إفشاء السر والأمراض العينية
الدكتور عبد الرزاق السامرائي
أخصائي طب وجراحة العيون - مستشفى ابن سينا الكويت

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم .

قال الله سبحانه وتعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم ( وأقيموا الشهادة لله ) الطلاق آية 2 .

وقال ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) . النساء آية 135 .

وقال ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) المائدة آية 8 .

وقال رسول الله r

" من استشهد فليشهد"

" جاء رجل إلى رسول الله r يشهد في قضية فقال له الرسول r ارفع رأسك إلى السماء فسأله ماذا يرى فقال الشمس ، فقال هل يسترها حجاب ، قال لا قال على مثلها فاشهد وإلا فدعها " صدق رسول الله r .

هناك بعض الحالات نقف أمامها في حيرة من الأمر هل يقول الطبيب بحقيقة الأمر ويجلي الصورة . أو هل يلمح بصورة الإشارة أو يعرض ويسكت أو كما قال إبراهيم عليه السلام عندما سئل من كسر الأصنام.

بسم الله الرحمن الرحيم ( قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون ) الأنبياء (62،63) .

فمثلا هناك ثلاث حالات متشابهة لمرضى لديهم جروح نافذة للعين بجسم غريب حاد (زجاج) فقد تمزق الجزء الخلفي للعين (الشبكية ـ الجسم الزجاجي نزف دموي داخل الجسم الزجاجي أو خروج الجسم الزجاجي كليا ، تمزق أنسجة غلاف الصلبة من الخلف ) وبعد ترميم وخياطة وإرجاع شكل العين إلى الشكل الطبيعي حيث يبقى مظهر العين الخارجي بعد ذلك جيدا ولكن من الناحية الوظيفية العين لا ترى وعمياء من الناحية العملية فالحالة الأولىـ فرنسي ـ عندما شرحت له الأمر وأن عينه تالفة وفقد البصر ـ بكى ـ وقال لي ـ أرجوك لا تخبر زوجتي حيث إنها ستفارقه وتطلقه ـ فتعجبت من ذلك ودهشت ، وأحمد الله لم أقع في هذا المأزق ولم أر زوجته ، ولكن كان في مخيلتي لو سألتني سأقول لها الحقيقة أم سأستجيب لطلب المريض وأخفي الحقيقة عنها ؟!

الحالة الثانية مشابهة جدا للأولى ولكن الحادث هنا في الكويت بعد عمل اللازم للعين وتصليحها وأصبح مظهرها جيدا ولكن من الناحية العملية عمياء لوجود نزف دموي داخل الجسم الزجاجي مع انفصال الشبكية الكلي والمريض له علم كامل بذلك ولكنه أراد إخفاء ذلك عن عائلته وأقربائه والغاية حسب ما عرفت أن لا يصل الخبر إلى خطيبته حيث من المحتمل لو عرفت ستفسخ الخطوبة وسئلت كثيرا من قبل أقارب المريض وكنت أقول دائما " الله أعلم فالمريض يقول إنه يرى " ولكني أعرف جيدا أنه لا يرى والعين عمياء متمثلا بذلك بقول إبراهيم عليه السلام عندما سئل عن من كسر الأصنام .

هناك أمور أخرى دائما أفكر فيها وأحيانا تقلقني ، حيث من المعلوم أن الإنسان معرض لأي مرض أو حادث في أي وقت أو ساعة والعين ضمن ذلك تتعرض لتغيرات مرضية وحوادث كثيرة وكبر السن له أثر أو ما يعرف بالتغيرات الشيخوخية فكثير من هؤلاء لديهم إجازات قيادة سيارة وهذا الأمر فيما أعتقد أنه مهم جدا وبعضهم نجد أن لديه رخصة قيادة سارية ولكنه لا يرى ولا يستطيع أن يقود ولكن هذا المريض يكابر ويستمر في قيادة السيارة ولا يذهب بنفسه لإسقاط هذه الرخصة وبعضهم لا يرجى شفاؤه أو تحسن الرؤية لديهم حتى بعد استعمال العلاج أو إجراء العمليات الجراحية أي لديهم ضرر دائم ، والبعض الآخر لديهم تغيرات مرضية مؤقته في أعينهم فمثلا وجود الماء الأبيض(الساد) لديهم وهذه عتمة العدسة التي هي طبيعيا شفافة حيث تتأثر هذه العدسة الشفافة ببعض الأمراض الموضعية (التهاب العين ، حوادث ، رضوض أو جروح نافذة ) أو أمرض عامة خاصة داء السكري أو فعل الزمن وطول العمر وما يسمى بالساد الشيخوخي وهذا عرض مؤقت حيث بعد إجراء العملية الجراحية وإزالة الماء الأبيض من العين فيمكن للمريض أن يرى بصورة جيدة (إذا كانت الشبكية والعصب البصري جيدة وسليمة ) بعد وضع النظارات الطبية أو العدسات اللاصقة أو زرع العدسات داخل العين أي يجب أن يكون هناك منع مؤقت لقيادة السيارة حتى يزول المانع وترجع الرؤية الجيدة للمريض وهذه الحالات تصادف طبيب العيون كثيرا ولكن لا يستطيع أن يعمل شيئا لأن في ذلك ضررا للمريض نفسه قبل غيره وبعد ذلك ضررا للآخرين وخاصة لو صادف أطفالا بالشارع فغالبا الطبيب يقوم بواجبه بنصح المريض بعدم قيادة السيارة مطلقا إذا كان مرض عينه لا يشفى ولا يوجد أي أمل في الشفاء أو يترك قيادة السيارة مؤقتا إذا كان بالإمكان شفاء مرض عينيه وإعادة النظر إليه وبإمكانه قيادة السيارة بعد ذلك ولكن أغلب المرضى لا يستجيبون لذلك ويكابرون ويزعمون بأنهم يستطيعون قيادة السيارة وأن نظرهم جيد !

فقد أمرت الشريعة الإسلامية بحفظ الأسرار وكتمانها وعدم إفشائها لدوام الألفة ولصون حقوق الناس فقد روى عن النبي r أنه قال " إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته أو تفضي إليه ثم ينشر سرها " صحيح مسلم ص 106 حديث رقم 1437 .

وقال r " إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة " رواه الترمذي في سننه ، شرح العون (6/93ـ93) .

وقد أمر الرسول r بكتمان ما يدور في المجالس وعدم إفشائه وقال r " المجالس أمانة " أي أن الرجل إذا حضر مجلسا لقوم يخوضون في حديث ربما يكرهون إذاعته فيأمنون على سرهم وأصبح هذا المجلس كالأمانة التي تحرم خيانتها .

عن ثابت عن أنس قال " أتى علي رسول الله r وأنا ألعب مع الغلمان قال : فسلم علينا ، فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي ، فلما جئت قلت ما حسبك ، قلت بعثني رسول الله r لحاجة ، قالت ما حاجته قلت إنها سر قالت لا تحدثن بسر رسول الله r أحد قال أنس والله لو حدثت به أحدا لحدثتك " صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ص 192 رقم الحديث 4282 .

وعن أنس بن مالك أنه قال " احفظ سري تكن مؤمنا " فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن إفشاء الأسرار يعد من الكبائر (الكبائر لابن حجر العسقلاني ج2 ص 27) .

إن الشريعة الإسلامية تأمر الناس بأن يحفظوا الأسرار فيجب على المسلم أن يلتزم بها وأن يحافظ عليها ، وإن الشخص إذا علم سرا أو اؤتمن عليه أو عرفه بحكم مهنته عليه ألا يفشي السر فلذا يجب على الأطباء ألا يفشوا الأسرار وأن يغضوا الأبصار عن المحارم ولا يهتكوا الأستار .. والقاعدة في الشريعة الإسلامية هي حرمة الإفشاء متى كان من شأن ذيوع السر أن يلحق الضرر بصاحبه وهو على قيد الحياة أو بعد موته ، ولكن يجوز للطبيب أن ينشر أبحاثه المتعلقة بما وصل إليه من نتائج دون الحاجة إلى ذكر أسماء من أجرى عليهم الفحوص أو نشر صورهم أو إذاعة أسرارهم وذلك للمنفعة العلمية العامة إن لم يكن انتهاك في ذلك لحق الناس في أسرارهم .

ولكن هناك حالات في الشريعة الإسلامية يكون فيها إفشاء السر واجبا وذلك في الحالة التي كون فيها كتم السر مؤديا إلى مفسدة ، فإذا عهد شخص بسر إلى آخر ، مضمونه ارتكاب جريمة زنا أو سرقة أو قتل أو حيازة رخصة قيادة مع ضعف البصر الشديد فعلى من عرف مثل هذا السر أن يفشيه فقد يكون في إفشائه مصلحة ترجى عسى من سمع بالخبر قبل وقوع المفسدة فيهب لمنع تلك المفسدة أو إذا وقعت تلك المفسدة يساعد في الحقيقة للمصلحة العامة ، كما روي عن الرسول r حيث قال والمجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجلس سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطع مال بغير حق " فتح الباري بشرح صحيح البخاري .

وقد سئل أديب كيف تحفظ السر قال أنا قبره ، وقالوا : صدور الأحرار قبور الأسرار ، وقال آخر استره واستر أني أستره ..
وبعد هذا أترك الأمر للسادة الأفاضل العلماء ورجال القانون لإرشادنا ونصحنا بكيفية معالجة هذا الموضوع الحساس وتبصيرنا بما هو أفضل ،وأرجو منهم ألا يعتبروا ما سبق رأيا قاطعا لنا حيث نحن لا نستغني عن آراء الأفاضل ونستفيد بما يبينوا لنا من الأحكام والأدلة الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة بالقياس بأمور مشابهة لتلك .

( وقل رب زدني علما ) .
وجزى الله العاملين خيرا .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .،