|
حكم إفشاء السر في الإسلام حفظ الأسرار شيء فطري ترشد إليه الطبيعة البشرية فكل إنسان يحب أن يحفظ من الأسرار الكثير ، سواء كانت خيرا لما ورد في الأثر " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان " أو شرا كما ورد في الخبر " الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس " . وقد عدد الناس من قديم الزمان كثيرا من الفضائل وكان من أبرزها في الناس المحافظة على الأسرار والوعود والعقود . وخاصة إذا أمنهم الناس عليها ، والأطباء في القديم والحديث من أوائل من ائتمنهم الناس على أسرارهم ، وقد التزم من قاموا بهذه المهنة بحفظ الأسرار من أقدم العصور ، التزم به أطباء مصر كما التزم به أطباء اليونان وقد ضمنوا هذا الالتزام قسما يقسمه الأطباء وعهدا يقطعونه على أنفسهم قبل ممارستهم هذه المهنة . ولما جاء الإسلام الذي قامت تعاليمه على الالتزام بالقيم وإحياء ما اندثر منها جعل هذا دينا وعقيدة وأسلوب حياة . وسار على ذلك أطباء المسلمين وقد أثبت ابن أبي أصيبعة في كتابه " عيون الأنباء فـي طبقات الأطباء " بعضا من العهود التي أخذت على الأطباء في زمانه . منها " وأما الأشياء التي أعانيها أو أسمعها وقت علاج المرضى أو في غير أوقات علاجهم مما لا ينطبق به خارجا فأمسك عنه " ويروي ابن أبي أصيبعة . بعضا من التعاليم التي كانت تعلم للأطباء ويطلب منهم التحلي بها . ومنها : كمال التخلق وتوافر العقل والحرص على كتمان أسرار المرضى ، والعفة ، والعزوف عن إسقاط الأجنة إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق . السر الطبي بين العادة والعقيدة لا شك أن الأسرار تختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى مجتمع ومن زمان إلى زمان . فقد يكون هناك شخص رقيق الشعور ويؤثر فيه شيء لا يؤثر في غيره أو يسبب له هو مشكلات لا يسببها هذا الأمر لسواه . وقد ترى بعض المجتمعات أن الجنس في بعض حالاته شيء لا يسبب حرجا ، في حين تراه مجتمعات متعففة شيئا تقطع دونه الرقاب ، وقد يرى شيء في زمان معين جريمة فيتغير القانون مثلا أو العادة فيتبدل الأمر تماما . وقد ذكرت لنا بعض القوانين تعريفات للأسرار ، منها ما أرجعها إلى العرف والعادة ومنها ما أرجعه إلى الضرر بالسمعة أو الكرامة . ولا شك أن هذا كله يدخل في تعريف السر في الإسلام الذي اقترب منه كثيرا ابن أبي أصيبعة حين عرفه بقوله " كل ما لا ينطق به خارجا " وهو بذلك مما تقتضيه الأعراف والأزمان والأماكن . وقد أخذه من الأثر الإسلامي " وكرهت أن يطلع عليه الناس " ويضاف إلى ذلك في المجتمع المسلم كل ما هو إثم أو منكر ، أو ما يكشف عورات حرم الله كشفها لصالح المجتمع المسلم . ولا فرق في إذاعة السر بين الطبيب وغيره ، ولكنه في الطبيب آكد وألزم ، لأنه قد أمنه الناس على أعراضهم وعوراتهم وأسرارهم . فيكون بذلك مع إثمه خائنا للأمانة ومفرطا في الواجب الذي نيط به ، ويأخذ حكمه من كان في مثل وضعه . ولذلك عقابه وجرمه الذي يحقق في غير هذا البحث . هذا وقد حبب الإسلام كثيرا في المحافظة على الشعور الإنساني والحس البشري لأن ذلك من أسباب الرقي والصعود في حلقات السمو الإنساني على هذه الأرض، ولأنه من أسباب التكريم الإلهي للإنسان الذي وكلت إليه الخلافة عن الله في الأرض . لهذا أحاط الله كرامة هذا الإنسان بحصون واقيات حتى لا يهتك له ستر أو يفضح له سر ، فشرع له أمورا معينة في ذلك ينبغي اتباعها ، منها المحافظة على سره وصون كرامته وعرضه . أنواع تلك الأسرار : أسرار عادية الأسرار ليست في درجة واحدة فهناك من الأسرار ما تعد من العاديات التي لا يحدث إفشاؤها ضررا في الكرامة أو إهدارا لمصلحة أو تفويتا لمنفعة ولكنه مع ذلك يجمل ألا تفشى إلا بإذن صاحبها . من ذلك ما ورد . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه حين تأيمت بنته حفصة قال : لقيت عثمان بن عفان رضي الله عنه . فعرضت عليه حفصة فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر ؟ قال : سأنظر في أمري ، فلبثت ليالي ، ثم لقيني ، فقال قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا . فلقيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، فقلت إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر ؟ فصمت أبو بكر رضي الله عنه ، فلم يرجع إلى شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان فلبثت ليالي . ثم خطبها النبي r ، فأنكحتها إياه ، فلقيني أبو بكر فقال : لعلك وجدت على حين عرضت على حفصة لم أرجع إليك شيئا ؟ فقلت نعم قال : فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت على إلا أنني كنت علمت أن النبي r ذكرها ، فلم أكن لأفشي سر رسول الله r ، ولو تركها النبي r لقبلتها . رواه البخاري . وعن ثابت عن أنس رضي الله عنه . قال : أتى على رسول الله r وأنا ألعب مع الغلمان ، فسلم علينا ، فبعثني في حاجة . فأبطأت على أمي فلما جئت قالت : ما حبسك ؟ فقلت بعثني رسول الله r لحاجة ، قالت : ما حاجته ؟ قلت : إنها سر . قالت : لا تخبرنَّ بسر رسول الله أحدا . قال أنس : والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت . رواه مسلم والبخاري. قال ابن حجر : قال بعض العلماء : كأن هذا السر كان يختص بنساء النبي r ، وإلا فلو كان من العلم ماوسع إنسان كتمانه . وقال ابن بطال الذي عليه أهل العلم أن السر لا يباح به ، إذا كان على صاحبه منه مضرة ، وأكثرهم يقولون إنه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة : قلت : الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح ، وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك ، وإلى ما يكره مطلقا وقد يحرم وهو الذي أشار إليه ابن بطال وقد يجب كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه كان يعذر بترك القيام به فيرجي بعده إذا ذكر لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك . والذي يظهر لي أن السر الذي كان أنس مستأمنا عليه كان سرا عاديا لأنه لا يستأمن صغير يلعب مع الصبيان على سر كبير يراد كتمه على التأكيد ،ولكن أنس رغم ذلك لا يريد أن يفشي سر رسول الله r وكذلك ما كان من سر رسول الله الذي علمه أبو بكر رضي الله عنه فإنه كان سرا عاديا وهو ذكره لحفصة ، ولو ذكره أبو بكر ربما سر عمر به وأدخل عليه البهجة ، ولكنه يريد أن يكتم السر ولو كان قليلا حتى يخبره به رسول الله r . أسرار غير عادية : هناك نهي مغلظ عن أشياء معينة تدور كلها حول كشف سر المسلم وهتك ستره . من تلك الأشياء : تتبع عورة المسلم ، التجسس عليه ، رميه بالسوء ، الغيبة والنميمة ، عدم ستره فيما يفضحه وينزل به الكرب والمهانة . فأما عن ستر المسلم وحفظ سره فيما يفضحه وينزل به الكرب . سواء عرف الإنسان هذا السر من أخيه عن طريق معين أو من صاحب السر نفسه فقد وردت في ذلك آثار تحتم كتمه وتؤكد عليه وترغب فيه . منها : قول الرسول r : " من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " . وفي رواية : " ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة " رواه مسلم . وقوله r : " لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة " رواه مسلم . وقوله r : " من ستر عورة فكأنما استحيا موؤدة في قبرها " رواه أبو داود والنسائي . وقد تكلم العلماء المسلون على الستر ، وعلى علاقة الساتر بالمستور من حيث أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر : فقالوا إن الستر لا ينفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة بل يجب على الساتر أن ينصح المستور عليه وأن يبصره بعيبه ويطلب منه الامتناع عن المنكر إن كان في الأمر منكر . شروط المستور عليه : هذا وقد اشترط الإمام النووي أن يكون المستور عليه ممن ليس معروفا بالأذى والفساد فأما المعروف بالأذى والفساد فيستحب ألا يستر عليه ، لأن الستر عليه يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله وإنما يرفع أمره إلى ولي الأمر إن لم يخف من مفسدة يؤدي إليها هذا الإعلان . شروط المستور : هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت ، أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك ، ولا يحل تأخيرها فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر ، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة ، وهذا يعد من النصيحة الواجبة وليس من الغيبة . الأمر الثاني ـ إذا جاهر بالمعصية : قال الكمال بن الهمام في فتح القدير : وهذا بالنسبة لمن لا يعتد المعصية ويتهتك بها أما إذا وصل الحال إلى إشاعتها والتهتك بها بل بعضهم ربما افتخر بالذنب فيجب كون الشهادة به أولى من تركها ، لأن مطلوب الشرع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش بالخطايات المقيدة لذلك وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين والزجر لهم ، فإذا ظهر حال الشره في الزنى مثلا والشرب وعدم المبالاة به وإشاعته ، فإخلاء الأرض المطلوب حينئذ بالتوبة احتمال يقابله ظهور عدمها ممن اتصف بها فيجب تحقيق السبب الآخر للإخلاء وهو الحدود بخلاف من زنى مرة أو مرارا مستترا متخوفا متندما عليه فإنه محل استحباب ستر المشاهد . طلب الشارع الستر وتأكيده على ذلك طلب الشارع من المسلم الستر على أخيه غير المجاهر وأكد على ذلك . حتى أن بعض العلماء أباح الكذب للستر على المسلم . قال الغزالي رحمه الله : قال r : " ليس بكذاب من يصلح بين الناس فقال خيرا " وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس ، لأن ترك الكذب واجب ولا يسقط الواجب إلا بواجب آكد منه ، ومن ذلك كذب الرجل في الحرب . ومن ذلك أن يستر عورات المسلمين كلهم . وهذا ما وضحه ابن حجر بقوله : الكذب قد يباح وقد يجب . والضابط عند الغزالي : ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق . فإن كانت أشد فله الكذب ، وإن كان العكس أو اشتبه حرم ، وإذا كان المقصود محمودا لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب ، كما لو اختفى معصوم الدم من ظالم يريد قتله فالكذب هنا واجب ، ولو سأل ظالم عن وديعة يريد أخذها فيجب الكذب أو الإنكار . ولو سأله سلطان عن فاحشة اقترفها سرا فله أن يكذب وله أن ينكر سر أخيه . قال r : " ومن ستر على مسلم ستره الله تعالى في الدنيا والآخر " وقال : " لا يستر عبد عبدا إلا ستره الله يوم القيامة " . وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال r : " لا يرى المؤمن من أخيه عورة فيسترها إلا أدخله الله الجنة " . وقال r لهزال الذي جاء بماعز ليعترف بحد الزنى : هلا سترت عليه بثوبك . ثم قال رحمه الله : وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشارع لستر الفواحش فإن أفحشها الزنى ، وقد نيط بأربعة من العدول يشاهدون ذلك منه في ذلك منها كالمرود في المكحلة ـ وهذا لا يتفق ، وإن علمه القاضي بنفسه تحقيقا لم يكن له أن يكشف عنه … انظر إلى كيف ستر الله على العصاة من خلقه بتضييق الطريق في كشفه ؟ . عدم تتبع عورة المسلم : والعورة ، ما يستقبح ظهوره للناس حسيا كان كالعورة المغلظة والتشوهات الخلقية أو معنويا كسيء الأفعال والأقوال . ويعني عدم التتبع عدم الاستشراف إليها أو التطفل في البحث عنها أو استقصائها أو تتبعها والحرص على ذلك . أو هتك ستره بنظر أو سمع أو غير ذلك وقد ستر الله عليه فهو في ستره . ففي الحديث عن رسول الله r : " إن الله إذا ستر على عبد عورته في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها في الآخرة ، وإن كشفها في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها مرة أخرى " . رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم ، صحيح ، ولمسلم : " لا ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة " . وقد نهى الرسول r عن تتبع عورات المسلمين : فقال r : " يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتتبع عورة أخيه المسلم يتتبع الله عورته ، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته " . وقال r لمعاوية : " إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم " . رواه أبو داود بإسناد صحيح . وهذا يدل على أن الحرص على تلمس العورات والأسرار من الذنوب التي تمحوا الإيمان من القلوب ، وتستجلب غضب الله وتهديده وفضحه لصاحب هذا الجرم . كما أنه فساد للمسلمين وإشاعة للذعر والتوجس وشغل كل منهم بنفسه أو بغيره من المسلمين فيما يضر ولا يفيد وترك جلائل الأمور ، والتقصير عن بلوغ الغايات الكبيرة العظيمة . ولهذا حذرنا الله من ذلك ونهانا عنه وتوعدنا إن اقترفناه . فقال سبحانه : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) النور / 19 عدم التجسس عليهم : أو سوء الظن بهم كما نهى الحق سبحانه وتعالى عن التجسس على المسلمين أو أن يظن بهم سوء أو شر . فقال سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) الحجرات / 12 وقال r : " لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " قال الأوزاعي التجسس البحث عن الشيء والتحسس الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون ، أو يتسمع على أبوابهم ، وفي الحديث : "من استمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الإنك يوم القيامة " . رواه البخاري . هذه آداب الإسلام وآداب المجتمع تأمر المسلم بالنصح والستر إن رأى شيئا وبألا يتجسس أو يظن أو يتسمع ويهتك الأسرار التي قد سترها الله على صاحبها " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا " رياض الصالحين 602 . وأخرج أبو داود وجماعة عن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة بن أبي معيط تقطر لحيته خمرا ؟ فقال ابن مسعود قد نهينا عن التجسس فإن ظهر لنا شيء أخذنا به . قد يحمل حب النهي عن المنكر على التجسس وينسى الناهي هذه التعاليم المشددة في ذلك فيعذر مرتكبه . كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثور الكندي أن عمر رضي الله عنه كان يعس بالمدينة فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر . فقال : يا عدوا الله أظننـت أن الله تعالى يسترك وأنت على معصيته ؟ فقال : وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل على : إن كنت عصيت الله تعالى في واحدة فقد عصيت الله تعالى في ثلاث ، قال سبحانه : ( ولا تجسسوا ) وقد تجسست ، وقال تعالى : ( وأتوا البيوت من أبوابها ) وقد تسورت . وقال جل شأنه : ( لا تدخلوا بيوتـا غيـر بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) النور / 27 ودخلت بغير إذن . قال عمر رضي الله عنه متذكرا ذلك : فهل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم ، فعفا عمر رضي الله عنه ،وخرج وتركه . غيبته أو رميه بالسوء : نهى الحق سبحانه وتعالى عن غيبة المسلم فقال تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) الحجرات / 12 . وقال r : " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " رواه مسلم والترمذي . وقال r : " أتدرون ما الغيبة قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول : قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " رواه مسلم وأبو داود . كما يرهب الإسلام من النميمة . فيروي حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله r أنه قال : " لا يدخل الجنة نمام " وفي رواية قتات . رواه البخار ومسلم . معنى النميمة وحدها : كشف ما يكره كشفه ، سواء كره المنقول عنه أو المنقول إليه أو كره ثالث . وسواء كان الكشف بالقول أو الكتابة أو بالرمز أو بالإيماء وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال ، وسوءا كان عيبا ونقصا في المنقول عنه أم لم يكن ، بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه ، بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره فينبغي أن يسكت عنه إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية تكون ألزم ، كما إذا رأى من يتناول ما لغيره فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له ، فإن كان ما ينم به نقصا وغيبا في المحكى عنه كان قد جمع بين الغيبة والنميمة ، أما إرادة السوء للمحكي عنه أو إظهار الحب للمحكى له أو التفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل والتفريق بين المسلمين وقد أمر الله ورسوله بالصلح بينهم ، فقال تعالى : ( والصلح خير) ، (وأصلحوا بين أخويكم ) الحجرات /10 وقال r : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة " قال : قلنا بل : قال : " إصلاح ذات البين ، فإن فساد ذات البين هي الحالقة " . إن كان ذلك فهو الحرام وهي الحالقة كما يذكر الحديث الشريف . أقوال العلماء فيمن حملت إليه النميمة : كل من حملت إليه النميمة فعليه ستة أمور : الأول : ألا يصدقه لأن النمام فاسق مردود الشهادة قال تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الحجرات / 6 . الثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله ، قال تعالى : ( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ) لقمان / 17 . الثالث : أن يبغضه في الله . الرابع : ألا تظن بأخيك الغائب السوء لقولـه تعالى : 0 اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) . الخامس : ألا يحملك ما حكى لك على التحري والبحث ( ولا تجسسوا ) . السادس : ألا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ولا تحكي نميمة لأحد ، فقد روى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئا فقال له عمر : إن شئت نظرنا في أمرك . فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الحجرات / 6 وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية (هماز مشاء بنميم ) وإن شئت عفونا عنك فقال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا . هذا وقد رتب الإسلام عقوبات رادعة لقالة السوء فقال تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) النور / 4 وهذا صيانة للأعراض من التهجم وحماية لأصحابها ، وقد شدد القرآن في تلك العقوبة وجعلها قريبة من عقوبة الزنى . ثمانين جلدة مع إسقاط الشهادة والوصم بالفسق ، والعقوبة الأولى جسدية ، والثانية أدبية في وسط الجماعة ، يكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة ، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهما لا يوثق بكلامه . والثالثة : دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة شهود يشهدون برؤية الفعل أو بثلاثة معه إن كان قد رآه فيكون قوله صحيحا . وهذا ما لا يمكن أبدا في شأن المخبر . والجماعة المؤمنة لا تخسر شيئا بالسكوت عن تهمة الناس كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه وعدم التحرج من الإذاعة به وتحريض الكثيرين من المتخرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها ويظنونها ممنوعة في الجماعة أو نادرة وذلك فوق الآلام التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء . وفوق الآثار التي تترتب على ذلك في حياة الناس وطمأنينة البيوت المستقرة . قال الحليمي : في هتك سر أصحاب الآثام تخفيف أمر الفواحش على قلب من يشاع فيهم وقطع للتوبة عن صاحبها . ثم قال : لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم " . وروى أن عمر رضي الله عنه كان يعس بالمدينة ذات ليلة فرأي رجلا وامرأة على فاحشة فلما أصبح قال للناس : أرأيتم لو أن إماما رأى رجلا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعليه ؟ قالوا إنما أنت إمام ، فقال علي رضي الله عنه : ليس ذلك لك ، إذ يقام عليك الحد . إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود . ثم تركهم عمر ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم . فقال القوم مقالتهم الأولى ، وقال علي رضي الله عنه مثل مقالته الأولى ، وهذا يشير إلى أن عمر رضي الله عنه كان مترددا في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله ؟ فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الأخبار خيفة من أن لا يكون له ذلك فيكون قاذفا بأخباره ، وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش ، فإن أفحشها الزنى ومع ذلك لم يأذن حتى للإمام أن يقول فيه . هذا وقد يكون إفشاء السر من الزوجين أو من أحدهما محرم : قال r " إن من أشد الناس عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها " . حالات الأسرار وحكمها : بعد هذا العرض الذي قدمناه ينبغي لنا أن نقدم حالات لأسرار معينة ثم نستعرض حكمها على ضوء النصوص الإسلامية . الحالة الأولى : طلب المريض إفشاء السر: قد يطلب المريض من الطبيب أن يخبره بنوع المرض أو بنتيجة الكشف أو الأشعة أو بما يصير إليه أمره . وفي هذه الحالة ينبغي أن يستجيب الطبيب لذلك ، ما دام المريض يعرف مصلحته ، وفي قواه العقلية ،وغير ناقص الأهلية . فهو صاحب المصلحة في ذلك ولا يكون هذا إفشاء بالنسبة إليه . ولكن ما هو الحال . لو كان إفشاء السر للمريض سيزيده ألما أو سيقضي عليه أو يسبب له كارثة معينة أو يؤخر شفاءه . وفي هذه الحالة ينبغي على الطبيب أن يكتم عنه هذا ، ويخبر أحد أقاربه ويوصيه بعدم إخبار المريض أو إذاعة السر إلا بما فيه مصلحة . ويتحمل قريبه هذا مسؤولية حفظ السر عن الطبيب . الحالة الثانية : إفشاء السر لولي المريض أو لأحد الزوجين : لا بأس بإفشاء السر لولي المريض لأن ولي المريض هو الذي يرعى أمره ، ولا بأس من ذلك . وكذلك لأحد الزوجين إذا كان ذلك في الأمور المشتركة التي تخصهما معا كالعقم أو العنة ، وليس له أن يبيح بأشياء المريض الخاصة إلا بإذنه كالأمراض الجنسية ، أو الحمل في حال عدم قدرة الزوج على الإنجاب . الحالة الثالثة : إفشاء السر لمنع وقوع الجريمة : قد أوجب الفقهاء إفشاء السر منعا لوقوع جريمة ستقع كما لو جاءه رجل يطلب منه إسقاط حمل ، أو القضاء على مريض في عملية جراحية أو استشارته في أي الحقن تقضي على حياة مريض يريد أن يتخلص منه إلى غير ذلك . ففي هذه الحالة لا بد من إفشاء السر إلى الجهات المختصة بعد النصح والإرشاد . قال r :" من رأى منكم منكرا فليغيره " الحديث . الحالة الرابعة : الحالات التي يكون الطبيب فيها حكما : ومن هذه الحالات ما إذا طلبت مثلا مصلحة حكومية أو شركة من طبيب أن يكشف على المراد تعيينهم وأن يذكر ما عندهم من أمراض تعيقهم عن العمل المراد . ففي هذه الحالة يكون الطبيب مؤتمنا وحكما فلابد أن يذكر الحقيقة ولا يأثم في ذلك والذاهب إلى الطبيب في هذه الحالة ، في حالة علم تام بذلك ويرتضيه وحتى إذا لم يرتض ذلك . فواجب الطبيب أن يظهر الحقيقة ولو كانت ضد رغبة المريض . قال القرطبي : تجوز الغيبة في الشهادة وإذا كانت لدفع ضرر كقوله r لفاطمة بنت قيس حين طلبت مشورته في خاطبيها معاوية ، وأبي جهم بن حذيفة . أما معاويـة فصعلوك لا مال له . وأما أبو جهم لفلا يضع عصاه عن عاقته ـ 16 /34 . الحالة الخامسة : ما فيه حفظ للأمة ووقاية لها : هناك حالات معينة تعتبرها الأمة خطرا على الشعب كالأمراض المعدية التي تختلف من عصر إلى عصر ، ومن أمة إلى أمة . فهذه الحالات يجب أن يبلغ الطبيب عنها حفاظا على الأمة وحفاظا على صحةالمريض ما أمكن : وقد وردت الآثار الإسلامية تبين الكثير من ذلك " فر من المجذوم فرارك من الأسد " . " إذا ظهر الطاعون في بلدة وأنتم فيها فلا تخرجوا منها وإذا كنتم في غيرها فلا تدخلوها " . الحالة السادسة : الكشف عن جريمة وقعت : هذه الحالة فيها بعض التفصيل فهي إما أن يكون الطبيب فيها حكما كما إذا استدعى من قبل الدولة للكشف عن الجريمة في رجل مقتول ، أو ميت يشك في أمره وهل في الأمر جناية أم لا . ففي هذه الحالة يكون حكمها مثل الحالة الرابعة . أما إذا كان الاستدعاء من المريض أو من أهل القتيل ،وتبين له أن في الأمر جريمة هل يبلغ الجهات المختصة أم يصمت ويصون السر ؟ في هذه الحالة : ليس الطبيب مكلفا بإبلاغ المسؤولين عن هذه الجريمة ، التي وقعت بل هو مطالب بالستر ، وقد طلب النبي r من هزال الذي جاء بماعز حين زنى : هلا سترته بثوبك . وهي جريمة عقابها الرجم والموت ، وقد وافق بعض القانونيين على هذا التوجه . فقال رؤوف عبيد : " القاعدة العامة تفضي بتقديم النص الخاص ، لأنه استثناء من النص العام ، وبذلك يتقدم واجب كتمان السر على واجب التبليغ عن جرم واقع ، وينبني هذا الواجب على سببين : الأول أن الطبيب حينما يدعى إلى معالجة مريض فليس له من مهمة إلا بذل عنايته . والسبب الثاني أن الالتزام بكتم السر هو التزام مطلق وعام ولا يمكن أن يتحلل منه الطبيب أو يجبر على إفشائه إلا بنص قانون خاص ، والقانون قد استثنى من الالتزام بكتم السر ، إفشاء المعلومات إذا كان المقصود بها ارتكاب جناية أو جنحة لم تكن قد وقعت ، وجعل ذلك جوازيا ، رغبة منه في ترك إفشاء السر لتقدير الطبيب المؤتمن عليه . ولما كان ما استثناه القانون لا يجوز التوسع فيه ، لذلك لا يجوز للطبيب ، الذي علم بوقوع جريمة أو شاهدها على مريضه أن يبلغ عنها أو يشهد عليها ، مادام لا يوجد نص قانوني يجيزه أو يجبره على ذلك . ومما يذكر في هذا الصدد أن سلطات الاحتلال الألماني أصدرت سنة 1944 تعليمات إلى الأطباء الفرنسيين بوجوب التبليغ عن الجرحى من رجال المقاومة الذين يقومون بمداواتهم ، فرفضوا متمسكين بالسر الطبي بدعوى أن تعليمات تصدر عن سلطات الاحتلال لا يمكن أن تحلهم من كتم سر مفروض بالقانون . واشتدوا في تمسكهم بدافع الشعور القومي ، وكان من أمر ذلك أن ضحى الكثيرون بحياتهم . إفشاء سر المريض : وأما المسألة التي عندنا وهي : في حالة التأكد من أن الزوج عقيم ولا يمكن أن ينجب وحملت الزوجة بطريقة أو بأخرى . فلا يجوز للطبيب أن يقوم بإفشاء سر المريضة وإخبار الزوج أو الجهات المسؤولة ، لأنها متزوجة وربما وقع في علم الله ما لم يقع عليه الطب بعد وقد نهينا عن سوء الظن : " إياكم وسوء الظن ، فإن الظن أكذب الحديث " متفق عليه . ولأنه مكلف بالستر عليها في أمر مضى كما أخبر بذلك العلماء ، وأمر فيه شبهة ، وليس مع إثبات كما قدمنا في الكلام على الزنى . ولأن حمل المرأة غير المتزوجة لا يصلح دليلا لإقامة الحد عليها إن وصل علم ذلك إلى الحاكم ولم يستر عليها ، قال ابن قدامة في المغني : إذا حبلت المرأة التي لا زوج لها ولا سيد ، لم يلزمها الحد بذلك وتسأل فإن ادعت أنها أكرهت أو وطئت بشبهة أو لم تعترف بالزنى لم تحـد وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ، ثم قال وقد تحمل المرأة من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها ، ولهذا تصور حمل البكر ، فقد وجد ذلك ، وروى عن علي وابن عباس أنهما قالا : إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل : ولقوله عليه الصلاة والسلام : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " . ولا خلاف في أن الحد يدرأ بالشبهات وهو متحقق هنا . والطبيب جهة تطبيب وستر وليس جهة حكم وتحقيق وسلطة ، هذا وقد حرم الرسول r الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع ، قال رسول الله r : " اثنان في الناس من هم بهما كفر . الطعن في النسب ، والنياحة على الميت " رواه مسلم م 550 . 2 - أما إذا قام الطبيب بعمل مخل بآداب المهنة واكتشف ذلك زميل له هل يقوم بالإبلاغ وإفشاء السر ؟ نقول نعم يقوم زميله بإبلاغ الجهات المختصة لأنه يعتبر خائنا للأمانة وهذا من النصيحة الواجبة وليست من الغيبة المحرمة . قال الإمام النووي رحمه الله عند الكلام عن الستر على المسلم ، وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم إذا رأى ما يقدح في أهليتهم وليس ذلك من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة .وهذا مجمع عليه . لأن الطبيب مؤتمن ، يستأمن على الحرمات والأعراض ، وهذه أكثر جرما وإفسادا من أمانة الأموال فيكون حكمها أشد وأقوى . ولأن الأمناء على الأوقاف والأيتام ونحوهم تقصيرهم ممكن أن يتدارك ولا يتدارك فسق الأمناء على الأعراض والحرمات التي شدد الشارع الحكيم في صيانتها والستر عليها وعدم انتهاكها أو إشاعتها . 3 -إذا تبين للطبيب أن رب الأسرة أصيب بمرض جنسي ، ما هو موقفه هل يبلغ الأسرة أم لا ؟ نقول : لا ليس مكلفا بإبلاغ الأسرة وينبغي الستر عليه فربما انتقل إليه بغير زنى. وحتى إن علم أنه انتقل إليه من زنى لا يجب عليه إلا النصح فقط ،وإلا فإن أفشى سره يكون اغتابه ونم عليه وعليه حرمة الغيبة والنميمة كما قدمنا لقول الرسول r " إن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فقد بهته " . كما أنه ليس من الأشياء التي توجب الحد كما قدمنا ، فإن رماه بالزنى فقد يحد الطبيب نفسه لأنه ليس عنده البينة المعروفة على الزنى . وهي شهود الرؤية الأربعة التي قدمنا ذكرهم ، يحد حد القذف لأنه اتهم بغير دليل . 1 - رتق غشاء البكارة : فإن كان ذلك الفتق لعيب خلقي في الصغيرة فلا شيء في ذلك وهذا مما يساعد على العفة والطهارة ،ويزيل العقد عند الصغيرة والخوف من ظن السوء في الحال والاستقبال . وقد يكون في هذا تفريج كربة للأهل وللمسلمين . ولا مانع من رتق غشاء البكارة للكبيرة كذلك بعيب خلقي حتى لا يظن بها السوء أو تفضح عند الجهال . وأما إذا كان الفتق لعلة غير مشينة كنزيف مثلا أو استئصال أورام أو شيء مما يقتضي فض غشاء البكارة كالقفز أو دخول خشبة أو نتاج تعذيب أو شيء من ذلك فلا بأس من رتقه للأسباب سالفة الذكر . الفتق بسبب الفواحش : أما إذا كان الفتق بسبب الفواحش أو بسبب ما يخدش الشرف فإن ذلك يستلزم وقفات : فإن كان ذلك عن إكراه وثبت ذلك فهذا وجه قد يأخذ حكم ما سبقه أو كان عن غيره إكراه وهذا هو الذي يجب أن نقف عنده فنقول : هل يعتبر رتق غشاء البكارة في ذلك مساعدة على المنكر وانتشارا للفواحش ، ويكون غشا للزوج المرتقب ، وقد وردت الأخبار تنهي عن ذلك : فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " إن رسول الله r قال : " من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا " . وعنه r أنه قال : " ولا تناجشوا " متفق عليه والنجش هو الزيادة في ثمن السلعة ليغش غيره. وفي رواية أن رسول الله r مر على
صبرة طعام ، فأدخل يده فيها ، فنالت أصابعه بللا . وعلى هذا أفلا يكون الخداع في الأعراض وادعاء الطهارة والمساعدة على هذا الخداع ممنوعا ؟ وقد منع الرسول r الخداع والغش في الطعام ومنع الغش في الأثمان وغير ذلك من أمور الخداع والتمويه . أفلا يكون رد الثيب إلى بكر ،والملوثة إلى طاهرة ، خداعا يحرم على المسلم أن يشارك فيه أو يساعد عليه ؟ أم أن هذا الخداع يزاول للستر على أعراض المسلمين ، وهذا الكذب يمحي أثره ما دام ذلك سيجبر كسرا ويرد اعتبار التائبة ستر الله عليها . وقد وردت الآثار بترجيح الستر : أخرج هناد والحارث عن الشعبي أن رجلا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : إن لي ابنة كنت وأدتها في الجاهلية ثم استخرجتها قبل أن تموت فأدركت معنا الإسلام فأسلمت ، فلما أسلمت أصابها حد من حدود الله تعالى فأخذت الشفرة لتذبح نفسها فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها ، فداويناها حتى برئت ، ثم أقبلت بعد توبة حسنة ،وهي تخطب إلى قوم فأخبرتهم من شأنها بالذي كان ، فقال عمر : أتعمد إلى ما ستر الله فتبديه ؟ والله لئن أخبرت بشأنها أحدا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار ، بل أنكحها نكاح العفيفة المسلمة . vv وعن سعيد بن منصور والبيهقي عن الشعبي أن جارية فجرت فأقيم عليها الحد ثم إنهم أقبلوا مهاجرين فتابت الجارية وحسنت توبتها ، فكانت تخطب إلى عمها فيكره أن يزوجها حتى يخبر بما كان من أمرها وجعل يكره أن يفشي ذلك عليها فذكر من أمرها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : زوجوها كما تزوجوا صالحي فتياتكم . وأخرج البيهقي والشعبي قال : جاءت امرأة إلى عمر رضي الله عنه فقالت : يا أمير المؤمنين إني وجدت صبيا ووجدت قبطية فيها مائة دينار ، فأخذته واستأجرت له ظئرا ، وإن أربع نسوة يأتينه ويقبلنه لا أدري أيتهن أمه ؟ فقال لها : إذا هن أتينك فأعلميني ، ففعلت ، فقال لامرأة منهن : أيتكن أم لهذا الصبي ؟ فقالت : والله ما أحسنت ولا أجملت يا عمر ! أتعمد إلى امرأة ستر الله عليها فتريد أن تهتك سترها ، قال : صدقت : ثم قال للمرأة : إذا أتينك فلا تسأليهن عن شيء وأحسني إلى صبيهن ، ثم انصرف . وأخرج أبو داود والنسائي عن دخير أبي الهيثم كاتب عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قلت لعقبة بن عامر إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرطة ليأخذوهم ، قال : لا تفعل وعظهم وهددهم ، قال : إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشرطة ليأخذوهم فقال عقبة ويحك لا تفعل : فإني سمعت رسول الله r يقول : " من ستر عورة فكأنما استحيا موؤدة في قبرها " رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال صحيح الإسناد . والذي يترجح عندي أن الستر أفضل والإحجام عن الرتق أوفق إذا كان الفتق عن فاحشة وهذه الآثار الواردة تؤيد الستر فقط ولا تؤيد التدخل بالأعمال أو المساعدة والله أعلم ... : |