اتجاهات  في البحوث البيولوجية
بيولوجيا في أعلى مستوى

بيردسلي ، عضو بهيئة تحرير مجلة سايتنفيك أمريكان

لقد شكل عام 1973 منعطفا حادا في تاريخ البيولوجيا. ففي ذلك العام ابتكر N.S. . كوهون من جامعة ستانفورد، وW.H. . بوير، من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو تقنية جعلت من الهندسة الجينية أمرا عمليا، مما أطلق . التصنيع التقاني الحيوي من عقاله. لقد استنبط هذان الباحثان طريقة مباشرة وواضحة لاغتراس جينات وظيفية من كائنات حية متباينة في البكتيريا (الجراثيم) التي أمكن إنماؤها بكميات كبيرة. وحقيقة الأمر، أن إنجاز كوهن وبوير كشف أمام الباحثين آفاقا كانت بالنسبة لهم مجرد أحلام .

 فالبروتينات التي كان استخلاصها من النسج الحيوانية أو النباتية يستوجب جهدا كبيرا، غدت تصنع طوع الإرادة باستخدام البكتيريا كمصانع مكروية (صغرية). ولقد تزامن هذا تقريبا مع ابتكار الباحثين طريقة يصنعون بوساطتها كميات كبيرة من الأضداد النقية التي تعتبركيميائيات بيولوجـية، يمكن استخدامها في سبر أغوار أدق تفاصيل السيرورات الخلوية. وبدا وكأن مغالق الحياة قد فتحت فجأة. وها هو ذا بويريجوب منطقة خليج الشاطيء الغربي مستطلعا الإمكانات. 

إن ازدهار التقانة الحيوية الذي تبع ذلك أحدث تحويرا تجاوز كثيرا التقنيات المستخدمة في المختبرات (المخابر).  كما أدخل هذا الازدهار تغيرا عميقا في الوسط المالي للبحث البيولوجي وفي ثقافته. فلقد أنجزت الهيئات الخاصة في العام 1993 نصف بحوث الصحة في الولايات المتحدة، في حين أن معاهد الصحة الوطنية، أي الوكالة. الحكومية التي كانت منذ الخمسينات تعتبر الممول الرئيسي للبحث الطبي البيولوجي ، لم تقدم الدعم المالي إلا لما نسبته 32 في المئة من هذه البحوث. كما أن عدد الباحثين الشباب الذين تقدموا إلى معاهد الصحة الوطنية بطلبات الحصول على المنح قد هبط عام 1994 إلى نصف ما كان عليه عددهم عام 1985وإن شركات التقانة الحيوية، التي تشكل واحدا من أكثر القطاعات تذبذبا فى سوق تجارة الأسهم (البورصه)، تمتلك رأسمال تضاميا بلغ عام 1994 وفقا لدليل أرنست وينغ، ما مقداره 4 بلايين دولار، أو سبعة بلايين أقل مما كان عليه عام 1992. ولكن على الرغم من هذا الهبوط فإن الرأسمال هذا يظل مثيرا للإعجاب بالنسبة لصناعة عمرها يقل عن عشرين عاما. 

فهل كان هذا التغيير إلى الأحسن؟ إن دخول المؤسسات الخاصة في البيولوجيا قد دفع الباحثين والمسؤولين الحكوميين إلى مجابهة التساؤل عن الدور الذي على المؤسسات التقليدية، الجامعات والمختبرات الفيدرالية، أن تؤديه فيما يتعلق بمستقبل هذه العلوم التي كانت تخصهم في الماضي وحدهم. ومما يثير الاستغراب أن هذه المؤسسات العامة بالذات هي نفسها التي حققت معظم الاكتشافات الحاسمة التي انبثق عنها ونما بوساطتها التصنيع التقاني الحيوي، لدرجة أن بعض العلماء الأكبر سنا يتساءل عما إذا كان البحث التقليدي سيستطيع أن يعيش مقاوما طوفان المقاولات. ونذكر من بين هؤلاء العلماء P  بيرك من ستانفورد الذي غالبا ما يوصف بأنه مؤسس الهندسة الجينية. إن بيرك يتوجس خيفة من أن التسابق نحو تطوير عقاقير مربحة قد يعرض للخطر الاستقصاء اللامقيد الذي تنبثق عنه الأفكار المبدعة عادة. كما أن آخرين قلقون من أن الرغبة في حماية ملكية المعلومات، ستعوق النقاش الحر الذي تقدسه الجامعات. ووفقا F.R سيليست رئيس حلقة البحوث المرتبطة بالحكومة والجامعات والصناعة، وهي منظمة تعنى بالعلاقات القائمة بين هذه المؤسسات فإن "حرية تبادل المعلومات مبعث قلق. 

 ومهما تكن الحلول التي سيتم وضعها لهذه المعضلات، فإن الرجوع بالزمن إلى الوراء لن يكون من بينها. فالتقنيات التي تبتكر حاليا على درجة من الأهمية (كما أن عائداتها المادية على درجة من الضخامة أيضا) بحيث يبدو كل اكتشاف بديل وكأنه فرصة تجارية سانحة. وقد تحولت حشود من البيولوجيين طوال العقدين اللذين تليا ابتكار كوهن وبوير (الذي تم من خلاله الانتقال بعملية خلط الجينات من ظاهرة غاية في التعقيد تنجزها الخلية إلى تجربة يمكن إجراؤها في مدرسة ثانوية) إلى مقاولين فعليين. كما تعاظمت أعداد الشركات التي تهدف إلى استثمار التقانات الجديدة كما تتكاثر الخلايا في طبق بتري petri إذ يوجد حاليا نحو 1300 شركة تتخصص في التقانة الحيوية في الولايات المتحدة وحدها، كما أن معظم الهيئات الزراعية والصيدلانية قد حرصت على الدخول في هذا الميدان. فمنذ خمس سنوات تخطت الصناعات الحكومية كمزود رئيسي لمستلزمات البحوث الطبية الحيوية وذلك بعد عقود من السيادة الفيدرالية. ولقد انفق التصنيع التقاني الحيوي في عام 1993 ما قيمته 5.7 بليون دولار على إجراء البحوث، أي ما يعادل زيادة قدرها 14 في المئة عما أنفقه في عام 1992، وهذا على الرغم من التضييق الملحوظ على رؤوس الأموال التي تموت بها الاستثمارات الجديدة. 

إن البيولوجيا الجزيئية تتطور على نحو بين من علم إلى صناعة فهل ستصمد أمام هذا التحول؟

إن القطاع الخاص يملأ حاليا فراغا خلقته التيارات غير الأكيدة والمتقلبة والتي تميزالدعم الحكومي للاستقصاء البيولوجي والاستقصاءات الأساسية الأخرى. فلقد توسعت معاهد الصحة الوطنية في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية توسعا هائلا. فالمخصصات ازدادت مقدار 150ضعفا في الفترة ما بين العامين 1945 و 1965 وحتى بعد التضخم ، فإن الموازنة ارتفعت من26 مليونا إلى 4 بلايين دولار وذلك حتى عام 1988. ويمثل هذا ازديادا سنويا سريعا جدا للنمو الحقـيقي قدره 28 في المئة. وفي غضون ذلك أصبحت مساحة الأراضي التي تحتلها معاهد الصحة الوطنية في بيتثدا بولاية ميريلاند تساوي نحو 125 هكتارا، ويجادل البعض بأن المعاهد نفسها أضحت أبرز مركز للبحث الطبي في العالم. 

وتكتسب الأهمية نفسها المنح التي تقدمهامعاهد الصحة الوطنية لباحثين يعملون خارج مواقعها، فثلاثة أرباع موازنة المعاهد مخصصة لتلك المنح . كما أن أجيالا من الباحثين الشباب، الذين يعملون في مختلف جامعات الولايات المتحدة، قد اعتمدت على هذه الوكالة في تمويل دراسات تقوم بها وتتناول الخلايا والأبدان الصحيحة منها والمعتلة. ولقد فهم بصورة شاملة ومطلقة بأن البحوث التي تمولها معاهد الصحة الوطنية، سواء تلك التي تتم في هذه المعاهد نفسها أو خارجها في الجامعات والمؤسسات الأخرى، هي أساسية في طبيعتها ولا تتأثر بالضرورات التجارية. 

ومع ذلك فإن نمو معاهد الصحة الوطنية تباطأ في السبعينات والثمانينات. ومع أن الموازنة استمرت في التزايد، إلا أن الزيادات التي طرأت عليها غدت أقل تأثيرا عندما كانت تنسب إلى نفقات البحث المتصاعدة . وتستخدم معاهد الصحة الوطنية دليلا index خاصا للبحث الطبي الحيوي والتطوير تقيس بوساطته نمو النفقات. وهذا الدليل يتصاعد على نحو أسرع بكثير من تصاعد الأسعار الخاصة بالمستهلك. وتجدر الإشارة إلى أن موازنة معاهد الصحة الوطنية قد ازدادت خلال العقد الأخير بمعدل سنوي متواضع نسبيا بلغ نحو 9 , 3 في المئة ، وذلك بعد الأخذ في الاعتبار نسبة التضخم في نفقات البحث. 

بيد أن عدد الباحثين الذين يسعون للحصول على منح مالية قد ازداد منذ مطلع السبعينات ازديادا كبيرا. ففي عام 1972 درست لجان معاهد الصحة الوطنية 8596 طلبا للحصول على منح، ووصل هذا الرقم " في عام 1992 إلى 42 1 20 طلبا. وحتى الباحثون المتميزون يجدون حاليا أن احتمال فوزهم بمنحة من منح معاهد الصحة الوطنية أمر يثبط الهمة. ففي عام 1993 تم تمويل 22 في المئة فقط من طبات الحصول على المنح والتي تقدم بها باحثون لم يتجاوزوا السادسة والثلاثين من العمر، ولقد كانت هذه النسبة 33 في المئة عام 1985 .

ومما يقلق أكثر أن عدد الباحثين الشباب ( ممن هم دون السادسة والثلاثين) الذين يتقدمون بطلبات للحصول على المنح قد تدنى بنسبة مروعة بلغت 54 في المئة في الفترة ما بين العامين 1984 و 1993 . وقد سبب هذا النزوع الكثير من الإرباك، عبر عنه عالم الفيروسات الحائز جائزة نوبل E.H . فارموس  مدير معاهد الصحة الوطنية، بقوله: "إننا لا نفهم حاليا هذه الظاهرة. فإلى أين ذهب أولادنا؟ ربما تم استخدام البعض كأعضاء في فرق بحث كبيرة، والتحق آخرون بالصناعة ، أو ربما أنهم يعملون فى الجامعات بمشاريع تمولها الصناعة وبالفعل ، ونظرا لأنها لم تعد متيقنة من الدعم الفيدرالي ، للبحوث الأساسية، فإن الجامعات شرعت بالتودد إلى القطاع الخاص. 

ويشرح شيليست ذلك قائلا: " تبتغي الجامعات تكملة ما تتلقاه من دعم مالي فيدرالي. وقد كان هنالك اهتمام شديد فيما يتعلق بطريقة تفاوضنا على عقود البحث. " وعلى الرغم من أن شركات التقانات الرفيعة تجري عادة قسما كبيرا من بحوثها في مختبراتها، فإن نحوسبعة في المئة من بحوث الصحة، التي تجرى في الجامعات وفي كليات الطب، تمول من قبل الصناعة. 

لقد بدأت البيئة المالية تتغير تغيرا واضحا منذ عام 1980، وذلك عندما أقر الكونغرس مجموعة قوانين تشجع المؤسسات الأكاديمية والمختبرات الفيدرالية على كسب المال من نقل التقانة technology transfer. وقد شكل مرسوم بيه- دول Bayh-Dole الذي وقعه الرئيس كارتر في عام 1980حجر الزاوية، إذ أعطى الجامعات الحق في تسجيل براءات الاكتشافات التي تأتت من بحوث ممولة فيدراليا وفي الترخيص لها على شكل شركات تجارية. وخطا مرسوم نقل التقانة الفيدرالي الذي صدر عام 1986 بالأمور خطوة إضافية أبعد، وذلك بسماحه للشركات يإقامة شراكة مع علماء المؤسسات الحكومية داخل معاهد الصحة الوطنية ومراكز البحث الأخرى المماثلة عن طريق عقود عرفت باتفاقيات البحث والتطوير التعاونية. 

وهكذا غدت، فجأة، التنمية الاقتصادية والتحصيل الجامعي جزءا من رسالة الجامعة. كما أن مختبرات حكومية كانت قد كرست نفسها منذ الأربعينات لخوض الحرب الباردة خارج البلاد، وجدت بأن عليها أن تقدم العون في معركة مختلفة كليا، تتمثل في التنافسية الصناعية داخل البلاد. 

وتستجيب الجامعات الالتزامات قطاعها الخاص بجيوية بالغة. فربع براءات الاختراع التي منحت للجامعات منذ عام فى 1969 قد تمت الموافقة عليه في العامين 1991 و 1992 وكان على وجه الخصوص، للصحة والطب الحيوي تمثيل جيد في تلك البراءات. ولبعض الجامعات كانت المكافآت المالية التي أخذت تحصل عليها في سوق المقاولات الجديد هائلة. فلقد كسبت براءة كوهن- بوير (التي تعد عموما مثالا استثنائيا) نحو مئة مليون دولار كرسوم ملكية وذلك منذ صدورها عام 1980. وتوزع هذه الأرباح بين جامعتي ستانفورد وكاليفورنيا. إن معظم براءات الجامعات تقل كثيرا في أرباحها عن ذلك. فمعهد ماساتشوستس للتقانة، الذي يعد على نطاق واسع رائدا. في الترخيص التقاني، يجني من رسوم ملكية براءاته أقل  من 2 في ، المئة فقط من دخله السنوي. 

إن دعم الصناعة للبحث يعني أن ملايين الدولارات تدفع للمؤسسة العلمية من مصادر خارجية. وإن منتقدي هذا التوجه، مثل ليونارد مينسكي المدير التنفيذي للائتلاف الوطني الخاص بالجامعات ذات الصلة بالمصالح العامة، يسخرون من الأسلوب الذي تتبعه الجامعات في تعاملهامع الصناعة. فالجامعات، كما يقول مينسكي بتذمر: يعمها الفساد ففي أي وقت من الأوقات يمكن الكشف في معظم الجامعات عن حالتين أو ثلاث حالات رشوة أو فساد.

 وقد يجادل البعض بأن هذا الانتقاد مبالغ فيه، بيد أن القلق على سلوك جادة الصواب فيما يتعلق بالبحوث التي ترعاها الصناعة يظل ماثلا للعيان. فمنذ عامين استطاعت B هيلي التي كانت حينذاك مديرة معاهد الصحة الوطنية أن تستثير الغضب عندما انتقدت اتفاقية مشروع بحث مشترك بين معهد سكريبس للبحوث في  لاجولا بكاليفورنيا، وساندوز منتج الصيدلانيات في سوسيرا. فوفقا لبنود الاتفاقية المقترحة، سيكون لساندوز "حق خيار الشراء"  first refusal (أي الخيار الأول في الترخيص) لمعظم الاكتشافات المتأتية عن البحوث التي يجريها سكريبس، وذلك مقابل 30 مليون دولار في العام ولمدة عشرة أعوام.  ولقد أوضحت هيلي في حينها أن بوسع الاتفاقية المقترحة أن تخل بالحرية الأكاديمية لباحثي معهد سكريبس. 
وفي الحقيقة، فإن عددا من إداريي البحوث قد وجد فعلا أن صفقة سكريس- ساندوز مثيرة للسخط. وأكد مسح أجرته معاهد الصحة الوطنية على أن الصفقة غير عادية كونها مقصورة على ساندوز. وقد أعيد التفاوض على العقد . بحيث تدفع ساندوز لسكريبس 20 مليون دولار فقط في العام مقابل حق خيار شراء نتائج 47 في المئة من بحوث سكريبس . وتجدر الإشارة هنا إلى أن سكريبس يتلقى من معاهد الصحة الوطنية مبلغ 70 مليون دولار في العام .

 لقد تقاسم مؤخرا E.E بينهوت الرئيس والمسؤول التنفيذي لشركة شيرونChirom   في إيميرفيل بكاليفورنيا، رئاسة هيئة استشارية شكلتها معاهد الحق الوطنية للنظر في اتفاقيات البحوث التي ترعاها جهات أخرى ، وقد أوحى ما جرى بين سكريبس وساندوز بتشكيل هذه الهيئة، التي نشرت توصياتهما على شكل اقتراحات يشتري بها متلقو منح معاهد الصحة الوطنية الذين يفكرون بقبول رعاية مشاركة لبحوثهم. وأعلن تقرير الهيئة الاستشارية تلك أن على متلقي المنح أن يتأكدوا من أن اتفاقيات البحوث التي ستتم رعايتها، ستحمي حرية الباحثين الأكاديميين في اختيار المشاريع.. وتحديد أنماط الأنشطة البحثية التي ستتم رعايتها والتي يرغب الباحثون في المشاركة بها... وفي الإعلان عن نتائج بحوثهم في اللقاءات العلمية وبالنشر وبالوسائل الأخرى المتاحة. " ويشير بينهوت إلى أن صفقة سكريبس- ساندوز كانت غير عادية في أنها منحت ساندوز ملكية شاملة تقريبا لاكتشافات بحوث سكريبس حتى قبل ظهورها. ويذكر بينهوت أيضا أن ما يرمي إليه المرسوم بيه- دول Bayh- Dole Act هوتشجيع ترخيص الاكتشافات الموجودة فعلا. 

قد تكون صفقة سكريبس- ساندوز استثنائية فعلا، بيد أن الجامعات ذات الصلات الوثيقة بالصناعة ليست نادرة. إن جامعة واشنطن هى مثال معروف على نطاق واسع، فلقد تلقت خلال السنوات العشر الفائتة مئة مليون دولار تقريبا من شركة مونسانتو Monsanto لقاء بحوث في مجال البيولوجيا. وتقوم لجنة مؤلفة من ممثلين عن مونسانتو والجامعة بانتقاء مشاريع معينة من اقتراحات يتقدم بها أعضاء الهيئة الأكاديمية. ولمونسانتو، (حق خيار شراء) الاكتشافات القابلة للتسجيل ببراءات والتي تنبثق عن البحوث التي تدعمها الشركة. وفي واقع الأمر، فإن مونسانتو قد اختارت أن تنتقي فكرتين فقط للتطوير من بين المشاريع المشتركة التي تجريها مع الجامعة، الأمر الذي يجعل جدوى الاستثمار موضع تساؤل ومع أن مونسانتو كانت في البداية على استعداد لتمويل بحوث قد لا تعود عليها بالفائدة، بيد أنها الآن تركز اهتمامها على نواح نوعية. أضف إلى ذلك أنها قررت أن تخفض التزاماته إلى خمسة ملايين دولار في العام .

 إن مثل هذه الصلات حساسة. ففي مطلع عام 1994 وجدت جامعة شمال  كارولينا ، التي تجري كثيرا من البحوث الممولة من شركة كلاكسو Claxo، نفسها متورطة في متاعب مالية وذلك عندما أشارت مجلة News and Observer في Raleigh إلى أن رئيس الجامعة يمتلك أسهما في كلاكسو، وأن أحد مراوضي كلاكسو في الكونغرس قد انتخب ليصبح رئيسا لمجلس أمناء الجامعة. إن كثيرا من الجامعات تحث الإداريين في المناصب العليا على عدم امتلاك أسهم في الشركات التي تمول بحوثا في جامعاتهم . 

وقد وجهت إلى جامعة بوسطن انتقادات لاستثمارها مبلغا يقارب 68 مليون دولار في شركة سيراجن Seragen  وهي شركة للتقانة الحيوية أسسها.R.J  مورفى أحد أعضاء الهيئة التدريسية بكلية الطلب في هذه الجامعة. إن حصة الجامعة ، التي تبلغ 54 في المئة من رأسمال سيراجن، تعادل قرابة 19 في المئة من أوقاف الجامعة. وترد سيراجن اقتراح سحب الثقة منها بالسيولة . المصرفية التي توفرها لبحوث الجامعة.

 ويعتقد. R>. سيلبر رئيس جامعة بوسطن، بأن الاستثمار في سيراجن يتم بعقل، وبأنه نجم عن نفقات تشغيل سوية. ويوضح الأمر قائلا : "إننا ننفق سبعين مليون دولار في العام على البحوث الطبية دون أن نكسب منها شيئا. وإنني لا أستطيع أن أجد أي سبب لتبديد هذا المبلغ كله. "بيد ان هناك من هو غير مقتنع بهذه الأقوال. فمثلا يرى .A.A باربر وهو مساعد خاص لرئيس جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، "أن النزاعات الناجمة عن تعارض المصالح المؤسساتية تتفاقم لا سيما عندما تمتلك الجامعة حصة كبيرة في شركة ناشئة. " ويتمثل واحد من الأخطار في أن الدعم الصناعي نادرا ما يشكل ضمانا لتمويل مستقر. ويشير.G.N دونك وهو محام متخصص في الملكية الفكرية في المؤسسة ، Whinty & Drosey القانونية في مينيابوليس، إلى أن معظم الشركات المبتدئة التي تمولها الجامعات تؤول إلى الإخفاق، شأنها في ذلك شأن الشركات المبتدئة الأخرى. " 

ولكن إذا نظرنا إلى الواقع الملموس، فإننا نجد أن النفع العائد على المجتمع نتيجة الأعمال المتبادلة بين الجامعات والصناعة كان كبيرا. فالأنسولين البشري، والإنترفروت ولقاح التهاب الكبد من النمط B أتت كلها من بحوث أجري جزء منها في الجامعات. ولقد قدمت شركات التقانة الحيوية ما مجموعه نحو ثلاثين نتاجا طبيا جديدا تعتبر كلها نعمة للبشرية وللباحثين الذين طوروها وأحيانا ثروة لمستثمريها. ومع أن التقانة الحيوية في نطاق الزراعة تتقدم بسرعة أقل، فإن نتاجيها الأولين، وهما هرمون السوماتوتروبين البقري لشركة مونسانتو، والبندورة المهندسة جينيا (وراثيا) لشركة كالجن Calgen يتم تداولهما في الأسواق. 

وفي الوقت نفسه فقد ألقى الحضور المتعاظم في الجامعات للتشارك يين الصناعة وهذه الجامعات، إلى تنافر فكري فيها. ويشير دونك إلى أن الباحثين الذين لديهم دعم من الصناعة يحصلون في معظم الأحيان على أموال لشراء التجهيزات ولتعيين مساعدين لهم تفوق ما يتوافر لأقرانهم، وهذه أمور تستثير الحسد والغيرة وسوء الفهم. ويضيف مازحا: "إن الجامعيين الذين تدعمهم الصناعة يشعرون أحيانا بأن عليهم أن يرتدوا سترات كيفلار Kevlar 
المضادة للرصاص.

 ولا يتوافر حاليا إلا القليل من المعلومات الكمية عن الصلات بين الهيئات التدريسية في الجامعات والقطاع الخاص. بيد أن التقصي الذي أجري في الثمانينات يوحي بأن هذه الروابط شاملة حتى في مطلع حقبة دخول البيولوجيا في مجال المقاولات. وتبين من دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 1985 أن 47 في المئة من 800 عضو أكاديمي (يعملون في نطاق التقانة الحيوية وموجودون  في 40 جامعة مختلفة تناولتها الدراسة): قدموا استشارات لصالح الصناعة. كما أن ثمانية في المئة من هؤلاء امتلكوا أسهما في شركات تجارية خاصة تستثمر بحوثهم . وذكر ثلاثون في المئة ممن لديهم تمويل من الصناعة بأن اختيارهم لموضوعات بحوثهم قد تأثر بإمكانية أن تلاقي نتائجهم تطبيقات تجارية. وهذا أمر لم يدخل في اعتبار سوى سبعة في المئة ممن لا يتلقون دعما من الصناعة. فمعظم هؤلاء يدفعهم إلى البحث " حب الاستطلاع وحده.

 ووجدت J.I. زيمبلر ، التي تعمل في وزارة التربية الأمريكية، في مسح أجرته عام 1987 أن أعضاء كليات الصحة المتفرغين لعملهم الجامعي والذين لديهم واجبات تدريسية يتلقى الواحد منهم أكثر من 88000 دولار سنويا من الصناعة لقاء استشارات أو إجراء بحث لصالح الصناعة بيد أن زيمبلر تشير إلى أن عدد عيناتها كان ضئيلا. 

وعلى ضوء التزايد المستمر لعدد شركات التقانة الحيوية ، فإن عدد الأكاديميين الذين لهم علاقات تجارية قد ازداد بالتأكيد منذ الثمانينات. ولم يقتصر الأمر على كثرة عدد الصلات نفسها، فقد تكاثرت أشكالها أيضـا فبعض الشركات ترعى بحوثا في الجامعات عبر هبات بشروط مخففة. في حين أن بعضها الآخر يدفع رواتب بعض أعضاء الهيئات التدريسـية في الجامعات. أما الشكل الأكثر شيوعا فيتمثل برعاية الشركة لبحوث وفق عقود تحدد نوعية البحث الذي سيتم إجراؤه. وليس بأمر غير عادي لشركة ما أن ترخص باسمها تقانة تم تسجيل براءتها من قبل الجامعة، وأن تحتفظ بعلاقة استشارية مع صاحب الاكتشاف. 

وتعمد الشركات، خصوصا الصغيرة منها، التواقة إلى تأمين سيولة نقدية، إلى تعويض الجامعيين ببعض أسهمها. وفضلا عن ذلك، فإن بعض الأقسام العلمية في ،الجامعات تجري بحوثا تمولها شركات. عديدة ومختلفة. وعلى سبيل المثال، فإنJ.T. ماير ، وهو نائب رئيس جامعة شمال كارولاينا لشؤون الدراسات العليا والبحث يشير إلى أن البحوث التي تجرى حاليا في الجامعة تتمتع بدعم ما بين أربعين إلى خمسين شركة مختلفة، تدخل في عدادها عشر هيئات صناعية ضخمة.

 لعب على حبلين

 إن هذه الترتييات تطرح حتما تساؤلات حول الكيفية أوالإمكانية التي يستطيع عبرها عالم ما أن يكون ولاؤه لسيدين أو أكثر. ويعبر برك الذي تقاسم جائزة نوبل للكيمياء عام 1980  لبحوثه الأساسية في الهندسة الجينية، عن خشيته من أن الاندفاعة الحبديدة للجامعات لنقل التقانة ستخضع الجامعيين لضغط يوجههم نحو بحوث غالبا ما تنجم عنها نتانج عملية بحتة. ويشير برك إلى أن مرسوم بيه- دول يعني بشكل من الأشكال أن الجامعات ملزمة بمتابعة التطبيقات العملية للبحوث الممولة فيدراليا. "

 وكما يرى بيرك فإن الأمر المهم المتوجب تقريره هو مدى التمادي المطلوب لتحقيق ذلك. ويوضح قائلا : " إذا ما استمر المسؤولون عن ترخيص التقانات في الجامعات يجوبون مختبرات البحث لتقصي ما هو جديد فيها بغية تسويقه، فإن القلق سيساورني عندئذ 

ينعم بالعالمين معا 

لا يعتبر عE.L  هود . مجرد واحد من بين أبرزعلماء المناعة الجزيئية فلقد كون لنفسه أيضا شهرة واسعة لموهبته القيادية كرجل أعمال داهية ، إذ ساعد على انطلاق العديد من الشركات التي تتاجر بأرفع إنجازات التقانة الحيوية 

فطوال وجوده في معهد كاليفورنيا للتقانة في الفترة ما بين عامي 1970 و 1992 ، كرس هود جزءا كبيرا من وقته لتحديات أتمتة تحليل البروتين والدنا DNA فيما بعد . وقد أصبح آنئذ مستشارا لشركة النظم الحيوية التطبيقية Applied Bosystems في كاليفورنيا التي هي الآن فرع من فروع الشركة perkin Elmer وهي التي طورت مسلسلات البروتين والدنا وآلات أخرى، وباعتها إلى مختبرات منتشرة في أرجاء العالم كافة) وتألـق هود أيضا كبطل مرموق في مشروع الجينوم البشري Human Genome Project وهو مشروع عالمي لوضع خريطة لجينات الإنسان وسلسلة هذه الجينات، رصد له ثلاثة بلايين دولار.

 وفي عام 1992 منح H.W كيتس المشارك في تأسيس شركة ميكروسوفت Microsoft ومديرها  التنفيذي، جامعة واشنطن مبلغ12 مليون دولار كمنحة يتمتع بها هود كرئيس للقسم العلمي للتخصصات البينية interdisciolinary، ذلك القسم الجديد الخاص بالتقانة الحيوية الجزيئية. ومنذئذ أقنع هود ثلاثة عشر باحثا مرموقا للالتحاق به. ويعمل في هذا القسم الجديد علماء الحاسوب، جنبا إلى جنب مع علماء الوراثة ، على تطوير أدوات لتحليل نظم معينة كالجينات التي تضبط الاستجابات المناعية، وكذلك النظم المشاركة في المراحل المبكرة للتنامي الجيني ويشتمل برنامج عمل القسم أيضا على ابتكار مكنة أسرع لسلسلة الدنا .

ولا تبدو الدوافع الخلاقة لهود قابلة للنضوب. ففي عام 1992 أيضا وجنبا إلى جنب مع E.R. كيب الرئيس السابق لهيئة سيتوس Cetus Corporation، وبالتعاون أيضا مع أساطين التقانة الحيوية أسس هود شركة "دارون الجزيئية" في سياتل. ولدى هذه الشركة خطط طموحة لاكتشاف عقاقير جديدة وذلك باستخدام تقنيات تقلد التطور عبر الانتقاء (الاصطفاء) الطبيعيnatural selection. 

وتقول "دارون " إنها تقوم بتطوير طرائق بوسعها أن تسرع إلى حد كبير عملية تعيين هوية الجزيئات الصغيرة التي تترابط بأهداف بيولوجية ويمكن لهذه الجزيئات أن تتمتع بخصائص قيمة جدا كما أن جزءا هاما من الصيغة المقترحة يتمثل في الخبرة الطويلة "لدارون " في سلسلة الدنا وهذه الخبرة قد زودت "دارون، بعدد كبير من الجزيئات الهدفية في مشروع الجينوم البشري، وتعمل الشركة حاليا على دراستها .

 ويؤكد هود مبدأ الإفصاح التام عن الارتباطات المالية بالبحوث كأداة مساعدة في حل تعارضات المصالح ويوضح ذلك قائلا. "إن ما علينا فعله هو التفكير بعناية في ماهية الصراع. إن الوسيلة الأمثل لمجابهة هذه التضاربات هي عرضها، بعناصرها المختلفة، عرضا تاما. ويضيف: "إن قوة الصناعة الأمريكية في القرن التالي ستكون فكرية وأعتقد بأن علينا أن نبذل قصارى جهدنا لتنمية هذه  التطورات ورعايتها . "
 

على أن مسار البحوث الأساسية في الجامعات سينحرف حتما. وسيتعرض الباحثون الشباب لضغط يدفع بهم لإجراء بحوث تدر دخلا إضافيا للجامعة. " 

إن مركز البحوث الذي يديره برك يتلقى فعلا بعض التمويل من الصناعة. بيد أن برك يحاول جاهدا في أن يترك لباحثيه حق اختيار مشاريع بحوثهم بغض النظر عما إذا كانت هذه ستقع ضـمن اهتمامات سميت كلاين بيشام  الراعي التجاري لهذه البحوث. 

كما أن A.Ph. شارب رئيس قسم البيولوجيا في معهد ماساتشوستس للتقانة والحائز هو الآخر جائزة نوبل، يرى أن تزايد التأكيد على التطبيقات العملية"هو بشكل أو بآخر ظاهرة صحية،). ومع هذا فقد يعارض صراحة نزوع الجامعات إلى تعيين أعضاء هيئاتها التدريسـية تبعا لحجم التمويل الذي قد يجلبونه لأقسامهم العلمية. ويضيف قائلا : أتمنى ألا يحدث ذلك، إذ قد نأسف كثيرا إذا ما حدث، وقد يغير من رسالة الجامعة. " ويصر شارب على أن العلوم الطبية الحيوية ستستمر في تقديم منتجات تحسن أحوال الإنسان الصحية طالما تمكنت الحكومة من معرفة السبل الملائمة لتزويد معاهد الصحة الوطنية بدعم قوي.

 ولابد من أن تبرز في مرحلة ما مشكلة السرية. فالجاهعات تشكل المكان السوي حيث يتبادل الجامعيون أفكارهم بحرية تامة ، لا تعوقهم في ذلك الحاجة إلى السرية. وعلى النقيض من هذا، فإن المصالح التجارية تفرض على الباحثين بعض التكتم على اكتشافاتهم وذلك حتى يتم تسجيلها كبراءات. ويعترف سيليست قائلا: "إن الحفاظ على انفتاح البحوث الأساسية يتطلب جهدا جادا، وستواجه الجامعات والصناعة على حد سواء بعض التحديات في هذا الشأن. " 

بيد أن مخاوف بيرك وسيليست لا تلقى قبولا لدى الجميع. ويذكر J.F أيالا-، وهو بيولوجي في جامعة كاليفورنيا وعضو في لجنة المستشارين للعلوم والتقانة التابعة لرئيس الجامعة أن القلق قد ساوره في الماضي حول التأثير السلبي للصناعة بيد أنه غير رأيه الآن. ويوضح قائلا : "إن وجهة نظري فيما يتعلق بالحالة الراهنة لتطور التقانة الحيوية تسهم في الرفاهية الاقتصادية. كما أنها أتت دونما تحفظ ، بفوائد جمة على التقدم الجامعي. وإلى حد بعيد، تجاوزت المنافع التي تم تحقيقها الأضرار المحتملة. " 

ويشيرM.B البرتس ، رئيس الأكاديمية الوطنية للعلوم ، إلى أن القلق سيساوره حول ما إذا كان تمويل الصناعة للجامعة سيعني أن بعض الطلبة لن يستطيعوا التحدث عما يقومون به من أبحاث. ويؤكد على أن تبادل المعلومات جزء من عملية التعليم. " بيد أن البرتس لا يعتقد بأن نظام تبادل المعلومات الجامعي أخذ بالانهيار. ويصر على أن هذا النظام مازال بشكل عام يعمل على مايرام. "  كما أن شارب واثق من أن العلوم آخذة بالازدهار فى بيئتها المالية الجديدة. ويصر على أن العلم الجيد ينتشر بشكل مدو وتتناقل الناس أخباره " وصفوتهم لا تدع شيئا يعرقل انتشاره. 

" ولقد لاقت هذه الآراء العاطفية صدى لها لدى W.F فيتش ، الرئيس السابق لاتحاد روابط جمعيات البيولوجيا التجريبية واختصاصي المرضيات في جامعة شيكاغو. وهو يرى أن بعض السرية التي نلحظها ترد إلى أن بعض العلماء يحتفظون لأنفسهم بأفضل ما لديهم من أفكار بغية  تفوقهم في الحصول على المنح ، وسعيا للتميز من خلال أسبقية النشر. ويضيف مؤكدا لقد ضم العلم في صفوفه ومنذ أيامه الأولى بناديق bastards .

إن أرباب الصناعة يتنصلون من فكرة أنهم يشجعون السربة في البحوث. ويذهبون إلى حد المجاهرة بأن كبت التبادل الحر للمعلومات، الذي يمثل جوهر البيئة الجامعية، يتعارض مع مصالحهم. ويقول بينهوت: "إننا لا نحول دون النشرحتى ولو ألحقت النتائج ضررا بشركة شيرون. إنه أمر لا يمكن تصوره. إنه حجة وهمية وتافهة يقدمها المغرضون ، ولم يتناه إلى مسامعي اسم أي باحث كان عليه أن يفعل ذلك " .

بيد أن حرية النشر، كما يذكر بينهوت، تستند إلى المقدرة على تسجيل براءات (اختراع) للأفكار النفيسة. إن شيرون وشركات أخرى غيرها تطلب إلى الباحثين الذين تدعمهم لدى الجامعات أن يدعوها تراجع مسودات التقارير قبل إرسالها للنشر وبذلك يتم تفحص النتائج بحثا عن أفكار يمكن أن تسجل كبراءات اختراع ، وكما يقول بينهوت ، فإن التأخير جراء تلك المراجعة لا. يزيد عادة على شهر أو شهرين. ووفقا لألبرتس فإن هذا لا يمثل قلقا مهما، فنشر " النتائج يختلف عن التحدث إلى الزملاء " .

إن متاعب أكبر تتأتى فيما يتعلق ببعض المقاولين الأكاديميين، من تعارض الالتزامات. فعدد كبير من الجامعات شرعت لنفسها بأن على كل عضو أكاديمي فيها ألا يخصص: أكثر من يوم واحد في الأسبوع للأعمال غير الجامعية. ولكن .E.I هود ، وهو بيولوجي  جزيئي رائد يعمل حاليا في جامعة واشنطن ويتلقى دعما قويا من الصناعة، وقد ساعد في الوقت نفسه على تأسيس عدد من الشركات أنظر ما هو مؤطرفي الصفحة المقابلـة يرى أن برمجة الوقت على نحو يسمح لكل طرف أن ينال حقه كاملا هو أمر متعب جدا. 

ويمثل موضوع إدارة الدراسات العليا أمرا آخر من الأمور العسيرة التي يواجهها الأكاديميون الذين يتمتعون برعاية الصناعة. ويقول البرتس في هذا الصدد: إن لجنة من أعضاء الهيئة الجامعية قد شكلت في معهده ، على غرار ما حدث في جامعات أخرى ، هدفها التأكد من عدم استغلال الطلبة والأموال الفيدرالية من قبل أساتذة الجامعة الذين لديهم علاقات مع الصناعة. والبرتس هذا ، ما زال رئيسا لمختبر الكيمياء الحيوية والكيمياء الفيزيائية في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، الرائدة في التقانة الحيوية منذ بداياتها. 

ويبقى هناك خوف أخير من احتمال أن يؤثر الانحياز اللاواعي للباحثين، الذين لهم حصص مالية في الدراسات السريرية ، الأمر الذي ينعكس على المرضى أنفسهم ولقد أثيرت هذه المخاوف عام 1987 أثناء تحقيق أجراه الكونغرس حول تجربة سريرية لمنشط البلازمينوجين النسيجي وهو عقار تنتجه شركة جينيتك ويذيب الجلطة الدموية  لدى ضحايا النوبات القلبية. فلقد أربك الراحل  T وايس، الذي كان نانبا عن ولاية نيويورك، معاهد الصحة الوطنية بإعلانه بأن أكثر من نصف الباحثين الذين أجروا التجربة يمتلكون أسهما في جينيتك. ولقد أوحى وايس بأن المصالح المالية لمديري المشروع قد حملت الباحثين على نشر رواية تتضمن شيئا من التفاؤل بتأثير العقار أكثر مما تسوغه المعطيات التجربية. 

وثمة سوء استعمال أكئر وضوحا حدث في مستشفى ماساتشوستس لأمراض العين والأذن التابع لجامعة هارفارد، في منتصف الثمانينات. فقد أشيع أن باحثا في هذا المستشفى حقق أرباحا شخصية كبيرة عن طريق بيعه لأسهمه في شركة سبكترا للخدمات الصيدلانية بعد أن أدرك أن مرهما تجريبيا أنتجته الشركة ويختبره هو لم يثبت فاعليته فى معالجة جفاف العين. ولقد تبين من التحـريات التي أجرتها هارفارد أن انتهاكات قد حدثت فيما يتعلق بالبروتوكول المرعي في البحث العلمي .

ليت التنظيم قد تم منذ البداية

إن اهتمام وليس بعلاقات الجامعة مع الصناعة هو الذي حث معاهد الصحة الوطنية عام 1989، على اقتراح تنظيمات صممت لتضمن عدم نشوء تعارض مالي بين مصالح المستفيدين من المنح التي تقدمها غير أن المقترحات هذه استثارت الكثير من الانتقادات. فلقد تلقت إدارة معاهد الصحة الوطنية 751 شكوى ، وأرغمت في النهاية على طي اقتراحاتها. وكان من شأن القواعد التي تم التخلي عنها الطلب إلى متلقي منح تلك المعاهد تقديم بيانات للحكومة تكشف عن جميع  مصالحهم المالية ومصالح أسرهم وكذلك مصالح شركائهم في العمل .

لقد عمدت تلك المعاهد في الشهر 6/1994 إلى نشر نسخة منقحة عن الاقتراحات ، ويقتضي النهج الجديد من الباحثين أن يقدموا لمؤسساتهم بيانات عما أطلق عليه : " المصالح المالية الهامة" التي قد تتأثر مباشرة وعلى نحو هام " ببحوثهم التي قد تدعمها تلك المعاهد والمقصود هنا بالمصالح المالية الهامة : الأسهم أو أي نوع من المكافآت التي تتجاوز قيمتها خمسة ألاف  دولار، أو أي حصة في شركة تزيد على خمسة في المئة من رأسمال الشركة. 

لقد منحت التنظيمات الجديدة المعاهد صلاحية واسعة في التكتم حول الكيفية التي ستتدبر بوساطتها أمر التعارضات التي قد تبرز وبوسع الإداريين أن يراقبوا البحوث كي يضمنوا، على سبيل المثال ، أن المصلحة المالية لا تؤثر سلبا في المشروع، أو أن يطلبوا إلى الباحثين التخلي عن أي ممتلكات مثيرة  للمتاعب. كما أن المؤسسات الوطنية للعلوم قد عمدت إلى نشر تنظيمات مماثلة  جنبا إلى جنب مع تنظيمات معاهد الصحة الوطنية ، تستهدف الباحثـين الذين  يتلقون منحها.  ويتوقع أن تلجأ "إدارة الغذاء والدواء" إلى نشر تنظيمات مشابهة في المستقبل القريب .

إن المبادرة الجديدة لمعاهد الصحة الوطنية قد حظيت حقيقة بترحيب يفوق ما لاقته المحاولة المجهضة عام 1989 ولقد صرح فيتش "بأن هذه القواعد هامة، ونحن، نقرها بشكل عام. " إن نشر هذه التنظيمات أمر تطلبه قانون صدر عام 1993 يحكم الأب البيروقراطي لمعاهد الصحة الوطنية المتمثل بمصلحة الصحة العامة public  health Servie. ويستمر اهتمام الكونغرس بتعارضات البحوث قويا ويقول C.S جينينك ، معاون نائب ولاية أوريكون R وايدن الذي قاد حملة صون سلامة البحوث . إننا نحاول حماية المصلحة العامة.ولقد عقد وايدن مؤخرا جلسة الكونغرس لسماع عدد من الشهود، واتهم " خلالها معاهد الصحة الوطنية بأنها أخفقت في ضمان جعل نتاجات البحوث الممولة فيدراليا متاحة للجمهور بأسعار معقولة" .

إن الحل الذي أتت به معاهد الصحة الوطنية بشأن التعارضات المالية لم يرض الجميع وإحدى الصعوبات الكامنة في ذلك تتعلق بدقة الكيفية التي على الجامعة أن تحدد بوساطتها فيما إذا كانت ملكية أسهم معينة قد تتأثر مباشرة بمشروع باحث من باحثيها ويتمنى I.M ماك كريكور، الذي يملك مع أخرين الشركة القانونية كاردر وواين Cardere and Wynne ويشارك أيضا في رئاسة اللجنة القانونية لمنظمة صناعات التقانة الحيوية ، أن يرى إيضاحا لهذه القواعد بحيث يصبح بوسع الجامعة أن تتأكد من أن الوثائق التي تمنحها لن تخضع للتخمين مرة ثانية ويشكو ماك كريكور من أن "تعريف المصلحة المالية الهامة" مفرط في عموميته. وبمجرد أن يصبح أي شيء مشكلة، فإن المستثمرين المحتملين يعمدون إلى البحث عن مشاريع أخرى. وإذا ما جعلت التنظيمات المتاجرة أكثر صعوبة، فإن التمويل العام الموظف في هذا المجال سيخفق حتما. 

ومع ذلك فإن معظم المهتمين بالأعمال المنبثقة عن البحوث الطبية الحيوية قد قرروا جنبا إلى جنب مع معاهد الصحة الوطنية ، أن تقديم البيانات المالية هو أفضل الطرق لجنب تعارض المصالح. ولقد بدأت منذ عام 1984مجلة نيوإنكلند للطب New England Journal of Medicine تطلب إلى الباحثين الذين يرغبون في النشر على صفحاتها أن يكشفوا عن مصالحهم المالية في شركات  يحتمل أن تتأثر بالنتائج التي ستنشر. واتبعت مجلات علمية Science و Nature الأسلوب نفسه. ومجلة "ساينتفيك أمريكان " تطلب أيضا إلى كتابها أن يذكروا مصالحهم المرتبطة بالقطاع الخاص وذات الصلة بما ينشرونه فيها. كما أن عددا كبيرا من الجامعات يطبق فعلا  قواعد تشبه إلى حد ما القواعد التي تصر عليها معاهد الصحة الوطنية. 

أما الأمر غير الواضح تماما فيتمثل فيما إذا كان من الممكن في يوم من الأيام تحقيق جميع المتطلبات المتعارضة التي تفرضها المقاولات البيولوجية. فالتعارضات المؤسساتية لا يمكن تحاشيها حالما ينخرط الأكاديميون في الأعمال التجارية ، ذلك أن على الجامعات عندئذ القيام وفي آن معا  بعملين مختلفين. أن تعمل كملاذ للعلم وكحصالة للدولارات. وتعترف تنظيمات معاهد الصحة الوطنية بالغموض الموروث في الدور الجديد للجامعات وذلك عندما تشير إلى الحاجة "إلى توازن " بيئ المصالح المتنافسة. ويقول باربر، الذي يدرس حاليا نقل التقانة وتعارض المصالح لعرض الموضوع في المائدة المستديرة حول بحوث الحكومة- الجامعة- الصناعة، " إن كل شيء نفعله لكبح تعارض المصالح سيؤدي  في النهاية إلى تثبيط نقل التقانة. 

" ويعتقد باربر بأن التورطات المالية تستحوذ على اهتمام يفوق ماتستحق. ويؤكد أن المشكلة تتلخص في أن تعبير تعارض المصالح هو تعبير ازدرائي تقريبا. فالناس يوازنون بينه وبين الاستقامة العلمية من جهة وسوءالتصرف من جهة أخرى، بيد أن الحالات المثيرة للمتاعب قليلة للغاية. " وعلى الرغم من ذلك ، فإن باربر يرى أن معاهد الصحة الوطنية قد تصرفت بحكمة بأن أناطت المسؤولية بالمؤسسات العلمية التي يتوجب عليها مراقبة مصالح مستخدميها. 

ويناضل ماير من جامعة شمال كارولاينا من أجل الكيفية التي ستواجه بهامؤسسته توجيهات الحكومة لدعم الاقتصاد وفي الوقت نفسه احترام القيم الجامعية التقليدية. ويوضح قائلا: "علينا أن نواجه ببسالة الترتيبات والطرائق المتنامية كي نحافظ على كمال الجامعة في أعين الآخرين، ونبقي على أرفع ما نستطيع من المعايير الأخلاقية بيد أنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذه التهم المتمثلة في المتاجرة بالبحث العلمي هي تهم حقيقية. ويتلخص المأزق الأساسي، كما يراه ماير، في المقولة التالية: هل من العدل في شيء أن يأخذ باحثو الجامعات مكتشفات تحققت من خلال بحوث تمولها الخزانة العامة ليستفيدوا منها ماليا ؟ إن أفضل طريقة لنقل شيء ما إلى السوق بأسرع ما يمكن هو دافع الربح.

 أما هود، المقاول الأكاديمي في جامعة واشنطن ، فيقلب منطق المأزق رأسا على عقب بقوله: "نحن جمهرة العلماء علينا التزام أساسي يتمثل ليس فقط باكتشاف الأشياء بل أيضا، وحيثما كان هذا ممكنا، بوضع ما تكتشفه قيد الاستخدام من قبل المجتمع " ويضيف. "يمكنك نقل المعرفة على شكل ألة أو تقانة أو براءة مسجلة. وبالمقابل يمكنك أيضا أن تنقل المعرفة بطريقة تؤدي بك إلى إنشاء شركة إننا مدينون للمجتمع بهذا الواجب ، ذلك أن المجتمع يضحي للعلم بماله، وهذا التزام شرع العلماء بحمله محمل الجد " .

وبطبيعة الحال، فإن الناس كافة يودون أن يروا أدوية جديدة وأشياء أخرى عجيبة تتفتح عنها المختبرات وتجد طريقها إلى الأسواق. بيد أن هنالك احتمالا يظل يثير القلق لدى بعض المراقبين ويتمثل فيما إذا كان الاندفاع بالمتاجرة بمنجزات البحوث سيضع العوائق أمام البحث الأساسي الذي لا يمكن ترجمته مباشرة بلغة الربح. إن هود غير راض عن نفسه بهذا الخصوص ويتهم قائلا: "إن الباحثين مذنبون لأنهم لا يخصصون من وقتهم ما يكفي لتسويغ إجراء البحوث الأساسية. " إنه مغتاظ من أن الحكومة، كالصناعة، تضيق أكثر فأكثر من نظرتها فيما يخص نوع البحوث التي عليها أن تمولها. وهو يرتاب فيما إذا كان تعهد الصناعة بتقديم العون المالي للبيولوجيا سيستمر بالتنامي على غرار ما حدث في السنوات الأخيرة. 

ويؤكد هود محذرا: "سيتزايد باستمرار قصر أجل الدعم الصناعي، وسيتركز هذا الدعم بصورة أساسية على ذرائعية المشروع أو القيمة العملية للنتائج التي سيتمخض عنها. "وعـلى النقيض من ذلك، فإن القفزات النوعية في العلم تحدث عادة عندما يسمح للعالم الكفؤ أن يهتدي في بحثه بملكة خياله. ويشير فارموس إلى أن معظم البحوث التي تمولها الصناعة في الجامعات هي أساسية (بحتة) في طبيعتها. بيد أنه يعترف "بأنه لا بد لنا مع ذلك من أن نقلق.