قدسية سر االمهنة

للأستاذ الدكتور حسان حتحوت
كلية الطب جامعة الكويت

الموجز :
" سر المهنة " أصل عميق الجذور من أصول المهنة الطبية وقيمة من قيمها المطلقة التي لم تترك لتقدير الطبيب أو لاجتهاده أو استحسانه في كل حالة على حدة .

وهي تلتقي تماما مع تعاليم الإسلام فهي بالإسلام تتقوى وتزداد رسوخا . والتفريط فيها يقوض صرح المهنة الطبية فيحرم الإنسانية مما لا غنى لها عنه وفي هذا بلاء خطير وشر مستطير وخسارة فادحة عل المدى الطويل لا تعوضها المبررات الآنية والدوافع المفردة . والخسارة في ذلك أضعاف المكسب .

على أن لكل قاعدة شواذ تمليها ضرورة أقوى منها .. وتحديد الشواذ من مهام الشارع لا من مهام الطبيب أو السلطات الصحية وقد نص عليها القانون على سبيل الحصر لا على سبيل المثال . ولا ينبغي أن تزيد أو تنقص إلا بنص قانوني . ومن التزاماتنا الأخلاقية أن تكون مواطن إفشاء السر التي ينص عليها القانون معلنة للناس موضحة لهم دائما من قبل المهنة الطبية حتى لا يظن الناس بها غدر مقصودا ( ولا يوكل هذا الواجب للجهات القانونية إذ في عرفها الجهل بالقانون لا يعفى منه ) .

على الرغم من أن حفظ سر المهنة ركن أصيل من الأركان التي تقوم عليها المهنة الطبية من أقامه أقامها ومن هدمه هدمها ، فقد دلتني مشاهداتي لواقع الحال أنه لم يزل على كثير من الإبهام لدى عدد غير قليل من أبناء المهنة .. ويتراءى لي أن الموضوع على خطورته لم يخدم الخدمة الوافية في كثير من كليات الطب ، ويظل في الغالب الأعم شعارا عاما تجرى به الألسنة وتطبقه الممارسة تطبيقا مجملا لا يلم بأبعاده بدقة وتفصيل ، ويظل الطبيب يفتقد الوعي الشامل الكامل بموقفه من القانون وموقف القانون منه لا يتنبه إلا إذا وقع المحظور وقد لا يقع ، على عكس الحال في البلاد التي نما فيها وعي الناس بحقوقهم ـ وربما أسرف في النمو ـ فنما فيها كذلك إحساس الطبيب بأنه غير بعيد عن ساحة القضاء فعليه أن يتحرى الدقة حتى لا يؤتى من قبل تفريط أو إفراط ، يدخل في ذلك موضوع سر المهنة .

ومن الدلائل على أن فقه كثير من الأطباء في موضوع سر المهنة لم يصل بعد إلى الاستقرار المنشود والنضج المطلوب ، أن ترى الطبيب وقد استبدت به الحيرة إذ يورد مثالا أو أكثر مما يعرض له آنا بعد آن خلال عمله الطبي اليومي ، ثم يكاد يعض أنامل القلق وهو يستفتي قلبه ويستفتي غيره ويستفتي الندوات والمؤتمرات واصفا ملابسات حالة من الحالات متسائلا من بعدها فهل أبوح بالشر أولا أبوح ؟

ونود قبل أن نعقب على هذه الحال أن نسوق إلمامة شاملة بموضوع سر المهنة .

إن قدسية سر المهنة الطبية تراث موغل في القدم حصلته المهنة حتى في أدوارها الباكرة ولا زالت تحرص عليه حتى الآن … كان الطبيب (أمحوتب) في مصر القديمة يأخذ العهد والقسم على طلابه ألا يذيعوا لمريض سرا ، وجاء من بعده (أبقراط) اليوناني وما زال قسمه ساريا على الخريجين من معظم كليات الطب حتى الآن وفيه أن كل معلومات حصل عليها الطبيب خلال أدائه مهمته سواء أكانت معلومات طبية أم غير طبية سواء أعرفها سماعا أو مشاهدة أو مجرد استنتاج فهي سر لا يفشى مغطى بسر المهنة .. حتى أشرقت على العالم شمس الإسلام عقيدة فشريعة فدولة فدعوة فحضارة فإذا أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس ، وإذا حضارته خير حضارة استظلوا بها ، وإذا الإسلام يثبت مما سبقه من الأعراف ولو نشأت في وعاء الجاهلية ما يراه غير مجاف للشريعة أو العقيدة ويعتبره من فضائل الإنسانية التي اكتسبها على مدى التاريخ (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) فكان من جراء ذلك أن ازداد "سر المهنة " في مزاولة الطب ثباتا واستقرارا ، ذلك (ابن أصيبعة ) في كتابه طبقات الأطباء ، وأكده على بن رضوان كبير أطباء مصر (453هـ) ، وأوصى بالقسم على حفظ السر مهذب الدين بن هبل البغدادي ، وكان من بين وظائف المحتسب أن يأخذ على الأطباء قسم (أبقراط) في حفظ السر . وها هو ذا يحتل بين دفتي " الدستور الإسلامي للمهنة الطبية " الصادر عن المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي الذي انعقد بالكويت عام 1980 م وفي قسم الطبيب الذي احتواه هذا الدستور ، وبهما أخذت كثير من البلاد الإسلامية بل وامتدحتها بعض الهيئات غير الإسلامية .

ولا نود أن يفهم أن الإسلام قد أوصى الأطباء وحدهم بصيانة الأسرار بل أوصى بذلك أمته كلها . وإنما كان الأطباء على رأس الهرم في ذلك نظرا لأن مهنتهم ذات مساس مباشر بكيان الإنسان ذاته ، وهي لا تقوم قائمتها إلا إن استقر لدى الطبيب والمريض أن ما بينهما غير معرض للإفشاء أو الإفضاء يستوي في ذلك ما كان خيرا أو قبيحا أو مليحا أو مشرفا أو مخجلا وبغير هذا تهتز المهنة الطبية وتزلزل زلزالا عنيفا . لقد جعل الإسلام من الأخلاق العامة ألا تذكر أخاك في غيابه بما لا يحب ولو كنت صادقا .. وصف عليه السلام ثلاث من صفات المنافق " إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان " وحتى في الأمور ذات الخطر جعل للحصول على المعلومات ضوابط إجرائية لا ينبغي تجاوزها بدعوى الوصول إلى الحقيقة ، فهذا عمر بن الخطاب يعتلي السور ليتحقق أن رجلا في بستان داره يشرب الخمر ويراه كذلك ، ولكن الرجل يذكره بأنه تسور عليه والله يقول ( وأتوا البيوت من أبوابها ) ، وتجسس عليه والله يقول ( ولا تجسسوا ) . ولا يملك أمير المؤمنين إلا أن يذعن لشريعة الإسلام ! ..ومنذ أربعة عشر قرنا علمنا الإسلام أن الغاية لا تبرر الوسيلة ، سابقا بذلك التطور المتواصل والتقدم الحديث في علم القانون حتى انتهى إلى مفهوم " الدليل المقيت " وبطلانه وبطلان ما يترتب عليه من حكم ، لأن الدليل نفسه لم يتحصل بإجراءاته القانونية السليمة .

لا غرور إذن وهذه تعاليم الإسلام "العامة " ، أن تكون التعاليم "الخاصة" التي تحكم المهنة الطبية أقوى وأشد .

ولئن قضت سنة الله وعدالته بأن يتقهقر المسلمون عن مراكز القيادة والريادة في العالم بتخليهم عن المواصفات والشروط التي فرضها الله عليهم وجعلها شرطا لينصرهم ، لقد صح كذلك أن أوربا وهي تخرج من عصورها الوسطى المظلمة إلى عصر النهضة إنما فعلت ذلك بفضل حضارة الإسلام التي أقبلت عليها أوربا وفرط فيها أصحابها الأصليون .. وفي غمار الحياة التي كانت تزداد تعقيدا نظروا إلى سر المهنة الطبية كقيمة حضارية وضرورة إنسانية فلم يأتمنوا عليها قوة العرف والإلف والتقاليد وإنما أحاطوها بسياج القانون ، وسبق إلى ذلك القانون الفرنسي عام 1825 فجعل خرقها جنحة تعاقب بالحبس والغرامة ،وانتشر ذلك في كل البلاد بما فيها الكويت بالقانون رقم 23 لسنة 1960 (مادة 22) ، حتى تلاه القانون رقم 25 لسنة 1981 الذي نص مادته السادسة " يجب على الطبيب ألا يفشي سرا خاصا وصل إلى علمه عن طريق مهنته سواء أكان هذا السر مما عهد به إليه المريض وائتمنه عليه أم كشفه الطبيب بنفسه أم سمع به . إلا بأمر المحكمة لتحقيق سر العدالة . ومع ذلك يجوز إفشاء السر في في الحالات الآتية :

أ - إذا كان الإفشاء لمصلحة الزوج أو الزوجة ويكون الإفشاء لهما شخصيا .
ب - إذا كان الإفشاء بقصد منع حدوث جريمة ويكون الإفشاء مقصورا على الجهة الرسمية المختصة .
ج - إذا كان الإفشاء بقصد التبليغ عن مرض سار طبقا للقوانين الصادرة بهذا الخصوص ، ويكون الإفشاء في هذه الحالة مقصورا على الجهات التي تعينها وزارة الصحة العامة .
د - إذا وافق صاحب السر على إفشائه إلى أي جهة أخرى يحددها .

هذا إذن هي المسموحات المنصوص عليها بالقانون محكومة بهذا النص غير مجاوزة لهذا الحصر وإهدار هذا إهدار للقانون

وبديهي أن القانون إذ يلزم الطبيب بذلك فهو يلزم معه كذلك المهنة الطبية والخدمة الطبية عامة ، فالمريض يتداول عليه أطباء ومساعدون لهم في التمريض والمختبرات والخدمات المساندة وحفظ السجلات والملفات وغير ذلك ،وعلى السلطة المسئولة عن الخدمات الصحية أن تصون ذلك وتكفله بما تراه من طرق ، على اعتبار أن أية معلومات عن مريض هي وديعة (وإن تكن غير نقدية ) ولا بد أن تصان الوديعة في وعاء لا يسرب ولا يرشح ولا ينضح .

وقد يظن البعض أن السر الجدير بالصيانة هو ما ينطوي على معلومات سيئة أو مهينة أو مشينة للمريض . وهو ظن خاطيء وإن شاع ، فحفظ المعلومات الخاصة بالمريض هو حفظ مطلق ومقصود لذاته . ولا يلزم إطلاقا أن يكون المريض قد طلب من الطيب صراحة ألا يدلي بهذه المعلومات بل هي سر بطبيعتها وبطبيعة المهنة ولو لم يطلب المطلوب ذلك . وقد أورد الأستاذ الدكتور عبد السلام الترمانيني في بحثه القيم عن السر الطبي الذي نشرته مجلة الحقوق والشريعة بعددها الثاني لسنتها الخامسة (ص 60) كيف أن إحدى الصحف الفرنسية في نشرها نبأ وفاة الرسام الفرنسي الشهير سياستيان لوباج (1885) عزت السبب في موته إلى مضاعفات مرض مخجل . ولما كانت الصحيفة كاذبة فيما ادعت ملحقة بالرجل أذى كبيرا في سمعته الأدبية ، فإن طبيعة المعالج الدكتور ، "واتله" بدافع الإنصاف والدفاع عن سمعة بريء لا يملك إلا أن يدافع عنه نفسه نشر مقالا في الصحف يكذب التشخيص الذي لفقته الصحيفة ويبين وجه الصدق في المرض الذي توفى به الرسام .. هذه في العرف العام شهامة وإحقاق للحق .. ولكنها في خصوصية المهنة الطبية كسرت النطاق القانوني الوثيق الذي أقامه القانون بمنطوق نصوصه حول قدسية سر المهنة الطبية ، ولم يندرج عمل الطبيب تحت نص من نصوص الإفشاء فأقيمت الدعوى على الطبيب وحكم عليه بجرم إفشاء السر الطبي ، ورفع الحكم إلى محكمة النقض ولكنها كذلك صادقت عليه فالسر سر لذاته بصرف النظر عن عواقب إفشائه من الأذى أو الضرر أو الحرج أو حتى دفع الأذى والضرر والحرج : إلا بمنطوق القانون أو حكم القضاء .

وإذا كنت في مقالي هذا طبيبا يكتب من منطلق طبي في موضوع طبي ، فإنني أود أن أؤكد للسادة الأطباء أن الخط الموصول والقاعدة على الدوام هي الحفاظ على السر .. وأن مسألة الإفشاء لا صلة لها بتقدير الطبيب أو بما يشعر به أو بإعماله اجتهاده في ظرف معين ، وإنما المعول في هذا على منطوق القانون ونصه وحرفيته .

وإنه لمن المؤسف والمحرج أن تقوم السلطات الصحية في بعض الأحيان بإصدار أوامر إدارية لموظفيها من الأطباء أو الإداريين لا تستند إلى منطوق القانون وهي بذلك تخالفه . وسواء أكان ذلك اجتهادا منها أم اتباعا لرأي سلطات وزارة الداخلية كما يحدث في الأمر بإبلاغ الشرطة عن حالات الحمل السفاح فإن الأوامر الإدارية لا تجب النصوص القانونية والحقوق الدستورية ...

وهي بذلك تجافي الشريعة والقانون . والسبيل الصحيح الوحيد هو أن تسعى تلك السلطات بالطرق المشروعة لتعديل القانون بما يتفق مع حاجات المجتمع ومصالحه لا بأن يكسر القانون القائم ولا بأن يكون القانون في واد والأفعال في واد آخر .

فإن من أشد ما ابتلى به عالمنا العربي في كثير من أقطاره رغبات في الإصلاح رأت في الالتزام بالقانون عائقا يطيل الإجراءات أو يعطل العدالة فصور لها إخلاصها أن تختصر الطريق وتجاوز القانون فمنها من منحه إجازة ومنها ما نحاه جانبا وسار في مسيرته بدونه .

إن قدسية سر المهنة "قيمة" والقانون في المجتمع "قيمة" وإلى صيانة هذه القيم ندعو لأن فيها الخير الدائم والآجل وإن ثقلت على الشعور العاجل ، ولأن فيها على المدى

ويل الأمن والاستقرار والطمأنينة وإن بدت غير ذلك على المدى القصير .

 

الط