|
ثانيا : الأبحاث الفقهية الطبيب بين الإعلان والكتمان إن المسلم أيا كان عمله وفي أي ميدان من ميادين النشاط البشري يبذل جهده يجد التشريع الإلهي يحوطه بعنايته ويحدد له الطريق الذي عليه أن يسلكه بتفصيل ما يحرم عليه وما يجب وما يباح . وفي هذا شرف الإنسان لأن عناية رب الأكوان به لم تخلقه عبثا بل يسرت له أسباب التسامي والطهارة . ولاءمت في حكمة بين ذاته الفردية وحياته الاجتماعية ملاءمة تمكنه من النجاح في مهمة الاستخلاف في الكون وعمارة الأرض . وإنه بمقدار سمو عمل الإنسان وشرفه تعظم مسئوليته وتبدو الدقة تبعا لذلك أكمل في تقدير أفعاله . فالأحكام التي تتناول الفرد في اتصاله بالأرض والجماد هي أقل من الأحكام التي تتناوله وهو يتصل بالحيوان وهذه أيضا هي دون الأحكام المحددة لأفعاله إذا كان ميدان فعله الإنسان . وبما أن ميدان الطب هو بدن الإنسان وتوازنه الجسمي والنفسي حماية وحفاظا ودفعا لما يرد عليه من اختلال فإنه مما يترتب على ذلك أن تكون مسئولية الطبيب معقدة كتعقد عمله خاصة وإن طبيعة عمله تمكنه من الاطلاع على ما لا يطلع عليه غيره فتنكشف له من عورات من يتولى فحصهم بدنيا ونفسيا ما لا ينكشف لغيره . ويطلع على أسرار مدفونة في خبايا النفوس أو تحت الثياب الساترة . ويشارك الأطباء في الناحية النفسية خاصة المفتون والمحامون وهذا يشمل مجالات عديدة وصورا متنوعة . وأعتقد أنه يكون من الخير لو قام السادة الأطباء بوضع سجل في كل مصحة أو مستشفى يدون فيه ما يعرض عليهم من مشاكل لتعرض على الدرس وفي ذلك إثراء للفقه الإسلامي من ناحية وإبراز حلول يرتضيها الدين ترفع عن السادة الأطباء حيرة السؤال وعدم طمأنينة الضمير . ولعل في لقائنا المبارك هذا خطوة أولى ستعقبها خطوات في الميدانين الفردي والجماعي . وهنيئا لدولة الكويت ما تسجله دوما من سبق يذكر لها بكل اعتزاز وفخر . وتقديرا خالصا وإكبارا مجددا لهذه النخبة النيرة من أساتذة الطب في هذا البلد الكريم الذين يشرفون الأمة العربية والإسلامية إذ لم يقنعهم النجاح العلمي الذي حققوه في ميادين اختصاصاتهم فلم يكتفوا به فعملوا على توضيح الإشكالات التي تقوم في داخل الضمير المؤمن الحي . الطبيب والكشف : غريزة قوية فطرية في الإنسان هي حجر الزاوية في بلوغ البشرية المستوى العلمي الذي بلغته غريزة حب الاطلاع . وتتاح للإنسان فرص كثيرة يكتشف فيها المجهول إما بواسطة الحس وإما بواسطة الفكر . وكلما كان التحدي قائما بحجب السر كانت الإرادة أقوى فطريا في هتك الحجب الحائلة دون المعرفة . وتقوم التربية المدنية والتبصير الديني على تنظيم هذه الغريزة بمحض نشاطها إلى ما يعود عن الإنسان بالخير ويشبع نهمه دون أن يضر بغيره إلا أن المعيار الديني يختلف عن المعيار المدني . ذلك أن المعيار المدني لا يخضع الأسرار إلا إلى رضا صاحب السر فإذا هو تنازل عن حقه كانت جوارح الطرف المطلع في حل من اكتشاف ما يرغب في معرفته سواء أكان من دخائل النفس أو من عورات البدن أما حسب المعيار الإسلامي فإن صاحب السر حقوقه في التنازل محصورة داخل إطار ما أباحه له الشرع . ومن هنا فإن الطبيب المسلم لا يحل له أن يتجاوز محل الحاجة إلى ما ورائها إشباعا لرغبة خاصة لا يبررها حقا لوازم الكشف لتشخيص المرض ووصف العلاج . والتحديد الدقيق لكل حالة من الحالات أمر غير ممكن ، فلذا يكون من المتحتم ضبط هذه القاعدة الكلية التي هي عبارة عن موازنة دقيقة بين الحاجة العلمية لتشخيص الداء وبين المواطن أو الدوائر التي يطلع عليها أو الأسرار الذاتية ، وكل ما زاد على ذلك لا يجوز للطبيب أن يكشفه أو أن يجتلب من المعروض عليه خفاياه لنشرها أمامه فلو فرضنا أن فتاة وقعت في الخطيئة وطلبت من الطبيب أن يفحصها ليتبين هل حملت أو لا فإن كل تجاوز من الطبيب في الأسئلة لمعرفة عشيقها ومقدار حبها له وعدد المرات التي اتصل بها ومكان ذلك إلى آخر الأسئلة التي لا يتوقف عليها معرفة حصول الحمل هي من قبيل التجسس الذي نهى الله عنه كما جاء ذلك في سورة الحجرات : ( ولا تجسسوا) والتجسس المنهي عنه هو البحث عما يكتم عنك روى القرطبي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال خرجت ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط فقال عمر رضي الله عنه هذا بيت ربيعة بن أمية من خلف وهم الآن شرب فما ترى ؟ قلت أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه قال الله تعالى ولا تجسسوا وقد تجسسنا فانصرف عمر وتركهم . فعمر كان مسؤولا عن انتظام شؤون الدولة وعن تطبيق شرع الله فلذلك هم بمعرفة ما يجري في البيت وقد حصلت له الريبة من سماع الأصوات المختلطة المتكسرة فأوقفه عبد الرحمن بن عوف على الآية وأن الله لم يكلفه أن ينقر على أسرار الناس ببيوتهم وإنما كلفه أن تكون كلمة الله ظاهرة في حكم الأمة والمتجاوز إن هو فعل ذلك في سر فهو لم يهدم العقد الذي رضيت الجماعة أن تعيش عليه ولم يعتد على أحد وهكذا الطبيب يحرم عليه أن يكشف الصدر الذي لا حاجة إلى كشفه والنهد والظهر بل الواجب عليه أن يطلب من المريضة المتحللة خلقيا أن تحترمه ولا تكشف عما لا يجوز أن ينظر إليه . إن التراخي في هذا الأمر قد تسبب عنه في كثير من الأحوال خراب بيوت وانصراف الزوجة عن زوجها وانصراف الزوج عن زوجته وزنى وفضائح اجتماعية . الطبيب والعلاج والإعلام : القضايا والصور والأحوال التي تعرض على الطبيب متنوعة جدا بعضها واضح في كشفه وعلاجه وفي حكم الإسلام على تلكم الصورة وبعضها يكون معقدا من حيث الأصول المهنية وهذا لا دخل لي في الحديث عنه إلا من ناحية واحدة إن الطبيب غارم إذا ما قصر . وقد يكون معقدا من حيث اطمئنان الطبيب إلى أنه يقوم بعمل يرضى عنه الله أو يسخطه إذ تتعقد القضية فتبلغ درجة أنه ربما التبس الخير بالشر والحرام بالحلال . وليس الأمر متعلقا بعمل الإنسان وحده حتى نقول فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ولكن الأمر أعمق من ذلك إذ هو علاقة بين إنسان في وضع غير سليم يطلب العون من قادر بإذن الله على إرجاع سلامته . ومن ناحية أخرى في هذا العمل تعد على طرف أو أطراف أخرى هذه القضايا إذن لا يمكن أن تقعد لها قاعدة تطبق آليا ولكن ينظر في كل قضية مع مثيلاتها على انفراد . القضايا الجنسية : قد تكون القضايا الجنسية أعقد القضايا التي يمتحن فيها الطبيب المسلم ، يمتحن فيها كإنسان وهو يكشف عما لا يكشفه عادة إلا الزوج ثم إن حق كل من الزوجين من معرفة زوجه معرفة حقيقية وانكشاف الحقيقة للطبيب ورغبة الطرف المكشوف من الطبيب أن لا يبوح بالسر لقرينه . كل ذلك يجعل مواقف الأطباء الذين رزقوا ضميرا واعيا وروحا صافية مؤمنة يجعل مواقفهم حرجة تثور الأسئلة في بواطنهم الخيرة وتتنازع المصالح في تقديرهم ولعل الأصل أن الطبيب لا يجوز له أن يطلع أحدا على ما تهيأت له معرفته بحكم المهنة المستند في هذا الأصل ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله r قال : " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيام الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي المرأة إليه ثم ينشر أمرهما " إكمال الإكمال ج4 ص 62 وعند أحمد وأبي داود " إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة .." ج3 ص 69 . 1 - مشاكل العذرة : تكون الفتاة قد فقدت عذريتها أو خلقت بدون عذرة وطلبت هي وعائلتها من الطبيب أن يقوم برتق العذرة وإبرازها سليمة في إحساس من سيتزوج بها . فهل يقدم الطبيب على هذا العمل إنقاذا لشرف الفتاة وصونا لمستقبلها من الدمار وقطعا للقيل في العائلة ؟ أو هو يمتنع من ذلك حتى لا يشارك في غش من ستقترن به لأنه أقدم على خطبة عذراء للزواج منها واختيار العذراء اختيار محترم صاحبه في اختياره ولا يدلس عليه . موقف الفقهاء : يعتبر الفقهاء أن الزوج إذا تزوج فتاة عذراء واكتشف أنه قد زالت عذريتها فإن هذا يعتبر عيبا موجبا لرد الزواج ورجوع المهر للزوج يقول ابن عاصم : والزوج حيث لم يجدها بكرا ما لـم يزل عذريتها نكـاح وهو في هذا جار على الخلاف في الاصطلاح في عصره بين بكر وعذراء فالبكر هي التي لم يعقد عليها زواج ـ والعذراء هي التي بخاتم ربها . وهذا إذا صدقته المرأة أما إذا كذبته فقد نقل عن ابن عرفة ليس له عليها إلا اليمين إن كانت مالكة أمر نفسها وعلى والدها إن كانت في حجره قال ابن حبيب ولا ينظرها النساء ولا تكشف الحرة في مثل هذا ( ميارة ج1 ص 215) . يقول التاودي وجرى العمل بقول سحنون أي في غير المدونة أن النساء ينظرن إليها بأمر السلطان وهو مذهب أبي حنيفة أنه تنظرها امرأة وامرأتان أحوط بأن تبول على جدار أو يدفع في فرجها أصغر بيضة ابن عابدين ج 2 596 . وذهب القابسي إلى أن ذهاب العذرة لا رد به لأنها تزول بالاتصال الجنسي وبغير ذلك وقد ذكر ابن هلال خمسة أسباب لذهاب العذرة في نوازله قال : ربما كانت الصبية ثيبا بأحد خمسة أشياء إما بقفزة أو رفعت شيئا ثقيلا أو ركبت حمارا من غير بردعة أو وقعت من شيء مرتفع مثل حائط أو شجرة أو ما أشبه ذلك أو ولدت في المحرم وهذه المسألة في شرح الواضحة أ هـ . (حاشية المهدي كراس 16 ص 4 ج 2 ) وزاد ميارة قد تزول العذرة بتكرار الحيض . الراجح والمشهور : أن الزوج إذا اشترط عذراء أو قام بالعادات التي تفعل مع العذارى فإن له رد النكاح واسترجاع المهر إذا وجدها غير عذراء سواء زالت عذريتها بزنى أو بعامل آخر لأنه حق تعلق به غرض صحيح وبذل فيه مالا . وهنا يؤكد الفقهاء أن الزوج إذا لم يجدها عذراء ليس له أن يتهمها بالزنى والتهامه إياها بالزنى موجب للحد فلو قال وجدتها مفتضة أقيم عليه حد القذف كما أنهم أشاروا على ولي الفتاة إذا ذهبت عذريتها بغير جماع أن يقيموا وثيقة تنفي عنها وعنهم العار فيما يستقبل قال ميارة وقفت في ذلك على وثيقة بخط العالم الحسن ابن عثمان بن عطية النجاني الشهير بالونشريسي وقد تقطع بعض أطرافها لقدمها ونص ما وجدت سالما من ذلك : هذا كتاب تحصين لرفع ما عسى أن يكون من الظنون عقده فلان لابنته فلانة الصغيرة في حجره وولايته وأمره لما جرى عليها من القدر الذي لا يغلب بالحذر . وذلك أنها مشت في الأرض مشية الصبيان ولعبت لعب أمثالها من الولدان فسقطت على حجر أصاب رحمها وأسقط عذرتها ويعلم من يضع اسمه عقب تاريخه أنها لصغرها ممن لا يتشوف إليها الرجال ، فصغر سنها قرينة رفع الاحتمال فليكن الذاهب إلى نكاحها طيب النفس زهي البال وإنه رافع حجابه ، لم يرفع لقضاء أرب من الآراب ، وأنها بكر عوان ، لم يطمثها إنس قبله ولا جان ، ويشهد بمضمون هذه الوثيقة ، من علم صغر البنت المذكورة على الحقيقة (شرح ميارة ج1 ص 216) . حكم رتق الطبيب للعذرة : قد يترجح عندي أن الفتاة التي ذهبت عذريتها إن كان ذلك في سن مبكر يقطع فيه الطبيب أنها لم تكن بسبب جماع لأنها غير مطيقة . في هذه الحالة فقط يجوز له أن يرتق العذرة وفيما سوى ذلك لا يجوز له أن يتولى مثل هذه العملية إلا إذا كان الزوج حاضرا ورغب في ذلك لأنه صاحب الحق وعلى جميع الأحوال سواء قام بالرتق أو لم يقم فإنه يحرم عليه أن ينشر شيئا مما علمه بحكم مهنته . 2 - العقم : إذا أجرى الطبيب اختباراته على الزوج فبان له يقينا أن الزوج عقيم عقما لا شفاء منه ولا أمل في إنجابه ، ولو ضئيل الأمل ثم جاءته الزوجة رفقة زوجها فاكتشف أنها حامل فهل يخبر زوجها بأنه من المؤكد أن الحمل ليس منه . لقد تحدث الفقهاء عن هذه الصورة وأجمعوا على أن العقم لا ينهض سببا موجبا لنفي الجنين بل ذهب الحنفية إلى أبعد من هذا . جاء في الدر المختار : وقد اكتفوا بقيام الفراش بلا دخول كتزوج المغربي بمشرقية بينهما سنة فولدت لستة أشهر منذ تزوجها ج2 ص 630 كما جاء فيه أيضا ومبنى النسب على الخفاء فيعفي فيه التناقض ج4 ص 444 وبناء على هذا فإنه لا يجوز للطبيب أن يدخل ريبة في نفس الزوج ولا أن يسلط اتهامه على المرأة ولو كانت الحدود تقام لوجب على الحاكم أن يجلد الطبيب المشكك ثمانين جلدة ويفسق ولا تقبل شهادته تبرئة للمرأة وصونا للفراش . والأصل في هذا القاطع لكل خلاف هو الحديث الذي رواه أصحاب الصحيح واللفظ للبخاري . عن عروة ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه قالت فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال ابن أخي قد عهد إلي فيه فقدم عبد الله ابن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله r هو لك يا عبد بن زمعة ثم قال النبي r الولد للفراش وللعاهر الحجر ـ ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي r احتجبي منه ياسودة لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقى الله (فتح الباري ج5 ص 197) . فكلما ولد لزوج مع قيام الزوجية فإن الولد ينسب ولا ينفي نسبه إلا إذا قام والده باللعان حسب شروطه وقواعده أو إذا قام شهود على الزنى حسب الأصول التي تقبل فيها الشهادة الكشف من أجل الخطبة : إذا توجه الخطيبان للطبيب ليكشف عن سلامتهما وتناسب تركيبهما تناسبا لا يترتب عليه تشوه ولا اختلال في النسل وأبان الكشف سلبية هذا الزواج فهل يخبر الطرف المتضرر أو أن سر المهنة يحتم عليه الاحتفاظ بنتائج فحصه وعدم الإعلان عنها . لا شك أنه يجب على الطبيب أن يكشف عن الحقيقة السيئة التي تبينت له لأنهما قدما إليه على هذا الأساس ليستوثقا من سلامة بناء العائلة التي هي غرضهما الأساسي . قال القرطبي : وتجوز الغيبة إذا كان في ذكره بالسوء فائدة كقوله r لفاطمة بنت قيس لما جاءته تطلب مشورته في خاطبيها معاوية وأبي جهم من حذيفة قال : أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ( أحكام القرآن ج 16 ص 340 ) . فرسول الله r وهو يعلم مكانة فاطمة بنت قيس قال أبو عمر بن عبد البر : كانت ذات جمال وعقل وكمال ومما يدلك على مكانتها الاجتماعية أن أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمعوا في بيتها ( الاستيعاب ج4 ص 383) لذلك عرفها بما في خاطبيها من نقائض ، وفي رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر . ولكن إذا رضي الزوج الكامل لقرينه الناقص وتأكد الطبيب أن احتمال تشوه النسل مثلا هو احتمال راجح فهل يجوز له والحالة تلك أن يرفع الأمر إلى الحاكم ؟ الذي اطمئن إليه أنه لا يجوز له ذلك إلا إذا كان التشريع القائم في البلد يوجب مثل هذا الرفع فإذا كان الأمر ما وصفته فإني أضع رأيا أعرضه على أنظار السادة الفقهاء أنه يجب عليه أن بعلم بذلك ولي الأمر لأن مثل هذا القانون لا يهدم مصلحة مقننة ولا يصدم نصا من النصوص اليقينية وفيه مصلحة عامة . مرض الهيبز أو السيدا : هذا المرض الخطير الذي يهدد البشرية بقضائه على المناعة في البدن هو نتيجة الانحلال في العلاقات الجنسية . والذي ينتقل بوساطة الدم عندما يحقن دم مريض في بدن صحيح فتتحقق العدوى أو بواسطة الاتصال الجنسي أو بواسطة الفم . وهو أحد الأمراض القليلة التي لم يصل الطب بعد لا إلى تلقيح يكسب الجسم المناعة من تأثير الفيروس ولا إلى دواء يضمن الشفاء ، إذا يؤكد الأستاذ لوك مونتاني المكتشف الأول للفيروس والذي أمكنه أن يعزله في شهر جانفي 1983 والذي سماه Lymphde n opath Associated VIRUS ثم Human Imminodeficieney Virus HIV يؤكد الدكتور مونتانيي أنه حتى الآن لا يوجد أي علاج ينتهي بشفاء المريض . وغاية الجهد هو أنه يمكن إبطاء أثره على حياة المريض أما الشفاء فلا. وهذا المرض على مستويين : المستوى الأول المرحلة الأولى . وهي مرحلة اللقاء الأولي بين الفيروس وجسم الإنسان . وهو الذي ينكشف للمحلل أنه إيجابي ، وهو المريض بالقوة ، سيف المرض مسلول فوق رأسه ، وإن كانت علامات المرض مفقودة كلها . والطب يبحث ولم يصل بعد إلى طريقة يطمئن بها على عدم تطور الإصابة إلى حالة مرضية بكل مظاهرها . الثاني المريض بالفعل وهو الذي تمكن الفيروس منه وأخذ يهدم خلاياه وأفقده المناعة من كل غاز لبدنه . وهنا يثار السؤال : هل يحق للطبيب الذي كشف المرض في إحدى مرحلتيه أن يخبر المريض بالحقيقة ؟ ثانيا هل يخبر الزوج إذا كانت الزوجة هي المريضة ، وهل يخبر الزوجة إذا كان الزوج مريضا ؟ هل يخبر السلطات المحلية . ثالثا : أعتقد أنه من حق الطبيب بل من واجبه أن يخبر المصاب حتى يعلم خطر إقدامه على التبرع بدمه أو اتصاله جنسيا بسليم أو سليمة . وأيضا أن يعلم القرين بحالة قرينه . أما إعلام السلطات فإنه نوعين : الإعلام بالحالة دون تسمية الشخص وهذا أعتقد أنه واجب لتضبط الدولة مخططاتها على أساس المعطيات المقدمة من الأطباء ومراكز العلاج والتحليل . خاصة وأن هذا المرض حادث لم يدخل في حساب المخططات السابقة وأن انتشاره وتضاعفه هو مفزع حقا . فقد أصدرت المنظمة العالمية للصحة في 31 جانفي 1987 نشرة تفيد أن عدد المرضى بالسيدا في العالم يبلغ 39144 . وإن الذين زار بدنهم الفيروس هم بين خمسة وعشرة ملايين وأن تطور انتشار المرض عبر الأشهر مرعب . إذ يبلغ في بلدان المجموعة الاقتصادية الأوروبية : أنه يتضاعف 100/100 كل تسعة اشهر . أما إعلام السلطان في حالة غياب التشريع باسم الشخص المصاب وضبط حالته المدنية فلا أرى وجها يسمح للطبيب بكشف السر والإبلاغ . وعلى كل حال فإنه لا يجوز بحال من الأحوال اتهام المصاب بالزنى أو الشذوذ الجنسي لإمكانية تحول الفيروس عن طريقة الحقن الدموية . أو الإبر الملوثة أو طريق آخر لم يكشف عنه الطب إلى اليوم . مرض السرطان : مرض السرطان هو المرض الخبيث الذي يمثل فوضى في الخلايا وطريقة نموها وتوالدها . وقد أخذ في الانتشار ويجاهد الأطباء للتغلب على المرض وهو حسب مستوى تطوره داخل الجسم فقد يكون المرض لم يبلغ من الانتشار حدا يتجاوز قدرة التسلط عليه ، وهذه الحالة تنتهي بشفاء المصاب إلا أن احتمال عودة مظاهر المرض قائمة وإعلام المريض حقيقة الأمر تختلف من مريض إلى آخر فإذا كان له من حسن التوكل والثقة في الله وعدم التشبث بالحياة إلى حد الهلع إذا ما تهددت حياته المخاطر فإنه لا مانع من تعريفه بواقعه ليواجه المستقبل واحتمالاته وإن كان ضعيفا رعديدا يخشى عليه من الانهيار العصبي إذا واجهته الحقيقة فإنه يصبح من المؤكد ألا يعلم بذلك وقد جرت المدارس الطبية حسبما بلغني على منهجين فالمدرسة الفرنسية لا تعلم المصاب بإصابته وتكتمه الخبر والمدرسة الأمريكية تواجهه بالحقيقة . وقد يكون ما بلغني خطأ . فأنا أنقله بكامل التحفظ . والمهم أنه لا يبدو أي مانع يمنع الطبيب من إخبار المريض بحالته الصحية وما يتعرض له من أخطار مضاعفة المرض كلما كان تركيبه النفسي سويا لا ضعف فيه مع يقيني أن ما يقدمه السادة الأطباء من بيانات حول آثار المصارحة والكتمان يعتبر إحدى الركائز المهمة في تكييف الحكم الشرعي والله أعلم .
|