إفشاء الطبيب بعض الأسرار الطبية
المصلحة العامة في الشريعة الإسلامية
للأستاذ الدكتور / حسن على الشاذلي
أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر

بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن نهج نهجهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد فإن الإسلام دين الحياة بكل أبعادها الدنيوية والأخروية ، دين الإنسانية بكل جوانبها ، دين الرفعة ، دين الكمال والتمام ، قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .

إنه الدين الشامل رعى الإنسان ورسم له طريق الحياة الآمنة المستقرة ، رعاه في ظاهره وباطنه ، رعاه في روحه وجسده ، رعاه في يقظته وغفلته ، رعاه في كل أموره ، فشرع له ما يحافظ به على مقومات إنسانيته ، فحفظ له دينه ، ونفسه ، وعرضه ، وماله ، وعقله من أن يمس إلا بالحق يسيرا آمنا مطمئنا مستقرا مؤديا حق الله عليه ، وحقوق العباد دون تقصير أو تهاون ، فيسعد وتسعد بسعادته الإنسانية جمعاء .

وقد شرع له من الأحكام ما يحقق مصالحه ، وينفي عنه وعن المجتمع كل خبث ويحقق له كل سعادة . هذا ولقد كان لهذه اللفتة الكريمة من القائمين على الأمور الصحية في الأمة الإسلامية ومنها الكويت ، والداعين لموتمراتها العلمية بغرض طرح بعض القضايا الشائكة التي تهم الطبيب المسلم على بساط البحث لمعرفة أحكام الشريعة الإسلامية في كثير من المواطن أثرها في إذكاء الأبحاث الطبية الإسلامية وإنها بحق للفتة كريمة ، ومبادرة طيبة أحيت تراثا قديما ، كان فيه الطبيب فقيها والفقيه طبيبا ، فالشريعة كل متكامل يجب أن يعلمه كل إنسان بالقدر الذي يسمح له بمباشرة تخصصه بما لا يناقض شرع الله ، ولا يخالف نصا في كتاب أو سنة .

ولقد كان للأبحاث المعروضة في هذه الندوة التي تعقدها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت أهمية خاصة ، وهدف حيوي ، وأبعاد نرجو أن تكون طريقا إلى ما فيه الخير للمجتمع بإذن الله تعالى وتوفيقه .

ولقد اخترت من بين الموضوعات التي حددها المؤتمر الموضوع الأول هو :

"إفشاء السر " :
1 - بالنسبة للمريض إذا أتى أعمالا مخلة مثلا ـ في حالة التأكد من أن الزوج عقيم ولا يمكن أن ينجب ، وحملت الزوجة بطريقة أو بأخرى ـ هل يقوم الطبيب بإفشاء سر المريضة وإخبار الزوج أو الجهات المسؤولة .

2 - إذا قام طبيب بعمل مخل بآداب المهنة واكتشف ذلك زميل له هل يقوم بالإبلاغ وإفشاء السر ؟

3 - إذا تبين للطبيب أن رب الأسرة أصيب بمرض جنسي ما هو موقفه هل يبلغ الأسرة أم لا ؟

وأعرض فيما يلي ما وفقني الله تعالى إلى تقديمه من فقه الشريعة الإسلامية حول هذه القضايا وأرجو الله تعالى أن يلهمنا الصواب ويجنبنا الزلل .

الاستفسار الأول
حالة التأكد من أن الزوج عقيم ، ولا يمكن أن ينجب ، وحملت الزوجة بطريقة أو بأخرى .

هل يقوم الطبيب بإفشاء سر المريضة ، وإخبار الزوج أو الجهات المسؤولة .
هذا الموضوع نتناوله من جانبين :

الجانب الأول : هو أن الولد للفراش ـ كما نطق حديث رسول الله r : فقد روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ـ r : " الولد للفراش ، وللعاهر الحجر" رواه الجماعة إلا أبا داود ، وفي لفظ للبخاري " الولد لصاحب الفراش " .

ولقد اختلف العلماء في معنى الفراش ، فذهب الأكثر إلى أنه اسم للمرأة ، وقد يعبر به عن حالة الافتراش ، وقيل إنه اسم للزوج ، وروي ذلك عن أبي حنيفة وأنشد ابن الأعرابي مستدلا على هذا المعنى قول جريج :

باتت تعانقه وبات فراشها .

وفي القاموس إن الفراش زوجة الرجل قيل ومنه : " فرش مرفوعة " والجارية يفترشها الرجل .

"وللعاهر الحجر " يعني وللزاني الخيبة . أي لا شيء له في الولد . والعرب تقول : " له الحجر . وبفيه التراب " ، يريدون ليس له إلا الخيبة .

يقول الشوكاني : " وظاهر الحديث أن الولد إنما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش ، وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطء في النكاح الصحيح أو الفاسد ، وإلى ذلك ذهب الجمهور.

وروي عن أبي حنيفة أن الولد يثبت بمجرد العقد ، واستدل له بأن مجرد المظنة كافية " في ثبوت النسب " .

ثم يقول ردا على ما نسب إلى أبي حنيفة ولا شك أن اعتبار مجرد العقد في ثبوت الفراش جمود ظاهر . فإنه قد حكى ابن القيم عن أبي حنيفة أنه يقول بأن نفس العقد ، وإن علم أنه لم يجتمع بها ، بل لو طلقها عقبه في المجلس ، تصير به الزوجة فراشا ، وهذا يدل على أنه لا يلاحظ المظنة أصلا .

ويؤيد ذلك أنه روي عنه أنه يقول بثبوت الفراش ولحوق الولد ، وإن علم أنه ما وطيء ، بأن يكون بينه وبين الزوجة مسافة طويلة لا يمكن وصوله إليها في مقدار مدة الحمل .

ويرد الحنفية على ذلك بأن الزوج إن علم أنه لم يكن على هذه الصفة وأنه لم يطأها في تلك الليلة فهو قادر على اللعان ، فلما لم ينف الولد باللعان ، فليس علينا نفيه عن الفراش مع تحقق الإمكان .

ويقول أيضا ابن الهمام ردا على ذلك أيضا : " والحق أن التصور شرط ( أي تصور دخوله بها شرط إلحاق نسبه به ) ولذا لو جاءت امرأة الصبي بولد لا يثبت نسبه ، والتصور ثابت في المغربية لثبوت كرامات الأولياء .." وما قيل : من أنه لا يلزم من ثبوت النسب منه وطؤه ، لأن الحبل قد يكون بإدخال الماء الفرج دون جماع فنادر ، والوجه الظاهر هو المعتاد " .

وذهب ابن تيمية إلى أنه لا بد من معرفة الدخول المحقق وذكر أنه أشار إليه أحمد، ورجحه ابن القيم وقال : هل يعد أهل اللغة والعرف المرأة فراشا قبل البناء بها ، وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب من لم يبن بامرأته ، ولا دخل بها ، ولا اجتمع بها ، بمجرد إمكان ذلك . وهذا الإمكان قد قطع بانتفائه عادة ، فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق ، انتهى .

وأجيب بأن معرفة الوطء المحقق متعسرة ، فاعتبارها يؤدي إلى بطلان كثير من الأنساب ، وهو يحتاط فيها ،واعتبار مجرد الإمكان يناسب ذلك الاحتياط .

وجاء في كشاف القناع حول الاحتياط أيضا في ثبوت الأنساب ما يأتي : " وإن تزوج امرأة وعلم أنه لا يجتمع بها ـ كالذي يتزوجها بحضرة الحاكم أو غيره ـ ، ويطلقها في المجلس ، أو يموت قبل غيبته عنهم ، أي عن أهل المجلس ، لم يلحقه ـ أي نسب المولود ـ للعلم حسا ونظرا ، بأنه ليس منه ، أو يتزوجها وبينهما ـ أي الزوجين ـ مسافة بعيدة لا يصل إليها في المدة التي ولدت فيها ، كشرقي يتزوج بغربية ، فإن الوقت لا يسع مدة الولادة وقدومه ووطأه بعده ، لم يلحقه النسب ، والمراد : وعاش ، وإلا لحقه بالإمكان ـ ذكره في الفروع .

وإن أمكن وصوله ـ أي الزوج إلى الزوجة ـ في المدة التي مضت بعد العقد والولادة ـ لحقه النسب ..

وإن كان الزوج صبيا له دون عشر سنين ـ لم يلحقه نسب ، لأنه لم يعهد بلوغ قبلها ، أو كان الزوج مقطوع الذكر والأنثيين ، أو مقطوع الأنثيين فقط ، أي مع بقاء الذكر ، لم يلحقه نسبه ، لأن الولد لا يوجد إلا من مني ، ومن قطعت خصيتاه لا منى له ، لأنه لا ينزل إلا ماء رقيقا لا يخلق منه الولد ، ولا وجد ذلك ، ولا اعتبار بإيلاج لا يخلق منه الولد ، كما لو أولج الصغير .

ويلحق الولد مقطوع الذكر فقط ، لأن يمكن أن يساحق فينزل ما يخلق منه الولد .. ويلحق العنين لإمكان إنزاله ما يخلق منه الولد ".

وقد قال الشافعية أيضا بأنه يشترط إمكان كون الولد منه .

قال الشربيني : " وإنما يحتاج الملاعن إلى نفي نسب ولد ممكن كونه منه .. فإن تعذر كون الولد منه ، بأن ولدته ( الملاعنة ) لستة اشهر فأقل من العقد (أي ولدته تاما ) ـ لانتفاء زمن الوطء والوضع ـ أو ولدته لأكثر منهما بقدرها وأكثر ، لكنه طلق في مجلس العقد ، أو نكح وهو بالمشرق امرأة وهي بالمغرب ، ولم يمض زمن يمكن فيه اجتماعها ووطء ، وحمل أقل مدة الحمل ، لم يلحقه الولد لاستحالة كونه منه ، فلا حاجة إلى انتفائه إلى لعان " .

ومن صور التعذر أيضا ما لو كان الزوج صغيرا ، أو ممسوحا ـ على المذهب ـ ، ويمكن إحبال الصبي لتسع سنين ، ويشترط كمال التاسعة ، ثم يلاعن حتى يثبت بلوغه ، فإن ادعى الاحتلام ولو عقب إنكاره له صدق .

وخرج بالممسوح مجبوب الذكر دون الأنثيين وعكسه فإنه يمكن إحبالها .

ثم علق الشربيني على قول النووي " وله اللعان لنفي ولد " بقوله : " تنبيه " قضية قوله : له .." أنه لايجب وإن علم أنه ليس منه ، وليس مراداً بل يجب في هذه الحالة ..

وأخذ المالكية أيضا باشتراط إمكان كون الولد منه :

جاء في الخرشي : إن نسب الولد ينتفي بدون لعان .. " إذا أتت به بدون ستة أشهر من يوم العقد بشيء له بال ـ كخمسة أيام ـ فينتفي حينئذ بغير لعان لقيام المانع الشرعي على نفيه .

وكذلك ينتفي بغير لعان إذا كان الزوج حين الحمل صبيا أو مجبوبا ، لقيام المانع العقلي على نفيه ، وظاهره سواء وطي المجبوب أم لا ، أنزل أم لا ، وهو ما في كلام عبد الحميد .

وكذلك ينتفي عنه بغير لعان إذا عقد مشرقي على مغربية ، وتولى العقد بينهما في ذلك وليهما ، وعلم بقاء كل منهما في محله إلى أن ظهر الحمل ، لقيام المانع العادي على نفيه ، ولا مفهوم لقوله على مشرقي ، بل المراد أن تدعيه على من هو على مدة لا يمكن مجيئه إليها مع خفائه .. " .

وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير تعليقا على " ومثل المجبوب " (وهو الخصي) مقطوع الأنثيين ، أو البيضة اليسرى فقط على الصحيح ـ قوله على الصحيح : هو ما في الشامل ، وحاصله : أنه متى وجدت البيضة اليسرى ، وأنزل فلابد من اللعان مطلقا ، أي ولو كان مقطوع الذكر وإن فقدت ، ولو كان قائم الذكر ، فلا لعان ولو أنزل ، وينتفي الولد بغيره ، وللمصنف طريقة ذكرها في العدة ، وهي أن مقطوع الذكر أو الأنثيين ، يرجع فيه للنساء ، فإن قلن إنه يولد له لاعن وإلا فلا ، لكن اعترض على المصنف بأن الذي في المدونة أنه يرجع لأهل المعرفة ، لا لخصوص النساء .

وطريقة القرافي أن المجبوب والخصي إن لم ينزلا فلا لعان لعدم لحوق الولد بهما ، وإن أنزلا لاعنا " .

وجاء في المدونة : " قلت : أرأيت لو أن رجلا تزوج امرأة فلم يبن بها ، ولم يجتلها حتى جاءت بولد ، فأنكره الزوج ، أيلاعن أم لا في قول مالك ؟ قال : قال مالك يلاعن إذا ادعت أنه منه ، وأنه كان يغشاها ، وكان ما قالت يمكن ، وجاءت بالولد لستة اشهر فأكثر من يوم تزوجها ، ولها نصف الصداق ، ولا سكنى لها ولا متعة . قلت : وكذلك إن طلقها قبل البناء بها ، فجاءت بولد لمثل ما تلد له النساء ، أيلزم الزوج الولد ، أم لا ؟ وهل له أن يلاعن ؟ قال : قال مالك : يلزمه الولد إلا أن يلاعن ، فإن لاعنها لم يلزمه الولد ، وهذا إذا كان ما ادعت به من إتيانه إليها فيما قالت قبل أن يطلقها .

وحكى (ابن وهب ) عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن رجل تزوج بكرا ، فلم يجمعها إليه حتى حملت ، فقالت : هو من زوجي ، وكان يغشاني في أهلي سرا فسئل زوجها فقال : لم أغشها ، وإني من ولدها لبريء .(قال) سنتها سنة الملاعنين يتلاعنان ، ولا تنكح حتى تضع حملها ، ثم لا يجتمعان أبدا ، وولدها يدعى إلى أمه ، ومن قذفها جلد الحد .

قال ابن وهب : قال يونس وقال ربيعة : إذا تكلمت بذلك وعرف ذلك منها لاعنها، وإن مضـت سنون ، وقاله يحيى ين سعيد . وابن قسيط أنه يلاعنها إن تمت نكرته " .

النتائج المستخلصة

ويؤخذ من النصوص الفقهية السابقة ما يأتي :

أولا : أنه لا يثبت الطفل من الزوج إذا وجد مانع شرعي أو مانع عقلي أو مانع عادي ، ولا يحتاج الزوج في أي من هذه الحالات إلى نفي نسب الطفل عنه . ونوضح فيما يلي هذه الحالات :

أ - ينتفي نسب الطفل من الزوج دون لعان إذا قام مانع شرعي على نفي نسبه منه ، وذلك إذا أتت الزوجة به " كاملا " لدون ستة أشهر من يوم العقد بشيء له بال ـ كخمسة أيام ـ وكان الزوج صالحا للإنجاب ، وسند هذا الإجماع .

ب - وكذلك ينتفي نسبه منه دون لعان إذا قام مانع عقلي على نفي نسبه منه ، وذلك إذا كان الزوج غير صالح للإنجاب مطلقا . وذلك :

إما لصغره كأن يكون سنه وقت الزواج دون التاسعة ـ كما قال الشافعية ـ أو دون العاشرة ـ كما قال الحنابلة ـ وذلك لأنه لم يبلغ ، ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة …

وإما أن يكون مجبوبا (الخصي) أو مقطوع الاثنين ، أو الذكر ولم ينزل ، وذلك إذا رأى أهل الخبرة أنه لا يمكنه الإنجاب وهو بهذه الحالة ينتفي نسب الطفل دون لعان .

وواضح أن هذا المانع الذي أطلق عليه فقهاء المالكية " المانع العقلي " المرجع فيه إلى أهل الخبرة ـ وهم الأطباء ـ فهم الذين يتحملون تبعة إصدار الرأي في إمكان إنجاب هؤلاء ، أو عدم إنجابهم .

كما أن الأمثلة التي ذكرها الفقهاء لبيان ما يمنع الرجل من الإنجاب هو مجرد أمثلة يتحقق من خلال شرحها المعنى الذي وجد فيها ، والذي من أجله انتفى نسب الطفل من الزوج دون لعان ـ وهو عدم إمكانه الإنجاب سواء كان ذلك لقطع عضو من أعضائه التناسلية ـ أو أكثر من عضو ـ أو كان لغير ذلك من الأسباب التي يتحقق فيه هذا المعنى.

ج - وكذلك ينتفي نسب الطفل دون لعان إذا قام مانع عادي على نفي نسبه منه . وذلك إذا كان الزوج في حالة بحيث لا يمكن أن يكون قد التقى بزوجته لقاء جنسيا (وطئها) وقد مثلوا له بما إذا كان الزوجان أحدهما في المشرق ، والآخر في المغرب ، وعقد وليهما عقد الزواج ولم يمكن التقاؤهما بعد عقد الزواج ، ثم حدث الإنجاب ، فإنه في هذه الحالة يظهر أمامنا في الفقه الإسلامي اتجاهان :

الاتجاه الأول : وهو رأي جمهور الفقهاء يرون أنه ينتفي نسب هذا الولد من الزوج دون لعان ـ وهو رأي (المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، ومن سلك سبيلهم ) ، ولا يلحق الزوج نسب هذا الطفل لقيام المانع العادي ـ كما قال المالكية ـ أو لاستحالة كونه منه ـ كما قال الشافعية ـ أو للعلم حسا ونظرا أنه ليس منه ـ كما قال الحنابلة ـ وحينئذ لا يلحق الزوج نسب هذا الطفل ، ولا يحتاج إلى نفي نسبه منه .

الاتجاه الثاني : وهو رأي الحنفية ـ ووافقهم الحنابلة إذا مات الزوج بعد ولادة هذا الطفل ـ أنهم يرون أن الولد يثبت نسبه من الزوج ـ لأن الولد للفراش ، وفي إمكان الزوج إذا كان لم يطأ زوجته أن يلاعنها ، فإذا لاعنها انفصلا ، وألحق نسب الولد بأمه لا بالزوج .

وهذا الرأي يتجه إلى إلحاق نسب الطفل بالزوج إذا لم يلاعن لحفظ نسبه احتياطا ، فكأنه يقول إن صاحب الحق في ذلك هو ـ الزوج ـ فإذا سكت ولم يلاعن كان الأصل هو إلحاق نسب الطفل بالزوج ، وما دام قد ولد في ظل عقد الزواج ، وفي المدة التي يولد مثله فيها في ظل هذا العقد .

وقد أثار فقهاء الشافعية نقطة هامة ، وهي هل يجب على الزوج أن ينفي نسب الطفل إذا علم أنه ليس منه ؟

وقد أجابوا عليها " بأنه يجب عليه ذلك " ، وأقول يجب طالما كان هذا العلم بأنه ليس منه يقينيا ، فالشك والظن والوهم لا يبنى عليه نفي النسب ، الذي يحتاط دائما في إثباته ، نظرا لأن الأضرار التي تنصب على هذا الطفل طول حياته لا تقارن بالأضرار التي تلحق بالزوج والزوجة .

ثانيا : هل يمكن لغير الزوج والزوجة أن ينفي نسب هذا الطفل ؟ وذلك كأن كان الطبيب على علم بحالة الزوج ، وأنه لا يمكن أن ينجب؟

وللإجابة على ذلك نقول :

إن الطبيب حين يعلن ذلك ، ففي هذه الحالة يكون قاذفا للزوجة بالزنى ، ومن ثم يطالبه الشرع بإثبات ذلك ، وإثباته يكون إما باعتراف الزوجة بأنها زنت ، وحينئذ يبرأ الطبيب من عقوبة حد القذف . أو بأن يأتي بثلاثة شهداء معه يشهدون عليها بأنها زنت ، وأنهم رأوها في هذه الحالة ويصفون ما جرى وقتا ومكانا وكيفية ـ على النهج الذي حدده المشرع ـ ومن ثم يبرأ أيضا من عقوبة حد القذف ..

قال تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) . (الآيتان 4 ، 5 من سورة النور ) .

وبعد أن بين القرآن حكم الأجنبي إذا قذف محصنا أو محصنة ، بين حكم قذف الزوج زوجه فقال جل شأنه : " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ) . (الآيات من 6 -9 من سورة النور ) .

وهذا اللعان ـ إذا قذف الزوج زوجه يترتب عليه اللعان على الوجه الذي بينته الآيات الكريمة ، ثم يفترقان ولا يجتمعان أبدا ، ويلحق نسب الطفل بأمه .

وأما قذف الأجنبي لامرأة بالزنى ـ حتى ولو كان على علم بذلك ـ فإنه يكون قاذفا لها ، وعليه أن يثبت ذلك على الوجه الذي بينا آنفا ، وإلا حد حد القذف .

جاء في القرطبي ج12 ص 203 عند تفسير قوله تعالى : ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) الآية 13 من سورة النور ) : أي هم في حكم الله كاذبون .

وقد يعجز الرجل عن إقامة البينة ، وهو صادق في قذفه ، ولكنه في حكم الشرع وظاهر الأمر كاذب ، لا في علم الله تعالى ـ وهو سبحانه وتعالى رتب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا ، لا على مقتضى علمه الذي تعلق بالأنساب على ما هو عليه ، فإنما بيني على ذلك حكم الآخرة .

قلت (أي القرطبي) ومما يقوي هذا المعنى ويعضده ما أخرجه البخاري عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " أيها الناس إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه ، وليس لنا من سريرته شيء ، الله يحاسبه في سريرته ، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه ، وإن قال إن سريرته حسنة " .

وأجمع في نيل الأوطار ج7 ص 103 ـ 104 : " عن ابن عباس أن رسول الله r لا عن بين العجلاني وامرأته ، فقال شداد بن الهاد : هي المرأة التي قال رسول الله ـ r ـ لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها ، قال : لا تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام " متفق عليه .

وعن ابن عباس أن رسول الله ـ r ـ قال : " لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها " رواه ابن ماجه .

وعند شرحه لما جاء في الحديث قال : " قوله كانت قد أعلنت في الإسلام " في لفظ البخاري : " كانت تظهر في الإسلام السوء أي كانت تعلن الفاحشة ولكن لم يثبت عليها بينة ولا اعتراف كما تقدم في اللعان .

وقد استدل المصنف (ابن حجر) رحمه الله بقوله ـ r ـ : " لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها " على أنه لا يجب الحد بالتهم ، و لا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به ، وهو قبيح عقلا وشرعا فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشرع كالحدود والقصاص وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين ، لأن مجرد الحدس والتهمة والشك مظنة للخطأ والغلط ، وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف .

ثم أورد الشوكاني الأحاديث التي تفيد درء الحدود بالشبهات ومنها :
ما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ـ r ـ ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " رواه ابن ماجه .

وعن عائشة قالت : قال رسول الله ـ r ـ : " ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطيء في العفو خير من أن يخطيء في العقوبة " .

أصح ، قال وقد روى عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا مثله.

قال البخاري : بعد أن ضعف الحديثين السابقين : وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم بن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال : " ادرأوا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم " . وعن عمر ـ رضي الله عنه ـ " لأن أخطيء في الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات " وفي مسند أبي حنيفة عن ابن عباس مرفوعا " : ادرأوا الحدود بالشبهات " .

قال الشوكاني : " وما في الباب وإن كان فيه المقال المعروف فقد شد عضده ما ذكرنا " أي من الروايات الأخرى ) فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به على مشروعية درء الحد بالشبهات المحتملة ، لا مطلق الشبهة " .

ونورد هنا بعضا من النصوص الفقهية التي تناول حد القذف بالإيضاح :

الحنفية :

" ويحد الحر أو العبد ـ ولو ذميا أو امرأة ـ قاذف المسلم الحر البالغ العاقل العفيف عن فعل الزنى .. وألا يكون المقذوف ولد القاذف أو ولد ولده ، أو أخرس أو مجبوبا (هو مقطوع الذكر والأنثيين جميعا ، كما فسره في باب العنين ، ولا يخفي أن مقطوع الذكر وحده مثله . أ هـ ، ووجهه أن الزنى منه لا يتصور ، فلم يلحقه عار بالقذف لظهور كذب القاذف أو خصيا (بفتح الخاء من سلت خصيتاه وبقى ذكره ) أوطيء بنكاح أو ملك فاسد ، أو هي ـ أي المقذوفة ـ رتقاء ، أو قرناء ، وأن يوجد الإحصان وقت الحد ، حتى لو ارتد سقط حد القاذف ولو أسلم بعد ذلك .

المالكية :

(وقال الدسوقي ) : " وشروط حد القذف ثمانية : اثنان في القاذف مطلقا ، وهي البلوغ والعقل ، واثنان في المقذوف مطلقا (سواء قذف بنفي نسب أو زنى وهما : الحرية والإسلام ، وأربعة تخص المقذوف بالزنى ، وهي البلوغ والعقل والعفة عن الزنى والآلة ( أي آلة الزنى) ، فمن قذف مجبوبا أو مقطوع ذكر بالزنى ، فلا حد عليه ـ إذا قطع قبل البلوغ ، أو بعده ورماه بوقت كان فيه مجبوبا ، وبلغ المقذوف ـ فاعلا كان أو مفعولا به ـ كأن بلغت المقذوفة الوطء ، وإن لم تبلغ الحيض ـ فيحد قاذفها للحوق المعرة لها ، كالكبيرة ..

حتى وإن قذف الملاعنة أو قذف ابنها بنفي نسبه عن أبيه الذي لاعنها فيه حد القذف ، وإنما حد القاذف لابن الملاعنة بنفي نسبه ، لأنه لم يجزم بنفي نسبه ، لصحة استلحاق أبيه لاعن فيه له .. ولم يجعلوا للعان شبهة تدرأ (عن القاذف) حد (القذف)

وإن عرض بالقذف (بزنى أو لواط أو نفي نسب عن الأب أو الجد) شخص غير أب ، ولو زوجا عرض بزوجته ، فيحد إن أفهم تعريضه القذف بالقرائن ـ كالخصام .. وأما تعريض الأب لابنه فلا حد فيه ولا أدب لبعده عن التهمة في ولده ، وأما تصريحه بالقذف لابنه فيحد .. والراجح أنه لا يحد ..

أو قال لامرأة أجنبية زنيت مكرهة ـ وكذبته ـ فيحد ، سواء قامت قرينة على أن قصده نسبتها للزنى ، أو لم تقم ، لأنه لما قدم قوله : " أنت زنيت " عد قوله مكرهة ، من باب التعقيب برفع الواقع فلا يعتبر ، فإن قامت قرينة على أن قصده الاعتذار عنها ، لم يحد ، فإن قدم الإكراه ، بأن قال لها : أنت أكرهت على الزنى حد إن قامت قرينة على أن قصده نسبتها للزنى ، فإن لم تقم بشيء ، أو قامت بالاعتذار فلا حد .

فإن قال لامرأته زنيت مكرهة لاعن ، وإلا حد حد القذف ، إن لم يقم بينة بالإكراه ، فإن أقام بينة الإكراه فلا حد عليه .

وللمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام أو نائبه ، أو بعده إن أراد المقذوف سترا على نفسه ، كأن يخشى أنه إن ظهر ذلك قامت عليه بينة بما رماه به ، أو يقال : لم حد فلان ؟ فيقال بقذفه فلانا ، فيشتهر الأمر ، ويكثر لغط الناس أو نحو ذلك ، ثم قال ومفهوم الشرط ( إن أراد ..) أن المقذوف كان فاضلا عفيفا لا يخشى من إقامة بينة تشهد عليه بما رماه به القاذف ولا يخشى من لغط الناس والتكلم فيه إذا حد قاذفه فإنه لا يجوز عفوه بعد بلوغ الإمام .

ويستثنى من قوله : " إن أراد سترا .. " ما إذا كان القاذف أباه أو أمه أو جده فله العفو وإن لم يرد سترا ، ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيه ، ولو بلغ الإمام .. وظاهره ولو كان التعزير لمحض حق الله تعالى .

وجاء في مغني المحتاج ج3 ص 373 :

" وللزوج قذف زوجة له علم ـ أي تحقق ـ زناها ، بأن رآها تزني أو ظنه ظنا مؤكدا ـ أورثه العلم ـ كشيوع زناها بزيد مع قرينة ، بأن رآها ولو مرة واحدة في خلوة ، أو رآها تخرج من عنده ، أو يخرج من عندها ، أو أخبره ثقة بزناها ، أ و أخبرته هي بزناها ، ويقع في قلبه صدقها ، أو يخبره عن عيان من يثق به ، وإن لم يكن عدلا . ..

فيباح حينئذ للزوج قذف زوجته .. لكن الأولى له كما في زوائد الروضة أن يستر عليها ويطلقها إن كرهها لما فيه من ستر الفاحشة ، وإقالة العثرة هذا كله حيث لا ولد ينفيه .

فإن كان هناك ولد فقد ذكره بقوله : "ولو أتت بولد يمكن كونه منه ، وعلم و ظن ظنا مؤكدا أنه ليس منه لزمه نفيه ، لأن ترك النفي يتضمن استلحاقه ، واستلحاق من ليس منه حرام ، كما يحرم نفي من هو منه .

قال البغوي إن تيقن مع ذلك زناها قذفها ولاعن وإلا فلا يجوز ، لجواز كون الولد من وطء شبهة ، وطريقه كما قال الزركشي : أن يقول هذا الولد ليس مني ، وإنما هو من غيري .

وأطلق وجوب نفي الولد ، ومحله إذا كان يلحقه ظاهرا ، ففي قواعد ابن عبد السلام أن زوجته لو أتت بولد يعلم أنه ليس منه ، فإن أتت به خفية بحيث لا يلحق به في الحكم لم يجب نفيه ، المحقق كالولد .

ولا يلزمه في جواز النفي والقذف تبين السبب المجوز للنفي والقذف من رؤية زنى واستبراء ، ونحوهما السبب المجوز لهما . وإنما يعلم أن الولد ليس منه إذا لم يطأ زوجته أصلا ، أو وطئها ولكن ولدته لدون ستة أشهر من الوطء ـ التي هي أقل مدة الحمل ـ أو لفوق أربع سنين منه ـ التي هي أكثر مدة الحمل ، وفي معنى الوطء استدخال المني . فلو ولدته لما بينهما ـ أي بين ستة أشهر من وطئه وأربع سنين منه ـ ولم يستبريء بعده بحيضة حرم النفي باللعان رعاية للفراش .

ولا عبرة بريبة يجدها في نفسه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه r قال : " أيما رجل جحد ولده ، وهو ينظر إليه ، احتجب الله منه يوم القيامة ، وفضحه على رؤوس الخلائق " رواه أبو داود والنسائي وغيرهما .

كما بين الشافعية أن شرط حد القذف "التكليف" ، فلا حد على صبي ومجنون لرفع القلم عنهما وعدم حصول الإيذاء بقذفهما ـ والاختيار فلا حد على مكره ـ بفتح الراء ـ لرفع القلم عنه ، و لأنه لم يقصد الأذى بذلك لإجباره عليه ، ولا على مكره ـ بكسر الراء .. والتزام الأحكام والعلم بالتحريم ، وعدم إذن المقذوف ، وأن يكون غير أصل ..

وشرط المقذوف ـ أي الذي يحد قاذفه ـ الإحصان ،وهو أن يكون مكلفا حرا مسلما عفيفا عن وطء يحد به ، كأن لم يطأ أصلا ، أو وطيء وطئا لا يحد به ، كوطء الشريك الأمة المشتركة ـ لأن اضداد ذلك نقص …

وقوله لولد غيره لست ابن فلان صريح في قذف ابن المخاطب ، لأنه لا يحتاج إلى تأديب ولد غيره وقيل إنه كناية ـ كولده ـ إلا لمنفي بلعان ،ولم يستلحقه الملاعن ، فلا يكون صريحا في قذف أمه لجواز إرادة : لست ابنه شرعا ، أو لست تشبهه خلقا وخلقا ، ولها تحلفيه أنه لم يرد قذفها ، فإن نكل وحلفت أنه أراد قذفها حد ، وإن حلف أنه لم يرده فلا حد ويعزر للإيذاء .

الحنابلة :

جاء في الروض المربع ج1 ص 347 :

" إذا قذف المكلف ـ المختار ولو أخرس بإشارة ـ محصنا ولو مجبوبا أو ذات محرم أو رتقاء ـ جلد القاذف ثمانين جلدة ، إن كان القاذف حرا ، لقوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) .

وقذف غير المحصن يوجب التعزير على القاذف ردعا عن أعراض المعصومين . وحد القذف حق للمقذوف فيسقط بعفوه ولا يقام إلا بطلبه ..

والمحصن هو الحر المسلم العفيف عن الزنى ظاهرا . ولو تائبا منه ،الملتزم الذي يجامع مثله وهو ابن عشر وبنت تسع ، ولا يشترط بلوغه .

وصريح القذف : قول يا زان ، يا لوطي ونحوه ، وكناية القذف : يا قحبة يا فاجرة يا خبيثة ، وفضحت زوجك أو نكست رأسه .. ،ونحوه كعلقت عليه أولادا من غيره ، أو أفسدت فراشه .. إن فسره بغير القذاف قبل قوله ، وعزر .

نتائج هذه الدراسة

ومن هذه النصوص الفقهية يتضح لنا جليا ما يأتي :

أ - أن القاذف لإنسان محصن ـ رجلا كان أو امرأة بالزنى ، يطالب بإثبات واقعة الزن ، طبقا للمنهج الشرعي في ذلك ، فإن لم يثبت ذلك حد حد القذف . وذلك إذا توافرت الشروط المطلوبة لإقامة هذا الحد ، فإن انتفى شرط منها وجب تعزيره وتأديبه ودعا له عن النيل من أعراض المعصومين .

بل إن الحنابلة أوجبوا هذا الحد حتى لو قذف الإنسان شخصا لا يتأتى منه الزنى ، كما لو كان الرجل المقذوف مجبوبا ، أو كانت المرأة المقذوفة رتقاء .

خلافا للحنفية والمالكية الذين يجعلون من شروط إقامة هذا الحد أن يتأتى منه أو منها الزنى ، فمن قذف المجبوب وشبهه أو الرتقاء وشبهها فلا حد عليه لأنه لا يتصور منهما الزنى.

ب - أن القاذف ـ إن لم يستطع إثبات واقعة الزنى ـ يجب حده حد القذف " وهو ثمانون جلدة " إذا توافرت الشروط اللازمة للحد ، فإن لم تتوافر وجب تعزيره وتأديبه .

ج - أن نسب الولد يلحق بالزوج ، ما لم يلاعن ، أو ينفي نسبه ـ كما سبق أن قررنا .

د - أن الإقدام على نفي النسب لا يقوم على الحدس والتهمة والشك والظن ، وإنما يجب أن يقوم على اليقين .

هـ - أن رؤية الزوج زوجه وهي حامل ، أو علمه بولادتها ، كاف في إلحاق نسبه منه ،ولا ينفي نسبه إلا بواسطته عن طريق اللعان ، أو نفي نسبه كما قلنا ، ما لم يقم مانع شرعي أو عقلي أو عادي يحول دون نسبته إليه كما سبق أن قررنا.

و - أن الستر على الأعراض أمر مرغوب فيه ومطلوب شرعا ما أمكن ذلك .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة " رواه مسلم .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه : " من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " متفق عليه .

وعن ابن عباس رضي الله عنه : " من ستر عورة أخيه ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة " رواه ابن ماجة .

وفي خبر آخر : " من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤدة " رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث عقبة بن عامر وزاد : " من قبرها " وقال الإسناد صحيح .

ز - المتتبع للفقه الإسلامي يرى أنه يتجه دائما إلى إثبات الأنساب ، فيثبت النسب بالفراش كما رأينا فيما سبق ، وعلى الوجه الذي أوضحه العلماء ، ويثبت أيضا بالإقرار ما دام الظاهر يصدقه ولا ينفيه ، كأن يولد مثله لمثله حتى لا يكذبه العقل ، وألا يكون له نسب معروف من غيره ، حتى لا يكذبه الشرع ..، فإن كان المقر بالنسب امرأة فلا بد من أن يصدقها الزوج ، لأن في إقرارها تحميل النسب له ، وإن كان المقر به يعبر عن نفسه فلا بد من أن يصدق المقر ..

جاء في الاختيار ج 2 ص 32 :

" ويصح إقرار الرجل بالولد والوالدين والزوجة والمولى إذا صدقوه ، إذا كان الولد يعبر عن نفسه ، وإلا يثبت بمجرد الدعوى منه ، لما فيه من النظر له من ثبوت النسب ،ووجوب النفقة وغير ذلك .

وكذلك يصح إقرار المرأة إلا في الولد فإنه يتوقف على تصديق الزوج ، أو شهادة القابلة .

وأصله أن شرط صحة هذا الإقرار تصديق المقر له ليصير حجة في حقه ، فيلزمه الأحكام بتصادقها ، وتصور كونه منه ، لئلا يكذبه العقل ، وألا يكون معروف النسب من غيره لئلا يكذبه الشرع .

وأما المرأة فإنها تحتاج إلى تصديق الزوج ، لأن فيه تحمل النسب عليه ، فلا يقبل إلا بتصديقه أو ببينة ، وهي شهادة القابلة ..

وإذا صح الإقرار بهؤلاء لا يملك الرجوع فيه ، لأن النسب إذا ثبت لا يبطل بالرجوع .

وله الرجوع إذا أقر بمن لا يثبت نسبه ، كقرابة غير الأولاد ، لأنه وصية معنى . وإنما لا يصح النسب بغير قرابة الأولاد بالإقرار لما فيه من تحمل النسب على الغير ، فالأخ نسبة إلى الأب ، والعم إلى الجد وهكذا ..

وجاء في مغنى المحتاج ج2 ص 229 : " الإقرار بالنسب ، وهو القرابة قسمان : الأول يلحق النسب بنفسه ، والثاني بغيره ففي الأول : لو أقر البالغ العاقل الذكر ولو عبدا وكافرا وسفيها بنسب لغيره ، إن ألحقه بنفسه كهذا ابني أو أنا أبوه .. اشترط لصحة هذا الإلحاق أمورا : أحدها : ألا يكذبه السن ، بأن يكون في سن يمكن أن يكون منه ، وألا يكذبه الشرع ، وتكذيبه بأن يكون المستلحق ـ بفتح الحاء ـ معروف النسب من غيره ، أو ولد على فراش صحيح .. وثالثها : أن يصدقه المستلحق ـ بفتح الحاء ـ إن كان أهلا للتصديق .. وألا يكون منفيا بلعان الغير عن فراش نكاح صحيح ، فإن كان ، لم يصح استلحاقه لغير النافي .. وأما إذا ألحق النسب بغيره كهذا أخي أو عمي فيثبت نسبه بالملحق به بالشروط السابقة ويشترط كون الملحق به ميتا وكون المقر وارثا حائزا لتركة الملحق به ، والأصح لا يرث ولا يشارك المقر في حصته وأن البالغ من الورثة ينفرد بالإقرار …

والحنابلة : جاء في الروض المربع ج2 ص 379 :

" وإن أقر إنسان بنسب صغير أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه ، ولو أسقط به وارثا معروفا ، لأنه غير متهم في إقراره ، لأنه لا حق للوارث في الحال ، فإن كان المقر به ميتا ورثه المقر .

وشروط الإقرار بالنسب : إمكان صدق المقر ، وألا ينفي به نسبا معروفا وإن كان المقر به مكلفا فلابد أيضا من تصديقه .."

وللحنفية تحليل دقيق للفراش الذي يثبت به النسب :

جاء في رد المحتار ج 2 ص 647 :
الفراش على أربع مراتب :

ضعيف : وهو فراش الأمة ، لا يثبت النسب فيه إلا بالدعوة .

ومتوسط : وهو فراش أم الولد ، فإنه يثبت فيه بلا دعوة ، ولكنه ينتفي بالنفي .

وقوي : وهو فراش المنكوحة ، ومعتدة الرجعي ، فإنه لا ينتفي إلا باللعان .

وأقوى : كفراش معتدة بالبائن ، فإن الولد لا ينتفي فيه أصلا ، لأن نفيه متوقف على اللعان وشرط اللعان الزوجية .

ومن هذا يتبين لنا أنه ليس بالأمر الهين القدح في نسب الغير ، أو القــدح بالزنى ، أو ما أشبه ذلك من وسائل القدح في العرض ..

ولقد توعد المشرع الحكيم من أحب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا فقال جل شأنه : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) الآية 20 من سورة النور .

كما لعن الذين يرمون المحصنات بقوله جل شأنه : ( إن الذيـن يرمون المحصنات الغافلات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) الآية / 33 سورة النور .

وأخيرا تبقى نقطة هامة يجب أن نتعرض لها ، وهي أنه إذا وجدت المرأة حاملا ،ولم يكن لها زوج ، أو كان لها زوج لا يولد لمثله كالصبي .. فهل يقام عليها حد الزنى ، اعتمادا على أن هذا الحمل قرينة على جريمة الزنى التي ارتكبتها هذه المرأة ؟

وللإجابة على ذلك نقول : " إن الفقهاء قد اختلفوا في حد هذه المرأة ، التي لم تعترف بالزنى ، ولا يوجد الشهود الأربعة الذين يشهدون عليها به ، ولم تذكر هذه المرأة شبهة تدرأ الحد .

فيرى بعض الفقهاء حد هذه المرأة حد الزنى .

وهذا الرأي مروي عن عمر رضي الله عنه ـ ، والمالكية ، ورواية عن أحمد ، فقد اعتبروا الحبل قرينة لإقامة الحد عليها مثل البينة (الشهود) والاعتراف .

وقد استدلوا على ذلك بما رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : " كان فيما أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها ، وعقلناها ،ووعيناها ، ورجم رسول الله ـ ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس الزمان ، أن يقول قائل ، والله ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى ، إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة ، أو كان الحبل ، أو الاعتراف رواه الجماعة إلا النسائي .

وآية الرجم هي : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " فنسخت تلاوتها في القرآن وبقي حكمها .

وبما روى أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ أتى بامرأة ولدت لستة أشهر من حين زواجها ، فأمر برجمها ، فقال له على ـ رضي الله عنه ـ ليس لك عليها سبيل ، قال الله تعالى : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) الأحقاف / 15 ،وقال : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) البقرة / 223 أخرجه مالك في الموطأ .

ومن هذا يتضح أن عثمان وعليا رضي الله عنهما كانا يريان وجوب الحد بالحبل ، وإنما دريء الحد هنا عن هذه المرأة ، لأن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر ـ وهذا بالاتفاق ـ وقد قضت هذه المدة .

وروى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : " يا أيها الناس إن الزنى زناءان ؟ زنا سر ، وزنا علانية ، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكونوا أول من يرمى ، وزنا العلانية أن يظهر الحبل، أو الاعتراف ، فيكون الإمام أول من يرمى" .

ويرى جمهور الفقهاء أن مجرد الحمل لا يثبت به الحد ، بل لا بد من الاعتراف أو البينة (الشهود) واستدلوا لذلك بالأحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات ـ وقد سبق أن ذكرناها .

كما استدلوا بما روى عن النزال بن سبرة قال : " إنا لبمكة إذ نحن بامرأة اجتمع عليها الناس حتى كادوا أن يقتلوها ، وهم يقولون : زنت ، زنت فأتى بها عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وهي حبلى ،وجاء معها قومها ، فأثنوا عليها بخير ، فقال عمر ؟ أخبريني من أمرك ، قالت : يا أمير المؤمنين ، كنت امرأة أصيب من هذا الليل ، فصليت ذات ليلة ، ثم نمت ، وقمت ورجل بين رجلي ، فقذف في مثل الشهاب ، ثم ذهب ، فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ لو قتل هذه من بين الجبلين ـ أو قال الأخشبين ـ لعذبهم الله ، فخلى سبيلها وكتب إلى الآفاق ألا تقتلوا أحدا إلا بإذني أخرجه البيهقي .

ومن هذا يتبين لنا أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قبل من المرأة دعواها ، ولم يطلب منها بينة ، ولم يجعل مجرد الحبل قرينة موجبة للحد . ودرأ عنها الحد .

ولقد علق الشوكاني على ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله : " إذا كانت البينة أو الحبل أو الاعتراف " بقوله " إن هذا من قول عمر ، ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس ، وكونه قاله في مجمع من الصحابة ، ولم ينكر عليه ، لا يستلزم أن يكون إجماعا ،كما بينا ذلك في غير موضع من هذا الشرح ، لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم للمخالف ، ولا سيما والقائل بذلك عمر ، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم ، اللهم إلا أن يدعى أن قوله : " إذا قامت البينة أو كان الحبل ، أو الاعتراف " من تمام ما يرويه عن كتاب الله تعالى ، ولكنه خلاف الظاهر ، لأن الذي في كتاب الله تعالى هو ما أسلفنا في أول كتاب الحدود ( ويقصد الاعتراف) والبينة ( الشهود الأربعة ) .

والذي يترجح أن مجرد الحبل لا يكون قرينة موجبة للحد بذاته ، في هذه الحالات التي معنا .

ولكن إذا انتفى الحد ، فإنه قد يكون هناك تعزير إذا ثبت موجبه ، وإلا فلا يكون هناك تعزير ، ويلحق نسب الولد بأمه .

وفي الحالة التي معنا أي المسئول عنها : المرأة حامل في ظل الزوجية ، وقرر الطبيب أن الزوج لا يمكن أن ينجب ، فهل تقاس على حالة من تزوجت صبيا دون التاسعة أو العاشرة ـ حسبما تقدم ـ وحينئذ يأتي في حكمها الخلاف المذكور ونرجح ما رجحناه فيه .

ولكن هل يقف الطبيب مكتوف الأيدي أمام مثل هذه الحالة ؟

أرى أنه يجب على الطبيب أن يصارح الزوج الذي تم فحصه وأيقن الطبيب أنه لن ينجب أبدا ، بحالته ، حتى يكون على بصيرة من أمره ، وحتى يعالج قضيته بما يراه …

وطريقة إخبار الزوج بذلك تترك لحكمة الطبيب كيفيتها ووقتها وأسلوبها ، ولكن يجب أن يخرج المريض بنتيجة واضحة .

وفي إخبار الطبيب له بذلك يكون :

أولا : قد أدى أمانته ، لأنه ما ذهب إليه المريض إلا ليعالجه من مرضه ، ويعرفه داءه ودواءه فعلى الطبيب أن يقوم بواجبه ويؤدي أمانته ، وبخاصة أنه أصبح أمينا عليه ، وعلى مستقبله فيما يمس حالته الصحية .

ثانيا : قد أدى واجب النصح المقرر على كل مسلم لأخيه المسلم ـ كما بينا في موضع آخر من هذه الأبحاث ـ " إن الدين النصيحة …"

ثالثا : أن إخباره بحالته قد يمنع ويحول دون وقوع منكر ، فإن كان هذا المريض غير متزوج فكر ألف مرة قبل الزواج ، وإن كان متزوجا وضع أموره نصب عينيه وراقب نفسه وأهله ، واتخذ ما يلائمه من قرارات نحو زوجته ونحو حملها إن كان حمل ، فإن تطورت الأمور وطلب الطبيب للشهادة وجب أن يؤديها كاملة ، ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) الآية 283 سورة البقرة .

ولا شك أن أمة الإسلام هي أمة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، ولذلك كانت خير أمة أخرجت للناس ، وقد عمل الطبيب على إغلاق باب قد يحدث من تركه مفتوحا شر عظيم .. فكان ناصحا أمينا ، وكان آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ..

وبهذا المسلك لا يكون الطبيب قد أفشى سرا ، ولا قدح في عرض ولا تعرض لأذى غيره أو نفسه .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

الاستفسار الثاني

"وإذا قام الطبيب بعمل مخل بآداب المهنة ، واكتشف ذلك زميل له ، هل يقوم بالإبلاغ وإفشاء السر ؟ "

الواضح من السؤال أن العمل الذي يقوم به هذا الطبيب هو عمل غير مشروع ، إما لأن الشرع قد حرمه ، أو لأن الحاكم قد حظره ، وللحاكم أن يقيد بعض المباحات إذا أدت إلى ضرر .

وبناء على هذا فإن الإجابة على هذا السؤال تستدعي بيان حكم الشرع فيمن رأي منكرا ، فهل يجب عليه دفعه أو لا يجب ؟ كما تستدعي بيان منهج الشرع في دفع هذا المنكر ، وطريقته في معالجة مثل هذه الأمور التي تعكر مسيرة الخير في المجتمع ..

ونعالج هذين الموضوعين فيما يلي :

بيان حكم الشرع فيمن رأى منكرا :

أولا : لقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى ، وأحاديث عن رسول الله r ، كما ورد عن الصحابة والتابعين آثار في ظل هذين المصدرين الكريمين حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنهما من صفات أمة محمد r ، ومنها :

قوله تعالى : ( ولتكن منكم أمه يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) الآية 104 من سورة آل عمران .

وقوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..) الآية 110 من سورة آل عمران .

وفي تقرير أن هذه الصفة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي صفة المؤمنين قال جل شأنه : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) الآية 71 من سورة التوبة .

وفي أن ضدها هي صفة المنافقين قال عز وجل : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ) الآية 67 من سورة التوبة .

كما وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن منها :

ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله r يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله r قال : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه ، فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " رواه مسلم (المختصر : حديث رقم 35 ) .

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص صفات المؤمنين بنصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله r .

ثانيا : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لقد ثبتت فرضيته على كل مسلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله r .

وإذا كان فرضا ، فهل هو فرض عين على كل مسلم كما قاله بعض الفقهاء ؟ فيجب على كل أحد في نفسه أن يقوم به على قدر استطاعته . كفريضة الحج ، فلا يسقط عنه لقيام غيره به ، حكومة أو جماعة أو أفرادا علماء أو جهالا ، بل لابد من أن يباشره كل فرد من أفراد المسلمين إذا كان قادرا عليه ، وحينئذ تكون الآية الكريمة : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير …) قد خرجت مخرج الخصوص مجازا ، كقوله تعالى : ( يغفر لكم من ذنوبكم ) ومعناه يغفر لكم ذنوبكم ، أي أنه يجب أن تدعو الأمة جميعها إلى هذا وتقوم به جميعها .

أو أنه فرض كفاية ـ كما قال فريق آخر من الفقهاء ـ أي أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وإذا لم يقم به أحد أثم الناس جميعا ، كفريضة الجهاد .

وحينئذ تكون " من" في قوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة ..) للتبعيض ـ و "من" حقيقة في التبعيض ـ وذلك يقتضي قيام البعض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون البعض ، فدل ذلك على أنه من فروض الكفاية ، وهذا الظاهر .

وإنما كان هذا هو الظاهر وهو الراجح لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يحتاج إلى صفات خاصة فيه تؤهله لذلك ، وهذا من المتفق عليه ، لأن معرفة المعروف ومعرفة المنكر ، وما يندرج تحت كل منهما أمر يحتاج إلى علم ومعرفة ، كما يحتاج تنفيذ ذلك إلى ضبط وتنظيم ، وقدرة وحماية .

ولقد أفاض الفقهاء في بيان الشروط التي يلزم توافرها ـ واختلفوا في بعضها ـ سواء من حيث الآمر والناهي ـ كاشتراط التكليف ، والإيمان والقدرة ، والعدالة (عند البعض) ، وإذن الإمام ، أو من حيث ما يلزم توافره في المنكر الذي ينهي عنه ، كاشتراط وجوده في حال النهي ، وظهوره ، أو من حيث منهج دفع مقترفه " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) الآية 125 من سورة النحل .

يقول القرطبي : "ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد ، وإنما يقوم به السلطان إذا كانت إقامة الحدود إليه ، والتعزير إلى رأيه ،والحبس والإطلاق له ، والنفي والتغريب ، فينصب في كل بلدة رجلا صالحا ، قويا ، عالما ، أمينا ،ويأمره بذلك ، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة . قال الله تعالى : ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) الآية 41 من سورة الحج .

ثم يقول : " أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه ، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا ينبغي أن يمنعه من تغييره ، فإن لم يقدر فبلسانه ، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك . وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك .. والأحاديث عن النبي r في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة .

ويقول أبو بكر الجصاص في تفسيره لقوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ..) قد حوت هذه الآية معنيين : أحدهما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،والآخر : أنه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل أحد في نفسه ، إذا قام به غيره ، لقوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة ) ، وحقيقته تقتضي البعض دون البعض ، فدل على أنه فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

ثم قال : " إن هذه الآية ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي على منازل : أولها : تغييره باليد إذا أمكن ، فإن لم يمكن وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا أنكره بيده ، فعليه إنكاره بلسانه ، فإن تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره بقلبه .."

وأما قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم …) الآية 105 من سورة المائدة .

فقد ورد في تفسيرها ما رواه أبو داود بسنده عن إسماعيل بن قيس بن أبي حازم ، قال : قال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا أيها الناس إني أراكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإنا سمعنا رسول الله r يقول : " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب " .

ومن هنا يتبين لنا ضرورة أن نأخذ على يد هذا الطبيب الذي يقوم بأعمال تخل بآداب مهنة الطب ،وآدابها كما نعلم جميعا كلها تهدف إلى حماية صحة الإنسان والبعد به عن كل ما يعرضه للأمراض والمخاطر والعمل على إزالة آلام الناس جميعا بروح العطف والمودة والأمانة والشرف ، فإذا خالف ذلك كان مرتكبا لأمر غير مشروع ، ومن هنا وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . كما أمرنا به المشرع الحكيم ، وأقترح أن يكون ذلك على النهج التالي :

منهج الشرع في إزالة المنكر

وفي قمة هذا المنهج يجب أن نضع أمامنا قوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) . الآية 125 من سورة النحل .

وهذا هو منهج الدعوة ، ومنهج مخاطبة الناس ،ومنهج النصح …

فالطبيب الذي خالف آداب مهنته وعلم بأمره زميل له وتأكد من مخالفته وتثبت منها ، أرى أن نتبع في شأنه ما يلي :

أولا : أن نتخذ معه جانب النصح في المرتبة الأولى ، والنصيحة حق لكل مسلم على أخيه المسلم قررته الآيات والأحاديث النبوية الشريفة ومنها :

ما روي عن تميم الداري ـ رضي الله عنه ، أنه قال : قال رسول ـ r ـ " إن الدين النصيحة " قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " رواه مسلم والنسائي وعنده بلفظ : " إنما الدين النصيحة " وأبو داود وعنده قال : " إن الدين النصيحة ، إن الدين النصيحة ، إن الدين النصيحة " الحديث ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة بالتكرار أيضا وحسنه .

وعن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ r : " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، ومن لم يصبح ويمس ناصحا لله ولرسوله ، ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم " .

رواه الطبراني من رواية عبد الله بن أبي جعفر .

أ - فإن كان صديقا له كان نصحه مباشرا ، وإن لم يكن ويعلم صديقا له من الأطباء ، كلف هذا الصديق برسالته .

ب - فإذا لم يستجب للنصح في المرة الأولى ، كرر له النصح مشيرا ـ أو معرضا ـ بأن مثل هذه الأمور لا يحسن السكوت عليها ، أو إخفاؤها ، لما تؤدي إليه من ضرر عام ، بجانب الأضرار الخاصة ، وحديث رسول الله ـ r ـ يقول : " لا ضرر ولا ضرار " فكل ضرر يجب أن يزال شرعا وعقلا ..

ج - وفي المرتبة الثالثة يجب رفع الأمر إلى الجهات المسؤولة لتتخذ إزاءه ما يمنعه وأمثاله من مثل هذه الأعمال المخلة .

وهذا التبليغ هو حق وواجب على من علم بذلك ، بعد استنفاد مرحلة النصح ومرحلة التعريض برفع الأمر إلى الجهات المسؤولة ـ والتصريح ـ درءا للمفاسد من المجتمع ، وتنقية له من الأدران ، وقد ذكرنا آنفا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذكرنا ما حذر منه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في فهم قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) قائلا : " يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها " ، وإنا سمعنا رسول الله r يقول : " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب " .

وهذا المنهج وما أدى إليه من تبليغ للجهات المسؤولة أرى أنه لا يدخل فيما نهى الطبيب عن إفشائه من الأسرار ، فإن السكوت على الضرر ضرر مثله ، والسكوت على المعصية معصية مثلها ، وولي الأمر أو الحاكم في هذا الموطن مثله مثل الأب ، فإن لم نبلغه بأحول أبنائه جنح الأبناء واستعصى تأديبهم ، وانتشر شرهم ، وضيعوا الأب بضياعهم …

ومن هنا رأينا الفقه الإسلامي يبين موقف الدولة من مراقبة أعمال الأطباء ، ومتابعة مسيرتهم ، وتكليف من يراقب ذلك …

جاء في الأحكام السلطانية للماوردي ص 255 في مراقبة أعمال الطبيب : " فأما من يراعي عمله في الوفور والتقصير فكالطبيب والمعلمين ، لأن الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنها بعد الكبر عسيرا ، فيقر منهم من توفر عمله ، وحسنت طريقته ، ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما يفسد به النفوس ، وتخبث به الآداب " .

ومثله ما جاء في الأحكام السلطانية لأبي يعلي ص 302 .

كما وضع الفقه الإسلامي ضوابط تتبع الدولة أعمال الناس ـ عن طريق ذكر واجبات المحتسب ، ففيما يتتبعه من المحظورات ، قالوا : إن المحظورات قسمان : قسم يظهر منها، وقسم لا يظهر ، وقالوا إن ما لا يظهر منها فليس للممحتسب أن يتجسس عنها ، ولا أن يهتك الأستار حذرا من الاستسرار بها ، قال النبي r : " من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله ، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله تعالى عليه " .

كما بينوا أن ما يقع منها وظهر يجب تطبيق الحد أو العقوبة عليه ، كما أنه يلزم المحتسب أن يمنع الناس من مواقف الريبة ومظان التهمة ، فقد قال عليه الصلاة والسلام " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " .

كما بين الفقه الإسلامي أيضا أن ذكر الظالم بما فيه أو الفاسق بما فيه لا يعتبر غيبة لتبصير الناس بظلمه ، أو فسقه .

هذا ما ارجح العمل به في هذا الموطن ، وأرجو أن يكون محققا للغرض الذي ننشده جميعا من حماية مهنة الطب من كل عبث ، وحماية الأطباء من كل زلة ، وحفظ مكانتهم التي وضعوا فيها ، حماة للإنسان ، ورعاة لصحته بكل أمانة وإخلاص .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

الاستفسار الثالث

عن حكم تبليغ أسرة المريض بمرض جنسي

نص السؤال :
" إذا تبين للطبيب أن رب الأسرة أصيب بمرض جنسي ، ما هو موقفه ، هل يبلغ الأسرة أم لا ؟

وللإجابة على هذا الموضوع لزمنا أن نبين :

أ - موقف الشريعة الإسلامية من الأمراض المعدية .

ب - موقف الطبيب الذي يعلم إصابة إنسان بمرض جنسي من تبليغ أسرته ، حتى لا تصاب بهذا المرض .

الأمراض المعدية

وموقف الشريعة من انتشارها

الشريعة الإسلامية شريعة جاءت للحفاظ على كليات خمس ، هي : الدين والنفس ، والمال ،و العرض ، والعقل ، وأحاطت كل واحدة منها بكل رعاية ، وأمدتها بكل صيانة حتى يسير الناس في حياتهم آمنين على دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم .. فتزخر المسيرة البشرية بكل نضج وتنعم بكل تجديد ، وتسعد بكل تطور ، وتجابه أحداث الحياة المتجددة بما تنتجه النفس البشرية الآمنة أمنا مطلقا على كل هذه الكليات من حلول ، وما تضعه من ضوابط في إطار متين ، وتحت ظل كتاب الله الكريم ، وسنة رسول الله r الأمين .

فرعاية النفس البشرية ، وحفظها من كل سوء ، ومدها بكل أسباب البقاء ، وإبعادها عن كل أسباب الهلاك ، هدف مقدر في شرعة الله تعالى ، ومقرر تقريرا تاما .

وصدق الله تعالى القائل : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) . الآية 29 من سورة النساء . والقائل جل شأنه : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) الآية 195 من سورة البقرة . والقائل عز وجل : ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبيات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) الآية 32 من سورة المائدة .

ومن الأحاديث النبوية الشريفة :

قول الرسول ـ r الإنسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه " .

وبخصوص ما جاء في التحرز من الأمراض المعدية ، فقد عقد بعض الفقهاء فصلا لها تحت عنوان : " فصل في هديه r في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها " .

وأرى أن نعرض لموقف الإسلام من هذه الأدواء بغية حصر أضرارها بجانب ما يتخذ من وسائل علاجها :

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن رسول الله ـ r ـ أنه قال بشأن مرض ا" الطاعون " : " إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم ثم بقي بعد بالأرض فيذهب المرة ، ويأتي الأخرى ، فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ، ومن وقع بأرض وهو بها ، فلا يخرجنه الفرار منه " رواه مسلم في صحيحه .

وهذا الحديث واضح في وجوب حصر دائرة المرض والمنع التام من انتشاره بين الناس ، وأنه يجب على المسلمين رعاية ذلك والعمل على تنفيذه ، حتى يندريء شره ، وينحصر خطره .

وهذا ما فهمه صحابة رسول الله r وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ، وقفلوا راجعين إلى المدينة عندما انتشر الطاعون بأرض الشام . وهم على حدودها .

وهذا المسلك يقره قوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) البقرة 195 وقوله عز من قائل : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) النساء /29 .

وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال : " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد " وفي رواية قال أعرابي يا رسول الله ، فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيدخل بينها البعير الأجرب فيجربها ، قال : " فمن أعدى الأول " رواه البخاري ومسلم .

وعن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رسول الله r قال : " لا عدوى " ويحدث أن رسول الله ـ r ـ قال : " لا يورد ممرض على مصح " .

قال أبو سلمة : كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله ـ r ـ ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله " لا عدوى " وأقام على أن : " لا يورد ممرض على مصح " قال : فقال الحارث بن أبي ذباب ( وهو ابن عم أبي هريرة ) : قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه ، كنت تقول : قال رسول الله r " لا عدوى" فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك ، وقال " لا يورد ممرض على مصح " فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة ، فرطن بالحبشية ، فقال للحارث : أتدري ماذا قلت ؟ قال : لا ، قال أبو هريرة : إني قلت : أبيت ، قال أبو سلمة : ولعمري لقد كان أبو هريرة ، يحدثنا أن رسول الله r قال : " لا عدوى" فلا أدري أنسى أبو هريرة ، أو نسخ أحد القولين الآخر . رواه مسلم . إلا أنه في رواية البخاري جزم الراوي بأنه نسي : " قال أبو سلمة : فما رأيناه نسي حديثا غيره " .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال : " لا عدوى و لا هامة ولا نوء ولا صفر"

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : " لا عدوى ولا طيرة ، ولا غول .

ونتناول ما ورد في هذه الأحاديث من جانبين :

الجانب الأول ـ معنى الألفاظ الواردة فيها :

لا عدوى : بالعين المهملة ، والواو المفتوحتين بينهما دال ساكنة أي : لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره ، نفيا لما كان الجاهلية تعتقده في بعض الأدواء أنها تعدي بطبعها . وجملة " لا عدوى " هو خبر أريد به النهي .

ولا طيرة ـ بكسر الطاء المهملة وفتح الياء ـ مأخوذة من التطير ، وهو التشاؤم ، فقد كانوا في الجاهلية يتشاءمون بالسوانح والبوارح ، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم ، فنفاه لإسلام وأبطله ونهى عنه .

ولا هامة ـ بتخفيف الميم ـ على الصحيح ، وحكى تشديدها " وقد كانوا في الجاهلية يعتقدون أن عظام الميت تنقلب هامة تطير ، جاء في الصحاح والهامة من طير الليل وهو الصدى ، والجمع هام ، وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة ، فتزقو عند قبره ، وتقول : اسقوني اسقوني ، فإذا أدرك بثأره طارت ، وقيل : الهامة البومة ، كانت إذا سقطت على دار أحدهم يرى أنها ناعية له نفسه ، أو بعض أهله .. فنفى الإسلام كل ذلك وأبطله ونهى عنه .

ولا صفر ـ بالتحريك : هو الشهر المعروف ، فقد كانوا يتشاءمون بدخوله . ففي سنن أبي داود عن محمد بن راشد : أنهم كانوا يتشاءمون بدخول صفر ، لما يتوهمون أن فيه تكثر الدواعي والفتن ، أي لانقضاء شهر المحرم ، الذي كان يحرم فيه القتال ، فإذا اضطروا إلى القتال فيه أحلوه ، وسموه صفرا ، والذي بعده المحرم ، وهو النسيء المذكور في القرآن ، فصار "صفر" علامة على الشر ،ولذا تشاءموا به ، وقيل الصفر حية في البطن تهيج عند الجوع ، وربما قتلت صاحبها وكانت العرب تراها أعدى من الجرب ، فنهى رسول الله r عن ذلك بقوله : " ولا صفر " .

ولا نوء ـ جاء في مختار الصحاح : " النوء : سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر ، وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما ، ما خلا الجبهة ، فإن لها أربعة عشر يوما ، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها ، وقيل إلى الطالع منها ، لأنه في سلطانه " فنفى ذلك الإسلام وأبطله ونهى عنه .

ولا غول ـ والغول ـ بضم العين في اللغة ـ هو : من السعالي " والجمع أغوال ، وغيلان ،وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه ، فهو غول ، وقد كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات ، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس ، وتتغول لهم تغولا ، أي تلون لهم تلونا ، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم ، فنفى رسول الله r ذلك .

قال الطيبي : في "لا" عدوى … إن "لا" التي لنفي الجنس دخلت على المذكورات ، فنفت ذواتها وهي غير منفية ، فيتوجه النفي إلى أوصافها وأحوالها التي هي مخالفة للشرع ، فإن العدوى وصفر ، والهامة ،والنوء .. موجودة ، والمنفي ما زعمت الجاهلية إثباته ، فإن نفي الذات لإرادة نفي الصفات أبلغ ، لأنه من باب الكناية " .

الجانب الثاني ـ هو كيفية فهم الحديث على ضوء قوله r لا عدوى " ثم قوله : " فر من المجذوم " ثم ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر : " أن رسول الله r أخذ بيد رجل مجذوم ، فأدخلها معه في القصعة ، وقال : " كل باسم الله ، ثقة بالله ، وتوكلا عليه " ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عد الله رضي الله عنهما .

إن الناظر في هذه الأحاديث أن يجزم بما يأتي :

أنه لا تعارض ولا تناقض في هذه الأحاديث على فرض صحتها ، فإن حدث تعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه r ، وقد غلط فيه بعض الرواة ، مع كونه ثقة ثبتا ، أو يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر ، وحينئذ نلتمس تاريخ صدور الحديث ..لمعرفة الناسخ من المنسوخ .. ومعاذ الله أن يقع تناقض في كلام من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ..

أما من ناحية قوة الأحاديث وضعفها ..فقد ذكر الراوي أن أبا هريرة قد نسي ما حدث به من قوله r لا عدوى .." وكان يحدث بقوله " لا يورد ممرض على مصح " كما ببناه آنفا .

وأما حديث جابر وعبد الله بن عمر أن النبي r أخذ بيد رجل مجذوم ..، فقد قيل إنه حديث " لا يثبت ولا يصح " وغاية ما قال فيه الترمذي أنه غريب لم يصححه ولم يحسنه ، وقد قال شعبة وغيره : اتقوا هذه الغرائب . قال الترمذي ويروي هذا من فعل عمر ، وهو أثبت ـ فهو حديث ضعيف .

وقد ورد في صحيح مسلم : "عن الشريد قال : كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي r : " إنا قد بايعناك فارجع " .

ومن هذا يتبين لنا ما يلي :

أ - قوله r : " لا يورد ممرض على مصح " هو حديث صحيح وأنه لا ينافي ما جاء من قوله
r : " لا عدوى .." في بعض الروايات التي جمعت بينهما (لا عدوى .. لايورد " .. أو يبين لنا معنى حديث " لا عدوى .." على الرواية التي لم يرد فيها " لا يورد ممرض على مصح " وهذا المعنى هو :

ب - إن المراد بنفي العدوى نفي أن شيئا من الأمراض يعدي بطبعه ردا على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية من أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله تعالى .. وقد يكون ما ورد ـ إذا صح ـ من أكله عليه السلام مع المجذوم هو بيان لهم أن الله تعالى هو الذي يمرض ،وهو الذي يشفي ( وإذا مرضت فهو يشفين ) في الحقيقة .

ج - إن الإنسان مطالب بالأخذ بالأسباب الظاهرة ، دون الباطنة ، فما خفى علينا لا ننيط به الأحكام ،وإنما ننيطها ونربطها بما ظهر لنا وانكشف ولانضبط .. ومن هنا كان نهيه r عن الدنو من المجذوم ، ونهيهم أن يورد ممرض على مصح ، ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها ، ففي نهيه r إثبات الأسباب ، وفي فعله r إشارة إلى أن هذه الأسباب لا تستقل باستتباعها المسببات ، بل الله تعالى هو الذي إن شاء سلبها قواها ، فلا تؤثر شيئا ، وإن شاء أبقاها ، فأثرت .

د - إن قوله r : " وفر من المجذوم كما تفر من الأسد " تعبير رائع ، وبيان في أوج قمة البلاغة ، فقد احتوى على أمور نقتبس من هديها بعضا مما هدانا الله إليه:

1 - أن الجذام مرض معد ، وهذا المرض يجب علينا أن نبتعد عمن أصابه خشية العدوى ، وفي روعة البيان يأمر الرسول r لا بالابتعاد منه ، ولا بتجنبه ، ولكن يقول فر منه ، ومن مخالطته ، كما تفر من الأسد ، فكما تخشى الأسد وتخاف منه الهلاك ، يجب أن تخشى هذا المرض وتخاف منه حتى لا يصيبك المرض ..، أي أنه يجب الحذر والحيطة والخشية من الأمراض المعدية ، وفي هذا صيانة للأمة وحفظ لصحتها .

2 - أن الجذام هو أحد صور الأمراض المعدية ، يقاس عليها كل مرض معد ، وقد قال الفقهاء إنه يقاس عليه السل ، والدق ،والنقبة . ونقيس عليه أيضا كل مرض يقدر الأطباء أنه من الأمراض المعدية ، ففي هذه الحالة " لا يورد ممرض على مصح " .

3 - أن المريض بمرض معد ، عليه أن يتجنب الأصحاء ، حتى لا يعذبهم ، وكذلك أيضا على الأصحاء أن يتجنبوا مخالطة المرضى بمرض معد حتى لا يصيبهم ، ولا يترتب على ذلك انتشار المرض .

4 - إن كل ما يؤدي إلى انتشار الأمراض ، أو إصابة الأصحاء بأمراض ، هو أمر ممنوع ومحظور شرعا ، لأنه يعرض النفس للهلاك ، وتعريض النفس للهلاك منهي عنه شرعا لقوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) البقرة / 195 وقوله جل شأنه : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) النساء / 29 وللأحاديث التي أوردناها آنفا .

5 - إنه من أجل توقي انتشار الأمراض المعدية وحصر ضررها وحسر مدها وانتشارها يجب على الأطباء أن يعلموا المرضى بنوع مرضهم ـ تصريحا أو تلويحا وتعريضا حسبما تقرره حكمة الطبيب ودرايته بحالة مريضه النفسية والصحية والاجتماعية ـ وأنه يجب عليهم اتباع تعليمات محددة ، وميسرة واضحة .

6 - كما أنه يجب أن يعلموا الأجهزة المسئولة في الدولة عن الأمراض المعدية ، ويقصد بها ما يكون انتقالها إلى الغير سريعا ، ويعم خطرها ..

7 - أن بعض الأمراض المعدية والتي تتصل بالجهاز التناسلي ، والتي لها أبعاد كثيرة ، سواء من ناحية العلاقة بين الزوجين ، أو من ناحية انتقال المرض إلى الزوجة أو إلى حملها ..

في هذه الحالة أرى أن تخبر الزوج بما عنده ( تصريحا أو تعريضا حسبما تقتضيه حكمة الطبيب كما سبق بيانه ) ثم نخبر الزوجة أيضا ( تصريحا أو تعريضا ـ أيضا ـ ) .

وفي هذه الحالة يكون الطبيب قد أدى حق الله عليه ، لأنه بجانب أمانته على أسرار مرضاه هو أمين أيضا على صحة من يعلم أنهم يضارون بهذا المرض ، ولا بد من أن يكون علمه هنا يرقى إلى درجة اليقين أو يقاربها .

فمهمة الطبيب ومهنته رائدها سلامة المريض من مرضه ، ورائدها العمل على أن يكون الناس جميعا في صحة وارفة ، وعافية محققة ، وفي سبيل هذا الهدف يقف الطبيب أمام أي مرض معد حاجزا منيعا يحول بين هذا المرض ، وبين من يخاف عليهم من الإصابة به سواء كان زوجا وزوجه أو أبا أو أبناء أو أسرة أو أسرا ، إلى أن يعم الدولة جميعها .

وإن الذي يؤيد ذلك في الفقه الإسلامي أن الفقهاء ، كما أوجبوا على الإنسان الدفاع عن نفسه وعن ماله وعن عرضه .. وأباحوا له في سبيل ذلك النيل من الصائل ، أي الذي يبغي شيئا من ذلك دون وجه مشروع ، حتى ولو أدى ذلك إلى قتله إذا خيف هتك حرمات الله تعالى .

أوجبوا أيضا على من رأى شيئا من ذلك أن يدافعه ، ويبعده عن النيل من نفس الغير أو عرضه أو ماله …

فهل يقف الطبيب أمام خطر يهدد صحة إنسان بريء دون أن يحول بينه وبين هذا الخطر ، وقد يكون هو الشخص الوحيد العالم بذلك .. ومن ثم كان واجبا عليه أن يدفع هذا الشر إنقاذا لنفس من مرض معد أو نفوس .

وأيضا من ناحية أخرى وأخيرة ، فإننا إذا قارنا بين سكوت الطبيب عن الإبلاغ عن هذا المرض على الوجه الذي بيناه ، وبين تبليغه الزوجة أو من ماثلها على النحو الذي بيناه ـ وجدنا أن ما فعله الطبيب هو الواجب شرعا وعقلا ، وما سكت عنه ممنوع شرعا وعقلا ، حتى لا يقع الناس في المهلكة ، وبمقدورنا أن ننقذهم وننجيهم من هذا الشر .

والقاعدة الفقهية تقول : " اتباع خير الخيرين مطلوب ، واجتناب شر الشرين فيه مرغوب " .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .