موقف الطبيب المسلم بين الشريعة والقانون
للدكتور عبد الرزاق السامرائي - أخصائي طب العيون بمستشفى ابن سينا الكويت

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم .
قال تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لم بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) المائدة آية / 48 .

( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) الجاثية آية 18 .

وقال تعالى :

( فلا تخشوا الناس واخشوني ) المائدة أية 44 .

( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) الأحزاب آية 51 .

( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) آل عمران 31 ، 32 . صدق الله العظيم

يضع الأطباء أمام أعينهم دائما ويعملون على ذلك لمصلحة الناس وبذلك يسعدهم ويسرهم لو عرضت أعمالهم هذه على ضوء الشريعة الإسلامية ، وإنهم أي الأطباء على صلة وثيقة بالسادة العلماء حول كثير من الأمور المستجدة وتمحيصها ووزنها بميزان الشريعة الإسلامية واستنباط الأحكام الفقهية من مصادرها على أسس الشريعة الإسلامية أعني القرآن والسنة ليتمكن الأطباء الاستناد إليها والاسترشاد بها لما بذلك منفعة المرضى ، والطبيب مستعملا حقه في أطر وقواعد الشريعة الإسلامية ويكون بمنأى عن المساءلة القانونية ومحاسبة الضمير.

هناك كثير من الأمور يمكن أن تحدث ليس بتعمد من الطبيب وليس باليد حيلة لإنقاذ ذلك أو التصرف بصورة أفضل وعلى كل فإن الطبيب بعيد عن أي مساءلة قانونية ، هناك حالات قليلة لم يقصد الطبيب فيها ويعمل كل جهده لإنجاحها ويسره ذلك . فمثلا نجري بعض العمليات الجراحية لرفع الماء الأبيض أو زرع القرنية أو تخفيض ضغط العين لمرضى داء الزرق العملية تسير بكل نجاح وفي اليوم التالي أو بعد يومين يحدث التهاب العين الداخلي ويبذل الطبيب كل جهده لإشفاء ذلك وأحيانا يتم الشفاء ويخمد المرض ولكن العين لا تبصر وفي حالات أخرى المرض لا يخمد ولا يشفى ويسبب وهنا وألما شديدا وضعفا تاما للمريض حيث يضطرنا ذلك وليس باليد حيلة لرفع العين وتسكين آلام المريض وتحسين حالته الصحية ولكنه على إثر هذه العملية المريض قد فقد بصره وأخيرا فقد عينه ، وحالات أخرى نادرة جدا لبعض المرضى الذين لديهم ضغط الدم غير المنظم بصورة جيدة مع داء السكري حيث كذلك يكون غير منظم والمرضى على الأغلب من النوع اللامبالي هؤلاء لديهم أحيانا ماء أبيض في أعينهم كامل أو لديهم داء الزرق ويحتاجون لذلك إلى إجراء عملية إما لإزالة الماء الأبيض أو لتخفيض ضغط العين ، وطبعا يتم ذلك بعد تنظيم ضغط الدم والداء السكري ولبعض منهم يحدث نزف شديد أثناء العملية الجراحية رغم حرص الطبيب على تجنب ذلك وبذل كل جهده لتنظيف وغسل هذا النزف ولكن أحيانا بدون جدوى ، وأحيانا هذا النزف يتطلب أسابيع بل شهورا حتى يمتص وفي أثناء ذلك يؤثر على العين ويفسدها ويحطم الخلايا البصرية ويصبغ قرنية العين حيث الإبصار بها يصبح مستحيلا .

وبعضها يتحول إلى داء الزرق النزفي الثانوي والعين تصبح مؤلمة جدا رغم كل الجهود لخفض ضغط العين أو لتسكين الآلام ولكن بدون جدوى وفي النهاية نضطر إلى رفع العين وبالتالي المريض يكون قد خسر عينه وبصره من جراء هذه العملية . كل هذه الحالات والطبيب بمنأى عن المساءلة القانونية ولكنه دائما بمحاسبة نفسية من تأنيب للضمير وخوف من الله إن هو ارتكب خطأ أو قصر في عمله لإنقاذ العين من الالتهاب أو النزف ومنع حدوث العمى أو رفع العين والمريض كان كل أمله أن يبصر بعد العملية ويرى النور ولكن شاء الله أن لا يرى النور بل أظلمت الدنيا أمامه وحتما الطبيب بذل كل جهده ولم يقصر ولكن بدون جدوى ؟!

حالات أخرى طبعا لم يقصد الطبيب الإفساد أو الضرر مطلقا ولكن يقصد علاج مرض العين الشديد والعلاج أحيانا يعطى بزرف المادة تحت المتلحمة أو خلف العين ويحدث نادرا جدا ( حالات نادرة جدا قد نشرت ولم أقرأ أو أسمع أثناء تخصصي وممارستي طوال اثنتى عشرة سنة إلا خمس حالات ) الإبرة تدخل داخل الكرة العينية ويحدث مزق ، تسمم والتهاب للأجزاء الداخلية للعين ورغم كل الوسائل لإنقاذ العين وإخماد الالتهاب أو تسكين الألم أو منع المفسدة ولكنه لم يجد نفعا على الأغلب ويفقد المريض عينه ويفقد الإبصار وربما نضطر في بعض الأحيان إلى رفع العين في هذه الحالة الطبيب لم يسأل ويكون بمنأى عن المساءلة القانونية ولكنه بعذاب النفس يعيش ويفكر دائما بما عمل من خطأ وأفسد العين التي كان من المفروض إصلاحها بمشيئة الله فهل يخضع الطبيب للمساءلة الشرعية ويدفع الدية ؟!

هناك مريضة تعالج من مرض مزمن بالعين (التهاب العنبية ) وكانت تعالج بالكرتيزون حتى سكن وخمد الالتهاب وبقيت المريضة تأخذ العلاج بصورة مخفضة لمنع تكرار المرض ( 5 ملم غرام ) ولكن المريضة قد حملت وكانت في الشهر الثالث وقد طلبت لجنة طبية وتطلب إسقاط الجنين مدعية بأن هذه الحبوب قد تضر الجنين أو وقف استعمال الأدوية ولكن لم يثبت بأي من البحوث الدولية بأن هذه الحبوب تضر الجنين وإيقافها يضر بالعينين ويعيد الالتهاب وأكد طبيب النساء والذي يوجد بهذا الاجتماع أن لا ضرر باستعمال الأدوية على الجنين مطلقا ولم يعطها أي رخصة بإسقاط الجنين . ولكن المريضة ذهبت لمكان ما وأسقطت الجنين وتم الإجهاض كما عرفت وهي في الشهر الرابع ؟ ! .

مريض جاء إلى اللجنة الطبية للعيون يطلب تخفيف عمل ( مدرس اللغة العربية ) إحدى عينيه ضعيفة الرؤية أقل من 6 / 60 لوجود عتمة في القرنية كثيفة والعين الثانية في البداية 24 / 6 وعندما قلنا له ستسحب منك كذلك رخصة القيادة وصلت الرؤية إلى 12 / 6 المريض لديه رخصة قيادة سارية ولمدة أكثر من خمس سنوات من الناحية القانونية ولكن بهذه الرؤية لا يمكنه قيادة السيارة حيث الرؤية لديه أقل من المطلوب كذلك قانونا الذي يتطلب 12 / 6 لعين واحدة والاستمـرار بقيـادة السيارة إفساد وإضرار بالآخرين ، من هذه الحالات كثير جدا ؟! .

من الواجب على الطبيب المسلم أن يستنير ويسترشد بآراء السادة الأفاضل العلماء والبحث معهم في الأمور والحالات التي تصادفهم في حياتهم اليومية ليستنبطوا لهم الأدلة من قواعدها الشرعية وليسترشدوا منهم للعمل نحو الأفضل في سبيل مصلحة المرضى ، وكذلك يجب الاستئناس بآراء الأفاضل من رجال القانون المتمسكين بدينهم ومناقشتهم في بعض الأمور التي تصادفهم والاستنارة بآرائهم ليكون لديهم الاطلاع الواسع من الناحية الشرعية والتي هي الأساس وكذلك من النواحي القانونية التي لا غنى للناس عنها في الوقت الحاضر .

فالواجب المطلوب من الطبيب أن يكون أمينا صادقا وماهرا في مهنته يعطي للمهنة حقها مع الإحاطة الكاملة ويبذل كل جهده نحو الأفضل ويعمل على مصلحة المريض مع العناية الكاملة بالفحص والدقة بالتشخيص وإعطاء العلاج . ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )

صدق الله العظيم .