|
موقف الطبيب والمسئول هذا هو الموضوع المبين تحت ثالثا من موضوعات الندوة . ولعل المقصود من السؤال هو موقف الطبيب المسلم ؟ ولعل المقصود من كلمة المسئول هو رؤساء الطبيب إداريا أو فنيا . هل الغرض متحقق فعلا ؟ إن أول ما يثيره الموضوع ،والسؤال المطروح هو : هل هذا الفرض ، أي مخالفة الشريعة للقانون ، في مجال عمل الطبيب ، فرض متحقق فعلا ، على الأقل في بعض الحالات ، في دولة الكويت بالذات ، أو في الدول الإسلامية بوجه عام ، ومن ثم نكون بصدد مشكلة قائمة وتحتاج إلى بيان الحل ؟ ثم هل يمكن أن يتحقق هذا الفرض ، وعندئذ يثور التساؤل لدى الطبيب ، وغيره من المسئولين عن العمل الطبي . ماذا فعل ؟ هل يلتزم حكم القانون وعندئذ يثور في نفسه الشك في أنه بذلك يكون آثما أمام الله سبحانه وتعالى ، أم يلتزم حكم الشريعة ويخالف القانون ؟ أما مخالفة القانون للشريعة في مجال عمل الطبيب ، على الأقل في دولة الكويت ، فهو ما نشك كثيرا في أنه فرض متحقق فعلا . ولعل هذا يتضح من استعراض الحالات التي أثارها الدكتور صلاح العتيقي في الورقة المقدمة منه بعنوان " عندما تختلف الشريعة مع القانون ، ما هو موقف الطبيب " ، فقد ذكر أنه بحكم موقعه كمسئول عن منطقة صحية يرجع إليه العاملون في المجال الصحي كلما صادفهم ما يقف في طريقهم أو حيرهم بعض المرضى أو أولياء أمورهم ، أصبحت لديه حصيلة لا بأس بها من التجربة ، ثم ذكر أمثلة على النحو الآتي : 1 - يرفض بعض الرجال أن يتولى طبيب فحص محارمه أو أن يجرى لهم عملية جراحية قد تكون مستعجلة ولا تحتمل التأخير .. ثم يسأل سؤالين : السؤال الأول : هل من حق الطبيب عمل العملية رغم رفض الزوج إن كانت المريضة في خطر وليس هناك غيره ؟ والجواب عن هذا السؤال هو نعم ، سواء في حكم القانون أو في حكم الشريعة ، بل إن الأمر ليس حق الطبيب فقط وإنما هو واجبه فإن لم يفعل كان مخطئا في نظر القانون وآثما في نظر الشريعة . السؤال الثاني : هل من حق الزوج قتل زوجته بهذه الطريقة لعدم قبوله المعونة الطبية من طبيب ؟ وجواب هذا السؤال يتضمنه السؤال الأول وجوابه ، فليس من حق الزوج قتل زوجته بهذه الطريقة سواء في نظر القانون أو في نظر الشريعة . 2 - والحالة الثانية هي التي يطلب فيها بعض الأزواج والزوجات الإجهاض بسبب ما يعانيه أبناؤهم من أمراض وراثية تخليقية ، منها أنيميا البحر المتوسط ، وأمراض الدم الوراثية والحصبة الألمانية . ثم يتساءل عن الموقف إذا أصر الوالدان على الإجهاض إذا وصل الحمل إلى ما بعد فترة نفخ الروح في الجنين . أما عن حكم القانون فهو أنه " يحظر على الطبيب إجهاض امرأة حامل إلا لإنقاذ حياتها ومع ذلك إذا لم يكن الحمل قد أتم أربعة أشهر ، يجوز الإجهاض في الحالتين الآتيتين : أ - إذا كان بقاء الحمل يضر بصحة الأم ضررا جسيما . ب - إذا ثبت أن الجنين سيولد مصابا على نحو جسيم بتشوه بدني أو قصور عقلي لا يرجى البرء منهما ، ووافق الزوجان على الإجهاض . وبجب أن تجرى عملية الإجهاض ، في غير حالات الضرورة العاجلة ، في مستشفى حكومي ، وبقرار من لجنة طبية مشكلة من ثلاثة أخصائيين أحدهم على الأقل متخصص في أمراض النساء والتوليد . ويصدر قرار من وزير الصحة العامة بالشروط الواجب توافرها في أعضاء اللجنة الطبية المشار إليها والإجراءات الواجب اتخاذها لإجراء هذه العملية " . وهذا الحكم ، فيما نرى ، لا يخالف الشريعة الإسلامية . وعلى ذلك فإذا طلب الوالدان أو أحدهما الإجهاض في غير الحالات المنصوص عليها في القانون ، فعلى الطبيب أن يمتنع عن الإجهاض . 3 - طفل يعاني من مرض استسقاء الرأس . ويرفض والده عمل العملية في الأيام الأولى بعد الولادة ويفضل أن يتركه يموت على أن يحصل على ابن قد يتخلف عنه بعض الإعاقة . والسؤال : هل من حق الأب قتل ابنه بهذه الطريقة ، وما هو موقف الشريعة والقانون ؟ والجواب ، سواء في الشريعة أو في القانون ، لا عبرة برضاء الوالد وعلى الطبيب إجراء العملية . بنت عمرها ست سنوات عندها قصور في الكلى وتكلس تحتاج إلى عملية غسيل باستمرار . والدها يرفض عملية الغسيل بسبب عدم تمكنه من نقلها كل ثالث يوم إلى المستشفى لعمل الغسيل . والطبيب حاول إقناعه بأنهم على استعداد للقيام بنقل البنت ولكنه رفض الغسيل متعللا بابن له مات أثناء عملية غسيل مشابهة ، وهدد بأنه يحملهم المسئولية إذا قاموا بنقلها إلى مستشفى مبارك لهذا الغرض . أمر وكيل الوزارة بنقلها متحملا المسئولية الكاملة برغم رفض الأب والسؤال هو : هل هناك من يحمي الطبيب من المسئولية وما هو موقف الشرع ؟ والجواب هو أولا إن رأى وكيل الوزارة هو الصحيح سواء في نظر القانون أو في نظر الشريعة . ونص قانون الجزاء الذي أشار إليه الطبيب صريح في أنه لا حاجة لأي رضاء إذا كان العمل الطبي أو الجراحي ضروريا إجراؤه في الحال . ثم سؤال آخر : " ما هو الموقف إن كان التدخل الجراحي يحمل إخطارا كالوفاة مثلا في حالة البنت السابق ذكرها " والجواب هنا يتوقف على مسألة طبية فنية ، فإذا كانت أصول المهنة الطبية تقتضي التدخل الجراحي رغم الأخطار المحتملة ، فيجب إجراء الجراحة برغم رفض ولي النفس . 4 - أثناء الولادة العادية ساءت حالة المولود وأصبحت العملية القيصرية ضرورية لإنقاذه من الموت . ولكن والد الطفل رفض إجراء العملية لامرأته مضحيا بالطفل الذي كانت له فرصة شبه مضمونة في الحياة لو عملت العملية . فهل من حق الأب التصرف في حياة ابنه بهذه القسوة وما هو الموقف القانوني والشرعي ؟ والجواب أن الأب ليس من حقه التصرف على هذا النحو ، وموقف كل من القانون والشريعة هو عدم الاعتداد بإرادة الأب فتجرى العملية . إذا فرض وتحققت مخالفة القانون للشريعة : إذا كنا لم نصادف حالة بعينها يختلف فيها القانون مع الشريعة ، على الأقل في دولة الكويت ، فإن هذا لا يعني أن هذا الفرض مستحيل التحقق . فإذا فرض وتحقق بيقين مخالفة القانون للشريعة في عمل من الأعمال الطبية ، فالسؤال المطروح هو " ما هو موقف الطبيب والمسئول ؟ " يقول الدكتور صلاح العتيقي ، في خاتمة ورقته : " وبما أننا ندين بالإسلام ونعيش في بلد إسلامي يقول دستوره في مادته الثانية " دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع " ، لذلك يجب اتباع قول الباري عز وجل في كتابه العزيز : ( فإذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) فهو الحكم والفيصل الذي يجب أن يلجأ إليه عند الاختلاف وهذا بدوره يحتم علينا أن نعيد الطريق أمام الطبيب ولا يمكن عمل ذلك إلا بوجود هيئة مشتركة من خيرة علماء المسلمين وذلك لاستنباط الأحكام الشرعية التي تغطي معظـم احتياجاتنا من التشريعات حتى لا يقف الطبيب حائرا أمام مستجدات العصر .. " فإن كان يقصد بقوله " لذلك يجب اتباع قول الباري عز وجل .. " أنه يجب على الدولة أن تعمل على أن تكون قوانينها متفقة مع الشريعة ، وتكون مهمة الهيئة المشتركة التي يقترحها هي استظهار أحكام الشريعة التي تغطي احتياجات الهيئات الطبية تمهيدا لإصدار القوانين موافقة لها ، فهو اقتراح لا شك أن كل مسلم مخلص يشاركه فيه .ولكننا بهذا المعنى لعبارة الدكتور صلاح العتيقي لا نكون قد أجبنا على السؤال المطروح وهو " ما هو موقف الطبيب والمسئول عندما تختلف الشريعة مع القانون " . أما إذا كان الدكتور صلاح قد أراد بعبارته السابقة الإجابة عن السؤال المطروح ، ويقصد بعبارة " لذلك ويجب اتباع قول الباري عز وجل .." أن إعمال المادة الثانية من الدستور يؤدي إلى أن يجب ـ عندما يختلف القانون مع الشريعة ـ أن يترك الطبيب ( أو غيره من المسئولين ) حكم القانون ويطبق الشريعة ، وتكون مهمة الهيئة المشتركة التي يقترح تشكيلها من خيرة علماء المسلمين هي استنباط الأحكام الشرعية لتكون تحت نظر الأطباء ويعملون بمقتضاها . إذا كان هذا ما قصده . فمع أننا نشاركه الرغبة في إعلاء كلمة الله وتطبيق الشريعة ، إلا أن الرأي الصحيح ، فيما نرى ، أن إعمال المادة الثانية من الدستور لا يؤدي إلى وجود تغليب حكم الشريعة على حكم القانون إذا اختلف الحكمان . ولبيان الإجابة عن السؤال المطروح ، والذي يواجه الفرض الذي يختلف فيه القانون مع الشريعة ، ينبغي أن نحلل السؤال المطروح إلى سؤالين : الأول ، ما هو موقف الطبيب (أو المسئول) من الدولة التي وضعت القانون . والسؤال الثاني ، ما هو موقفه أمام الله سبحانه وتعالى ، وذلك أننا في الواقع بصدد علاقتين الطبيب طرف في كل منهما ، علاقته بالدولة ، وعلاقته بربه . (أولا) فيما يتعلق بالسؤال الأول ، أي موقف الطبيب من الدولة ، نبادر إلى القول في إيجاز أن على الطبيب (أو المسئول) أن يعمل وفقا لما يقضي به القانون . وبيان ذلك أن المادة الثانية من الدستور بعد أن ذكرت في صدرها أن دين الدولة الإسلام ، وهي عبارة تثير من الناحية القانونية الخلاف حول ما تقتضيه من الناحية العملية ، فالذي يعنينا في موضوعنا هو العبارة التالية " الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع " والتي تشير إلى مقتضى العبارة الأولى ، في نظر واضعي الدستور، في مجال التشريعات التي تصدرها الدولة . وإذا كانت العبارة هي " والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع " ، والتشريع في المصطلح القانوني هو وضع القواعد القانونية بواسطة سلطة مختصة ( وقد يطلق على القواعد القانونية ذاتها التي توضع بهذه الطريقة ( فيكون التشريع هو المصدر الرسمي للقواعد ، أي المصدر الذي تكتسبه منه القواعد صفة الإلزام فيها فتصبح واجبة الاحترام من المخاطبين بها . على أن ثمة سؤال : من أين يأتي المشرع الوضعي بالقواعد التي يضعها ؟ والإجابة على هذا السؤال هي بيان ما يسمى المصادر المادية أي التي أسهمت في تكوين مادة القاعدة أي محتواها وليس في إعطائه القوة الملزمة . وهذه المصادر المادية للقوانين الوضعية تختلف باختلاف القواعد ، فقد ينقل المشرع عن قانون دولة أخرى ، وقد ينقل عن الفقه الإسلامي ، وقد يأخذ بما اعتاده الناس ، وقد يعمد إلى إعمال العقل .. الخ . فإذا جاء الدستور ونص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع ، فهذا لا يعني أن الشريعة هي المصدر الرسمي الملزم ، وإنما المصدر الرسمي ـ عندما يستمد المشرع القاعدة من الشريعة ـ هو التشريع الوضعي وهو الذي يعطي القاعدة صفة الإلزام . وعلى ضوء ذلك يثور السؤال : هل يلتزم المشرع ، بحكم المادة الثانية من الدستور بأن يستمد القواعد القانونية من الشريعة ؟ وللإجابة على هذا السؤال نشير إلى أن النص الدستوري يقول إن الشريعة مصدر رئيسي للتشريع أي أنها ليست وحدها المصدر الرئيسي وإنما يمكن أن تستمد التشريعات من مصادر أخرى . نكتفي هنا بنقل ما ورد في المذكرة التفسيرية للنص فهي تقول : " لم تقف هذه المادة عند حد النص على " دين الدولة الإسلام " بل نصت كذلك على أن الشريعة الإسلامية ـ بمعنى الفقه الإسلامي ـ مصدر رئيسي للتشريع وفي وضع النص بهذه الصيغة توجيه للمشرع وجهة إسلامية أساسية دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكما لها ، أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تمشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن ، بل إن في النص ما يسمح مثلا بالأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة مع وجود الحدود في الشريعة الإسلامية ، وكل ذلك ما كان ليستقيم لو قيل " الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع " ، إذا مقتضى هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر آخر في أي أمر واجهته الشريعة بحكم مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ إذا ما حملته الضرورات العملية إلى التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات ، والتأمين ، والبنوك ، والقروض ، والحدود ، وما إليها . كما يلاحظ بهذا الخصوص أن النص الوارد ـ وقد قرر أن " الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع " ـ إنما يحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك ، وبدعوة إلى هذا النهج صريحة واضحة ، ومن ثم لا يمنع النص المذكور من الأخذ ، عاجلا أم آجلا ، بالأحكام الشرعية كاملة وفي كل الأمور ، إذا رأي المشرع ذلك " . ولعل العبارات المذكورة واضحة في أن نص المادة الثانية من الدستور لا يلزم المشرع بالأخذ دائما من الشريعة الإسلامية . وعلى ذلك إذا فرض أن وضع المشرع الوضعي قواعد تخالف أحكام الشريعة في مجال العمل الطبي لاعتبارات قدرها المشرع نفسه . فتكون هذه القواعد صحيحة غير مخالفة للدستور ، ومن ثم فهي ملزمة للمخاطبين بها ، ويكون الطبيب أو غيره من المسئولين عن العمل الطبي ، في علاقتهم بالدولة ،ملزمين بالعمل بمقتضاها ، وإلا عرضوا أنفسهم للجزاء المقرر للقواعد التي يخالفونها . (ثانيا) فإذا فرض أن تحقق هذا الفرض ، يثور السؤال الثاني ،وهو الذي يشغل ضمير الطبيب المسلم في علاقته بربه فيما لو ترك حكم الشريعة واستجاب لحكم القانون . وللإجابة عن السؤال " ما موقف الطبيب المسلم في علاقته بربه ؟ " نشير أولا إلى أن الأصل في الإسلام ألا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . ولكن إلى جانب هذا الأصل فالمسلَّم أن الضرورات تبيح المحظورات . وعلى ذلك فإذا لم تكن إطاعة أمر القانون ضرورة بالنسبة للطبيب ، فعليه إذا حرص على رضا الله ، أن يمتنع عن تنفيذ حكم القانون ويعمل بمقتضى الشريعة ويتحمل ما عسى أن توقعه الدولة من جزاء على مخالفة القانون . أما إذا كانت إطاعة القانون تعتبر بالنسبة للطبيب ضرورة ، فله في حكم الشريعة رخصة في أن يطبعه مخالفا بذلك الحكم الأصلي في الشريعة ، ولا يكون عندئذ آثما ديانة . وبذلك تكون المسألة التي تشغل الأطباء هي معرفة معنى الضرورة ومتى تتحقق في الحالات التي قد يواجهها الطبيب أو المسئول وحيث يجد نفسه ملزما في مواجهة الدولة بتطبيق قانونها المخالف للشريعة . وهذه مسألةلا يتسع المقام لتقديم كل ما يغني عن التساؤل في شأنها ، خاصة وأن الجانب التطبيقي فيها وهو ما يعني الطبيب يقتضي أن نكون بصدد حالة بعينها وعلى بينة من حكم الشريعة فيها وحكم القانون وجزءا مخالفته ، وهو أمر غير متحقق نظرا إلى أننا نواجه ـ كما ذكرنا ـ فرضا نظريا . لذلك نكتفي بالإشارة إلى أن الترخيص في مخالفة أحكام الشريعة الأصلية عند الضرورة يجد شرعيته في آيات القرآن الكريم ، ليس فقط تلك الآيات التي عرضت لما يحرم من الميتة والدم واللحوم والذبائح المحرمة على اختلاف أنواعها مستثنية من التحريم حالة الاضطرار ،ولكن كذلك الآيات الأخرى التي تكشف عن يسر الدين الإسلامي وأنه لا يقصد إلى إعنات المكلفين والإضرار بهم . كما تجد شرعيتها في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تدل على التيسير . كما نشير إلى أن فقهاء المسلمين قد اختلفوا في بيان الضرورة بين متشدد وميسر ، بل إن بعضهم يلحق الحاجة بالضرورة . ( يراجع بحث الأستاذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان ، بعنوان " الضرورة والحاجة وأثرهما في التشريع الإسلامي " الكتاب السادس والعشرون من مطبوعات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي ، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة ـ جامعة أم القرى ) . حقيقة المشكلة التي يواجهها الأطباء
: وإذا كان صحيحا أن كل من يمتهن مهن ، كالطبيب والصيدلي والمهندس والمحاسب .. الخ ، عليه قبل أن يزاول مهنته أن يعلم ، بوسائله الخاصة قدرا كافيا من المعلومات عن أحكام القانون فيما يتعلق بحقوقه وواجباته المتصلة بعمله ، حتى يقدم على ممارسة العمل عن بينة ، إلا أن خطورة عمل الطبيب تقتضي ـ فيما نرى ـ أن تقوم الدولة بطريقة منظمة بالإسهام في تزويد الطبيب بالمعلومات الضرورية في هذا الخصوص . ولذلك نقترح أن يعطي الأطباء ، في أثناء دراستهم في كلية الطب أو عند بدء ممارستهم أعمالهم ، دراسة علمية حول حقوق وواجبات الطبيب في مزاولته لمهنته . ويحسن أن يكون هناك كتيب مبسط يرجع إليه الطبيب كلما عرض عليه ما يدعو إلى التساؤل . ولعله من الأفضل ، إرضاء للشعور الديني عند الطبيب ، أن تقترن المعلومات القانونية التي تعطي للطبيب في هذا الخصوص ببيان أحكام الشريعة الإسلامية في شأنها . ملحق مدى إلزام الطبيب بالقرارات الإدارية المخالفة للقانون لفت نظرنا ما ورد في الورقة المقدمة من الأستاذ الدكتور حسان حتحوت عن قدسية سر المهنة ، بخصوص الأوامر الإدارية ، إذ يقول : " إنه لمن المؤسف والمحرج أن تقوم السلطات الصحية في بعض الأحيان بإصدار أوامر إدارية لموظفيها من الأطباء والإداريين لا تستند إلى منطوق القانون وهي بذلك تخالفه .." . وإذا كان الأستاذ الدكتور حتحوت قد بين الحكم الصحيح بالنسبة لمثل هذه الأوامر فقال ، بعد العبارة السابقة : " .. وسواء كان ذلك اجتهادا منها أم اتباعا لرأي سلطات وزارة الداخلية كما يحدث في الأمر بإبلاغ الشرطة عن حالات الحمل السفاح فإن الأوامر لا تجب النصوص القانونية والحقوق الدستورية " ، فقد رأينا من واجبنا الإشارة بإيجاز إلى واجب الطبيب إزاء الأوامر التي تخالف القانون . والأصل العام أن الطبيب ، كأي شخص يقوم بعمل يخالف القانون يكون مخطئا ، ومن ثم مسئولا . ومن بين صور المسئولية ، المسئولية المدنية عما ينشأ عن الفعل الخاطيء من أضرار . إذ تنص المادة 277 / 1 من القانون المدني على أن " كل من أحدث بفعله الخاطيء ضررا بغيره يلتزم بتعويضه ، سواء كان في إحداثه الضرر مباشرا أو متسببا " . والسؤال الذي يعنينا هو : هل يعفى الطبيب إذا كان موظفا عاما من المسئولية إذا قام بالعمل المخالف للقانون ، أي العمل الخاطيء تنفيذا لأمر إداري من رئيسه ؟. هنا نجد القانون المدني ، تقديرا لظروف الموظف العام الذي قام بالعمل الخاطيء تنفيذا لأمر صدر إليه من رئيسه ، يعفي الموظف من المسئولية بشروط معينة ، فقد نصت المادة 237 من القانون المدني عل أنه : ( لا يكون الموظف العام مسئولا عن عمله الذي أضر بالغير ، إذا أداه تنفيذا لأمر القانون أو لأمر صدر إليه من رئيسه ، متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه . أو كان يعتقد لمبررات مقبولة أنها واجبة وأثبت أنه كانت لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه ، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر " . ومن هذا النص يتضح أنه يشترط للإعفاء من المسئولية عدة شروط نخص منها بالذكر أن يثبت الموظف أنه كان لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه ، أي يعتقد أن العمل لا يخالف القانون . فإذا لم يثبت الموظف ذلك ، رجعنا إلى الأصل العام وهو افتراض علم الموظف بأن عمله يخالف حكم القانون ، ومن ثم يكون مسئولا عما يترتب على عمله من أضرار . وعلى ذلك يجب على الطبيب الموظف ، إذا تلقى أمرا إداريا يخالف القانون أن يمتنع عن تنفيذه ، وإلا تحمل المسئولية المدنية عن الأضرار التي تلحق الغير بسبب عمله .
|