رتق غشاء البكارة من منظور إسلامي

فضيلة الشيخ عز الدين الخطيب التميمي

المفتي العام

للملكة الأردنية الهاشمية

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

قرأت بحث : " رتق غشاء البكارة " الذي تقدم به الأستاذ الدكتور كمال فهمي عبد القادر أستاذ ورئيس قسم أمراض النساء والتوليد ، كلية طب بنها جمهورية مصر العربية . 

وقد اشتمل البحث على العناوين الرئيسية التالية :

تركيب وشكل وخواص غشاء البكارة ،ونظرة الشعوب المختلفة لغشاء البكارة ، والمشاكل الطبية المتعلقة بغشاء البكارة ، والمواقف المطلوب أخذ رأي الدين فيها 

والحقيقة أنه بحث واضح في موضوعه ، وقد حدد فيه المشكلات الرئيسية التي تعترض الأطباء الملتزمين . 

كما أنه اشتمل على عدد من التساؤلات التي يطلب بيان الرأي الشرعي فيها ، وهذه التساؤلات هي : ـ  

أولا : عند حضور فتاة مع زوجها للطبيب بعد الزواج لفحصها للتأكد من عذريتها لعدم نزول دم أثناء أول جماع بعد الزواج ، وشك الزوج في أن زوجته لم تكن عذراء .

1 في حالة وجود غشاء بكارة مطاطي متمدد لا تكون هناك أي مشكلة إذا بلغ الطبيب الزوج بذلك ويشرح له الحالة بدون أن يكون قد خدعه .  

2 في حالة وجود تمزق قديم بغشاء البكارة فهل يبلغ الزوج بذلك أم لا يبلغ ؟ .  

ثانيا : عند حضور فتاة وحدها للطبيب أو مع والدتها وأثبت الكشف عليها وجود تمزق قديم بغشاء البكارة وطلب منه رتق أو إصلاح التمزق فهل :

1 يرفض الطبيب عمل الرتق في جميع الأحوال ؟ .

2 يقوم الطبيب بعمل الرتق في جميع الأحوال ؟ .

3 يقوم الطبيب بتقدير الموقف في كل حالة على حدة ، ويقوم بعملية إن كان ذلك سيؤدي إلى أخف الضررين .  

ثالثا : عند حضور طفلة أو فتاة حدث لها تمزق بغشاء البكارة نتيجة لحادث أو اغتصاب وتأكد الطبيب من ذلك فهل :

1 يرفض الطبيب رتق غشاء البكارة في كل الحالات والاكتفاء بإعطاء شهداة طبية للأب توضح سبب تمزق الغشاء ؟ .  

2 يقوم الطبيب برتق غشاء البكارة إذا كان عمر الفتاة خمس عشرة سنة أو أكثر ، وتأجيل العملية حتى هذه السن إن كانت أصغر من ذلك ؟ .  

أهمية التساؤلات :

هذه هي التساؤلات التي وردت في البحث المذكور .

وهي تساؤلات مهمة وجديرة باهتمام علماء الدين ، وجديرة بأن يحددوا موقف الدين الإسلامي الحنيف منها .  

وإذا كان موقف الأطباء المسلمين الملتزمين دقيقا وصعبا أمام هذه الحالات التي تعرض عليهم ، فإن موقف الفقهاء وعلماء الدين أشد صعوبة وأكثر دقة ، لأن الفقهاء والعلماء عندما يجيبون على هذه التساؤلات إنما يقدمون للمجتمعات الأحكام التي تتعلق بأعراض المسلمين وفروجهم وكرامتهم وأنسابهم ، وهي أمانة عظمية قد التزموها ، ومهنة شاقة قد انتصبوا للوفاء بها . هذا بالإضافة إلى أن مسئولية الفقهاء والعلماء مسؤولية يفرضها الدين ومسؤولية أخلاقية أمام المجتمعات الإسلامية ، وأمام التاريخ ، فهم يذللون ما في وسعهم من أجل أن يحققوا لمجتمعاتهم ما فيه المصلحة ، ويبينوا للناس أحكام الله ، مرتبطة بالدليل الشرعي الأقوى والأوجه ، بعيدا عن الرغبات والأهواء ، ومن المعروف بداهة أن الحق أحق أن يتبع .  

العفة والمجتمع السليم :

المجتمع السليم هو ذلك المجتمع الذي تسوده الأخلاق الفاضلة ، وتشيع فيه القيم السامية ، ومن مهمة الدين الإسلامي في الحياة أن يقوم بالتوجيه الخلقي والروحي للجماهير من الناس .  

من أجل هذا المجتمع الذي تسوده الفضائل ، قال رسول الله r : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .  

والعفة اتجاه إسلامي أصيل ، وخلق كريم يتميز به الدين الإسلامي الحنيف ، يحقق عفة الفرد وطهارته في مجتمع طاهر عفيف ويتجلى ذلك في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، ومن ذلك :

قال الله تعالى : " والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ) .  

وقال سبحانه : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) .  

وقال سبحانه : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) .  

وقال رسول الله r : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " .  

وقال r : " ثلاثة حق على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف " .  

والطعن ولو بكلمة بهذه العفة كبيرة من الكبائر يستحق قائلها عقابا شديدا رادعا قال الله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) .  

ثم إن النبي r : اعتبر قذف المحصنات المؤمنات الغافلات موبقة من الموبقات ، وسببا من أسباب هلاك المجتمعات ودمارها .  

هذه لمحة سريعة عن اهتمام الإسلام بالعفاف والطهر ، والعرض على عكس فلسفات أخرى تعيش في هذا العالم .  

ولذلك فقد درج المسلمون عبر التاريخ على الفخر بالعفة والاعتزاز بها والمحافظة على العرض باعتبار ذلك خلقا من أخلاق الدين .  

فالمرأة المسلمة تتطلع إلى الحياة الزوجية الطاهرة النظيفة ، وتجعل نظرها مقصورا على زوجها والرجل المسلم يتطلع إلى الحياة الزوجية الطاهرة النظيفة أيضا ، ويجعل نظره مقصورا على زوجته ولا يطمح إلى الحرام .  

قال الله تعالى : ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) . هذا هو الشأن في كل مسلم ومسلمة يؤمن بالله واليوم والآخر .  

اهتمام الفقهاء بالبكارة :

وقد ذكر الفقهاء البكارة وعرفوها واستعرضوا أحكامها وفرقوا بينها وبين الثيوبة في كثير من الأحكام .  

جاء في كتاب : الجامع لأحكام القرآن 18 / 194 : " البكر هي العذراء سميت بكرا لأنها على أول حالتها التي خلقت بها " وجاء في كتاب المبسوط للإمام السرخسي 5 / 7 / " والبكر اسم لامرأة مصيبها يكون أول مصيب لها ، لأن البكارة عبارة عن أولية الشيء ، ومنه يقال لأول النهار : بكرة ، وأول الثمار باكورة " .  

وإن زالت بكارتها بوثبة أو حيضة أو جراحة أو تعنيس فهي في حكم الإبكار ، وإن زالت بكارتها بزنى فكذلك عند أبي حنيفة رحمه تعالى . وعندهما لا يكتفي بسكوتها فإن أخرجت وأقيم عليها الحد .. فالصحيح أنه لا يكتفي بسكوتها ، وكذا إن صار الزنى عادة لها كذا في الكافي " .  

وإذا مات زوج البكر بعدما خلا بها قبل أن يدخل بها تزوج كما تزوج الأبكار وكذا لو وقعت الفرقة بين العنين وامرأته ، وكذا لو زالت بكارتها بخزف الاستنجاء ولو زالت بكارتها بنكاح فاسد ، أو جومعت بشبهة تزوج كما تزوج الثيب هكذا في الخلاصة .  

والطهارة والعفة والبكارة صفات محببة للمؤمنين ، فالقرآن الكريم رغب المؤمنين في الجنة حيث وعدهم  بحور عين ، عفيفات قاصرات الطرف لم يفضض بكارتهن أحد قبلهم . قال الله تعالى : ( فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) .  

وهذه السيدة عائشة رضي الله عنها قد افتخرت بالبكارة بين يدي رسول الله r : " حيث قالت : أرأيت لو وردت عدوتين إحداهما رعاها أحد قبلك والأخرى لم يرعها أحد قبلك إلى  أيهما تميل ؟ فقال r : " إلى التي لم يرعها أحد قبلي " . فقالت : أنا ذاك .  

الغش محرم في الشريعة الإسلامية :

حرمت الشريعة الإسلامية بصورة قاطعة كلا من الغش والتغرير والإضرار بالناس والتدليس عليهم . سواء كان ذلك في عقود البيوع وعقود الزواج ، أو في إبداء الرأي أو في أداء الأعمال .  

وقد دلت على ذلك كله أحاديث النبي r الثابتة .

قال رسول الله r : من غش فليس منا .

وقال عليه الصلاة والسلام : من غشنا فليس منا .  

وعن أبي صرمة قال : قال رسول الله r : من ضار مسلما ضاره الله ، ومن شاق مسلما شق الله عليه .  

أي من أدخل على مسلم مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق ضاره الله ، أي جازاه من جنس فعله ، وأدخل عليه المضرة ،قال صاحب سبل السلام : والحديث يحذر من أذى المسلم بأي شيء . أ هـ .  

وهل هناك ضرر أشد من أن يدنس عليه في عرضه ؟ قال رسول الله r : من غش مسلما في أهله وضاره فليس منا .  

روى ابن كثير : أنه r تزوج امرأة من بني غفار فلما دخلت عليه ، رأى بكشحها وضحا فردها إلى أهلها وقال : دلستم علي .  

وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها ووجدها برصاء أو مجنونة أو مجذومة فلها الصداق بمسيسه إياها ، وهو له على من غره .  

قال الشافعي : وذلك لأنه غرم لحقه بسببه .  

الإسلام يحض عن الستر :

إن الدين الحنيف يأمر بالستر ، ويحرم إشاعة الفاحشة وهذا اتجاه إسلامي واضح يبدو من خلال كثير من نصوص الشريعة .  

قال الله تعالى : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .  

وقال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) .  

وقال رسول الله r : من ستر على مسلم عورة فكأنما أحيا موءودة.

وقال عليه الصلاة والسلام : من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه الله بها في بيته .  

وقال عليه الصلاة والسلام .. من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة .

وقال عليه الصلاة والسلام : من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة .  

قال الفقهاء : يسن للشاهد الستر بأن يترك الشهادة بها إن رآه مصلحة ، فإن رأى المصلحة في الشهادة بها شهد ، فإن لم ير مصلحة في شيء فالأقرب ألا يشهد .  

قال الحافظ : المؤمن يستر وينصح ، والفاجر يهتك ويفضح 

وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف : اجتهد أن تستر العصاة ، فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام وأحق شيء بالستر العورة .

قال في الرعاية : يحرم إفشاء السر المضمر .

وبذلك يتبين أن الستر خلق من أخلاق الدين ، وقيمة من قيمه .

 رتق غشاء البكارة :

لم أعثر فيما وصلت إليه من مصادر الفقه الإسلامي على قول يفترض رتق غشاء البكارة ، على الرغم من أن الفقهاء ذكروا أحكام البكارة ، والثيوبة ، وذكروا أسبابا مختلفة لذهاب غشاء البكارة ، مما يرجح أن رتقه من الأمور الحادثة الجديدة التي عرفها الناس بعد تقدم العلوم والمعارف الطبية والتكنولوجية ولذلك فإن إعطاء حكم شرعي له يحتاج إلى دراسة مستفيضة لمقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها ولابد من بذل الجهد والتوسع للوصول إلى حكم شرعي مستنبط من الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة العامة ، لكي يتبين موقف المسلمين منه .

إن وجود تمزق في غشاء البكارة لا يعني حتما اغتصاب الفتاة ، ذلك أن التمزق قد ينتج من إدخال جسم أجنبي في المسالك التناسلية أثناء الاستمناء ، أو من التهاب الفرج القرصي ، وقد يكون التمزق طارئا سببه السقوط على القدمين من مكان مرتفع ، أو السقوط مع اصطدام الناحية الفرجية العجانية بجسم بارز ، كما يحصل التمزق أيضا عن إدخال الأصبع أو أي جسم أجنبي للمجاري التناسلية للفتاة انتقاما من ذويها .

غشاء البكارة يساعد على العفة :

اقتضت حكمة الله تعالى أن يخلق الإنسان في أحسن تقويم ، قال الله سبحانه : (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) .

نعم خلق الله الإنسان على صورة من الكمال الإنساني ، فكل عضو من أعضائه له وظيفته التي يقوم  بها ، وله فائدته التي يحققها ، و لا شك أن لله حكمة في خلق غشاء البكارة ، ولم يكن ذلك عبثا .

ومهما يكن من أمر فإن لغشاء البكارة فائدة مهمة يؤديها وهو عامل يساعد على العفة وحفظ الأعراض ، ويحد من ارتكاب الخطيئة عند الأبكار ، ويمنعهن من الإقدام عليها كما يمنع الرجال من ذلك .

نعم إن غشاء البكارة لا يستلزم الطهارة والعفة ، ولكنه عامل قوي يساعد على منع الزنى في غالب الأحيان عندنا نحن المسلمين .

قال ابن قدامة في كتابه المغني 8 / 208 ، " ولنا أن البكارة تثبت بشهادة النساء ، ووجودها يمنع من الزنى ظاهرا ، لأن الزنى لا يحصل بدون الإيلاج في الفرج ، ولا يتصور ذلك مع وجود البكارة ، لأن البكر هي التي لم توطأ في قبلها ، وإذا انتفى الزنى لم يجب الحد " أ هـ .

رتق غشاء البكارة بين المصلحة والمفسدة :

إن هذه مسألة تتعلق بالنسل والعرض والعفة والكرامة وهي تتأرجح في العقل بين المصلحة والمفسدة ، فقد يتراءى للعقل في أحد وجهيها أنها مصلحة لما فيها من الستر على الناس ، ولما فيها من دفن جريمة أخلاقية ارتكبت ، وقد يتراءى للعقل في وجهها الآخر أنها مفسدة لما فيها من الغش والتغرير والتدليس والكذب ، ولما يترتب عليها من شيوع الخطيئة .

فهل يترجح جانب الستر ، فنبيح للطبيب إجراء عملية رتق غشاء البكارة أو إصلاحه أم يترجح جانب المفسدة فتمنع الطبيب من إجراء العملية ؟ .

إن هذه المسألة تحكمها القواعد الشرعية العامة ، فمن القواعد الشرعية :

1 أنه إذا اجتمعت مصالح ومفاسد ، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما : لقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) .

وإن تعذر الدرء والتحصيل ، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة لا نبالي بفوات المصلحة .

فإذا نظرنا إلى رتق غشاء البكارة من خلال هذه القواعد التي تحكم تعارض المفاسد والمصالح الإنسانية ، وهي اتباع أهون الشرين إن لم يكن دفعهما معا ، ونتحمل المفسدة الدنيا في سبيل دفع المفسدة العظمى .

نعم إذا نظرنا إلى حكمنا بأن عدم إقدام الطبيب على رتق غشاء البكارة : هو الموقف الواجب ، الذي يتلاءم مع أحكام الشريعة وقواعدها العامة ، حيث إنه يفتح الباب أمام الأطباء بأن يعبثوا بمصير الإنسانية غير مبالين بغضب الله وسخطه .

2 ومن القواعد الشرعية المتفق عليها بين العلماء : " الضرر لا يزال بالضرر " ومن فروع هذه القاعدة : لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره ، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره .

ومثل ذلك أيضا ، أنه لا يجوز أن تزيل الفتاة أو أمها ضررا عن نفسها لتلحق ضررا بزوجها المنتظر .

3 ومن القواعد الشرعية المتفق عليها أيضا : يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ومن فروعه أنه : يقتل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم .

إن مبدأ رتق غشاء البكارة مبدأ غير شرعي ، لأنه نوع من الغش والغش حرمته الشريعة الإسلامية ، وهو غش في العرض بصورة واضحة ، ويتنافى مع قول الرسول r : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه . وورد في حديث آخر : وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك .

وهذا يعني أن كل مؤمن مأمور أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ومأمور أن يكره لأخيه ما يكره لنفسه ، فهل يحب الطبيب ا لذي يقوم بإجراء عملية رتق البكارة أن يتزوج هذه الفتاة التي رتق بكارتها أو فتاة هذا شأنها ؟ ومن لازم الرتق أنه يرضى لأخيه المسلم أن يتزوج فتاة لا يرضاها هو لنفسه .

ثم إن فتح الباب لرتق غشاء البكارة بحجة الستر ودفع المضرة يجر إلى مفاسد أكثر خطورة وأعمق آثارا ، ويفتح أبوابا من الشر لابد من التنبه لها ، ومن ذلك :

1 قد تكون الفتاة حاملا عند رفع غشاء البكارة فتكتم ما في رحمها وتتحمل إثم الكتمان في سبيل خلاصها من الفضيحة ، ويعد أيام من إجراء العملية تتزوج فيلحق الولد إلى فراش الزوج وفي ذلك اختلاط الأنساب ، وتعد على الحرمات وأكل للأموال بالباطل نفقة كانت أم ميراثا .

2 إن رتق غشاء البكارة يفتح الأبواب أمام الأطباء أو بعض الأطباء أن يلجأوا إلى إجراء عمليات الإجهاض ، وإسقاط الأجنة ، بحجة الستر أو بحجة أنها نتيجة الخطيئة .

3 وفي رقع الغشاء اطلاع على المنكر وعون على الخبث  قالت أم سلمة : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث ، وفسره العلماء بأولاد الزنى قاله ابن عبد البر  

4 ومن الشرور التي تترتب على رفع غشاء البكارة أنه يجعل من السهل على الفتيات ارتكاب الخطيئة لعلمهن أنه يمكن أن تجرى لهن مثل هذه العملية التي تدفن الخطيئة عليها وتسدل عليها الستار ، وهذه مفسدة ليس وقوعها ظنيا ، وإننما هي متأكدة الوقوع .

5 يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهاليهن لإخفاء حقيقة السبب ، والكذب ممنوع ومحرم في شريعة الله .

ليس من المصلحة رتق غشاء البكارة :

ومهما كانت أسباب تمزق أو إزالة غشاء البكارة فليس من المصلحة على الإطلاق رتقه ، لأنه إن كان لسبب خارج عن إرادة الإنسان ، فإنه يمكن عرض الحالة على الأطباء لكي يقرروا سبب الحالة ، ويزودوا الفتاة بشهادة موثقة حسب الأصول الشرعية ، وفي ذلك تبرئه شرعية للفتاة لدى أهلها ولدى المجتمع ، لأنه أمر خارج عن الإرادة ، ورتقه في هذه الحالة ليس في مصلحة الفتاة ولا مصلحة الأهل إذ يمكن أن يكتشفه الزوج ليلة الزفاف أو بعدها فيدخل في روعه أنه تدليس عليه وتغرير به ولا يمكنه السكوت عليه غالبا فيحدث نتيجة ذلك مشكلات اجتماعية واسعة فقد يطلقها ليلة الزفاف وقد يقتلها وقد يحدث غير ذلك فتكون فضيحة لا مبرر لها ، ويكون سببها رتق الغشاء في الماضي . كما أنها قد تفتح مجالا للشائعة تطارد الزوجة وتقض مضجعها ، وقد تكون سيفا مصلتا على عنقها إذا تحكم الهوى أو كشفت الحقيقة مصادفة .

حالة يترجح فيها جانب الستر :

إذا شك الزوج أن زوجته لم تكن عذراء وعرض الأمر على الطبيب فوجد الطبيب تمزقا قديما في غشاء البكارة . فلا ينبغي للطبيب أن يبلغ الزوج عن هذا التمزق القديم الذي لاحظه ، بل ينبغي أن يرجح جانب الستر ، ولا يكون الطبيب في عدم إخباره عن التمزق مخالفا لأخلاقيات الطب ولا مخالفا لليمين القانونية التي أقسمها ، وذلك أن التمزق القديم في البكارة لا يستلزم الخطيئة فكثيرا ما تزول البكارة بأسباب غير الخطيئة ولا شك أن إخبار الطبيب بالتمزق إضرار بمن لا يجوز الإضرار به والإضرار قبيح في الشرع فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود ، لأن مجرد الحدس والشك مظنة للخطأ والغلط وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف ، ألا ترى أن الشارع دفع الحدود بالشبهات ، قال رسول r : " ادرؤوا الحدود بالشبهات ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم " وعن عمر : لأن أخطيء في الحد بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات . وفي الحالة المسئول عنها  ، تكون الفتنة نائمة لا ينبغي إيقاظها .

عن ابن الهزال عن أبيه  أن رسول الله r قال يا هزال لو سترته بثوبك كان خيرا لك قال شعبة قال يحيى فذكرت هذا الحديث بمجلس فيه يزيد بن نعيم بن هزال فقال يزيد هذا الحديث حق وهو حديث جدي .