|
التصرف في أعضاء الإنسان 1 - قال الله في كتابه العزيز : " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) الإسراء / 70 . وتكريم الإنسان ، بأنه سبحانه خلقه بيديه ، فأحسن خلقه ، وشق له سمعه وبصره ، وفضله على سائر المخلوقات : بالعقل ، والعلم والنطق ، والقدرة على الإبداع ، بما زوده به من الاستعدادات التي أودعها في فطرته ، وأسجد له ملائكته ، وسخر له ما في الكون ، واستخلفه في الأرض ، لنشر دينه ، وبث شرعه ، وإنفاذ حكمه. 2 - وقد ابتنى على هذا التكريم ، وجوب الحفاظ على بقاء هذا النوع ، بأسلوب شريف نظيف ، ومنع الوسائل التي تؤذيه ، أو تضعفه ، أو تقطعه ، أو تميته ، إلا بحق : فلا يجوز قتله ، لقوله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) النساء / 29 نهى الله عن قتل الإنسان نفسه ، وعن قتل الناس بعضهم بعضا ، وعما يؤدي إلى القتل والهلاك ، كتناول المخدرات ، واستعمال السموم الضارة بالجسم ، والمجازفة فيما يخشى منه الهلاك . ففي حديث " عمرو بن العاص ، أنه لما بعث في عزوة ذات السلاسل قال : احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ،، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمنا على رسول الله r ـ ذكروا ذلك له ، فقال : يا عمرو ! صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فقلت : ذكرت قول الله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) فتيممت ، ثم صليت فضحك رسول الله r ـ ولم يقل شيئا " . فعموم الآية حجة صحيحة ، تمسك بها عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ في اجتناب ما يهلك ، مع أنه واجب شرعي ، لأن حفظ النفس مقدم على واجب الشرع . 3 0 ولا يجوز قتل النفس المؤمنة عمدا ، لعصمتها بالإسلام ، وبالمقام في ديار المسلمين ، إلا فيما نص عليه الشرع . قال تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ..) النساء / 93 وقال : ( والذين لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ) الفرقان / 68 وربما سمي ذلك كفرا ، كما في قوله ـ عليه الصلاة السلام ـ في خطبته في حجة الوداع : " لا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض " . وفي الصحيح " عن أنس بن مالك ، عن النبي ـ r ـ قال : أكبر الكبائر : الإشراك بالله ، قتل النفس ، وعقوق الوالدين " . ولم يستثن الشارع من ذلك إلا اثنين : 1 - القتل خطأ ؛ وأوجب فيه الكفارة حقا لله ، والدية حقا للعبد . 2 - القتل بحق ؛ وهذا حديث " عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله r ـ " لا يحل دم امريء مسلم ، يشهد أن لا إله إلا الله ، وأتى رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمارق من الدين ، التارك للجماعة " . 4 - ولا يجوز الاعتداء على الإنسان بإطلاق ، حتى في حال القتال المشروع . قال تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ) البقرة / 190 أي قاتلوا في سبيل الله ، ولا تعتدوا في قتالكم للكفار ، واجتنبوا المثلة ، وقتل النساء ، والصبيان ، والشيوخ العجز ، وأصحاب الصوامع ، وقاتلوا من يقاتلكم . ففي حديث " بريدة أن رسول الله ـ r ـ كان يقول اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوليد ، ولا أصحاب الصوامع " . وإذا كان هذا هدي الإسلام في الحرب المشروعة ، فما الظن بهديه في السلم ، ، وفي بلاد الإسلام ، وفيما بين المسلمين ؟ ويقول أهل العربية : إن حذف المتعلق ، أو المفعول في قوله : "ولا تعتدوا " مؤذن بعموم النهي عن الاعتداء بإطلاق ، أي لا تعتدوا على أحد ، وما الاعتداء إلا مجاوزة ما ينبغي الاقتصار عليه ، سواء أكان في النفس أم كان في غيرها ، كما في قتل الحيوان ، وتحريق الأشجار لغير مصلحة ، وسواء أقل العدوان أم كثر . ويشتد الإثم في الاعتداء على المسلم ، فضلا عن الذمي الكافر ؛ بل لا يجوز إيذاء المسلم بقول ولا فعل ولا نظر : لأن " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده و " لا يحل لمسلم أن ينظر إلى أخيه بنظر يؤذيه " ولا يحل لمسلم أن يروع مسلما " . وفي نصوص كثيرة من السنة ، تحرم إيذاء المسلم ، فصلا عن اقتطاع الأعضاء ، هذا الذي نواجهه في هذا البحث . 5 - ولا يحل التصرف في الإنسان المكرم عند الله ، ببيعه ، أو بيع أي عضو منه ، حيا أو ميتا : ولا ينفذ ذلك البيع ، بل هو باطل ، يلزم نقضه ، ولا يقبل الإجازة ، ولا تسرى عليه أحكام التقادم ، ولا يلزم بالقبض ولا بالشروط ، ولا يترتب عليه حكم من الأحكام التي تترتب على العقد الصحيح ـ كما يقول الكاساني . ففـي حديث " أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ r قال : قال الله تعالى : " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة " رجل أعطى بي ثم غدر. ورجل باع حرا فأكل ثمنه . ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ، ولم يعطه أجره " . وهذا الحديث الصحيح من الأحاديث القدسية ، وإن رواه السيوطي مختصرا ، غير مسند إلى الله عز وجل . والحديث يدل على تحريم بيع الحر ، وعظم ذنب هذا البائع المنتفع بثمنه على أي وجه كان الانتفاع لأن من باع الحر كان غاضبا لعبد من عباد الله ، وليس لأحد غير الله سبيل عليه ، فالمغضوب منه ، وهو رب العالمين ، خصم للغاضب . ولهذا لم يختلف الفقهاء في أن بيع الحر لا يجوز ، قال ابن المنذر " وأجمعوا على أن بيع الحر باطل . 6 - والفقهاء يعللون عدم جواز بيع الحر ، ولا بيع أعضائه ، لعدم ماليته ، إذ من شروط صحة عقد البيع ـ بالإجماع ـ أن يكون محله قابلا للتعاقد ، وذلك بأن يكون : مالا متقوما مملوكا جائز الانتفاع به . والآدمي ـ في مجموعه ـ لا يقع تحت اليد ، ولا يقبل التملك ولا التمليك ؛ لأن محل الحقوق والعقود ، هو الأموال والأشياء ، والآدمي ـ كما يقول الكرخي ـ " خلق مالكا للمال ، وبين كونه مالكا للمال ، منافاة " . فإن صرح الحنفية بأن أطراف الإنسان ـ كاليد والرجل والعين والأنف والأذن ونحوها ـ يسلك به مسلك الأموال ـ كما يقول الكاساني ـ فهذا لا يعني ماليتها ، ولا أنها أموال حقيقة ، بل إنها تضمن بالدية والمال ، في حال سقوط القصاص بسبب ما ؛ كما في حال الإذن ، أو الأمر بقطع اليد ـ مثلا ، إن كان القاطع غير طبيب ـ لأن الأمر بالقطع أورث شبهة ؛ والشبهة هنا ، لها حكم الحقيقة ؛ ولكن يضمن دية عصمة دم المسلم قائمة مقام الحرمة ؛ وسقوط القصاص للشبهة ، لا يمنع وجوب المال للحرمة . 7 - غير أن الفقهاء ، مع تقديرهم عدم قابلية الإنسان وأجزائه للتعاقد استثنوا لبن الظئر (المرضع) فهو وإن كان جزءا من المرضع ، ولا يكون محلا للعقد ، لكنهم أجازوا عقد الرضاعة ، الذي يرد على اللبن ذاته ، استثناء واستحسانا ، للضرورة ، نظرا للطفل ، لأن حقه في الحياة ، وذلك بالغذاء باللبن ، أهم من كرامة الإنسان ؛ وحفظ الحياة على النفس الإنسانية راجح على الاعتبارات المعنوية ، لأن هذه صفات الذات ، وتلك بها قوام الذات نفسها ؛ فلهذا أبيح هذا العقد ، لمكان الضرورة ، ومواقع الضرورة مستثناة في الشرع . واعتبر الفقهاء عقد الرضاعة عقد إجازة ،وهو استئجار المرضع لتغذية الطفل بلبنها ؛ ولما كان العقد واردا على استهلاك العين ، وهو اللبن ، والإجارة في الأصل ـ ترد على المنفعة لا العين ، فقد كان مقتضى القياس الفقهي عدم جوازها ، فلذا قرروا أن استهلاك العين ، وهي اللبن ، ليس مقصودا ، بل هو تبع لخدمة المرضع للصبي . وكم من أمر لا يجوز أصالة ، ويجوز تبعا ؟ فكذا لبن المرضع ، لا يجوز العقد عليه استقلالا ، لأنه جزء الآدمي ،ويجوز تبعا . وهذا التكييف الفقهي استحسان ، دليله النص ، وهو قوله تعالى : ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) الطلاق / 6 . 8 - العلاج بأعضاء الآدمي الميت : ولما ذكرنا من كرامة الإنسان ، لم يجز فقهاء الحنفية والجمهور ـ بوجه عام ـ الانتفاع بأجزاء الآدمي ، في العلاج وغيره ، سواء أكان حيا أم كان ميتا ، وأجازوا التداوي بما سوى الإنسان من الحيوان مينا ، مذكي أو غيره ، من عظم أو طرف ، وذلك للضرورة ، سوى الخنزير ، لنجاسته . والضرورة في الاصطلاح الأصولي : نازلة لا يمكن التغلب عليها إلا بارتكاب محظور يباح لأجلها . ومع ذلك فقد قيد الحنفية الانتفاع بأجزاء الحيوان الميت ، للعلاج : أ - بأن يرى ذلك طبيب مسلم . ب - وأن يتعين شفاؤه به . ج - وأن لا يكون في المباحات ما يقوم مقامه . أما الشافعية ، فربما كان مذهبهم أوسع من غيرهم في الانتفاع بأجزاء الآدمي إذا كان ميتا ، فأجازوا للمضطر أكل لحمه ؛ وعلله الإمام النووي ـ رحمه الله ـ بأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت . كما أن المفسدة المترتبة على أكل لحم الإنسان ، دون المفسدة المترتبة على موته . ونقل عن الشيرازي وجمهور الشافعية الجزم به . ونقل عن الدارمي الفرق : بين ما إذا كان الميت كافرا ، فيحل أكله ؛ وبين ما إذا كان مسلما ، ففيه وجهان . ولو كان المضطر ذميا ، ووجد مسلما ميتا ، ففي حلّه عندهم وجهان : وذكر النووي أن القياس تحريمه عليه ، لشرفه . ويبدوا أن ضرورة العلاج بنقل أجزاء الآدمي الميت إلى الحي ، هي كضرورة تناول لحم الميت ، بل هي أولى ، لأن تناول اللحم الميت إتلاف له ، لاستبقاء الحياة ؛ أما نقله إلى الحي فهو إبقاء له ، مع استدامة الحياة للحي . 9 - الانتفاع بأجزاء الآدمي الحي ، بأكلها للمضطر ، وكذا لضرورة العلاج ـ فيما بدا ـ فقد طرح الشافعية فيه أربع صور : الأولى : أن يكون المقتطع منه حلال الدم ، غير معصوم بإطلاق ، كالحربي والمرتد : فهذان يجوز للمضطر قتلهما وأكلهما بلا خلاف . الثانية : أن يكون المقتطع منه معصوما في الأصل ، لكن طرأ حل دمه بمعصية جعل الشارع حدها القتل ؛ وهذا الزاني المحصن والمحارب ( وهو الباغي الخارج على الإمام العادل ) وتارك الصلاة ؛ فقد ذكر النووي في قتلهم وأكلهم وجهتين : أصحهما الجواز .. قال : " لأنا إنما منعنا من قتل هؤلاء ، تفويضا إلى السلطان لئلا يفتات عليه ؛ وهذا العذر لا يوجب التحريم ، عند تحقق ضرورة المضطر " . الثالثة : أن يكون المقتطع منه حل دمه بحق للقاطع عليه ، كحق القصاص لولي الدم على القاتل عمدا ؛ فهذا الذي قرر النووي جواز قتله قصاصا ، وأكله سواء أحضر السلطان قتله أو لا . الرابعة : أن يكون المقتطع منه معصوما ، كالذمي والمعاهد والمستأمن ، فهؤلاء يحرم قتلهلم للأكل ، بلا خلاف . 10 - وإذا كانت ضرورة العلاج كضرورة الأكل فإنه ينبغي في الظاهر منع الاقتطاع من أصحاب القسم الثاني الذين ذكرهم الإمام النووي ، وهم الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة ، لأن حدهم قتلا لحق الشرع ، واقتطاع أجزاء من جسمهم زيادة في الحق أو الحد ، لا تجوز في الشرع إلا أن يأذنوا بها . وينحصر جواز الاقتطاع في النوع الأول : الحربي والمرتد ، لأنهما عاديا أهل الإسلام ، وصيرورته عدوا للمسلمين . كما ينحصر جواز الاقتطاع في النوع الثالث وهو القاتل العامد ، بشرط أن لا يؤدي الاقتطاع إلى التمثيل الذي نهي عنه الشرع ؛ لأن المشروع هو قتل المذكورين ، والشارع أمر بإحسان القتل بإطلاق ، بحديث " إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة " .. الحديث فإذا لم يؤد الاقتطاع إلى التمثيل والتعذيب كان جائزا . 11 - انتفاع المضطر بشيء يقتطعه من بدنه : قرر النووي في هذه المسألة وجهين : أحدهما لأبي إسحاق ، وقد استجازه ، لأنه إحياء نفس بعضو فجاز ، كما يجوز أن يقطع إذا وقعت فيه الآكلة ( لعلها الغرغرينا ) وذلك لإحياء نفسه . والآخر لبعض الشافعية أنه قال : لا يجوز ، لأنه إذا قطع عضوا منه كانت المخافة عليه أكثر . ويبدوا أنه إذا كان المقطوع عضوا يقطع بالهلاك باقتناعه ، أو بما في معنى الهلاك بالاقتطاع كالشلل ، لا ينبغي أن يجوز ، لأنه عندئذ كالانتحار وتعجل الموت ؛ وقد نهى عنه في حديث : " من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى خالدا مخلدا فيها أبدا ؛ ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا ؛ ومن قتل نفسه بحديدة يتوجأ ( يضرب ) بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا" أما إذا كان المقطوع عضوا يقطع بعدم الهلاك باقتطاعه، بالتجربه أو بعملية الطبيب الحاذق ، فينبغي أن يجوز الاقتطاع ، كما في اقتطاع اليد والإصبع والكلية ونحوها . ومن الواضح أن هذا الاقتطاع مشروط : أ - بأن لا يغني عنه غيره . ب - وبأن لا يفضي إلى الهلاك ونحوه . 12 - اقتطاع عضو من الآدمي الحي لعلاج غيره : نص الإمام النووي على هذه المسألة وقرر : 1 - أنه لا يجوز أن يقتطع الإنسان لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف . 2 - وأنه ليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئا ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف . صرح به إمام الحرمين والصحاب " . كما نص الحنفية على أنه لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر ولا شيئا من بدنه . وعللوه بأن الضرر لا يزال بمثله . 13 - إباحة الحي اقتطاع عضو منه لمعالجة غيره به : هذه صورة أثيرة من صور الإيثار على النفس ، والإحسان المرغب فيه ، ومن شمولات قول الله تعالى : ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) المائدة / 32. ولا مرغوب فيه أعظم أجرا من هذا . غير أنه يؤخذ من ظاهر نصوص الحنفية أن الاقتطاع لعلاج المقتطع منه جائز ، لا لأكل المضطر ، فقد نصوا على أنه لو قال رجل لآخر : اقطع يدي ، فقطعها : " فإن كان (القطع) بعلاج ، كما إذا وقعت في يده أكلة ، فلا بأس به ؛ وإن كان من غير علاج لا يحل " . ويقول ابن عابدين " إن قال له آخر : اقطع يدي وكلها لا يحل ، لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار ، لكرامته . 14 - فبناء على هذا لا يبيح الحنفية لحم الإنسان عند الاضطرار مطلقا ، لا لنفسه ولا لغيره ، وذلك لكرامته . وكذلك لا يجوز عندهم قطع أي جزء من أجزائه لغير العلاج ؛ ولا تعليل إلا ما علل به الأول ، وهو الكرامة . أما اقتطاع جزء منه لعلاجه هو ، فهذا جائز عندهم ، للضرورة ، كما في النص الأول المنقول عنهم . وظاهره أنه لا يجوز القطع منه لعلاج غيره ، فكأن علته انتفاء الضرورة ، وهي هنا خوف الهلاك والتلف بل المخوف منه هلاك المقتطع منه . لكن هل يمكن أن يقال : إن الحنفية أجازوا الاقتطاع للعلاج ، فهذا هو المبدأ ، وإن كان لعلاج نفس المقتطع منه وخوف هلاكه ؛ غير أن خوف هلاك غيره كخوف هلاك نفسه ، بجامع وصف الإحياء في كل ؟ والإحياء مطلب مؤكد شرعا مرغب فيع بالآية السابقة . وقد نص الحنفية وغيرهم على أن من وجد إنسانا مشرفا على الهلاك غرقا ، وهو قادر على إنقاذه ، فلم يفعل حتى مات ، فإنه يأثم بذلك ؛ بل قال بعض الحنابلة : إنه تلزمه ديته ؛ وإذا فما المانع من جواز الاقتطاع من الإنسان لعلاج غيره ، إذا كان يأذن بهبته في الحياة ، أو وصيته بعد الوفاة ، ونحوهما من التمليكات بغير عوض بالشروط التي سنذكرها ؟ فإن قيل : إن الحنفية نصوا على أن لحم الإنسان لا يباح في حال الاضطرار ، لكرامته ـ كما تقدم ـ . فقد يمكن الجواب : بأنهم نصوا على عدم جواز إباحته بالأكل ، للإتلاف ؛ وفي الإتلاف إهدار لكرامته ؛ أما الاقتطاع لعلاج الآخرين فليس فيه إتلاف لأجزاء الإنسان ، ولا إهدار لكرامته ، ليكون ممنوعا ، بل هو إنقاذ لحياتهم ، واستبقاء لذلك الجزء المقتطع ببقاء ذلك الإنسان المعالج به ؛ وليس في هذا إهانة ، بل هو إغاثة ، وإحياء وإعانة ، وعمومات الشرع وإطلاقاته لا تأبي ذلك ، بل تحث عليه ، وتندب إليه . 15 - ومع ذلك فينبغي أن يكون الاقتطاع مقيدا بهذه الشروط التالية : أ - أن يكن بإذن مطلق من المقتطع منه ؛ فلو كان بغير إذن ، حرم فإن ترتب علبه هلاك النفس ـ مثلا ، أو تلف عضو ـ كان المقتطع ضامنا ، وإن كان عامدا وجب فيه القصاص . ب - أن يكون المقتطع منه الذي أذن مكلفا مختارا غير مكره وهو من أهل التصرف ، لأنه بالإذن بالاقتطاع إنما ينصرف في خالص نفسه ، وهو يملك التصرف فيها بما لا يخالف الشرع . ج - أن يكون الآذن بالاقتطاع متبرعا به ، لأن الإجماع على أنه لا يجوز بيع الآدمي ولا بيع أجزائه ، احتراما له ؛ والابتذال بالبيع يشعر بالإهانة ـ كما يقول الكاساني والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم ، وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء . د - أن لا يؤدي التبرع بشيء من الأعضاء إلى هلاك المتبرع أو تعطيله عن واجباته الحيوية والدينية . هـ - أن يكون الإذن بالاقتطاع صادرا من الآذن به في حياته ، أو من ورثته بعد وفاته . و - أن لا يترتب على الإذن بعد الوفاة تمثيل بالميت ؛ لأن النبي r نهى عن المثلة ، وقال : " إنكم ستجدون مثلة لم آمر بها " . ز - أن يكون تنفيذ الاقتطاع بعد تحقق الوفاة ، إذا كان العضو المقتطع يؤدي حتما إلى الوفاة ، كاستلال القلب أو الرئة وذلك لكيلا يفضي إلى تعجل قتل إنسان فيه حياة مستقرة ، وهي : إمكان العيش ـ بتفسير الفقهاء . وليس لمجرد قرب الوفاة ، كالمحكوم عليه نهائيا بالإعدام ، أثر في حل الاقتطاع ، بل هو حينئذ كالانتحار ، إن كان بإذنه ؛ وقتل للنفس بغير حق ، إن كان بغير إذن ؛ وكلاهما حرام ؛ والآخر يستوجب الضمان عند الفقهاء . ح - وأن يكون الاقتطاع لإنقاذ الغير بحيث لا يغني عنه سواه من أعضاء أي حيوان ، وأي عضو صناعي ؛ وذلك لتحقق الضرورة ؛ لأن الأصل تحريم ذلك ـ كما تقدم ـ . 16 - شراء أعضاء الإنسان : قد ذكرنا أن الإنسان الحر ليس محلا للبيع ، وأن بيعه أو بيع أجزئه غير منعقد بالإجماع . غير أنه إذا اضطر المريض إلى صلة عضو من غيره بجسمه ، ولم يجد من يتبرع بذلك العضو ، وليس له بديل صناعي ، جاز له الشراء بالشروط المتقدمة في الاقتطاع من الأحياء ، وذلك للضرورة ؛ ولا إثم عليه ، وإنما الإثم على البائع. وفي هذا ونحوه يقول الله تعالى : ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) الأنعام / 119 . وفي الفروع ما يشير إلى جواز الشراء مع حرمة البيع : فقد نص الحنابلة على أن بيع المصحف حرام ، ولو كان في تسديد دين . قال الإمام أحمد ـ رحمه الله : " لا نعلم في بيع المصحف رخصة " . وقال عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما : " وددت أن الأيدي تقطع في بيعه ". وقال الحنابلة في تعليل ذلك : لأن تعظيمه واجب ، وفي بيعه ابتذال له وترك لتعظيمه ؛ أما شراء المصحف ، فقد نصوا على أنه لا يكره ، لأن الشراء بمثابة استنقاذ له ، كشراء الأسير من المحاربين . والحمد لله أولا وآخرا وصلي الله على خير خلقه ، سيدنا محمد وآله وصحبه .
|