|
حاجة بعض قضايا الطب النفسي الدكتور / دري حسن عزت - استشاري الطب النفسي / الكويت لا يختلف أحد على الكم الهائل من الضغوط المختلفة التي يتعرض لها إنسان العصر الحديث وتجعله نهبا للصراعات مما يدفع به إلى المعاناة . والبعض من المعاناة يدفع بالإنسان إلى ارتكاب الآثام والمظالم وتنكب الطريق السوي الذي بينته لنا تعاليم ديننا الحنيف وأخلاقيات تراثنا الحضاري . فالإنسان ليس خيرا كله كما أنه ليس كله شرا إذ يمتزج فيه العنصران ليتصارعا والخالق أعلم بمن خلق وما ركب فيه من طبع وطبائع وسبحان القائل في كتابه (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) أي أنبت فيها الخير والشر بل إن الفجور ذكر قبل التقوى لكن الله سبحانه عندما سوى النفس وألهمها الفجور والتقوى لم يتركها هكذا نهبا لعوامل الفوضى بل أوجد فيها أيضا الإرادة والقدرة على الاختيار بين مكونات طباعها ، وعلى هذا فهي عليمة بما تختار ومسئولة عما يصدر منها من سلوكيات كما أن ارتكاب الإنسان لما يدخل تحت وصف الفجور هو تصرف وارد متوقع ولا مفاجأة فيه . وارتكاب المعاصي يصاحبه ويعقبه معاناة نفسية تؤنب وتؤرق وتثقل على الضمير مما يخل بالتوازن والسواء ، وفي مجتمع الغرب وثقافة غير المسلمين ، عندما يرتكب الإنسان معصية تؤرقه يسمح له معتقده الديني أن يذهب للداعية الروحي أي رجل الدين ويعترف له بما اقترف ، فيشعر بعد الاعتراف ببعض الراحة واستعادة التوازن والهدوء . ليس هناك مثل هذه الممارسة في الدين الإسلامي ، وربما كان اللجوء إلى الطبيب النفسي أحد المنافذ التي يفرج الناس بها مما يكرب نفوسهم ويثقل على ضمائرهم ،ومن هنا يتبين ويتضح الدور المتنمي الذي يقوم به الطبيب النفسي المسلم في خدمة المجتمع ورعاية الصحة النفسية لإنسان العصر الحديث . والطبيب النفسي خلال عمله واستشارات المرضى ومراجعيه يقع على أسرار ويدري عن مواقف ويدلي بنصائح توقع به أحيانا في تناقضات بين ما يؤمن به من أخلاقيات وما يضطر إليه من إرشاد أو توجيه لإيجاد حل أو علاج عملي . ويجد أنه في بعض الأحيان يحتاج بجانب ضميره المهني إلى مساندة شرعية وتوضيح فقهي . وسوف أورد هنا بعض نماذج من أوضاع ومواقف يواجها الطبيب النفسي لكي يبدي فيها الفقه برأي . مريض مدمن على الخمر وحالته مزمنة لم تنفع معها علاجات عدة حوولت معه ومعروف ما يسببه الإدمان على الخمور من دمار للجسم والعقل والأسرة . يوجد ما يسمى بالعلاج السلوكي مبني على نظرية التنفير وأساس العلاج أن يرتبط عند المريض شرب الخمر بما يؤلم ويزعج بدلا مما يعتقده أنه يسعد ويبهج فيعطي من الخمر ما يشتهيه وما تعود على أن يشربه لكن قبل ذلك يحقن بعقار خاص مقيء ، فبعد شربه للخمر بفترة زمنية قصيرة يبدأ في الشعور بالغثيان والألم والقيء وبتكرار هذا النظام معه يرتبط عنده شرب الخمر بالغثيان والقيء فينفر منها ويقلع عن تناولها ـ وهذا العلاج يأتي بنتائج حسنة وبالأخص إذا تكرر كل عدة شهور . والسؤال الآن هل يصح للطبيب المسلم أن يصف الخمر للمريض المدمن عليها كعلاج للإقلاع عنها حسب النظام المذكور إذا أخفقت معه طرق العلاج الأخرى ؟ عملا بأن هذه الطريقة من العلاج لا تستخدم بالكويت ولكنها شائعة الاستعمال بالدول الغربية . حالات الشباب من الذكور الذين يمارسون العادة السرية ويعانون بعد الممارسة بالشعور بالذنب ولوم النفس وأحيانا الشعور بالاكتئاب والإثم ومعروف أن ظروفهم لا تسمح لهم الزواج وممارسة الجنس الشرعي الطبيعي . ما هي النصيحة العملية التي يسديها الطبيب لهذا النوع من الشباب وبعضهم يقع صريعا لمعاناة نفسية شديدة تؤثر على عملهم وأدائهم لاعتقادهم أنهم يرتكبون إثما كبيرا . مريضة تعاني من أعراض نفسية ويعلم الطبيب في أثناء فحصها أن السبب في معاناتها أنها تخون زوجها وبعد خروجها من حجرة الفحص يدخل زوجها مستفسرا عن حالة زوجته وعن أسبابها ما الرأي الشرعي فيما يقال له ؟ مريضة تعالج من مرض الفصام وهو مرض عقلي شديد تكون أعراضه أحيانا خفية لا تبدو بسهولة إلا لخبير وإنذارات هذا المرض ليست حسنة في الغالب . ويحدث أن يتقدم لخطبتها من أهلها شخص يعلم فيما بعد أنها تتردد على طبيب نفسي . ويأتي ليسأل طببها المعالج عن طبيعة مرضها دون علم أهلها . في مثل هذه الأمور يجد الطبيب أنه ملتزم بحفظ أسرار مرضاه في المقام الأول لكن في نفس الوقت حجب الحقيقة عمن له مصلحة في معرفتها يوقع به في متاعب وإحباطات كان يمكن تجنبها إذا عرف بالحقيقة في الوقت المناسب ، فما الرأي في هذا الوقت ؟ شخص يعمل مرشدا أي يتجسس على الناس
ويتلقط أخبارهم ليبلغ عنهم ويوقع بهم ، مثل هذا الشخص بالطبع يبالغ في
التخفي ولا يفصح عن مخبره لكن في بعض الأحيان نتيجة لما يراه قد سببه للآخرين
من مآسي نتيجة لنشاطه يغشى الكرب نفسه ويضطر للإفصاح للطبيب عن معاناته
ونعلم أنه لا يستطيع أن يرجع عن هذا النشاط لأنه حرفته ومهنته أو أن عليه
ضغوطا معينة تجبره على الاستمرار فما الوضع مع مثل هذا الشخص أيحذر الناس
منه ليتقوا خطره أم يحفظ سره فيستمر في شره ؟ . امرأة متأكدة أنها قد حملت من غير زوجها وتطالب الإجهاض لكي لا يذكرها الوليد مستقبلا باستمرار بما ارتكبته من إثم نحو زوجها ونحو نفسها ، هذه المرأة لها من زوجها عدة بنات ولم تلد بعد ذكورا وزوجها يعلم بالحمل الجديد ويتوقع أن يكون الوليد هو الذكر المنتظر فما الرأي في هذا الموقف المعقد ؟ . هذه بعض من الأمثلة والمواقف التي يواجهها الطبيب النفسي خلال ممارسته لمهنته وبالطبع نحن كأطباء لنا من المعايير الأخلاقية المهنية ما يوجهنا للتصرف في بعض هذه الحالات . لكننا نقف في حيرة وتردد أمام بعضها حتى نستطيع أن نصل للرأي أو المشورة التي نراها صوابا أو أقرب شيء للصواب قدر اجتهادنا ونظرتنا الشاملة لكل حالة حسب ظروفها لكننا نرحب دائما أن نعلم برأي الشرع ومشورة الفقه حتى نشعر باطمئنان كبير عندما نهتدي في ممارستنا المهنية بالمشورة الفقهية .
|