مصير الأجنة .. في البنوك

للدكتور / عبد الله حسن باسلامه

أستاذ ورئيس قسم أمراض النساء والولادة بكلية الطب والعلوم

الطبية ، جامعة الملك عبد العزيز ، السعودية .

طفل الأنابيب أصبح حقيقة يجري على الأرض بين الناس فعملية الإخصاب خارج رحم المرأة في المعمل . تجرى يوميا . في مناطق كثيرة من العالم ، منها العالم العربي .. والإسلامي . ولا شك أن هناك العديد من الأسر المسلمة .. نساء مسلمات يتعرضن للعلاج .. علاج العقم .. بهذه الطريقة .. !

والتلقيح الصناعي ( في المعمل) خارج الرحم ، أصبح من شروط نجاحه ، استخراج العديد من البييضات ( البويضات ) ، وبالتالي نجد في كل معمل تتم فيه هذه العملية الفائض من الأجنة .. ؟ من ضمن هذه الأجنة ، أجنة أسر مسلمة .. ومن هنا طرحت قضية تهم العالم .. وبخاصة العالم الإسلامي وهي :

مصير الفائض من الأجنة !

والأجنة الفائضة يحتفظ بها حاليا في بنوك تسمى ببنوك الأجنة ، توجد في كل مركز من مراكز طفل الأنابيب .

فهل للأجنة في البنوك حرمة ؟؟

ولكي تتضح الرؤيا فقد رأيت .. أن يشتمل المبحث على التالي :

- من هو الجنين؟

- متى تبدأ الحياة ؟

- حرمة الأجنة في الشريعة الإسلامية .

- مصير الأجنة التي في البنوك .

الجنين : EMBRYO

يبدأ الإنسان حياة من خلية واحدة ، نصفها من الأم ( البييضة ) والنصف الآخر الأب (النطفة) أو الحيوان المنوي . وبالتقاء الإثنين معا يبدأ الجنين حياة كخلية واحدة (اللقيحة ) . ثم تنقسم تلك الخلية إلى اثنين ثم أربع ، ثمان ، ثم 16 خلية ، وهكذا ، إلى أن تصل عدد الخلايا 6 بلايين خلية ، عند الولادة . وسبحان القائل : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يكن نطفة من مني يمنى ) الآية .

وتستغرق رحلة الإنسان من خلية واحدة إلى 16 خلية في المعمل حوالي 4 ـ 5 أيام .. ( ومن خلية إلى 6 بلايين خلية ( فترة الحمل ) حوالي 283 يوما ) .

ولقد اصطلح طبيا ( علميا ) على أن تسمى مرحلة نمو الإنسان داخل الرحم منذ أن تأخذ الخلية الملقحة في الانقسام إلى الثمانية (8) أسابيع الأولى من الحياة بالجنين ، ويسمى الجنين في الفترة الباقية من الحمل بالمولود ..!

والسبب في هذه التسمية هو أن (الجنين ) في مرحلة نموه داخل الرحم يمر بمرحلتين هامتين من التكوين الأولى والتي تمتد ثمانية أسابيع يكون الجنين فيها في حالة تكوين وتشكيل ونمو مضطرد في الخلايا ..! والناظر إليه في تلك المرحلة يجد كتلة من الخلايا التجاويفية والقنوات .. ( على شكل علقة ثم مضغة ) ليس لها سمة الإنسان السوي ؟!

وأهم ما يميز هذه المرحلة من الناحية التشريحية هو ظهور ( الميزاب العصبي ) ، وهو بداية تكوين الجهاز العصبي (الحسي) عند الجنين . وبعد هذه المرحلة يأخذ الجنين داخل الرحم مظهرا آخر في النمو ، ويمكن للناظر إليه ( أي بعد مرحلة الثمانية الأسابيع الأولى ) أن يميز شكل إنسان آخذ في النمو .. وقد وصف ذلك في آية الخلق والتطور داخل الرحم : ( .. ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) الآية .

والمرحلة الأولى من مراحل نمو الجنين داخل الرحم ( أي الأيام والأسابيع الأولى) تعد من أدق المراحل في حياة الإنسان .. فأي طاريء عليها قد يؤدي إلى تشوه خلقي ، وتغير كبير في الصورة الإنسانية .

إذا يمكن القول بأن (الجنين ) هو إنسان في الأسابيع 6 8 الأولى في حياته داخل الرحم ، أو في أنبوبة اختبار في معمل طفل الأنابيب .

والجدير بالذكر أن اليابانيين يؤرخون لعمر الإنسان منذ بداية الحمل (التلقيح) أي منذ أن يكون جنينا في بطن أمه ..! .

متى تبدأ الحياة ؟

الحياة موجودة قبل أن يكون الجنين جنينا .. فهي ـ كما هو معروف ـ موجودة في الحيوان المنوي .. والبييضة .. قبل أن يلتقيا ـ وكما قلت ـ في بحث سابق ـ أن هناك فرقا بين وجود الحياة .. ونفخ الروح .. وليس شعور الأم بحركة الجنين دليلا على بدء الحياة .. وإنما هي دلالة على أن أطراف الطفل أصبحت من القوة بحيث أصبحت تحدث صدى عند الأم عندما يتحرك ..! .

واحتمال شعور الجنين بالأم في الأسابيع الأولى للحمل ( أي عندما يبدأ الميزاب العصبي في النمو بعد 16 ـ 18 يوما من التلقيح .. ليس بالضرورة دليلا على أن الجنين أصبح إنسانا سويا ( نفخت فيه الروح ) .. والإحساس موجود حتى في النبات ..

وفي رأيي :

أن الإنسان داخل الرحم يمر بمرحلة أولى خلوية .. ثم مرحلة الإنسان السوي ، ثم مرحلة نفخ الروح .. ويضيق ـ عنا ـ المجال عن الإفاضة في هذه النقطة !!

حرمة الأجنة :

الشريعة الإسلامية قد كفلت للأجنة حق الحياة ..وحرمت الاعتداء عليهم ..وهناك قواعد شرعية معروفة في هذا الصدد تحمي الأجنة من العبث بالإجهاض .. أو القتل .

ومن القواعد الشرعية ـ في هذا الخصوص :

أولا : شرع الإسلام عقوبة مالية أسماها (الغرة) على من أنزل أو أسقط جنينا قبل الشهر الرابع من الحمل ـ والغرة عشر دية البالغ ـ وألزم من أجهض حملا بعد الشهر الرابع ، بالدية كاملة تدفع إلى ورثة الجنين الشرعيين !

وهنا يطرأ سؤال :

هل تجب (الغرة) على من أتلف أجنة فائضة في المعمل ؟؟ .

ثانيا : إذا توفى رجل عن زوجة حامل . فإنه لا يجوز التصرف في تركته قبل أن يرصد نصيب الجنين حتى يولد ..!

فهل ـ أيضا ـ يرصد نصيب الأجنة الفائضة في البنوك .. إلى أن يقرر مصيرها .. قياسا على ما سبق ..؟

 

ثالثا : إذا أجهضت امرأة جنينا في أي طور .. وبدأ على الجنين أمارة من أمارات الحياة ، ( أمارات الحياة المعروفة عند علمائنا الأفاضل ، تنحصر في النطفة والعلقة ، وتحريك الأصبع ) . فإن هذا الجنين يرث ، أي من مورثيه الشرعيين الذين ماتوا بعد بدء الحمل ..، ثم إذا مات هذا الجنين آلت تركته لورثته الشرعيين.

والواقع أن الشريعة السمحاء قد حمت الأجنة .. فقد جعلت الغرة حقا للجنين حتى في أبكر أدواره ، فقيل ( لو أن المرأة ألقت مضغة أو دما أو غير ذلك مما لو عرض على ثقات ، وشهدوا بأن فيه خلقا أو بداية خلق آدمي ، لو بقي لتصور .. فإن الجاني (مسئول ) . من هذا يمكن الاستدلال على أن الشرع قد كفل حق الجنين منذ اللحظة الأولى ، وهو في طور الانقسام ، وهي (أنبوبة) (طبق الاختبار في المعمل) ..!!

وهو ـ كما قال الإمام الغزالي ـ رحمه الله : " في ذلك جناية على موجود حاصل ..والموجود له مراتب ، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتحتفظ بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة ، وإفساد ذلك جناية ، فإذا صارت نطفة فعلقة كانت الجناية افحش .. ) الخ .

فالإمام الغزالي تخطى ـ بفكره الصائب ـ ما نحن بصدده اليوم ، وهو مصير الأجنة الفائضة أو المجمدة ، والتي تصل إلى مرحلة من النمو داخل المعمل ، هي مرحلة (التوتة) .. أو قبلها بقليل ..!!

بنوك الأجنة :

بـدأ وضـع الأجنة الإنسانية في البنوك عام 1976 ، تحت إشراف هيئة مستشفى (أولدهام دسترك هوسبتال) حسب ما ذكر الأستاذ أدوارد ، في مقاله المنشور في World Medical Jurnal Feb.  مجلة 1986 .

وقبل ذلك بكثير كانت أجنة الحيوان تحفظ في البنوك ، وبنوك الأجنة ومن قبلها بنوك المني عملت أول الأمر لتساعد في تنمية الثروة الحيوانية .. ونجاحها في هذا المجال شجع العلماء على استخدامها في معالجتهم للعقم عند الإنسان !! .

والحاجة أصبحت ملحة لبنوك الأجنة ، أو لتجميد الأجنة ، عندما أصبح يتواجد في المعامل العدد الفائض من الأجنة بعد عملية طفل الأنابيب .

ففي عملية طفل الأنابيب ـ كان الأطباء والعلماء يستخلصون بويضة واحدة من مبيض المرأة ، ويجرون عليها التلقيح الصناعي في المعمل .. وعندما تتكون مراحل الحياة الإنسانية الأولى ينقلونها إلى الرحم . وأسفرت هذه الطريقة عن نجاح محدود في عملية طفل الأنابيب .. لذا استحدثت طرق جديدة ، وهي تنشيط المبيض كيميائيا بالعقاقير . هذا التنشيط أسفر عن إمكانية استخلاص أكثر من بويضة واحدة .وحديثا أمكن في كل مرة استخراج حوالي 4 ـ 6 بويضات .. وأصبح الآن بالإمكان إخصاب 4 ـ 6 بويضات في كل مرة خارج الجسم في المعمل والحصول على 4 ـ 6 أجنة !!.

وعادة ينقل من هذه الأجنة ثلاثة فقط إلى رحم المرأة ، ويترك الفائض في البنوك مجمدا .

فقد وجد أن نقل ثلاثة أجنة مرة واحدة إلى رحم المرأة بدلا من جنين واحد يؤدي إلى نتائج في الحمل أفضل . ففي أغلب الأحيان يستمر في النمو داخل الرحم واحد من هؤلاء ـ الأجنة الثلاثة المنقولة .

وبنوك الأجنة هي عبارة عن (براد) أو ثلاجة ، أو غرفة كيميائية صغيرة تستخدم لغرض التبريد فيها ( النايتروجين السائل ) .

والغرض من التبريد هو تجميد الأنسجة والخلايا تماما . فعندما تتجمد الأنسجة تقف فيها كل التفاعلات الحيوية ، ولكنها لا تحدث . !! وعندما يراد الاستفادة من تلك الأنسجة أو من تلك الأجنة .. فإن درجة الحرارة ترتفع تدريجيا .. فتعود التفاعلات الكيميائية مرة أخرى ـ أي تعود لها الحياة مرة أخرى .

مصير الأجنة في البنوك :

لا شك أن كل مركز من مراكز طفل الأنابيب في العالم ـ بما في ذلك العالم الإسلامي ـ يحتفظ في معمله ببنك للأجنة .

واستعمال ( أو مصير ) الأجنة في تلك البنوك يمكن تلخيصه فيما يلي :

1 حقن تلك الأجنة أو بعضها مرة أخرى في رحم الأم ( إذا ما فشلت التجربة السابقة أو الأولى ..) فكما ذكر سابقا يلقح الآن في كل مرة حوالي 4 ـ 6 بويضات . تحقن في أول الأمر ثلاث منها .. وتحقن الباقي عند فشل الحمل في الحقنة الأولى .

2 يمكن أخذ الأجنة وقتها في رحم الأم بعد فترة من الزمن ، وبعد أن تضع الأم حملها الأول . وبهذه الطريقة يجد الطبيب لديه ـ في البنك أجنة جاهزة ـ من العملية السابقة ، فيقوم باستخدامها ، ويمكن أن يحتفظ بهذه الأجنة لسنوات عدة .. ومتى قرر الزوجان ـ أو في العالم الغربي ـ متى رغبت الزوجة في الإنجاب مرة أخرى ، فإنها تأخذ من البنك أجنة جاهزة . وقد حدث بالفعل أن طلبت زوجة ـ بعد وفاة زوجها ـ استخدام الأجنة المجمدة لها في البنك ..!!

والسؤال ـ الذي يطرح نفسه في هذه الحالة :

كيف يقدر عمر الإنسان الذي كان جنينا مجمدا لعدة سنوات ، ثم أفرج عنه ، وبدأ في النمو ، وأخذ دوره الفعلي في الحياة ..؟؟

3 الاستعمال الثالث للأجنة المجمدة ـ الآن ـ .. هو التبرع بها أو بيعها لامرأة أخرى .. فتؤخذ الأجنة من ( الثلاجة ) وتوضع في رحم المرأة الأخرى ـ أو الرحم المستأجر (الرحم الظئر ) . وقد قيل في هذا الخصوص : إن بعض مراكز طفل الأنابيب تحاول أن تستفيد من الفائض من الأجنة لديها بأن تخلطها مع أجنة امرأة تحت العلاج ـ أو أنهم عندما يعيدون الأجنة إلى المرأة يعيدون لها أجنتها ، وربما يضيفون إليها واحدا أو اثنين من الأجنة في البنك لكي تكون فرصة الحمل ونجاحه أكبر .

4 الاستعمال الرابع للأجنة الفائضة التي في البنوك .. وهو الذي اصبح مجال جدل ونقاش كبير .. نقاش أخلاقي وعلماني ، وليس نقاشا شرعيا .. أقصد به استعمال الأجنة الفائضة في إجراء التجارب .. !!

وإجراء التجارب العلمية على الأجنة أصبح مطلبا علميا كبيرا في الأوساط العلمية، كما أنه أصبح يثير قضية : أخلاقية  ، اجتماعية ، وقضائية ـ شائكة ـ في الغرب .

مصير الأجنة الفائضة ـ لا شك ـ أصبح يثير اهتمام العالم اليوم .. ولابد للعلم والعلماء المسلمين من أن يبدوا الرأي الفني فيه ..؟

فإن كان الاستعمال الأول للأجنة الفائضة ( نقلها إلى رحم الأم مرة أخرى ) ـ أصبح مقبولا علميا واجتماعيا ، وربما شرعيا .. إلا أن الذي أراه : أن بقاء الأجنة في البنوك لمدة طويلة سوف ينتج عنه محظورات كثيرة ، أقلها أن تطلب الزوجة نقلها لها بعد وفاة زوجها .. وكما هو معروف أن وفاة الزوج تلغى شرعية الزواج .. كما أن بقاء الأجنة في البنك عرضة للاختلاط والخطأ ..

فإن كان لابد من وجود فائض في الأجنة ـ لضمان نجاح العملية ـ فإن الفائض يجب أن يستعمل فورا من قبل الأم الحقيقية ، وفي حالة قيام الزوجية ، ويرضاه الطرفين .. ولا يجب أن تلقى الأجنة الفائضة في الزبالة أو تهمل لتموت .. فإن ذلك يجب أن يكون مصيرها النهائي في رحم الأم .. وهناك رب العزة هو الذي يقرر مصيرها ..!

ولا أجد أن إجراء التجارب العلمية في الأجنة مقبول لدي .. فإنه ، وإن كان سوف يساعد العلم والعلماء على اكتشافات طبية .. إلا أن حرمة الإنسان يجب أن تصان !! حتى وإن كان عبارة عن خلية واحدة . وفي بريطانيا أصدرت لجنة شكلت لهذا الموضوع تسمى لجنة Warnack سمحت بإجراء التجارب على الأجنة في الـ 18 يوما الأولى من الحمل . أي قبل ظهور الميزاب العصبي .. وعلى الرغم من ذلك فإنه لا تزال هناك ـ في بريطانيا ـ معارضة كبيرة لإجراء التجارب على الأجنة الآدمية .

أما استعمال الأجنة لأعراض أخرى ـ كنقلها لامرأة أجنبية ـ فهذه قد حرمها الشرع ..

 

فالمطلوب ـ الآن هو أن :

توضع الأمور الشرعية في هذه المسألة واضحة ، بينة ، أمام الناس .. فالرغبة في الإنجاب ، وجهل الكثير من الأسر المسلمة بالحقائق الشرعية ـ في هذا الخصوص ـ قد أوقع البعض في محظورات ؟؟ .


الخلاصة :

1 إن البويضات الملقحة الزائدة ـ في عملية طفل الأنابيب ـ هي في الواقع أجنة بالعرف العلمي والشرعي .. وبما أنها أجنة فلها حرمة وكرامة يجب أن لا يعتدي عليها بالوأد (الإعدام ) .. ولا بالنقل إلى الغير (الرحم الظئر) ، كما يجب أن لا تكون عرضة للتجارب المعملية ، فهذه التجارب قد تكون بداية كارثة إنسانية.

2 إن عملية طفل الأنابيب قد صدر بحقها فتاوى شرعية .. أجازتها لعلاج العقم ، على أن يتم ذلك حال قيام الزوجة وبين الزوجين ، والذي أرجوه أن يضاف إلى تلك الفتوى ـ ما يضمن مصير الأجنة الفائضة ـ كأن يجب على الطبيب المعالج أن لا يترك فائضا من الأجنة .. دون إعادة حقنة في رحم الأم .. ويجب ان لا يتخلص منها بالإعدام أو الإهمال . فالله وحده هو الذي يملك حق تقرير مصير خلقه .. كما أن تركها في البنك قد يعرضها للاستخدامات الأخرى التي لا تقبل شرعا .. !

3 أرجو أن تؤلف لجنة في كل مركز طبي ـ في العالم الإسلامي ـ تقوم بعملية التلقيح الصناعي الداخلي أو الخارجي ( طفل الأنابيب ) .. ويناط بها مسئولية الإشراف والمتابعة . . ورعاية الأجنة الفائضة ، وحماية الأسر المسلمة من الووقع في المحظور المصاحب لهذه العمليات ..