|
في علم الكيمياء النباتية الحديث الأستاذ/
سليم الزمان صديقي عندما عقد المؤتمر الدولي الأول للطب الإسلامي في الكويت في يناير سنة 1981 م. طرحت بعض الملاحظات عن تقدم الطب في إطاره التاريخي، وضرورة إحياء الطب الإسلامي في العصر الحديث. وفي مجرى البحث الذي قدمته آنذاك كنت قد أوضحت التزام الطب الإسلامي أساساً بالأسلوب العلمي الواضح، وذلك في ضوء الأسلوب التحليلي الذي تناول به ابن سينا جوانب هذا الطب النظرية والعملية، ومن ذلك المنطلق ذكرت بعد ذلك أنه في مختلف مجالات العلوم لا يمكن أن يوجد في أي وقت معين سوى منظومة واحدة من المعارف، وأنه في عملية تقدم الطب الإسلامي لا بد من استهداف تكامله مع المعارف الجديدة التي تقدمها لنا هذه العلوم. واستكمالاً
لهذه المناقشة أتناول في بحثي هذا دور المنهج التقليدي في علم
الكيمياء النباتية الحديثـة، وفي هذا الصدد، يجب أولاً أن نأخذ
في الاعتبار أن النباتات الطبية ظلت تكون القاعدة الأساسية في
العلاج والوقاية من الأمراض المختلفة في الطب الشرقي،- الغربي
أيضاً حتى بداية هذا القرن، ولكن مع تطور الأدوية الكيمائية والنجاح
الباهر الذي حققه العلاج بهذه الأدوية أصيبت العقاقير ذات الأصل
النباتي بنكسة خطيرة لم تنهض منها إلا مؤخراً عندما بدأ الاهتمام
يعود ومن
جهة أخرى، أسهمت الأجهزة الإلكترونية الحديثة مثل جهاز.U.V وأجهزة
قياس الطيف بالكمبيوتر N.M. في تنوير نطاق هيجة وأظهرة الدراسات
التركيبية لعناصر النبات الكيميائية ونمط هذه الدراسات.
وبالرغم من ذلك ، وبدون التقليل من شأن هذه الطرق والإمكانيات الحديثة خاصة في مجال الدراسات التي تتعلق باكتشاف العلاقة المتبادلة بين تركيب عناصر النبات وبين نشاط هذه العناصر، فإنني أرى أن الطرق التقليدية ما زالت تحتل مكاناً هاماً في عملية عزل عناصر النبات ومحاولة التحكم في تفاعلاتها الكيميائية. ولكي أدلل على هذا الرأي أود أولاً أن أشير إلي أهمية الاحتفاظ بنضارة وطراوة النباتات عند دراسة مكوناتها ؛ إذ إن جفافها أثناء عملية تخزينها يؤدي إلي تغييرات في تركيب عناصرها بسبب الأكسدة الجوية وبفعل الأنزيمات. ويرجع السبب في قلة الاهتمام بهذه الناحية إلى أن معظم الدراسات الكيميائية علي النباتات قد جرت في البلدان الغربية، حيث لا تتوفر مواد عقاقيرية طازجة من المناطق الاستوائية المشبعة بالرطوبة، وأبرز مثال على ذلك من دراساتي السابقة هو حالة البراعم الصغيرة لنبات النخود Cicer arietinum Linn فعند تحليل هذا النبات وهو في حالة نضرة وطرية وسليمة أمكن عزل نوعين متماثلين من الفلافين Isoflavines0 حامضي أمينى سميت بيوكانين Biochanins.أ ،ب ، ج ولقد تبين تماثل أحد هذين النوعين من الفلافين بمادة الفورمونينيتين، formonenetin، إلا أنه أمكن إثبات أن بيو كاتين أهو منتج جديد، وذلك من خلال دراسات تحليلية أتبعتها بدراسات تركيبية على عكس ما حدث عندما بدأت العمل في هذه البراعم بعد تجفيفها في الظل، إذ لم يمكن الحصول على أي أثر من العناصر المتبلرة في هذا النبات، وأمكن تسجيل نفس الشيء تقريباً، وإن لم يكن بهذا الشكل الجذري، عند تحليل نباتات Rauwolfia and Holatthena" الشبه قلوية. وقد قام الدليل على صحة هذه الطريقة عند عمل الدراسات الخاصة بفاكهة البان الطازجة Melia azadirachta وفصوص الثوم. ولقد أشرت إلى هذه الملاحظات بالذات، لأن إعادة البحث في مواد نباتية كثيرة بهذا الأسلوب يتيح فرصاً جديدة لجهود العلماء الذين يعملون في منطقتنا، كما يضع أمامهم تحدياً لبذل هذه الجهود. والجانب الثاني من الموضوع الذي أقدمه هنا، يتعلق بإهمال الطرق التقليدية قبل تطبيق الوسائل التحليلية الحديثة التي أشرت إليها لعزل المواد المتماثلة، وتقوم الطرق التقليدية بصفة أولية على استغلال تنوع خاصية العناصر الأساسية الحمضية والمتعادلة لمستخرجات النبات، من حيث قابليتها للذوبان، وقوتها الأساسية أو الحميضية، والتنوع الكبير في قابلية أملاح القواعد العضوية والأحماض للذوبان. وقد يثير دهشة الكثير من زملائي هنا منذ أبحاثي الماضية في الثلاثينيات على المواد شبه القلوية Triterpenoids Flavonoids والعناصر النباتية الأخرى. وحتى يومنا هذا أمكن عزل مجموعة من المواد الجديدة بدون اللجوء إلى العمليات الكروماتوجرافية، أو أي، وسائل آلية أخرى. ومن أعظم مزايا الطريقة التقليدية لعزل المواد والتحكم في التفاعلات الكيميائية، هي أنه بمجرد أن يتوصل المرء في نهاية الأمر إلى طريقة تحليل معينة، فإنه يمكن الحصول على كميات كبيرة من المنتجات بسهولة ويسر، مما يتيح إمكانية إجراء دراسات شاملة في مجال الأقرباذين ، وكذلك إمكانية إجراء دراسات عن العلاقة المتبادلة بين تركيب العناصر ونشاطها على أساس مشتقاتها . وصحيح أنه يكفي لذلك مواد يمكن وزنها بالملليجرام، وهو ما تتيحه الإمكانيات الحديثة لتحليل تركيب النبات، ولكن هذه الإمكانيات لا تكفي للقيام بالعمل الذي أشرت إليه هنا.
وستجدون في الملحق شرحاً وافياً للأساس المنطقي الذي تقوم عليه
وجهات النظر المطروحة في هذا البحث، مع " المراجع موجودة بالبحث المنشور باللغة الإنجليزية . |