|
بيع الأعضاء الآدمية تمهيد في تحديد مجال البحث وخطته : غاية هذا البحث هي التوصل إلى معرفة الحكم الشرعي للبيع الذي يرد على عضو من أعضاء الإنسان . والحكم على بيع من البيوع من حيث الانعقاد وعدمه ، ومن حيث الصحة والبطلان ومن حيث الحل والحرمة يتوقف على مدى توفر الشروط التي يتطلبها الشرع في البيع ، والتي استنبطها الفقهاء المسلمون من النصوص والقواعد الشرعية . وشروط البيع كثيرة ، منها ما يتعلق بطرفي العقد (البائع والمشتري) ، ومنها ما يتعلق بركن (الإيجاب والقبول ) / ومنها ما يتعلق بالمعقود عليه وهو المبيع . وليس مجال البحث في هذه الشروط كلها ، فسوف نستبعد منه كل شرط يتصور تحققه في بيع الأعضاء الآدمية بلا خلاف ، إذ لا حاجة للبحث في شروط الطرفين جميعها ، ولا في شروط الركن ، ولا في كثير من الشروط التي تشترط في المعقود عليه ، مثل شرط الوجود وشرط المعلومية ، وشرط القدرة على التسليم ، وشرط الخلو من الشروط الفاسدة ، فإن جميع هذه الشروط يمكن تحققها في بيع الأعضاء الآدمية بلا خلاف . غير أن الشرط الذي ينبغي أن يدور معظم البحث حوله ، ويستحوذ على معظم النقاش هو ما اشترطه الفقهاء في المعقود عليه (المبيع) من أن يكون مالا متقوما ، فقد اشترطه الفقهاء لانعقاد البيع وصحته وترتب آثاره عليه ، ولم يخالف أحد منهم في ذلك ، وإن اختلفوا في تطبيقاته . وهذا يقتضي البحث في معنى هذا الشرط من جهة ، وفي التطبيق الفقهي القديم له على بيع أجزاء الآدمي من جهة أخرى . وهنالك أمر آخر لا علاقة له بشروط البيع ، ولكن لا ينبغي إغفاله في معرض البحث عن حكم بيع الأعضاء الآدمية ، وهو أن هذا البيع ـ في الغالب ـ لا يتم إلا بضرر يلحق البائع في جسده ، فهل يجوز شرعا للإسلام أن يقبل إيقاع الضرر في جسده ليحصل على مقابل مادي أو غيره ؟ هذه هي المسائل التي يدور حولها البحث وسنتناولها ـ إن شاء الله تعالى ـ في أربعة مباحث وخاتمة ، وهي : المبحث الأول : معنى شرط المالية والتقوم
عند الفقهاء . الخاتمة : في نتيجة البحث . المبحث الأول عرف ابن قدامة البيع بأنه ( مبادلة مال بمال تمليكا وتملكا ) وعرفه صاحب الدر بقوله ( البيع هو مبادلة شيء مرغوب فيه بمثله ) ، وفسره ابن عابدين بأن الشيء المرغوب فيه هو ما من شأنه أن ترغب إليه النفس وهو المال . واتفق الفقهاء على أنه يشترط في المبيع أن يكون مالا متقوما ، ولم يختلفوا في هذا الشرط ، ولكن اختلفت أساليبهم في التعبير عنه ، ويمكن تصنيفهم في ذلك إلى ثلاثة اتجاهات : الاتجاه الأول : وعبر أصحابه عن هذا الشرط بما تقدم ، وميزوا بين مفهوم المالية ومفهوم التقوم ، فجعلوا المفهوم الأول أمرا عائدا إلى الاعتبار الإنساني . وجعلوا مفهوم التقوم أمرا عائدا إلى الاعتبار الشرعي فالمال عند أصحاب هذا الاتجاه كل موجود يميل إليه طبع الإنسان ، والمتقوم كل مال أباح الشرع الانتفاع به فالمالية عند هؤلاء شرط في التقوم ، وليس العكس ؛ فالخمر مال عندهم ولكنه ليس متقوما ، والميتة عندهم ليست مالا ليست متقومة . ومن تعريفاتهم للمال قول بعضهم ( هو ما يميل إليه طبع الإنسان ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة ) ، وقول بعضهم ( هو ما يميل إليه الطبع ويجرى فيه البذل والمنع ) ،وقول آخرين ( المال اسم الآدمي مما خلق لمصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار ) . الاتجاه الثاني : وهو الاتجاه الذي اكتفى أصحابه في التعبير عن هذا الشرط بأن يكون المبيع مالا ، ولم يذكروا التقوم ، وليس إغفالهم لذكر التقوم لأنهم لا يشترطونه في البيع ، ولكن لأنهم يرون أن مفهوم المالية يتضمن معنى التقوم . فالمال عندهم كل شيء منتفع به حقيقة ، ومباح الانتفاع به شرعا في غير حالات الضرورة ، فلا يسمى مالا ما ليس فيه نفع للإنسان ولا يسمى مالا ما فيه نفع حرمه الشارع ، وإن أباحه في حالة الضرورة . الاتجاه الثالث : لم يعبر أصحاب الاتجاه عن الشرط المذكور بالمالية ولا بالتقوم ولكنهم اشترطوا في المبيع أن يكون شيئا طاهرا منتفعا به انتفاعا شرعيا حالا أو مآلا ، فاكتفوا بذكر عناصر المالية عند أصحاب الاتجاه الثاني ، ولم يكترثوا بإطلاق اسم المال عليها ، وهو اختلاف شكلي كما يرى . ومن مجموع ما تقدم يتبين أن وصف المالية والتقوم في المبيع عند الفقهاء لا يتحقق إلا بتوافر الشروط الآتية : 1 - أن يكون شيئا منتفعا به في الواقع ، أي يستطيع الإنسان أن ينتفع به في وجه من وجوه مصالحه ، كالأكل والشرب واللبس والتزين والتنقل والتداوي وغير ذلك . ونفع كل شيء بحسب طبيعة خلقته ، يقول قليوبي ( ولا يخفى أن نفع كل شيء بحسبه ، فنفع العلق بامتصاص الدم ، ونفع الطاووس بالاستمتاع برؤية لونه ونفع العندليب باستماع صوته ، ونفع الهرة بصيد الفأر ، والقرد بالتعليم وأما الأشياء التي لا ينتفع بها ، ولا تقضي بها أية مصلحة من مصالح الإنسان فلا يجوز بيعها قولا واحدا . ومن الطبيعي أن يلحق بهذه الأشياء ماله نفع في حقيقة الأمر ولكن الإنسان لم يكتشف هذا النفع . 2 - أن يكون الشرع قد أباح الانتفاع به في وجه من وجوه الانتفاع لغير ضرورة. ولا يشترط لتحقق ذلك أن يكون الشرع قد أباح الانتفاع به في كل وجوه الانتفاع التي يصلح لها بحسب خلقته ، ولكن يكفي أن يكون قد أباح الانتفاع به في وجه واحد ، كالكلب أباح الانتفاع به للصيد والحراسة ، ولم يبح الانتفاع به للأكل أو الزينة أو غير ذلك . ولكن لا يكفي لتحقق هذا الشرط أن يكون الشرع أباح الانتفاع به في حالة الاضطرار ، كالخمر والميتة ومن مقتضيات هذا الشرط : أ - أن يكون المبيع طاهرا ، فإن كان نجسا كان البيع باطلا ومحرما ، كالخنزير والميتة وعضو الحيوان المقطوع في حياته ؛ لأنه ميتة ، وغير ذلك . ب - أن لا يكون مما لا يستعمل إلا في المحرم ، كالأصنام والتماثيل التي لا يستفاد من مادتها ، وآلات اللهو التي لا فائدة منها إلا في اللهو الحرام ، ونحو ذلك. ج - أن لا يكون مكرما تكريما ينزهه عن البيع والتملك والتداول ، كالإنسان الحر وكالمصحف عند فريق من الفقهاء . د - أن يمكن تملكه من غير إهدار حق الله عز وجل أو حق الآدمي ، وقد أشار إلى هذا المعنى فقهاء المالكية ، ومثلوا لما لا يمكن تملكه إلا بإهدار حق الله تعالى بالمساجد والبيت الحرام ومثلوا لما لا يتصور تملكه إلا بإهدار حق الآدمي بالإنسان الحر . 3 - أن يكون عينا مادية ، وهذا الشرط اختص به فقهاء الحنفية ؛ فالبيع عندهم لا يقع إلا على الأعيان المادية ، ولا يقع على المنافع . وقد حرصوا على إبراز هذا الشرط في تعريفهم للمال كما تقدم . ولكن الفقهاء الآخرين لا يرون هذا الشرط في المبيع ولا في تحقق مفهوم المالية . المبحث الثاني أجمع الفقهاء على حرمة بيع الإنسان الحر وبطلانه ، ولم يعتبروه مالا لما صح عن رسول الله r أنه قال ( قال الله عز وجل ) : " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا وأكل ثمنه : ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " . ولا يرجع نفي المالية عنه عند الفقهاء إلى عدم المنفعة ؛ ذلك أن منافع الإنسان كثيرة ، ويجوز مبادلتها على سبيل الإجازة كما هو معلوم ، ولكن سبب ذلك يرجع إلى معان أخرى أشار إليها الفقهاء في مصنفاتهم : أ - فمنهم من أرجع السبب إلى تكريم الله عز وجل لابن آدم ؛ حيث قال سبحانه وتعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم ) ، وتكريمه بما خص به من العقل الذي هو مناط التكليف ، ولأنه سخرت له المخلوقات الأخرى . واعتباره ما لا يملك ويتداول ، يتنافى مع هذا التكريم ؛ لأن ذلك يشعر بالابتذال والإهانة . يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى ( والآدمي مكرم شرعا وإن كان كافرا ؛ فإيراد العقد عليه وابتذاله به ، وإلحاقه بالجمادات إذلال له وهو غير جائز ) . وهذا التكريم لا يفارق الإنسان ، لا باختياره ولا رغما عنه ، وإنما يفارقه بسبب واحد هو الكفر إذا اجتمع معه محاربة الإسلام والوقوع في الأسر ، فتنزع عنه الكرامة عندئذ بإذن الشارع ، ويصبح مالا يباع ويشترى . ب - وذهب فريق من الفقهاء إلى أن سبب ذلك هو عدم قابلية الإنسان الحر للدخول في ملك غيره ؛ لأنه أحق بنفسه من غيره ، وإدخاله في ملك غيره إهدار لحقه . ولا يرد على هذا أنه يملك نفسه ، فله التنازل عنها ؛ لأن العاقد لا يتصور أن يكون معقودا عليه ، والبائع لا يتصور أن يكون مبيعا في آن واحد . وأما بيع غيره له فهذا لا يتصور شرعا أيضا ، لأن الإنسان ليس له أن يبيع ما لا يملك ، والحر غير داخل في ملك أحد . ج - وذهب فريق آخر إلى أن السبب يعود إلى أن اعتبار الإنسان مالا يتنافى مع حريته الثابتة له شرعا ، لأن هذا الاعتبار يجعله قابلا للبيع والتملك ، وهو يتناقض مع حقه في الحرية ، ويمنعه من التصرف فيما أباح الله له . وأما أجزاء الآدمي : فقد أجمع الفقهاء على أنها ليست بمال من حيث الأصل ، ولا يصح أن تكون محلا للبيع ، ولم يختلفوا إلا في لبن المرأة إذا حلب ، فأجاز جمهورهم بيعه ومنه علماء الحنفية . وسبب اختلافهم فيه لا يرجع إلى اختلافهم في الأصل الذي أجمعوا عليه ، ولكن سببه هو اختلافهم في تعليل ذلك الأصل ، فقد اختلفوا في تحديد علته على الأقوال الآتية : 1 - فذهب فقهاء الحنفية إلى أن علة تحريم بيع أجزاء الآدمي يرجع إلى معنى التكريم الذي خص الله تعالى به الإنسان ، وقاسوا كل جزء من أجزائه علـى ذاته ، فالتكريم عندهم يعم الإنسان وكل جزء من أجزائه ، ولا ينفك عن أي منها ، ولذلك لم يستثنوا أي جزء من أجزاء الإنسان من بطلان البيع وحرمته ، وإن أمكن الانتفاع به في وجه من وجوه الانتفاع . ومما نصوا على بطلانه وحرمته بيع شعر الآدمي وعظمه وجلده ولبن المرأة إذا حلب ؛ يقول المرغيتاني ( ولا يجوز بيع شعور الإنسان ولا الانتفاع بها ، لأن الآدمي مكرم لا مبتذل ، فلا يجوز أن يكون شيء م أجزائه مهانا ومبتذلا 2 - وذهب جمهور الفقهاء إلى علة تحريم بيع الأعضاء الآدمية هي أنها إذا قطعت وفصلت عن جسد الإنسان صارت عديمة النفع ، أو صار من غير الممكن الانتفاع بها بأسلوب يبيحه الشرع ؛ فلا يمكن اعتبارها مالا ، لما تقدم من أن الشيء لا يعتبر مالا إلا إذا كان منتفعا به حقيقة ومباحا الانتفاع به شرعا لغير ضرورة في وجه من الوجوه . ولم أجد من هؤلاء من علّل حرمة بيع الأعضاء الآدمية بالتعارض مع مبدأ تكريم الإنسان . ولذلك فإنهم عندما وجدوا جزءا من الآدمي يمكن الانتفاع به إذا فصل عن صاحبه في وجه من الوجوه المباحة ، قالوا بجواز بيعه ، خلافا للحنفية ، ألا وهو لبن الآدمية إذا جلب منها ، فقد أجاز بيعه المالكية والشافعية والحنابلة في القول الراجح عندهم : وحجتهم أنه طاهر ومنتفع به ، وقد أباح الشارع شريه لغير ضرورة ، فيكون مالا يجرى فيه البيع لتحقق عنصري المالية فيه ، وهما الانتفاع به في الواقع ، وإباحة الشرع لهذا الانتفاع . وقد عبر ابن قدامة عن هذا الاتجاه بما يحسن إثباته هنا ، فقد قال ( فأما بيع لبن الآدميات ، فقال أحمد أكرهه ، واختلف أصحابنا في جوازه ، فظاهر كلام الخرقي جوازه لقوله " وكل ما فيه منفعة " وهذا قول الشافعي ، وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه ، وهو مذهب أبي حنيفة .. لأنه مائع خارج من آدمية فلم يجز بيعه كالعرق ، ولأنه جزء من آدمي فأشبه سائر أجزائه ـ ثم قال ابن قدامة: والأول أصح ، لأنه لبن طاهر منتفع به ، فجاز بيعه كلبن الشاة ، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر ، فأشبه المانع ، ويفارق العرق ، فإنه لا نفع فيه ، ولذلك لا يباع عرق الشاة ، ويباع لبنها … وإنما حرم بيع الحر ، لأنه ليس بمملوك وحرم بيع العضو المقطوع ـ منه ـ لأنه لا نفع فيه ) . المبحث الثالث مما تقدم يتبين أن كلمة الفقهاء متفقة على بطلان بيع أي جزء من أجزاء الإنسان ، عدا لبن المرأة ، إما لكرامة الآدمي بجميع أعضائه . وإما لعدم تصور الانتفاع بها في حالة انفصالها عنه . ولا جدال في سلامة منهجهم فيما ذهبوا إليه ، باعتبار تصورهم عن أبعاد هذا الموضوع ، فإن من المسلمات أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، ولم يكن في تصورهم إمكان الانتفاع بأي عضو آدمي مفصول عن الجسد في مصلحة معتبرة . كما لم يكن في تصورهم إمكان الانتفاع به على وجه ليس فيه مساس بكرامة الإنسان . ولتقريب الصورة فإننا لو فرضنا أننا نعيش في عصر كعصرهم ، لم يعرف فيه نقل الأعضاء الآدمية من إنسان إلى إنسان آخر ، ولا زرعها ، ولا حتى نقل الدم وفوائده الخطيرة ، ولا يخطر ببال أحد ، لا عالم مختص ولا غيره ، احتمال الانتفاع من أي عضو مفصول عن الجسد الإنساني في علاج أي نوع من أنواع المرض ، فإذا يا ترى تكون الوجوه المتصورة للانتفاع بكلية أو عين أو دم أو نخاع أو عظم أو جلد أو غير ذلك من أجزاء الإنسان ؟ . إن الانتفاع بأحد هذه الأجزاء الآدمية بمثل الوظيفة التي خلقها الله لها ، بحيث يمكن نقلها لتكون في خدمة نفس جديدة غير النفس التي خلقت لخدمتها ، وليكون ذلك سببا في إنقاذ هذه النفس الجديدة من الهلاك ، إن مثل هذا الأسلوب في الانتفاع بالأعضاء الآدمية لم يكن واردا ، لا في حسبان علمائنا القدامى ، ولا في مخيلاتهم ، ولو تخيلوه لافترضوا وقوعه ، ولأدلوا بدلوهم في استنباط حكمه . وجملة ما تعرضوا للبحث في حكم بيعه من أجزاء الإنسان شعره وعظمه وجلده ، ولبن المرأة ، كما تقدم : فأما شعره ، فمع تصورهم لإمكان الاستفادة منه في التزين ، إلا أنهم نصوا على حرمة بيعه ، لورود نص شرعي خاص يمنع من ذلك ، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام ( لعن الله الواصلة والمستوصلة ) . أما عظمه وجلده فقد أجمعوا على تحريم بيعهما لعدم إمكان الانتفاع بهما إلا بأساليب تتعارض مع ما جعل لابن آدم من التكريم والاحترام . وأما لبن المرأة فقد تقدم أن جمهور الفقهاء أجازوا بيعه ؛ لأنه طاهر منتفع به ولم يروا في ذلك أي تعارض مع الكرامة الإنسانية . هذا هو جميع ما تعرض له الفقهاء القدامى من الأعضاء التي يمكن أن يرد عليها البيع ، وذكروه بالتخصيص ، ولم يرد في أذهانهم غير هذا ، إذا من الطبيعي أن تنبني اجتهاداتهم على تصوراتهم في هذه المسألة ، وقد كان من أبعد ما يكون عنها احتمال إقدام بشر على بيع كلية آدمية أو دم أو عين أو غير ذلك من الأعضاء ، لعدم ورود أي احتمال لقيام أية حاجة إلى هذه الأعضاء في عصر لم يعرف فيه أي شيء عن نقل الأعضاء وزرعها ، ودوره الفعال في إنقاذ المرضى . أما اليوم فالأمر غدا مختلفا جدا ، فقد حدث من المستجدات العلمية الطبية ما يدعوا إلى إعادة النظر في المبررات التي استند إليها الفقهاء عند الحكم بتحريم بيع الأعضاء الآدمية وبطلانه . فمن حيث إمكان الانتفاع بها وحاجة الإنسان إليها لم يعد هنالك أي جدل في هذا الأمر ، بعد أن نجحت في الواقع العملي عمليات نقلها وزرعها وإنقاذ كثير من الناس من هلاك محقق . وأما شرعية هذا الانتفاع فالظاهر أن الاجتهاد الفقهي الإسلامي المعاصر قد حكم بذلك ، عندما أجاز التبرع ببعض الأعضاء لغرض زرعها فيمن يحتاج إليها ، لأن الحكم بجواز التبرع بشيء لغرض معين هو حكم بمشروعية الانتفاع بهذا الشيء في هذا الغرض . ولكن يبقى التساؤل عن مدى تعارض بيع الأعضاء الآدمية مع ما جعل للإنسان من الكرامة والاحترام . وأغلب الظن عندي أن بيع أعضاء الإنسان لغرض الربح والتجارة وعلى سبيل التداول ولمجرد الكسب المادي ، هو الذي يشعر بالإهانة ويتعارض مع مبدأ الكرامة الإنسانية ، وكذلك بيعها لغرض استعمالها في غير الغرض الذي خلقت من أجله . وأما إذا بيعت لغرض أي بوضعها في موضع تقوم من خلاله بالوظيفة نفسها التي وظفها ربها فيها عندما خلقها ، ولم يكن بيعها بغرض التجارة والكسب المادي ، إذا كان البيع في هذه الحدود وبهذه القيود فلا إهانة فيه ولا تعارض مع كرامة ابن آدم : فهل هناك أي معنى من معاني الاحتقار والإذلال في نقل كلية إنسان أو بعض دمه إلى إنسان آخر تتوقف حياته على هذا النقل ـ بإذن الله عز وجل ـ حتى وإن أخذ صاحب العضو المنقول بدلا ماليا ؟ نعم قد يقول قائل : إن البيع ينقل ملكية المبيع إلى المشتري ، وملكية الثمن إلى البائع ، وحق الملكية حق عيني يمنح صاحبه في جميع أنواع التصرف من استغلال وبيع وهبة ورهن وإعارة ونحو ذلك ، وكل ذلك مما يتنافى مع كرامة الإنسان كما قررت . والجواب عن هذا أن حق الملكية إنما يمنح صاحبه الانتفاع بما يملك على الوجه الذي يصلح له ، ويأذن به الشرع ، وليس كل انتفاع بإطلاق ، فمن ابتاع دابة لا يجوز شرعا أن يتصرف فيها بالقتل والإهلاك بدون سبب موجب ، ومن اشترى عنبا ليس له أن ينتفع به باستخراج الخمر منه ، ومن اشترى كلبا أو هرة أو حمارا لم يكن له شرعا أن ينتفع بهذه الحيوانات بالأكل .. وهكذا . وكذل فإن الذي يشتري عضوا آدميا يكتسب حقا عليه بالانتفاع به ، ولكنه حق مقيد بالمشروعية ، ولا شك في أن استعمال هذا العضو في غير ما خلق له ، أو تداوله والاتجار به يعتبر حراما ، لأنه يتنافى مع مبدأ كرامة الآدمي المقرر شرعا. ولا يبيح هذا الحق المكتسب على العضو المبيع لمبتاعه سوى استعماله فيما لا يحرمه الشرع ، وينحصر في الانتفاع به بمثل المنفعة التي جعلها الخالق للعضو عندما خلقه في صاحبه . وهذا القيد مصدره الشرع ، ولا يحتاج إلى اشتراط البائع . نعم يحرم على الإنسان بيع الشيء لمن يعلم أنه لا يستعمله إلا في الحرام أو يغلب ذلك على ظنه ، كمالك العنب يحرم عليه أن يبيعه لمن يعلم أنه لا يستعمله إلا في استخراج الخمر منه ، ويحرم بيع الكلاب لمن لا يستعملها إلا في الأكل أو في بيعها لحما للناس لغرض الأكل . وكذلك يحرم على الإنسان أن يبيع عضوه لمن يعلم أن سيستعمله في التجارة والربح وما فيه إهانة لكرامة الآدمي . ومن جهة أخرى فإن قياس بيع العضو الآدمي على بيع الحر في التحريم قياس مع الفارق ، وذلك أن بطلان بيع الحر سببه ـ كما تقدم ـ تنافى هذا البيع مع كرامة الآدمي من جهة ، وإهدار حقه الثابت شرعا من جهة أخرى . وهذان المعنيان منتفيان في بيع العضو ، فلا قدح في الكرامة إذا بيع العضو لاستعماله فيما خلق له من غير طلب الكسب المادي ، وإنما بهدف إنقاذ مريض من الهلاك ، والحر لا يباع من أجل هذا الغرض . كذلك فإن بيع الآدمي لعضو من أعضائه لا يتنافى مع حريته ، فمن باع جزءا من دمه أو باع كليته لا يفقد شيئا من حريته . ومن جهة ثالثة فإن قياس العضو الآدمي المفصول حال الحياة على العضو الحيواني المقطوع حال الحياة قياس مع الفارق أيضا ، لأن الفقهاء إنما رأوا تحريم وبطلان بيع العضو الحيواني في هذه الحالة ، لعدم طهارته ، ، لأنه ميتة ، وميتة الحيوان نجسة . وأما الآدمي فهو طاهر على كل حال ، وعضوه كذلك طاهر سواء أكان مفصولا عنه أم غير مفصول ، وقد رجح الكاساني هذا في معرض رده على من علل تحريم بيع شعر الإنسان وعظمه بنجاسته ، واكتفى بالتعليل بتنافي ذلك مع كرامة الآدمي وكرامة أعضائه . كذلك ناقش هذا الموضوع بعض الفقهاء المالكية وغيرهم ؛ حيث أجازوا بيع لبن الآدمية وردوا هذا القياس ، كما ردوا مبرر التنافي مع شرف الآدمي بأن هذا اللبن طاهر ونافع ، وبما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها بعثت بلبنها إلى رجل كبر ليشرب منه ، ويصبح محرما عليها . فلو كان نجسا أو كان ذلك متعارضا مع شرف الآدمي لأنكر عليها الصحابة هذا الصنيع ، ولكن أحدا منهم لم ينكر عليها ، فدل ذلك على جواز الانتفاع به ، ولو لغرض التحريم ، مع أنه ليس فيه ضرورة. نتيجة مناقشة الفقهاء القدامى : وأغلب الظن أنهم لو عرفوا نقل الدم الإنساني وفوائده ، كما عرفه أهل هذا العصر لجرى بينهم من الخلاف في بيعه مثلما جرى في بيع لبن المرأة . المبحث الرابع لو أن الأمر اقتصر على تلك المعاني والمبررات التي يجعلها الفقهاء سببا لتحريم بيع الأعضاء الآدمية ، لكان من الممكن أن ننهي النقاش حول هذه المسألة بترجيح القول بصحة بيع العضو الآدمي ببعض الشروط ، بعد ما تبين إمكان إجراء هذا البيع دون مساس بتلك المعاني . غير أن هنالك أمرا آخر لم يتعرض له الفقهاء أثناء بحثهم لهذا الموضوع ، وهو أن بيع الإنسان لعضو من أعضائه وهو على قيد الحياة ، يترتب عليه في كثير من الأحيان الإضرار بنفسه بصورة من الصور ، وفقدانه لجزء من لياقته الصحية على الأقل . وإنما لم بتعرض الفقهاء لهذا الأمر اكتفاء منهم بالمبررات والأخرى من جهة ، ولعدم وجود ما يستدعى إثارته في عصرهم من جهة أخرى . أما وقد جد من الإنجازات الطبية ما أمكن معه ممارسة بيع الأعضاء دون مساس بالمباديء التي ذكرها الفقهاء ، فإن البحث في حكم هذا البيع لا يكون تاما ولا دقيقا إلا بمعرفة رأي الشرع فيمن يبيع جزءا من أجزائه ويضحي بشيء من كفاءة جسده في مقابل مادي . ونرى أنه لا بد في هذا الموضوع من
التمييز بين عدة صور : ب - أغلب الظن عدم حرمة بيع جزء من الدم الآدمي إذا كان صاحبه معافى ولا يتأثر بأخذه منه ؛ حيث لا يترتب عليه في هذه الحالة أية مفسدة لجسمه . كما يمكن قياسه على لبن الآدمية الذي أجاز بيعه جمهور الفقهاء . ج - وأما بقية الأعضاء فهي متفاوتة في منافعها الخلقية والمفاسد التي تترتب على قدها ، وينبغي أن ينظر في حكم بيعها إلى القاعدة التي تحكم تعارض المفاسد والمصالح الإنسانية ،وهي اتباع أهون الشرين إن لم يمكن دفعها معا . وتحمل المفسدة الدنيا في سبيل دفع المفسدة العظمى ؛ يقول العز بن عبد السلام ( إذا اجتمعت مصالح ومفاسد ، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا امتثالا لأمر الله فيهما ؛ لقوله سبحانه وتعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) . وإن تعذر الدرء والتحصيل ، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبال بفوات المصلحة . ومن تطبيقاته على هذا المبدأ قوله ( ويجب شق جوف المرأة على الجنين المرجو حياته ، لأن حفظ حياته أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة أمه ) وقد اعتبر المفسدة المتوقعة بأغلبية الظن في حكم الناجزة المحققة ، فإذا غلب وقوع المفسدة ولو في المال جعلت كالمفسدة الواقعة . وبناء على هذا المبدأ نرى أنه يحرم على الإنسان أن يبيع عضوا من أعضائه الذي يترتب على فقده عاهة للجسم كبيع العين مثلا في سبيل الكسب المادي وزيادة المال وتقوية التجارة ، أو في سبيل الشهرة ، ونحو ذلك من الغايات ولكن يجوز بيعها إذا كان ذلك من أجل دفع مفسدة أعظم ، كأن يكون صاحبها بحاجة إلى شراء كلية له أو لعزيز عليه ، ولا يجد سبيلا إلى ذلك إلا لبيع عضو من أعضائه لا يترتب على فقده هلاكه ، فيجوز ذلك إذا كان الحصول على هذه الكلية ينجيه أو ينجي عزيزا عليه من هلاك محقق . وعلى مثل هذا يمكن أن يجري قياس بقية أعضاء الجسم مع ضرورة ملاحظة رأي الأطباء المتخصصين الموثوقين . وهذا بالنسبة للبائع ، وأما المشتري فيجوز له الشراء إذا كان يريد استعمال العضو الذي اشتراه لإنقاذ عزيز عليه من هلاك كلي أو جزئي ، أو كان مؤسسة أنشئت لتجميع الأعضاء لاستعمالها عند الحاجة إليها في الغرض المشار إليه ، بحيث لا تتخذ من ذلك وسيلة للكسب والربح المادي ، ولا تشتري لتبيع الأعضاء بربح ، ولا مانع من أن تبيعها بمثل التكلفة أو بأقل من ذلك . د - هذا ولا بد من الإشارة في هذا المقام إلى أن بعض أجزاء الآدمي لا يجوز بيعها بحال من الأحوال ، لورود نص خاص في النهي عن استعمالها ، أو لتنافيها مع مبدأ شرعي آخر غير ما ذكر ، ومن ذلك : بيع الشعر الآدمي وشراؤه لوصله بشعر المشتري ؛ فقد ورد عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : جاءت امرأة إلى النبي r فقالت : يا رسول الله ، إن لي ابنة عريسا ، أصابتها حصبة فتمرق شعرها ، أفأصله ؟ فقال " لعن الله الواصلة والمستوصلة . وأغلب الظن أن حكمة النهي عن ذلك ليست هي ما ذهب إليه بعض علماء الحنفية من تنافيه مع ما جعل لابن آدم من تشريف وتكريم ، وإنما لما فيه من تزوير بتزين المرء بما ليس فيه ، وهذا منهي عنه ، فقد قال الرسول r ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) ، ومعناه المتكثر بما ليس عنده ، بأن يظهر أن عنده ما ليس له يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل ، فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور . ويؤيد هذا المعنى ما صح عن رسول الله r أنه زجر عن أن تصل المرأة برأسها شيئا ، فشمل بهذا الزجر كل شيء تصله بشعرها وإن لم يكن شعر آدمي ، ما دام بظهرها بمظهر ليس فيها . ومن ذلك أيضا بيع مني الرجل ، فلا شك في حرمته وبطلانه ؛ لأن استعماله بعد البيع فيما خلق له من طلب النسل يؤدي إلى اختلاط الأنساب ، وهو حرام بلا خلاف . الخاتمة نتيجة البحث نخلص مما تقدم في البحث إلى النتيجة
الآتية : 1 - أن لا يكون في بيعها تعارض مع الكرامة الآدمية ، بحيث لا تكون الغاية من ذلك الربح والتجارة والتداوي . 2 - أن يكون بيعها من أجل الانتفاع بها بمثل ما خلقت له ، وأن لا تباع إلا لمن يعلم أنه يستعملها في ذلك . 3 - أن يدفع البائع ببيع عضوه مفسدة أعظم من مفسدة فقد العضو نفسه . 4 - أن لا يكون بيع العضو متعارضا مع نص شرعي خاص (كالشعر) أو مبدأ شرعي آخر غير ما ذكر ( كمني الرجل ) . 5 - أن لا يكون هناك أية بدائل صناعية للأعضاء الآدمية تقوم مقامها وتغني عنها . 6 - أن يكون البيع والشراء تحت إشراف
مؤسسة متخصصة رسمية موثوقة للتحقق من توافر الشروط المتقدمة . |