وضع هذا الكتاب وبين طريقة تحضير الأدوية من معاجين وأفيونيات وأشربة وحبوب ومقيآت.. كما بين فيه كمية الصموغ والأعشاب والبذور والأفادية التي تدخل فيها وكيف يجب أن تحفظ. " ثم يقول بعد ذلك "وأول شيء يجب عمله هو وزن الأعشاب والصموغ والأفادية والتأكد من أنها لم تخسر شيئا من قواها من جراء الحفظ وأن الجذور والبذور والأعشاب جنيت في الأوقات المناسبة ووضعت في الأمكنة الملائمة وأنها لم تفسد بتأثير الدخان أو الرطوبة. ولصبغ المربي يجب الحرص على انتخاب عسل نقي وأن تكون كمية كافية وأن يطبخ جيدا حتى، يمكن حفظ الأفادية التي توضع فيه ولينقيها ويخلصها من الطعم المر والأفادية التي توضع في المعاجين يجب أن تسحق سحقا ناعما أما التي توضع في الأدوية فيجب أن تكون بشكل مسحوق خشن ". يبلغ عدد الصبغة الدوائية الواردة في النسخة اللاتينية لكتاب نقولا المقدم (140) صيغة أما النسخة الفرنسية المترجمة فتحتوي فقط (85) صيغة ولم يكتف المترجم بحذف (55) صيغة من الكتاب بل قام باختصار بعض العقاقير الداخلة في تركيب تلك الصيغة كما يقول الدكتور دورفو . أما الأشكال الصيدلية لتلك الصيغ فهي محدودة العدد أكثرها معاجين يدخل في تركيبها العسل غالبا أو مربى الورد أو السكر أحيانا ولم أجد من الأشكال الأخرى سوى لصقة عدد (3) شراب عدد (2) مرهم عدد (9) سكنجي عدد (1) يضاف إلى ذلك أن المؤلف لم يذكر طريقة التحضير غالبا وإذا ذكرها فباختصار شديد كما أنه لا يوجد أي ذكر للطرق المستعملة للحفظ أو الفحص أو الغش. إدخال
فحص الأدوية في المؤلفات الطبية في أوربا: ولكن نتيجة ترجمة كتب الطب العربية واطلاع الجنود الصليبين على فوائد كثير من عقاقير الشرق فقد ازداد الطلب على هذه المواد وأخذت ترد إلى موانيء إيطاليا وفرنسا بكميات كبيرة. ومما أن تلك العقاقير غالية الثمن وكثيرة التعرض للالتباس والغش لذلك فقد أنشأت فرنسا نظاما حكوميا للإشراف على استلام وفحص تلك العقاقير في مدينة مونبليه قبل توزيعها على الصيادلة والعطارين. إلام أن بعض الصيادلة في أوربا كانوا يجهلون أحيانا الصفات الحقيقية لبعض العقاقير فمثلا ذكر Lisset Benancio في كتابه النوادر الطبية (12) أنه لفحص صمغ الكثيراء وهو من المواد المستوردة كان يكفي أن توضع قطعة منه في الفحم تحت اللسان فالمغشوش يميعه أما الحقيقي فينفخ ويصبح كالمعجون . من المعلوم أن كتاب ديوسفوريد في المادة الطبية يضم عددا من النباتات الطبية والعقاقير الشرقية إلا أن صفات تلك المواد على الرغم من ورود رسوم لها أحيانا في بعض النسخ المخطوطة من ذلك الكتاب لم تكن كافية لمعرفة النبات أو العقار بصورة جيدة. ويعتبر كتاب Mathisle الذي صدر في أواخر القرن السادس عشر في شرح مفردات ديوسفرريد من أوائل كتب العقاقير التي صدرت في أوربا علما بأن مؤلف هذا الكتاب قد استفاد في شرحه من المؤلفات العربية التي صدرت قبل ذلك بعدة قرون. قلنا فيما سبق إن نظرية الإبدال quiproquo قد تبناها الأطباء العرب منذ زمن الرازي ودونوها في كتبهم وجعلها بعضهم على شكل جداول يسهل الرجوع إليها عند فقدان بعض العقاقير وبهذه الصورة أصبح من الأمور المسموح بها للصيدلي إبدال عقار بآخر مشابه له بالتأثير الدوائي من ناحيتي المزاج والدرجة. لقد انتقلت هذه النظرية إلى أوربا عن طريق المؤلفات العربية واليونانية وصار يحق للصيدلي مثلا أن يستبدل الشب وهو مادة مستوردة بالملح الصخري والعسل بالسكر والأفسنتين بالمردقوش وهكذا.. وبهذه الصورة أصبح من المتعذر كشف الغش في الدواء المركب ذلك لأن الوصفة يختلف تركيبها بحسب العقاقير المتوافرة لدى الصيدلي. تنظيم مهنة الصيدلة، تفتيش الصيدليات، وفحص الأدوية في أوربا حتى نهاية القرن الثامن عشر. إن أول تنظيم جدي لمزاولة مهنة الطب والصيدلة صدر في أوربا عام (1231 م) ذلك أن الامبراطور فريدريك الثاني الذي استطاع أن تحد بين ألمانيا وإيطاليا قد استدعى إلى بلاطه كثيرا من العلماء والفلاسفة من المسلمين والأوربيين وشجعهم على ترجمة العلوم اليونانية والعربية إلى اللغة اللاتينية وهو يعتبر من أكثر ملوك أوربا خلال العصر الوسيط علما وثقافة وإتقانا للغات الأجنبية كالعربية والعبرية وتقديرا واحتراما للعرب والمسلمين. وفي زمن فريدريك الثاني انفصلت مهنة الصيدلة عن مهنة الطب وصار لكل منها تشريعات خاصة ومن تلك التشريعات تعيين مدة الدراسة اللازمة للحصول على لقب دكتور في الطب وإلزام تدريس مقرر علم التشريح بصورة علمية على الجثث البشرية. لقدا ظهر في أوربا منذ القرن الحادي عثر باعة للعقاقير Speciarii يعملون في أمكنة ثابتة في عدة مدن أوربية أما الصيدليات فلم تظهر إلا في القرن الثالث عشر وكان يطلق عليها اسم orient J. إن انفصال مهنة الصيدلة عن مهنة الطب في أوربا بدأ حينما أخذت الجامعات تدرس العلوم الطبية وأصبح الأطباء المتخرجون يأنفون من القيام بسحق ومزج العقاقير وتحضير الأدوية المركبة منها وصاروا يتركون هذا العمل لمستخدمين يقومون به تحت إشرافهم في أول الأمر ثم في أمكنة بعيدة عنهم. وهذا يعني أن ممارسة الطب قي أوربا أصبحت تتطلب منذ ذلك الوقت دراسة جامعية بينما مزاولة الصيدلة كانت لا تحتاج لأكثر من ملازمة وتمرين تحت إشراف أحد الأطباء أر الصيادلة المعتمدين. لم يكن هناك طرق واضحة يجب اتباعها في تحضير الأدوية وفحصها وحفظها ، ونظرا لما يترتب عليه استعمال بعض الأدوية من خطر فقد أصدرت كلية الطب بباريس عام (1322) أمرا توضح فيه الشروط والطرق القي يحب أن يتم بموجها تحضير واستعمال الأدوية المسهلة والمعاجين الأفيونية. وفي عام (1336 م) صدر أمر آخر من الكلية المذكورة يجبر الصيادلة على تقديم الأدوية المسهلة والأفيونية التي يقومون بتحضيرها إلى عميد كلية الطب أو لمن ينوب عنه من الأساتذة ولاثنين من الصيادلة المعتمدين من قبل الدولة ليصار إلى فحصها من قبلهم وللتأكد من صلاحها وعدم فسادها. ولكي تتوحد طرق تحضير الأدوية المركبة فقد أصدر ملك فرننسا Jaen Le Bon عام (1395 م ) أمرا للصيادلة بوجوب اقتناء نسخة من كتاب الأدوية المعروف Antidotorium Nicolai لذلك يعتبر هذا الكتاب في نظر بعض المؤرخين أول دستور للأدوية عرف في أوربا، أما تفتيش الصيدليات فكان القصد منه في باديء الأمر مراقبة الأوزان والأسعار وقد قام بذلك فئات مختلفة في مدينةAvignon فرنسا ظهرت جماعة دينية عرفت باسم (إخوة الإحسان Contreries de l aumone على نمط جماعة الأمر بالمعروف عند المسلمين أما في مدينة باريس فقد أصدر الملك (فيليب الجميل Philippes le Bel) عام (1311- 1312) أمرا بتعيين لجان من أصحاب المهن التي يستدعى عملها استعمال الأوزان للقيام بهذا العمل . وفي زمن الملك (جان الطيبJean le Bon أصدر أمرا عام (1353) بتكليف لجنة تتألف من كبير صيادلة باريس يعاونه مندوبان من كلية الطب للقيام بتفتيش الصيدليات ومراقبة الأدوية. وفي عام (1404 م) صدر في فرنسا نظام يعرف باسم (Status de Pamiers) يخول طبيب المدينة القيام بتفتيش الصيدليات ومعاينة الأدوية فيها وتقديم تقرير عن ذلك يرفعه للمسؤولين ويحق لهذا المفتش أن يأمر بإتلاف الأدوية التي يلاحظ فسادها أو عدم صلاحها للاستعمال . ولكي نعطى فكرة عن العقاقير التي كانت معرضة للغش وعن الطريقة التي كان يلجأ إليها المفتشون لكشف ذلك، نذ كر ما ورد في مقالة للطبيب Lisset Benolncio صدرت عام (1553) انتقد فيها الصيادلة وعدد أخطاءهم وما كانوا يرتكبونه من غش فقال: إن أكثر الصيادلة في هذا الوقت يبيعون بدل الصبر الجيد قطعا من صبر غير نقي يغشونه بماء البحر والزعفران ومن الممكن كشف الصبر المغشوش من رائحته. ويقول في مقالته هذه أيضا: " والصيادلة يبيعون الصبر المغشوش بأغلى الأثمان ويصفونه كما يلي: يأخذون مساحيق العود والميعة واللادن ويضيفون إليها قليلا من الصبر الجيد بعد حله في ماء الورد ". ويذكر Jean de Renou في كتابه المسمى Les Ocuvres Phamaceutiqus الصادر عام (1627) أسماء بعض العقاقير ابقي كانت تترض للغش فيقول:- أما الزعفران فكان يغش بالعصفر، والمسك يغش بدم الجدي وطين ساموس (المختوم) بالطين العادي، والأفيون بعصارة أوراق الخشخاش الأسود ". ثم يقول بعد ذلك: " ومن الممكن أن أعدد أشكالا كثيرة من الغش ذكر بعضها ويسفوريد وذكر بعضها الآخر المحدثون ولكنني أفضل السكوت عن ذلك لوجود كثير ممن يطيب لهم تقليد الأعمال السيئة وعدم اتباع الأعمال الصالحة. " شهدت أوربا خلال القرن السادس عشر ظهور طب جديد يستند إلى المداواة بالمركبات الكيميائية (Chimio-therapie) وقد أطلق على هذا العلم في أول ظهوره اسم الطب الكيميائي latrochimie ويعزى اختراع هذا العلم في أوربا إلى كيميائي سويسري توفي عام (1541 م)، وعرف باسم باراسلز أو باراكلسوس:Paracelsus . لقد
قام طبيب من حلب يدعي صالح بن سلوم (توفى عام 1670 م)، بوضع كتاب
في الطب (دعاه غاية الإتقان " شرح فيه لأول مرة آراء باركلسوس
بهذا الخصوص وقال: ومن الأفكار التي جاء بها باراكلسوس قوله: "بأن المادة مهما كان منشؤها تتألف من العناصر الأربعة (الهواء والماء والتراب والنار) ويضاف إليها عنصر طيار أطلق عليه اسم الروح الخامسة Quin tessence وقد عزا لهذا العنصر الآخر التأثير الدوائي الموجود في العقاقير لذلك لجأ إلى تقطير مختلف المواد النباتية والحيوانية والمعدنية للحصول عليه. ولم تنتشر أفكار باراكلسوس في الأوساط العلمية في أوربا إلا بعد فترة من وفاته ذلك لأن أسلوبه الفظ في انتقاد زملائه وتسفيه آرائهم المستقاة من كتب الأقدمين جعل خصومه أكث من أصدقائه ومشايعيه. ولكن حييما قام الأستاذ الجامعي أوزوالد قروليوس Oswald Crollius وهو أحد أتباع براكلسوس ومناصريه في تعاليمه ومبادئه بتأليف كتاب في صناعة الطب الكيميائي نشر عام (1609) لأول مرة في مدينة فرانكفورت تحت اسم الكيمياء الملكية Cymica Basilicoc انتبه الباحثون لأهمية المواد الكيميائية وطرق تحضيرها وفحصها وتأثيراتها الدوائية واستعمالاتها المختلفة، كما جعلهم يهتمون بطريقة التقطير بصورة خاصة لأنه بواسطتها أمكن الحصول على ع!ذ مركبات عضوية أو معدنية هامة كالتحولات والحموض المختلفة وقد تكلم الأستاذ M. Bouvet في مقال له عند فحص الأدوية فذكر اسم اثنين من الصيادلة كانا عضوين في أكاديمية العلوم الفرنسية الأول يدعىClaude Bourdelin والثاني يدعي Denis Dodart (1634 - 1707) قاما بفحص كيميائي لعدة مواد نباتية وحيوانية ومعدنية بطريقة التقطير. وبالرغم من أن هذه التجارب لم تؤد من الناحية العملية أية فائدة مباشرة في فحص الأدوية إلا أنها من الناحية التاريخية كان، لها فائدة عظيمة لأنها قدمت للمحللين الكيميائيين طريقة جديدة للفحص. وفي منتصف القرن الثامن عشر بدأت طرق التحليل الفيزيائي والتحليل الكيميائي تتطور بسرعة وتزداد وتتنوع بتأثير عاملين: الأول: ازدياد عدد العقاقير الواردة إلى أوربا من أمريكا ومجاهل أفريقيا المكتشفة حديثا، وبما أن هذه العقاقير لم تكن معروفة وموصوفة من قبل شعوب أخرى لذلك فقد كثر الالتباس والغش فيها وأصبح من الضروري دراستها وتسجيل أوصافها الصحيحة ومعرفة أوصاف ما تفشى بها عمدا وسهوا، يضاف إلى ذلك أن الأطباء والصيادلة في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون بصورة جيدة الخصائص الدوائية لتلك العقاقير ولا طرق استعمالها لذلك أصبح من الضروري عرضها على لجان فاحصة تقوم بدراسة تأثيرها بطرق علمية مقبولة. الثاني: ظهور المستحضرات الدوائية الخاصة والتي كانت تعرف في ذلك الوقت باسم الأدوية السرية Re-medes secrets وتباع بأثمان فاحشة. لذلك قامت الحكومة الفرنسية منذ عام (1728) بمراقبة تصنيع تلك الأدوية للتأكد من حصول صاحبها على الترخيص اللازم كما أولت مدير شرطة باريس مهمة الإشراف على فحصها لمعرفة تركيبها وتثبيت مواصفاتها والتأكد من فعاليتها وسأذكر فيما يلي حادثتين مشهورتين تعتبر الأولى منهما المنطلق في الفحص السريري للعقاقير، الثانية نموذجا لفحص المواد المعدنية بصورة عامة والزئبقية بصورة خاصة في أوربا. فحص
التأثير الدوائي لعرق الذهب أي (Ipeca) تحرى
المركبات الزئبقية في بعض المستحضرات الخاصة: ولما كانت المركبات الزئبقية شديدة السمية لذلك نجم عن سوء استعمال المستحضرات الحاوية عليها كثير من الحوادث المؤسفة وهذا ما استدعى تدخل السلطات الصحية في فرنسا لمراقبة تلك المستحضرات. قام بعض الصيادلة والأطباء في فرنسا خلال القرن الثامن عشر بتحضير عدة أدوية مركبة أساسها أملاح الزئبق نذكر منها بعض النماذج فيما يلي : ا-
شراب بيليه الزئبقي:Sirop mercuriel de Bellet 2-
ماء برتقال Eaw fondante de preval 3-
ملبسات قيصر: Dragies Keyser أما لكشف أملاح الزئبق فقد لجأ الخبيرBucquet عام 1779 إلى استعمال صفائح من الذهب أو النحاس تغمس في المحلول فيترسب عليها الزئبق أو يتبخر المحلول الزئبقي على النار المجردة ثم تسخن الباقية بشددة فيتحول الزئبق إلى أوكسيد الزئبق الأحمر وقد أضاف الخبير المذكور في تقريره أنه من المتعذر كيف الزئبق بالاستناد إلى الطريقة التي اتبعها فيما إذا كان يوجد بكميات قليلة. مما سبق يتبين لنا أن المؤلفات الطبية العربية التي ظهرت بين القرنين الثامن والثالث عشر للميلاد قد احتوت على وصف كثير من العقاقير النباتية والحيوانية بصورة دقيقة مما جعل من السهل كشف الالتباس أو الغش وبما أنه لم يكن يوجد في ذلك الوقت الأجهزة الدقيقة والطرق الكيميائية المتوافرة حاليا لدينا، لذلك فقد اكتفى أولئك الباحثون بالاستعانة بالحواس الخمس لتسجيل أوصاف تلك الأدوية وقد حذا الأطباء والصيادلة في أوربا حذو زملائهم الذين سبقوهم في البلاد العربية فيما يتعلق بفحص العقاقير وتحضير الأدوية المركبة منها مستفيدين من خبرتهم التي حصلوا عليها بعد ترجمة أمهات كتب الطب العربية إلى اللغة اللاتينية. ويمكننا أن نقول بأن المؤلفات الطبية والصيدلية التي ظهرت في أوربا حتى نهاية عصر النهضة لم تكن أجود مما ظهر في البلاد العربية والإسلامية في نهاية القرن الثالث عشر للميلاد. ولكن بدءا من منتصف القرن الثامن عشر بدأ الأوربيون يتقدمون في جميع سبل العلم والمعرفة بينما بدأت الشعوب الإسلامية فى ترزح تحت أثقال الفقر والتخلف والتشتت. |