بسم الله الرحمن الرحيم
 
حق الجنين فى الحياة
فى الشريعة الإسلامية
            للدكتور حسن على الشاذلي

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ومن نهج نهجهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد

فقد تكاثر الحديث عن حياة الجنين، وعن مدى، احترام هذه الحياة، وطغت على سطح المجتمع بعض الآراء التي تنادي بإسقاط حرمة حياته، وإباحة الإجهاز عليه، متعللة في ذلك بعلل واهية ومتخذة من ستار إخفاء الحقائق المريرة  وعدم كشف الجنايات علي الأعراض سببا مبيحا لذلك تارة ، أو الخوف من الفقر والفاقة تارة أخرى، أوعدم رضا الام بابقاء جنين يصلها بأب ذهب- وهي في ريعان شبابها- أو بأب لاترضى أن تدوم عشرتها به.. ونحو ذلك من الأسباب البراقة في منظرها، القاتمة المظلمة في حقيقتها، المتخذة من ستار التوسعة والتيسير مقصلة يقضون بها على حياة الأنفس البريئة، ويئدونها في مهدها..، دون أن تستطيع هذه الأنفس الضعيفة الدفاع عن نفسها، والمطالبة بدفع الظلم عنها...، ودون علم بما يكون فيه التيسير وما لا يكون في شريعة الله تعالي.

ولم يكن هؤلاء يعتمدون على حجة ظاهرة ولا برهان ساطع من علم أوعقل أو شرع. فالعلم ضدهم، والعقل ضدهم، والشرع ضدهم، ولكنه حب تقليد مجتمعات- وإن كانت من الناحية العلمية قد سبقت- إلا أنها مجتمعات مهترئة اجتماعيا مفتته أسريا، ليس لها ضوابط أحكمت تشريعاتها وأوقفت غلو نزواتها، وتقبل هؤلاء الغزو الفكري من هذه المجتمعات تحت ستار الانطلاق، والتحرر وأخذ كل جديد حتى ولوكان في هذا الجديد هدم مصالح المجتمع الذي نعيشه، وإهدار حياة حرم الله إهدارها، وفتح باب خطير قد يؤدي إلى نشر الفحش والفاحشة، ودرء العقوبة عمن اقترف هذه الجناية.. كل هذا أو بعضه أو غيره دفع هذه النفوس المتأثرة المتلقية المقلدة إلي محاولة التأثير في غيرها في مجتمعاتنا المسلمة المؤمنة النقية بفطرتها وطبيعتها واعتقادها.

ولكن قاعدة الإيمان العريضة في هذه المناطق وفي بلاد الإسلام التي اختصها الله سبحأنه وتعالي بشرف البشرية كلها، وحباها بنور الكون، ومنحها الهدى برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي حمل إليها التشريع التام الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.. تلفظ دائما وأبدا كل دخيل، وترفض أن تهدر دينها وعقيدتها على موائد الشهوات، واتباع النزوات..

ولما كان، الناس دائما في حاجة إلى بيان شاف، وتذكير متوال، وتعريف بأحكام شريعة الله، واجتهادات علماء هذه الأمة- القدامي منهم الذين يمثلون تراث هذه الأمة، ويكشفون عن فكرها وآفاقها وجوهرها- والحداثى الذين يمثلون نهضتها التشريعية الحديثة- فإنني قد وجدت الحاجة ماسة إلى تقديم هذا البحث حول " حق الجنين في الحياة  في الشريعة الاسلامية " مبينا حرمة الاعتداء عليه، والعقوبات المقررة على من يهدر حياته، أو يناله بأذى.

تقديم : ـ

لقد خلق الله سبحانه وتعالي الإنسان وكرمه وفضله على كثير ممن خلق، وخصة بالعقل والتفكير، وسخر له مافي السموات ومافي الأرض، وأناط به تعمير الكون، وحمله، أمانة الشرع دراسة وتلقيا وتبليغا ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين  أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا ) .

ومن أجل أهمية هذا الكائن، تناولته الدراسات من كل الجوانب الروحية والنفسية والمادبة  والاجتماعية وغيرها، والكل يرى فيه آية الاعجاز، ودليل القدرة الالهية، والوقوف بخشوع أمام قدرة الخالق فيما وهب، وما أعطى وما منع وما حجب، جل شأن الخالق، القادر، المدبر، القائل (وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .

ولقد خاطب الله سبحانه وتعالي هذا الكائن ووجه إليه رسله عليهم السلام بشرائعه، وخصه بأوامره ونواهيه، إصلاحا لمسيرة الكون، وصلاحا لحال الناس أجمعين- حالا ومآلا- وبعدا عن كل ما يهدم صرح هذه المسيرة، أو يخل بمسيرتها أو يمنع أو يعطل استمرارها وتواليها عبر الأزمان وعلى مر العصور، وفي مختلف البقاع والأماكن. وعلى كل البشر مسلمهم وغيرمسلمهم حتى يتحقق الأمن والاستقرار، وتنطلق براعم التقدم والازدهار، وينمو غرس العقيدة النقية الخالصة والشريعة المليئة بكل معاني المحبة والانسانية حتى يعم عدلها، وحدبها وحرصها على كل الكائنات، وفي قمتها الانسان.

إن هذا المعني الذي أراده الله تعالي لنا، وحمله لكل مسلم يؤمن بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جعل المسلمين منذ اللحظة الأولى يبحثون ويدرسون وينقبون في رحاب ما خصهم الله تعالي به، في رحاب شريعة الله التي نزلت على محمد بن عبد الله النبي الأمي، والتي نطق بها كتاب الله تعالي، وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم. قال تعالي ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقال جل شأنه (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وقال صلى الله عليه وسلم (تركت، فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي ). وفي رحاب هذين المصدرين كان انطلاق عقول علماء المسلمين في فهم أحكام دينهم- عقائدية أو أخلاقية أو عملية (فقهية)- ومعرفة ما أمرهم به ومأنهاهم عنه، وما أحله لهم وحرمه عليهم مما شرع تحقيقا لمصالح الأنام، ما كان منها ضروريا، وما كان منها حاجيا تيسيرا، وما كان منها تحسينيا تكميليا، ما اتصل منها بالحياة الدنيا وما اتصل، بالحياة الآخرة ".

 

ولما كان تشابك المصالح وتنوع آثارها قد يحدث إخلالا أو اضطرابا لم تحدد حدوده وتبين معالمه، لذلك كان البحث قي حقيقة الشخصية المخاطبة بهذا الشرع، من تكون ومتى تخاطب ومتى يرفع عنها الخطاب ومتى تؤدي أو تمتنع، وكيفية هذا الأداء وهذا الامتناع، وكمه وكيفه في كل الحقوق ما كان منها مفروضا أو مندوبا أو مباحا أو حراما أو مكروها، كان البحث في شخصية هذا الكائن من حيث تعلق الاحكام به، ضروريا في كل مراتب حياته، حتى لا تتعرض مسيرته للهزات، ولا يضيع في خضم ومعترك الحياة، ولقد كان لفقهائنا الأوائل رضوان الله عليهم أسس رعوها في فهم هذا التشريع وقواعد أرسوها لاستقاء الأحكام من هذين المصدرين..، سواء أكان ذلك من حيث الإلمام باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن ،وبها نزل، ولغة السنة وبها خاطب الرسول " صلى الله عليه وسلم " الناس أجمعين أو من حيث ما فسر به هذا الوحي من آية أو حديث، أو من حيث معرفة المتقدم نزولا والمتأخر نزولا، أو العام والخاص ، أو المطلق والمقيد، أو المجمل والمبين أو من حيث ما انبثق من هذين المصدرين الكريمين من أدلة أخرى جعلت طريقا لاستقاء الأحكام إن لم ينص عليها فيها، وهذه القواعد والضوابط الضامنة لمسيرة الفهم في هذا التشريع، هي بمثابة الضوابط والقواعد الأساسية لكل علم من العلوم، لاتنتج عفو الخاطر ولا بالحدس والتخمين ولكنها قواعد وضوابط لها جذور متصلة بما علمنا الله تعالي وما بينه لنا في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

أهلية الإنسان : ـ

يقرر علماء الاسلام أن الانسان باعتبار معرفة ماله من الحقوق وما عليه من الواجبات في خلال حياته الدنيوية وما يترتب عليها من حياته الأخروية له أهليه، والأهلية في الاصطلاح الشرعي هي صفة في الانسان تجعله محلا لحكم شرعي" فالأهلية صفة يمنحها الشرع للانسان وتثبت له شيئا فشيئا حسب أطوارحياته منذ علوقه في بطن أمه. جنينا- إلى أن يولد- وحتى يموت، وتضعف هذه الصفة وتنقص باعتبار ضعفه الجسمي والعقلي، وتقوى وتتكامل بتكاملها وتقدير هذه الصفة وتعيين درجاتها موكول إلى الشرع، لأنه هو الذي تصدر  منه الأحكام المشتملة على مصالح العباد، فإليه يعود تقرير كفاءة كل من الناس لحكم من الأحكام، وهذه الصفة تجعل الإنسان محلا لحكم شرعي أي يصبح صالحا لأن يطالب العبد أو يطالب بشيء معين متناسب مع أهليته، وكذلك يصبح بعد ولادته وتميزه بكامل عقله صالحا لأن تصدر منه الأقوال والأفعال على وجه يعتد به شرعا، فهذه الأهلية توجد بوجود الإنسان منذ التقاء الحيوان المنوي بالبويضة واستمرار نموه الحياتي في بطن أمه وبعد ولادته ـ وأثناء مسيرة حياته.. وحتي موته، وإلى ما بعد موته، فالإنسان له صفة أكسبها اياه تمتعة بمجموعة من الحقوق والواجبات منذ كونه جنينا في بطن أمه على نسق متدرج ومتناسب مع حاجاته ومتطلبات حياته، وان هذه الحقوق وهذه الواجبات منها ما يتعلق به مصلحة الناس أجمعين، ومنها ما تتعلق به مصلحة الفرد، ومن ثم قسمت هذه الحقوق إلى قسمين رئيسيين:-

 

أولهما. حق الله تعالي: وهو ما يتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد معين (أو تقول حق المجتمع ) وسمي هذا الحق حق الله تعالي مع أنه حق المجتمع، تشريفا لهذا لحق وتعظيما ودفعا للناس إلى رعايته وعدم المساس به أو الانتقاص منه، وهو حق لا يجوز فيه إبراء ولا صلح ولا عفو، ونذكر من بين هذه الحقوق.

 

ـ حقوق الذات الإنسانية، حق الحياة، حق التملك، حق التزوج، حرية الرأى) (حرية التفكير) (حرية الاعتقاد) فكل هذه الحقوق هي مقومات للذات الإنسانية لاتباع ولا تشترى ولا توهب ولايتنازل عنها.. حماية لهذا الكائن وضمانا لمسيرته وتحقيقا للهدف الذي خلق من أجله، ومن هذه الحقوق أيضا ما نظمه الشرع لنا من عبادات (صلاة أو صيام أو حج أو زكاة) أو عقوبات (قصاص أو دية أو حد زني أو حد قذف أو سرقة أو حرابة أو خمر، أو ردة) ومن موارد ماليه (من زكاة أو خراج أو صدقة فطر، أو كفارات...).

 

ثانيهما: حق العبد، وهو كل حق تعلقت به مصلحة خاصة بالعبد، من معاملات (بيوع أو تبرعادت أو شركات أو توثاقات).. وهذا النوع من الحق يجري فيه البذل والعطاء والعفو والصلح والإبراء ويباع ويوهب...، وفي الشريعة الإسلامية كل حق لله تعالي فيه حق للعبد، وكل حق للعبد فيه حق لله، ويظهر حق الله تعالي حين يتعسف العبد في استعمال حقه فحينئذ يتغلب حق الله تعالي فيأخذ هذا الحق صفات حق الله تعالي، و" ترفع يد العبد عنه، حتى تستقر المسيرة نحو تحقيق مصلحة الناس أجمعين، وحتى نأمن انحراف الجانحين وتعسف المتعسفين،.. فالله رقيب، على عباده، وشرعه جل شأنه عدالة تامة بين كل الخلق ومصلحة كاملة، لكل الناس ويسر متدفق لمن استحق التيسير وشدة على من لم يلق السمع وهو شهيد .

 

مقاصد الزواج

إن تعميرالكون حق من حقوق الله تعالي وقد بين الله تعالي الوسيلة إليه، ألا وهي  " الزواج " وجعل الزواج عند توافر دواعيه للمسلم من ميل وقدرة عقلية وجسمانيه وصحية ومالية، ومن عدالة، وحسن عشرة تمنع الجور والحيف والظلم، أو توافر بعضها، أو انعدامها، فرضا أو سنة أو مندوبا ومستحبا أو مباحا أو حراما أومكروها ، والزواج له مقاصد عظيمه ففضلا عن أن البقاء المقدر للانسان في علم الله تعالي الأزلي على الوجه الأكمل متعلق بهذا الزواج إذ به يتم التناسل، ويتم التتابع لهذا الكائن الذي اصطفاه الله تعالي لتحمل الأماانة وبه يتحقق بقاء هذا النوع الانساني، والبعد به عن أدران الرذيله وصيانته عن الانحطاط إلى مراتب الحيوانية، وحفظ الأنساب من أن تضيع ، ومنع التظالم وسفك الدماء وصيانة صحته وحفظ ماله، وبذلك يتحقق الأمن والاطمئنان والمحبة والوئام في مسيرة الخلق مع تتابع الأيام وتوالي الأزمان، وهذا ما ينشده الشرع الحكيم من العمل بأحكامه، وبجانب هذه الفضائل الكبرى يكون الزواج مهذبا للأخلاق، ومعودا للنفس البشرية على توسعة باطنها بتحمل معاشرة أبناء النوع الانساني وتربية الأولاد والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها، والنفقة على الأولاد والأقارب والمستضعفين، وإعفاف الحرام وإعفاف نفسه، ودفع الفتنة

عنه وعن نساء المؤمنين، والاشتغال بتأديب ولده، وتأهيله للعبودية، ولتكون الزوج هي أيضا سببا لتأهيل غيرها وأمرها بما فرض الله تعالي ونهيها عما نهى الله تعالي.

 

ومن هذا تبين لنا أن الزواج له أهداف كبرى عظيمة يعود خيرها على الناس أجمعين، وتتعلق به مصالحهم العاجلة والآجلة ولذلك كان أقرب إلى العبادات يقول الكمال بن الهمام  (هوأقرب إلى العبادات حتي إن الاشتغال به أفضل من التخلي عنه لمحض العبادة... " فقد ورد في الصحيحين (البخاري ومسلم) أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد  سألوا أزواجه عن عمله، في السر... فقال بعضهم:لا أتزوج النساء، وقال بعضهم. أصلي ولا أنام، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا.. لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".. ولم يكن الله سبحأنه وتعالي ليرضى لأشرف أنبيائه إلا بأشرف الأحوال، كما تبين لنا أن الإنجاب هو ثمرة هذا العقد وإذا كان ثمرة من ثماره، فأنه يأخذ حكمه فيكون حقا من حقوق الله تعالي حينئذ يجب على الناس كافة رعاية هذا الحق، والحفاظ عليه والعمل على استمرارية تتابعه، وعلى أن يكون ذلك، على الوجه الذي يرضي صاحب هذا الحق جل شأنه.

 

ولقد حث الإسلام على هذا الحق وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تشير إلى هذا، ومنها ما روي عن أنس رضي الله عنة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الانبياء يوم القيامة " أخرجه ابن حيان في صحيحه ورواه أحمد والطبرا ني.

 

وعن معقل بن يسار.. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم " رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه ".

 

ومع كون الإنجاب حقا من حقوق الله تعالي على الكافة إلا أن المشرع الحكيم نظم للإنسان طريقة الوفاء بهذا الحق، وتحقيقه في إطار دقيق، ومنهج محكم، يتناول حالة التفكير في الإنجاب في أول الأمر، تم حالة الجنين وقد وجد، ثم حالة العناية بهذا الجنين، ثم الحفاظ عليه ووضع عقوبة لمن يعتدي عليه.. حتى يولد، ونوضح حكم الشرع في هذا الجانب فيمايلي.

الولاية على الجنين

شاءت إرادة الله تعالي أن ينظم لنا طريقة تكاثر النوع البشري، وأن يضع لها القواعد والضوابط الموضوعية وكذا الشكلية، للعقد الذي به يتم تحقيق هذا الهدف، وهو عقد الزواج، وأن يجعل هذا العقد رضائيا، وأن يجعل العشرة بين الزوجين قائمة على المودة والبر والرحمة والمعروف.. كما شاءت إرادته تعالي أن يحوط ثمرة هذا الزواج- الأولاد- بالرعاية والحفظ منذ اللحظة الأولى لبدء التكوين- ويبين للزوجين حدود السلطة الممنوحة لهما في التحكم في الإنجاب، قبل تكون الجنين في بطن أمه وبعد تكونه، وأرى نزاما علينا أن نبين ما منحه الانسان من ولاية في هذا المجال في كلا المرحلتين، مرحلة ما قبل علوق الجنين، فنبين الحكم الشرعي في مزاولة ما يمنع الحمل، ومرحلة ما بعد علوق الجنين. فنبين الحكم الشرعي في التحكم في حياة هذا الكائن الجديد، وهل للزوجين ولاية وسلطة تمكنهما أو تمكن أحدهما من إسقاطه وإجهاضه؟ كما نبين الحكم لو فعلا ذلك، أو فعله غيرهما.

 

الامتناع عن الإنجاز

تناول الفقة الإسلامي، بيان حكم ما لو أراد الزوجان أو أحدهما عدم الإنجاب (عن طريق العزل عن الزوجة) باعتباره الصورة المسئول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعرفة لديهم في هذا الوقت، والتي لم يصل علمهم إلى غيرها من الوسائل الحديثه، والتي يمكن أن يقاس حكمها على حكم العزل مادامت لا تؤدي إلى الإضرار بأي من الزوجين، ولقد رأىنا للفقهاء ثلاثة آراء، بعضهم قضي بالتحريم، وآخر بالكراهة، وثالث بالحل بشروط معينة، ونورد هذه الآراء بإيجاز : ـ

 

الرأى الأول: يري تحريم العزل، وهو رأى الظاهرية، فقد جاء في المحلي (1)، " ولايحل العزل عن حرة ولا أمة، برهان ذلك ما روينا من طريق مسلم.. عن جذامة بنت، وهب.. قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس فسألوه عن العزل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوأد الخفي، وقرأ ( وإذا الموءودة سئلت ) (3) .

 

الرأى الثاني: يرى كراهة العزل: وهو رأى الحنابلة (وكذلك عند الإمامية إلا إذا شرط في العقد ) وذكر ابن قدامة (3) أن كراهته رويت عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وأبي بكر الصديق، لأن فيه تقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطوءة وقد حث النبي، صلى الله عليه وسلم على تعاطي أسباب الولد فقال " تناكحوا تناسلوا تكثروا.. " إلا أن يكون العزل لحاجة مثل أن يكون في دار الحرب، فإن عزل من غير حاجة كره ولم يحرم، ورويت الرخصة فيه عن علي وسعد بن أبي ، وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس، والحسن بن علي ، وخباب بن الأرت ، وسعيد بن المسيب وطاووس وعطاء والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأى.

 

الرأى الثالث: ويرى جمهور الفقهاء التفريق بين الحرة والأمة، فأما الأمة فيجوز العزل عنها بدون إذنها، وأما الحرة فنتناول الحكم في ذلك في ثلاث صور، الأولى حكمه عند اتفاق الزوجين والثانية والثالثة حكمه إذا أراد أحدهما العزل دون الآخر.

 

الصورة الأولى: إذا أراد الزوجان ذلك، جاز لهما العزل، وذلك استنادا إلى المروي من السنة.. فقد روي عن جابر قال " كنا نعزل على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل. متفق عليه، وفي رواية لمسلم عن جابر " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا" ويستفاد من هذا النص جوازه مطلقا إلا أن الإطلاق قيد بإذن الزوجة في الخبر المروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه سلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ( ا) رواه أحمد، وروي مثله عن ابن عباس، ومثله أيضا عن ابن عمر، وقد حكى الإجماع على جواز ذلك ابن عبد البر (2)، ووافقه ابن هبيرة، إلا أنك قد رأىت أن هذ الإجماع يؤثر في انعقادة ما أوردناه من الرأىين الأولين وبخاصة ما أورده ابن قدامة.

 

الصورة الثانية: إذا أراد الزوج ذلك ولم ترد الزوجة: لا يجوز للزوج أن يعزل عن زوجه الحرة إلا إذا أذنت له، وذلك استنادا إلى حديث عمر المذكور آنفاً. ولأن عدم العزل من حقها، فقد تزوجت بغية تحقيق أهداف مشتركة، منها الولد، فتقص هذه الأهداف أو الرغبة عن تحقيقها والعزوف عنها يحتاج إلى الارادتين، كما احتاج العقد إليهما. وهذا الرأى هو رأى جمهور الفقهاء. وقال بعض الفقهاء أنه يستحب الاستئذان ولا يجب- كما هو قول الشافعية- والرأى الأول هو الأرجح لحديث عمر المذكور آنفا ولما ذكرناه.

 

الصورة الثالثة : إذا أرادت الزوجة ذلك ولم يرد الزوج.. ففي هذه الحالة لا يجوز أيضا، لأنه إذا لم يجز للزوج ذلك إلا بإذنها فكذلك لا يجوز ذلك إلا بإذنه وإرادته ورغبته (3). وهذا الرأى هو رأى جمهور الفقهاء (4)، وقال الزيدية: يجوز للمرأة أن تفعل بنفسها ما يمنع الحبل وإن لم يرض زوجها. لأنه لم يثبت له حق حملها إلا بعد وجوده. وأرى رجحان الرأى الأول قياسا على الصورة الثانية، ولأن وقد علق عليه الشوكاني بقوله: هذا أحد الأمور التي تحمل على العزل، ومنها الفرار من كثرة العيال والفرار من حصولهم من الأصل، ثم قال: وكل ذلك، لا يغني، شيئا لاحتمال أن يقع الحمل بغير اختيار.

 

للزواج أهداف منها الولد فليس للمرأة أن تستبد بالرأى فتمنع بعض الأهداف أو تعطلها. ولكن لابد من التراضي بين الزوجين على كل ما يغير هذه الأهداف أو يعطلها أو ينقصها.

 

الترجيح

وأرى رجحان رأى جمهور الفقهاء (وهو الرأى الثالث) لرجحان أدلته.

أ‌-      وأما الحديث الذي أورده ابن حزم وفيه " ذلك الوأد الخفي .." فقد عارضهما ما روي عن أبي سعيد قال: قالت اليهود العزل الموءودة الصغرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم " كذبت يهود. ان الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه" رواه أحمد وأبو داود(1).

 

كما عارضه الأحاديث التي، رويناها آنفا والتي تجيز ذلك. ولذلك وجدنا جمهور الفقهاء يجيزون ذلك برضا الزوجين. ويتأولون هذا الحديث أو يضعفونه.أو يقولون على فرض  صحته أنه منسوخ.

 

ب ـ أنه قد تقتضي، ظروف يرضى عنها المشرع. ويقتنع بها الزوجان. أن يؤخرا الإنجاب. ففي هذه الحالة أرى جواز ذلك.. لأنه مادام المشرع قد أعطاهما الحرية في الإقدام على الزواج ، وأخص بذلك عدم وجود دواع توجبه أو تحرمه، وجعل أمره موكولا إلى رضاهما في الابتداء وفي الانتهاء فليس هناك ما يمنع من أن يكون أمر الإنجاب موكولا إلى رضاهما به، مادام الغرض، منه يرضى عنه المشرع، ويعتبره ولا يلغيه.

 

جـ ـ أنه يجب ألا يترتب على الوسيلة المتخذة لعدم الانجاب ضرر بأي من الزوجين،. لأنه ليس من حقهما الإضرار  بأنفسهما. إذ هما بنيان الرب، كما يقول الحديث الشريف " الإنسان بنيان الرب ملعون من هدمه " ولأن قوله تعالي (ولا تلقوا  بأيديكم إلى التهلكة" يمنع ذلك.. وغيره كثير.

 

أما إذا حصل الحمل ووجد بالفعل، ففي، هذه الحالة نشأ حق آخر، بجانب حق الزوجين، و"هو حق هذا الحمل في البقاء. وحقه في استمرار الحياة وما يتطلبه ذلك من حقوق عن، الآخرين..

 

وهنا نتساءل- على ضوء تطورحياة هذا الكائن الجديد من ضعف إلى قوة، شيئا فشيئا. ونموه غير المحسوس إلى نموه المحسوس والملموس بالحركة وصلاحيته للبقاء- "هل يجوز أن يتغلب حق الزوجين كليهما أو أحدهما على حق هذا الكائن باعتباره "منبثقا منهما وتبعا لهما. فيجوز اسقاطه وإجهاضه أم لا يجوز ذلك لأن ولايتهما تقصر عن أن تمتد إلى حق هذا الكائن في البقاء وتبقى هذه الولاية في حدود رعايته و حمايته وحفظه حي، يخرج خلقا سويا؟.

 

وللإجابة عن هذا التساؤل يلزمنا أن نبين حقيقة الجنين لغة واصطلاحا ثم حقوقه. ثم عقوبة من يعتدي عليه.

 

التعر يف بالجنين

الجنين في اللغة هو "حمل المرأة مادام في بطنها" فإن خرج فهو" ولد" وإن خرج ميتا فهو " سقط " وفد يطلق عليه أنه جنين أيضا.

 

والجنين في اصطلإح الفقهاء لا يغاير الاصطلاح اللغوي، ويسمى جنينا منذ اللحظة التي يلتقي فيها الحيوان المنوي بالبويضة مكونين خلية تتكاثر حتى تصبح خلقا مصورا متكاملا  إلى ما قبل مولده .

 

لقدا اهتمت الشريعة الإسلامية بالجنين منذ بداية تكوينه، لأنه أصل خلقه أكرم كائر، وأمارة وجرد خالقه- جل شأنه- ودلي ل على القدرة الإلهية، وآية من آيات الإص جاز أن كل طور 5 ش أطوإره، كما عنيت ب حياته وشرعت له من الأحكام ما يكفل اش مراره وبقاءه واحس اد نموه، كما حافظت "على دمه فأوجبت عقم بة على من يعتدي عايه: والعقوبة أصدق دليل على تحريم الفعل وحرمة ارتكابه..

 

عناية الشرع بالجنين

أما عناية الشريعة بالجنين فتتجلى واضحة فيما، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله قد وكل بالرحم ملكا، فيقول، أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب، مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقا- قال- قال الملك : أي رب ذكر أو أنثى ، شقي أو سعيد، فما الرزق وما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه0 (1)

 

ووجه عناية المشرع بالجنين في هذا الحديث (2) هو أن الله جل شأنه قدركل ملكا يراقب تطور النطفة، ويخبر ربه بحالها- ولما كان الله غنيا عن هذا الاخبار، لأن علمه لا تقف دونه حجب أوأستار ولا تحول دونه أوقات أوأزمات مهما تناهت في القدم أو تباعدت في الاستقبال.. فإن الإخبار يكون دليلا عل عنايته جل شأنه بهذا الكائن وتكريمه له ، مما يستوجب المحافظة عليه وعدم المساس به ، وإبعاد المخاطر والأخطار عنه حتي يولد ويؤدي فى هذه الحياة الدنيا .

 

الأحكام التى شرعت ضمانا لاستمرار نمو الجنين

وأما ما شرع من الأحكام لضمان استمرار نموه، واطراد تكوينه، والاعتداد بشخصيته فيتجلى واضحا في عدة أمور منها : ـ

ا- أنه يجب على الأب الانفاق على الحمل، قال تعالي في شأن إلى عللقات (أسكنوهـهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن، وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) (1) وتجب هذه النفقة له  حتى مع عدم استحقاق أمه لهذه النفقة كالناشز، أو كونها حاملا من وطء شبهة، أو نكاح فاسد، أو مطلقة طلاقا بائنا عند من لايرى لها النفقة..، وتكون هذه النفقة طوال مدة الحمل ، وتجب عند فقد الأب أو إعساره على سائر من تجب عليه نفقة الأقارب بعده.

 

كما أنه بستحب ـ أو يجب عند بعض الفقهاء- إخراج صدقة الفطر عن الجنين

لما روي أن عثمان بن عفان أخرجها عنه. (2).

 

2-   إباحة الفطر في رمضان للمرأة الحامل إذا خشيت على جنينها، والترخيص بذلك رعاية لحياة الجنين ومحافظة عليه .

 

3-   تأجيل العقوبة المستحقة على الأم الحامل حتى تضع حملها، بل وحتى يستغنى عنها، فقد روي بريدة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم- في حديث الغامدية التي اعترفت بالزنا، واستحقت الرجم وكانت حاملا. أن الرسول صلى الله عليه وسلم

 

قال لها " فاذهبي حة ق تلديأ قال فلما ولاأتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال اذهبي فأرضيعة حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا
يا رسول اللة قد ة طمته رقد أكل ا (طعام، فدفع الصبي إ أق رجل من المسلمين...!

ونفذ فيها الحد (1).

 

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالإحسان إلى المرأة التي استحقت العقوبة طوال  فترة انتظارها إقامة الحد، ققد روي عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى،  فقالت يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال " أحسن إليها، فإذا وضعته فائتني.. والإحسان إليها في هذه الفترة وتحت ظل هذا الجرم، يعود أثره على حياة الطفل النفسية والصحية...، ويترتب عليه تخفيف ما قد يكون هناك من أضرار تترتب على شعور الأم بالإثم وأثر ذلك على غذائها.

 

4-الاعتدات بشخصية الجنين ، ومنحه نوعا من الأهلية يتلاءم ووضعه وحالته، فالجنين له نوع من الذمة أو أهلية وجوب ناقصة، بمقتضاها يصبح الشخص صالحا لوجوب، الحقرق المشروعة له دون أن تلزمه واجبات  فرعاية. لجانب ضعفه الذي يظهر في ارتباطه بالأم، لم تلزمه واجبات ورعاية لكونه نفسا حية صالحة للانفصال بعد استكمال مدة اجتنانها منح من الحقوق ما يكفل له الثبات والاستقرار في مجتمعه، فيثبت نسبه من أبيه، وتمنع الحامل من الزواج حتى تضع حملها حفاظا على هذا النسب، واذا مات مورثه حجز له نصيبه من التركة، فإذا ولد حيا ملكه من وقت موت المورث، وإذا ولد ميتا عاد المال إلى باقي الورثة..وتصح الوصية له،وكذا الوقف عليه، إلى غير ذلك من الحقوق التي شرعت رعاية لحياته، وحفاظا على مستقبله، التي نيطت به منذ انعقاده جنينا فى بطن أمه.

وأما ما شرع من العقوبات حماية لحياة الجنين فهو الذي نخصه بالبحث هنا.

عاتوبة الاعتداء على الجنين :

 تتميز شريعة الله جل شأنه بأنها تجعل للجناية على ما حرم المشرع الجناية عليه عقوبتين: أخروية ودنيوية: ونوضح كلا منهما بالنسبة للجناية على الجنين.

 

النوع الأول

العقوبة الأخروية

 

أما العقوبة الأخروية ـ كما وكيفا ـ فأمرها مفوض إلى الخالق جل شأنه المطلع على السرائر والعالم بالمقاصد ، وعدالته تقتضي أن تتناسب هذه العقوبة مع قصد الجاني ونواياه ، ولا عبرة بالمظاهر المادية في هذا المجال ـ إثباتا أو نفيا ـ لأن المظاهر المادية تناط بها الأحكام الدنيوية باعتبارها كاشفة عن القصد والنية ، وقد يكون تعبيرها عن ذلك غير دقيق ولا معبر عن الحقيقة ومن ثم قد يعاقب فى الدنيا بريء، وقد ينجو مذنب ، وذلك غير وارد ولا متأت مع العقوبة الأخروية إطلاقا .

 

وقد يتقرب الإنسان لربه بما شرعه للتقرب إليه بغية أن يرأف به ويخفف عنه أو يعفو عن زلته ، وقد وعدنا الله تعالي بقبول ذلك ، قال تعالي ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ) .

 

        وهذه العقوبة الأخروية هي جزاء لانتهاك ما حرم الله انتهاكه ، فالمستحق لهذه العقوبة قد عصي ربه وخالف شرعه .

 

وعلى ضوء هذا نبحث حكم إسقاط الجنين فىالفقه الإسلامي من حيث كونه عملا محرما أو مكروها أو مباحا فى مراحله المختلفة ، مع الفصل بين هذا البحث وبين إيجاب العقوبة الدنيوية .. لأن لكل عقوبة منهما خصائصها وميزاتها، فقد تسقط العقوبة الدنيوية لعدم كفاية الاثبات أوالشك فى وجودها ، ولكن تظل العقوبة الأخروية عالقة بصاحبها لأنها لاتحتاج الى ذلك .

 

تحريم إسقاط الجنين

 

        بين كتاب الهل تعالي ان الجنين يمر بمراحل متمايزة فقال :

( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفه فى قرار مكين ، ثم خلقنا النطفه علقه ، فخلقنا العلقه فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ) .

 

ثم بينت السنة النبوية أزمان هذه المراحل فى صحيح مسلم عن  عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون فى ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون فى ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات ، يكتب رزقة ، وأجله وعمله ، وشقي أوسعيد " .

 

والباحث فى حكم إسقاط الجنين لايستطيع أن ينقطع أو يبعد عن هذا البيان ، غير أنه لما كان حكم العلقة والمضغة متقاربا فى الققه الاسلامي ، لذلك نجعل المراحل ثلاثا ، الأولي : ما قبل بلوغ الجنين الأربعين يوما ، والثانية : ما بعد بلوغه الأربعين وقبل بلوغه الاربعة الأشهر : والثالثة : ما بعد بلوغه الاربعة الأشهر إلى ما قبل ولادته .

 

المرحلة الأولي : وهي التى لم يصل عمر الجنين فيها أربعين يوما فى بداية هذه المرحلة يكون الجنين خلية واحدة ، ثم تأخذ فى التكاثر شيئا فشيئا ، حتي تأخذ في التشكل والتصور ، ثمن يستين منه قرب نهايتها الرأس ، ونتوءات هي بوادر العينين .. ، غير أنه يغلب عليه فيها الخفاء وعدم التشكل للعيان .

 

وفى هذه المرحلة يري جمهور الفقهاء أنه يحرم إسقاطه فهيا وأن الجاني عليه معاقب على جنايته ـ أبا كان او أما او غيرهما ـ الا إذا وجد عذر كالخوف على حياة الأم من بقاء الجنين فى بطنها ، حيث يباح فى هذه الحالة إسقاطه تضحية بالجزء فى سبيل إنقاذ الكل، أو بالفرغ فى سبيل إنقاذ الأصل .

 

( وهو رأي الحنفية ( الراجح ) والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة والامامية ، والظاهرية والاباضية ) .

 

وقد خالف فى هذا بعض الحنفية وبعض الشافعية ، وكذا الزيدية اذا اتفق الأب والأم على اسقاطه ولم يصرحوا بدليل يستندون عليه فى هذا القول .

 

أما جمهور الفقهاء فقد استدلوا على تحريم اسقاطه خلال هذه الفترة بقياسه على تحريم كسر بيض صيد الحرم ـ بالنسبة للمحرم ـ ووجه هذا الدليل هو أن الله تعالي قد حرم على المحرم قبل الصيد ، فقال ( يا أيها الذين أمنوا لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم ، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم )

 

وقوله جل شأنه ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) وكذلك حرم على المحرم كسر بيض صيد الحرم ... فمن كسره كان عليه جزاء كسره ، فقد روي أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي ببيض النعام فقال " إنا قوم حرم ، أطعموه أهل الحل "

 

ومن هذا يتبين لنا أن أصل الصيد وهو بيضة ـ حكمه حكم الصيد نفسه فى التحريم ، ومثل ذلك يقال فى أصل أي صيد غير الطير من الحيوانات التى تلد ، فإن اعتداء المحرم على جنينها كالاعتداء عليها وإذا ثبت ذلك كان أصل الشيء آخذا حكم الشيء نفسه ..

 

وإذا ما انتقلنا إلى موضوعنا وهو الاعتداء على جنين الانسان فإن الانسان يحرم قتله إلا بحق قال تعالي " ولاتقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق " وإذا حرم الاعتداء عليه يحرم الاعتداء على أصله ـ وهو الجنين ـ .. قياسا على حرمة كسر بيض الحرم بل هو أولي بالحرمة منه لأن الأصل فى النفس الانسانية الحرمة ، ولاتباح إلا بحق ..، والأصل في الصيد هو الحل ، ولايحرم إلا بالنسبة للمحرم ، وما نخرج فيه من الحرمة الى الحل يجب أن يحتاط فيه أكثر من الخروج من الحل إلى الحرمة لذلك كان الاعتداء على الجنين أولي بالحرمة ، وأحق بها .

 

وفى تقرير هذا المعني يقول صاحب الخانية ( من كتب الحنفية ) ردا على من أجاز إسقاط الجنين فى هذه المرحلة " ولا أقول بالحل ، إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه ، لأنه أصل الصيد ، فما كان يؤاخذ بالجزاء ، فلا أقل من أن يلحقها ( أي الأم ) إثم هنا أسقطت بغير عذر "

 

ويقول أيضا الفقيه على بن موسي الحنفي " إنه يكره اسقاطه قبل مضي زمن ينفخ فيه الروح فإن الماء بعدما وقع فى الرحم مآله الحياة ، فيكون له حكم إسقاطه أيضا ، لأن النطفة بعد الاستقررا آيلة للتخلق ، وإن إفسادها جناية " .

 

لكل ذلك نري حرمة إسقاط الجنين فى خلال هذه المرحلة إلا إذا وجد عذر كما سبق أن أوضحنا ـ ولا اعتداد بقول من يخالف ذلك لعدم وجود دليل عليه.

 

وأما التحديد الزمني الوارد فى بعض الأحاديث فإنه لبيان أطوار الجنين أثناء فترة اجتنانه ـ من نطفة إلى عقله إلى مضغة ... وإبراز عناية الخالق جل شأنه بتطوراته ، وإذا كانت هذه هي عناية به فأولي أن يعتني به جميع الناس ... وليس من الاعتناء به الاعتداء عليه .. فلايصح أن يفهم منه عكس المطلوب .

 

وأيضا فإنه من المسلم به فقها وعلما وعقلا أن الجنين منذ كان خلية واحدة إلى أن  تم تكوينه وتخلقه كائن حي ، بدليل نمائه ، وهو أصل حياة الأنسان ، ومرحلة من مراحله ، فيجب أن يأخذ حكمه فى عصمة دمه ، أما كون الروح تلج هذا الجسم فى فترة معينة ، وهي عند تمامه الأربعة الأشهر ..فولوج الروح أمر عرفنا زمنه بالسماع ، أما حقيقتها فقد استأثر الله بعلمها قال تعالي ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) وإذا كانت أمرا يخرج عن دائرة علمنا ، فحينئذ لايصح أن نعلق على هذا الأمر الغيبي حكما ظاهريا دنيويا تقضي السنة بخلافه ـ فقد عرفنا من السنة أن فى إسقاط الجنين مطلقا عقوبة .

 

المرحلة الثانية : وهي التى وصل عمر الجنين فيها إلى أربعين يوما ولم يصل إلى مائه وعشرين .

 

والجنين فى خلال هذه الفترة تتخلق بعض أعضائه .. ويتم تكوين قلبه ... من الناحية الطبية ، أما من الناحية الشرعية فإن هذا التحديد جاء فى ضوء الحديث الشريف الذى سبق أن أوردناه والذى نص على أن الجنين إذا بلغ المائه والعشرين يوما يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ..، ومنه يتبين أن الجنين الذى لم يصل عمره مائه وعشرين يوما لاتنفخ فيه الروح ..، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فهل يجوز إسقاطه ؟

 

يري جمهور الفقهاء أنه يحرم إسقاطه ايضا ، وذلك من باب أولي لأنه إذا حرم عندهم وهو دون الأربعين يوما فإنه يكون كذلك إذا جاوزها ..ولم يخالف فى هذا الحكم سوي الزيدية الذين يرون أنه يجوز للأم بإذن الزوج إسقاط جنينها إذا لم يبلغ عمره مائه وعشرين يوما ، أما إذا لم يأذن لها الزوج فإنه يحرم عليها إسقاطه ، وتكون آثمة ولاتضمن شيئا .

 

إلا أن ما ذهب إليه الزيدية يخالف الأدلة التى استدل بها جمهور الفقهاء على تحريم اسقاط الجنين ( فى المرحلة الأولي ) ويخالف ما انتهينا إلى ترجحيه بالدليل لوضوح الأدلة وجلائها ..، وليس له وجه ظاهر ، كما أننا لم نعهد فى الشريعة الأذن سببا مبيحا للدماء ـ سواء كان من أب أو أم أو غيرهما ـ وحياة الجنين فى خلال هذه الفترة لايمكن إنكارها ، وكذلك فإن هذا الرأي سيؤدي إلى عدم إيقاع عقوبة على من جني على هذا الجنين غير الام والاب ، لأنه إما حي ، فيعاقب قاتله ، وإما غير حي فلا عقوبة مطلقا ، وحياة الجنين خلال هذه الفترة لايمكن إنكارها ، بل إن الزيدية أنفسهم قد أوجبوا فى جنين البهيمة إذا خرج ميتا بجناية نصف عشر قيمته على الجاني كما يضمن أيضا ما نقص البهيمة بالولادة دون أن يفرقوا بين مرحلة ومرحلة من حياة جنينها ، فهل العدالة تقضي بأن يكون جنين الحيوان مضمونا وجنين الإنسان غير مضمون ومباح  !

 

وبهذا يتبين لنا حرمة إسقاط الجنين ، وأنه لا ولاية لأحد فى إسقاطه ـ أبا أو أما أو غيرهما ـ لأن حق الحياة للجنين ملك لمانح هذه الحياة ، وليس ملكا لمن هو مملوك مثله ، ملك للموجد له ، وليس ملكا لغيره من الموجودات التى لاتتميز عنه .. واذا كان كذلك فلايباح إسقاطه مطلقا إلا لعذر ـ وسيأتي إيضاح الأعذار المبيحة .

 

        المرحلة الثالثة : وهي التى تبدأ من بلوغ الجنين الأربعة الأشهر حتي ولادته .

 

والجنين فى هذه المرحلة من الناحية التكوينية تتكامل أجهزته بصورة مصغرة عند بدايتها ، وتشعر الأم بحركته ... وتأخذ هذه الأجهزة فى التكامل حتي ولادته.

 

وأما من الناحية الشرعية فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه عند بلوغه مائة وعشرين يوما ينفخ فيه الروح .

 

ونفخ الروح فى الجنين عند هذه السن لايدل على عدم الحياة قبلها ـ كما قد يتبادر إلى الذهن تطبيقا للمنهج الطبيعي عند خروج الإنسان " موته " لا بل إن له نوعا من الحياة ونوعا من الروح بدليل تحركه وتزايده .

 

ولذلك يقرر الفقهاء أن الحركة فى الجنين حركتان : الحركة التابعة للنمو والتصوير ، وتلك من لوازم الروح الطبيعية المنبثة فى سائر البدن القائمة به ، وهذه الروح غير الروح الانسانية القائمة بنفسها المنزلة من عرشها ـ وهي الروح التى ينفخها الملك ، والتى تلي الروح الأولي .

 

وإذا ما أردنا أن نستكشف كنهها وحقيقتها وأثرها على الجسم كان اجتهادنا متعلقا بأمر قد استأثر الله بعلمه ، وأخفي حقيقته ، لحكمة يعلمها ومصلحة يقدرها ، وصدق القائل جل شأنه ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)

 

وإذا كان الجنين عند تمام الأربعة الأشهر قد تمتع بالروح الانسانية فإن الفقهاء قد أجمعوا على حرمة إسقاطه فى هذه المرحلة ، وتوقيع العقوبة على من يرتكب هذه الجناية ـ أبا كان أو أما أو غيرهما ـ إلا إذا وجد عذر يبيح ذلك .

 

ومن كل ما تقدم إيضاحه فى المراحل الثلاث يتبين لنا أنه لايحل إطلاقا إسقاط الجنين إلا إذا وجد عذر يعتبره الشرع ويقره ، وذلك للأدلة التى ذكرناها ولأن الفقهاء والأطباء وعلماء الأحياء والأجنة يعتبرون الجنين منذ بداية خلقه كائنا حيا ، بل هو إنسان مصغر فى أصغر صورة ممكنه ، يأخذ فى النمو والازدياد ، والتطور والترقي شيئا فشيئا حتي يظهر ما كان مستترا من أجزائه ، ويري ما كان غير مرئي من أعضائه فهو كائن حي وهو إنسان ، أو أصل الحياة الإنسانية ، وإذا كان كذلك كان معصوم الدم ، لايباح قتله أو الاعتداء عليه وليس لأب أو أم أو غيرهما ولاية الاعتداء عليه فى ذلك ، لأن الولاية عليه هي ولاية حفظ لا إهلاك ، ورعاية لا إزهاق ولاية تعهد لاستمرارية بقائه حتي يولد ، لا ولاية إفناء له .

 

العذر المبيح لإسقاط الجنين

 

الأعذار منها ماهو مقبول شرعا ومنها ما لايقبل شرعا ، فأما الاعذار المقبولة فهي التى اعتد بها المشرع الحكيم وجعلها سببا لإباحة ما حرم .. ومن أمثلتها هنا الخوف على حياة الأم من بقاء جنينها فى بطنها ، كأن كانت مريضة بمرض لايمكنها من الحمل  ، أو من تطورات الحمل .. ففي هذه الحالة يجوز إسقاطه إحياء للأم ، ومن باب التضحية بالفرع فى سبيل بقاء الأصل ، أو التضحية بالجزء فى سبيل إبقاء الكل ...

 

كما ضرب بعض الحنفية مثلا ثانيا لما يجوز فيه ذلك ، فقال ابن وهبان : " ومن الاعذار ان ينقطع لبنها ( أي الأم ) بعد ظهور الحمل ، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه " ففي هذه المسألة نجد أنه بمجرد الحمل انقطع لبن الأم عن أخي الحمل ( الرضيع ) وليس للأسرة ما يمكنها من أن تسد حاجة الرضيع سواء بلبن امرأة أخري او بما يقوم مقام هذه الألبان الطبيعية ، سواء نتج ذلك عن فقر الأسرة ، وعدم وجود معونة اجتماعية ... أو لأن الطفل لم يقبل غير أمه ، ففي مثل هذه الحالة يري هذا الفقيه أنه يجوز إسقاط الحمل إحياء للأخ .. وهذه الحالة تعبر أيضا من حالات الأعذار المبيحة ... لأن مثل هذه الأسرة لايمكن ان يعيش لها أولاد تحت ظل هذه العوامل ، اذ كلما حملت جف اللبن ومات الرضيع فإنقاذا للأخ الحي حياة حقيقية ظاهرة أجيز التضحية بالحي حياة مستترة .

 

وهذه الصورة ضئيلة الوقع فى عالمنا اليوم ، حيث قد حلت الألبان الصناعية مكان لبن الأم بأرخص الأسعار كما أن مجتمعاتنا والحمد لله ـ لاتبرز فيها صورة الفقر إلى الصورة التى يعجز فيها الإنسان عن تغذية طفله بهذه الوسيلة وإن وجدت اعتبر ذلك عذرا .

 

أما الفقر فى ذاته ، فإنه لايصلح عذرا لإسقاط الجنين بنص كتاب الله تعالي ( ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ) فالخوف من الفقر ليس سببا مبيحا شرعا لدم الإنسان ، سواء كان مولودا أو جنينا.

 

وكذلك الخوف من كثرة النسل ، لايبرر القول بإسقاطه ، ولكنه قد يكون مبررا لمنع الحمل لا لخوف الفقر بل للخوف من عدم التمكن من الرعاية المطلوبة والتربية الحقه المنوطة بالابوين " كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته "

 

وكذلك الخوف من العار لايصلح عذرا ، فإن زنت امرأة فحملت فخشيت العار ، أو اعتداء أهلها عليها ، فإن مثل هذا لايصلح عذرا للقول باسقاط الجنين خشية انكشاف أمرها ، لأنها قد ارتكبت جناية معاقبا عليها... , فيجب ان تتحمل نتائجها ولاتستر الجناية بجناية أخري .. ، وما ذنب الجنين حتي يتحمل عنها عبء العقوبة وهو لم يقترف شيئا إنه لم يفعل ما يستحق من أجله العقاب وهي التى تستحق ، فكيف ترضي أن تنال رغباتها وتشفي نزواتها وأهواءها ثم ينال غيرها الموت فى سبيل أغراضها غير المشروعة والدنيئه . وحسبنا فى ذلك ما حدث مع الجهنية التى زنت واعترفت بفعلتها وكانت حاملا ، فإن الرسول صلي الله عليه وسلم قد استمهلها حتي تضع حملها بل حتي يستغي عنها ـ فإن لم يوجد عذر من الأعذار المبيحة حرم اسقاطه ووجب ان ينال من يعتدي عليه العقاب .

 

النوع الثاني

        العقوبة الدنيوية

 

العقوبة الدنيوية على، قتل الجنين إما أصلية، وهي تدور في الفقه الإسلامي بمذاهبه المتنوعة بين ثلاث عقوبات: القصاص أو الدية الكاملة ، أو دية الجنين والتعزيز .

 

وإما تبعية ويندرج، تحتها الكفارة، والحرمان من الميراث.

 

العقوبة الأصلية .

 

لما كانت النصوص من السنة النبوية قد بينت أن الجنين إذا بلغ الأربعة الأشهر تنفخ فيه الروح.. لذلك اتجه بعض الفقهاء إلى إيجاب عقوبة القصاص على قاتله عمدا، وبعضهم أوجب فيه الدية كاملة..، والبعض تمسك بإيجاب دية الجنين (الغرة)- كما وردت في الأحاديث.

 

ولما كان الحديث عن الغرة هو عمود هذا البحث ويحتاج إلى شيء من التفصيل، فإننا بدأ ببيان آراء الفقهاء في عقوبتي القصاص أو الدية، ثم نتبعهما با لغرة :

 

 

القصاص أو الدية

 

اعتبر بعض الفقهاء بلوغ الجنين الأربعة الأشهر حدا فاصلا بين إيجاب عقوبة مخففة

 

وهي دية الجنين " الغرة "، وبين إيجاب عقوبة كاملة، وهي: القصاص في الجناية عمدا، والدية عند عدم استحقاق القصاص بسبب من الأسباب التي ترفعه...، وكذا في الجناية غير العمدية.

 

ومن الأهمية  بمكان أن نبين فيما يلي هذه الآراء، وما تعتمد عليه من أدلة.

الرأي الأول: هو رأي الظاهرية، يفرق بين الجناية على الجنين الذي لم يبلغ الأربعة الأشهر، وبين من بلغها:

 

فأما الأول: فإنهم يرحبون في الجناية عليه دية الجنين (الغرة) عمدا كانت الجناية أوخطأ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم- حكم بها، ولأن الجاني لم يقتل أحدا، لأن القتل لا يكون الا لذي روح، وهذا لم تنفخ فيه الروح بعد.. وإذا لم يزهق روحا لا تزهق روحه، أي لا تجب عليه عقوبة قتل النفس وهي القصاص.

 

وأما الثاني: وهو من بلغ الأربعة الأشهر فإنهم يفرقون بين قتله عمدا وقتله خطأ  فإذا قتله عمدا استحق الجاني عقوبة القتل العمد، وهي القصاص.

 

قال تعالى:


(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) وقال تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) والمجني عليه هنا نفس لها روح بنص الحديث، فهو نفس بنفس، وأهل هذا الجنين بين خيرتين: إما القصاص وإما الدية، أوالمفاداة، إلا أنهم إذا رضوا بالدية كان الواجب هو دية الجنين، لا دية النفس، لأن الرسول صلى الله عليه، وسلم بين لنا أن دية من خرج إلى الدنيا (المولود) فقتل مائة من الإبل..، وبين لنا أيضا أن دية الجنين بنص لفظه عليه الصلاة والسلام غرة (دية الجنين) فكانت الدية مختلفة فيها بنص الأحاديث. وأما إذا قتله خطأ فإنه يجب على القاتل دية الجنين (الغرة) 0

 

 الرأي الثاني: ( وهو رأي الامامية والأباضية ) يرى أنه إذا بلغ الجنين الأربعة الأشهر تجب فيه الديه ،لا الغرة.. ولا القصاص.

 

وأما إذا لم يبلغها فعند الإمامية يجب في النطفة عشرون دينارا، وفي العلقة أربعون، وفي المضغة ستون، وفي ابتداء الخلقة من المضغة ثمانون. وفي تمام الخلقة قبل نفخ الروح مائة دينار (وهي الغرة).

 

وهذا التفصيل مروي عن علي رضي الله عنه وعن عبد الملك بن مر وان .

 

وعند الأباضية إن كان نطفة فعلى الجاني عشرة دنانير، أو ممتزجا فأربعة عشر، أو علقة فأربعة وعشرون، أو مضغة فأربعون، أو ممتدا فستون، أو مصورا فثمانون، أو نابت الشعر فمائة دينار .

 

وروي عن قتادة إذا كان علقة فثلث غرة، وإذا كان مضغة فثلثي "غرة".

 

        ولم يذكر هؤلاء الفقهاء دليلا من كتاب أو سنة يقضي بهذا التوزيع الذي يعتبر مغايرا للأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الموضوع، وهذا ما قرره ابن قدامة في المغني، وكذا صاحب الروض النضير، ثم نقل الأخير عن شرح الإبانة أنه يجوز أن يكون هذا التوزيع على وجه المصالحة، ولا اعتراض للفقهاء على تنازل من تثبت له الدية عن هذه الدية كلا أوبعضا، مادامت نفسه قد رضيت بذلك.

 

الرأي الثالث: (وهو رأي جمهور الفقهاء) لا يفرق بين من بلغ الأربعة الأشهر، ومن لم يبلغها .. في إيجاب الغرة في الجناية عليه، فلا يجب القصاص ولا الدية كاملة ولا تجزئة الغرة حسب أطوار الجنين، بل الغرة كاملة.

 

وقد استدلوا بالأحاديث التي أوجبت الغرة، في قتل الجنين، ولم توجب شيئا غيرها، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن عمر الجنين، ولا عن أطواره عند إيجابها.

 

وإذا كان كذلك كان النص موجبا لهذا الحكم في كل جناية على جنين دون تفصيل.. (وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وعطاء والشعبي والنخعي والزهري، والثوري، واسحاق ، وأبي ثور.

 

وأري رجحان الرأي الذي يقضي بإيجاب الغرة في قتل الجنين بلغ الأربعة الأشهر أو لم يبلغها، وذلك لعدة وجوه :

 

أ ـ أن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أوجبت الغرة في قتل الجنين؛  " وفي الجنين، غرة " دون تفصيل، والجنين لغة واصطلاحا يطلق على حمل المرأة، مادام في بطنها، سواء كان علقة أو مضغة، تام الخلق أو ناقصه.. بلغ الأربعة الأشهر أو لم يبلغها.. فإذا كان كذلك كان هذا الحكم الذي ورد به النص  شاملا لكل جنين...، إذ لوكان الحكم يختلف من حالة إلى حالة لوجب، أن يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يبينه كان هذا هو الواجب في كل حالات، قتل الجنين . سواء كانت الجناية عمدا أو شبه عمد أو خطأ...، ويظهر أثر التفاوت بين هذه الجنايات الثلاث في المتحمل لهذه الدية.. وفي عقوبة التعزير..

 

ب- أن التفاوت في الحياة الإنسانية- من صغر وكبر، وقدرة وعجز، لا أثر له في نوعية العقوبة المقررة في الجناية عليها في الفقه الإسلامي، فالإنسان هو الإنسان وعقوبة الجناية عليه موحدة في كل أطوار حياته: طفلا أو صبيا، أو شابا أو رجلا، أو شيخا أو هرما، وإذا كان الأمر على هذه المثابة كان من المناسب أن تكون عقوبة، الجناية على الجنين موحدة في كل أطواره، لأنه أصل الإنسان، بل هو الإنسان بعينه في فترة تكونه واختفائه، فما اعتمدناه من عدم التفاوت بين الأشخاص في باب الجناية عليه أثناء ظهوره (بعد ولادته حيا نعتمد ه هنا فى باب الجناية عليه أثناء فترة اجتنانه واختفائه في بطن أمه، وأما اختلافهما في نوعية العقوبة فمصدره النص كما بينا آنفا.

 

جـ - أن العلة التي تصلح لاقتران الحكم بها، هي كونه حيا، والحياة موجودة فيه منذ بدء تكونه، سواء قبل نفخ الروح فيه أو بعدها، لأن الروح أمر استأثر الله بعلمه ، فحقيقتها خفية علينا، بدليل أنه بمجرد تكونه تثبت له حقوق ، كالميراث، والوصية، والإنفاق عليه..، ولا يقترن ثبوت هذه الحقوق له بنفخ الروح فيه فإذا ثبت أنه كان حيا وقت الجناية عليه وجبت العقوبة المقررة ، دون نظر إلى معرفة حقيقة الطور الذي فيه، لأنه في كل أطواره كائن حي، مصون الحياة، محقون الدم، يجب حفظه ورعايته.

 

الغرة( دية الجنين)

 

مما تقدم يتضحح لنا أن الغرة (دية الجنين) متفق على تقريرها في الجناية على الجنين وإن اختلف في الطور الذي يستوجبها من أطوار حياته....

 

لذلك، أفاض الفقهاء في بحثها من عدة جوانب، ونتناول هذه الجوانب بالدراسة المقارنة.

 

تفسير الغرة

 

في اللغة: الغرة- بضم  الغين- هي بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، وتطلق على عدة معان، إذ يقال. فلان غرة قومه : أي سيدهم، وغرة كل شيء أوله، والغرة أيضا  العبد، الأمة، كما تطلق على الفرس...

 

وفي الاصطلاح الفقهي: اسم للضمان المالي الذي يجب بالجناية على الجنين، وقد قيل إنه سمي غرة، لأنه أول مقدار ظهر في باب الدية.

 

والأصل في، إيجابها في قتل الجنين هو السنة النبوية، فقد روي المغيرة بن شعبة أن امرأة ضربتها ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها، وهي حبلى، فأتي فيها النبي صلى ألله عليه وسلم فقضى فيها على عصبة القاتلة بالدية، والجنين غرة  .

 

تقدير الغرة : وأما تقدير الغرة فقد بين العلماء أن الغرة هي

 

أ- عبد أو أمة، لما ورد في  بعض الأحاديث من تفسيرها بذلك

 

ومنها ما روي، عن المغيرة بن شعبة أن عمر بن الخطاب استشارهم في إملاص المرأة (سقطها) فقال المغيرة: قضى النبي صلى الله عليه وسلم فيه بغرة -عبد أوأمة- قال عمر لتأتين بمن يشهد معك فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم قضى به".

 

ب ـ فإذا لم يوجد عبد أو أمة- كما هو الحال الآن بعد انحسار الرق من المجتمعات وهو ما يهدف إليه المشرع الحكيم- فإن النصوص الواردة في تقدير الغرة بعضها  يقرر عشر الدية والبعض الآخر يقرر نصف عشر الدية، سواء باعتبار ذلك غرة، أو قيمة الغرة، ومن هذه النصوص. ما روي عن ابن عاصم قال : " ما له عبد ولا أمة، قال عشر من الإبل ". وفي رواية الحارث بن ابي أسامة " وفي الجنين غرة: عبد أو أمة، أو عشر من الإبل، أو مائه شاة " والعشر من الأبل هي عشر الدية ولكن المائة شاة نصف عشر الدية.

 

كما روى الإمام المحبوبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " في الجنين غرة عبد أوأمة قيمته خمسمائة ويروى أو خمسمائة " أي درهم، وهي نصف عشر الدية إنها عشرة آلاف درهم- كما هو رأي بعض الفقهاء.

 

 

والخبر المروي تارة يجعلها دية، وأخرى يجعلها قيمة للعبد أو الأمة. كما روي عن ابي هريرة أنه صلي الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة، وقضى به على العاقلة، وذلك نصف عشر الدية، وهو تفسير مباشر للغرة بهذا المقدار دون أن يذكر شيئا آخر.

 

والناظر في هذه النصوص جميعها يتضح له ما يأتي

 

أ ـ أن الغرة إما عشر الدية، أو نصف عشر الدية...، وبالتقدير الثاني أخذ جمهور الفقهاء (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة، والزيدية).

 

ب ـ أن مقدار نصف عشر الدية مجمع عليه : أما بالنسبة لمن قال به فواضح وأما بالنسبة، لمن قال بأنها عشر الدية، فلأن نصف العشر داخل فيه، وأن المقدار الزائد عن نصف عشر الدية مختلف فيه، والجمهور على عدم إيجابه..

 

وإذا لاحظنا أن العقوبة لا تثبت إلا بنص، وأن المقدار المتيقن من النصوص هو نصف عشر الدية، كان القول بإيجاب زيادة على ذلك محتملا عدم ثبوته، وإذا احتمل ذلك مع مراعاة أنه لا يتأتى إلزام الذمم إلا بأمر متيقن، كان الأخذ بتقديرها بنصف عشر الديه أحوط.

 

لذلك أري رجحان الأخذ بهذا التقدير، ورجحان الأخذ بأن هذا المقدار يجب في كل جنين- ذكرا. كان أو أنثى- لأن السنة لم تفرق بينهما- وبه يقول جمهور العلماء أيضا.

 

وقد بينت السنة مقادير الديات، سواء من الإبل، أو الذهب، أو الفضة أو الغنم ، أو الحلل  والأنواع التي تؤدي منها في كل جناية من الجنايات...

 

وأما في دية الجنين فقد بين الفقهاء أنه إذا لم توجد الغرة أديت من الأجناس التالية .

 

 

من الإبل:. خمسة أبعرة

ومن الذهب،: خمسون دينارا

 

ومن الفضة: ستمائة درهم، وذلك بناء على أن الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم، كما هو رأي المالكية، والشافعية- في قول- والحنابلة- ويرى الحنفية والهادي والمؤيد بالله أنها عشرة آلاف درهم، فيكون الواجب في دية الجنين هو خمسمائة درهم.

 

وعلى أي الحالات فإنه في عصرنا هذا يمكن معرفة نصف عشر الدية بتقدير الدية بالذهب، فالواجب ألف دينار، وإذا كان وزن الدينار في عصر الرسالة هو (241ر4) جرامات فإنه بضربه في ثمن الجرام بنقود البلد الذي حدثت فيه الجناية يكون الناتج هومقدار الدية بعملتنا الحالية، وبقسمتها على 20/ 1 يكون الناتج هونصف عشر الدية.

 

من تجب عليه دية الجنين ( الغرة)

وإذا وجبت الغرة في قتل الجنين فإنه يلزمنا أن نحدد من تجب عليه هذه الدية...، ولما  كانت الجناية تارة تكون عمدا، وتارة تكون خطأ، وأخرى شبه عمد، وكانت الأولي أشد أنواع الجنايات لأن الجاني قصد قتل نفس، ونفذ ما قصده، ومثله ناد عن المجتمع خارج على قوانينه فيجب تأديبه ولا يستحق بالتالي مع تخفيفا، أما الخطأ فعكس ذلك، إذ لم يرد القتل، ولم يقصد تنفيذه، ومثله مرفوع عنه الأثم بنص الحديث " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وإذا كان كذلك كان مستحقا للتخفيف، وأما شبه العمد. فهو منزلة وسطى بين العمد والخطأ- حيث أراد الجاني إيقاع الضرب ولم يرد القتل- فمن ناحية إرادته إيقاع الفعل المادي الضار كان عمدا، ومن ناحية انعدام قصد القتل كان خطأ، ومثله يستحق التخفيف بالاعتبار الثاني لا بالاعتبار الأول..

 

وهذا مايسلكه الفقه الإسلامي عند تكييف الجناية وتحديد نوعها، فهل الجناية على الجنين  يمكن إخضاعها لهذا التكييف، ام أن حكمها واحد.

 

للإجابة على  هذا التساؤل، نذكر أولا أن الشبهة القائمة أمام تكييف الجناية على الجنين التكييف المذكورآنفا هي أن الجنين مستتر في بطن أمه، ولا تعلم حياته من موته وقت وقوع الفعل الضار على وجه اليقين، وإذا كان كذلك فإن احتمال كونه كان ميتا وقت إيقاع الفعل الضار قائم، وإذا كان هذا الاحتمال قائما كان شبهة، والشبهة تمنع تكييف الجناية بالعمدية، وإذا امتنع وصفها بذلك في الجناية على الجنين كانت الجناية إما شبه عمد أو خطأ... ولذلك امتنع بعض الفقهاء عن وصف هذه الجناية، بهذا الوصف (العمد).

 

إلا أن البعض الآخر يرى أنه مادامت حياته كانت معروفة.. بدليل عدم إسقاطه أو عدم تألم أمه وعدم  شكواها من وجوده.. فإننا نستصحب هذه الحياة حتى يقوم لدليل، على موته قبل وقوع الفعل الضار به، فإذا قام دليل على أنه قد مات قبل ذلك ، فحينئذ لا تكون الجناية على جنين ، ولكن على رفات جنين.. وهذا أمر آخر...، ولذلك لم نجد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يوجب التردد في إيجاب العقوبة المقررة على مسقط الجنين.

 

إذا تم لنا، هذا الأيضاح فإننا إذا انتقلنا إلى موضوع بحثنا وهو من تجب عليه الغرة..، نجد أن الفقهاء قد اتجهوا اتجاهين. بعضهم يسوي بين الجنايات .

 

الثلاث فيمن يجب عليه الغرة والآخرون يفرقون بين العمد وشبه العمد والخطأ.

 

الاتجاه الأول: يجعل الغرة على العاقلة في كل أنواع الجناية على الجنين، فيوجب فيها الدية (الغرة) على العاقلة- وهو رأي الحنفية، والشافعية على الأصح، والزيدبة- (وكذا الظاهرية قبل نفخ الروح فيه ) وقد استدلوا على إيجابها على العاقلة مطلقا بما ورد في بعض، روايات حديث المغيرة- المتقدم نصه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين. وروي أن أبا القاتلة قال. أندي ما لا طعم ولا شرب، ولا صاح ولا استهل، مثل ذلك يطل (أي يهدر) فقال النبي، صلى الله عليه وسلم له " أسجع الجاهلية وكهانتها: أدفي الصبي غرة " رواه أبو داود والنسائي.

 

فهذا يدل على أن القضاء بالدية كان على العاقلة حيث أضافوا الدية إلى أنفسهم على وجه الإنكار، والأب من العصبات، وقد ألزمه الرسول بالدية، وهو فرد منهم، وإذا كانت على العاقلة، كان ذلك أمارة عدم تكييف الجناية بالعمدية، لأن العاقلة لا تعقل عمدا بنص الحديث.

 

الاتجاه الثاني: (وهو اتجاه المالكية والأباضية)  يرى أن الغرة تكون في مال الجاني في الجناية عمدا مطلقا، لأن العاقلة لا تحمل العمد، بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك تكون في الخطأ عليه لأن الغرة نصف عشر الدية، والعاقلة لا تتحمل مادون ثلث الدية، لما روي أن عمر رضي الله عنه قضى في الدية ألا يحمل منها شئ  حتى تبلغ عقل (دية) المأمومة والمأمومة فيها ثلث الدية.

 

الاتجاه الثالت : يفرق بين القتل العمد وشبه العمد والخطأ، وهو رأي الحنابلة والإمامية. ورأي للشافعبة إلا أنهم اختلفوا التفاصيل:

 

فأما الشافعية (على قول) والإمامية فقد اتفقوا على أن دية الجنين في الجناية عمدا على الجاني دون العاقلة، وفي الخطأ على العاقلة دون الجاني، واختلفوا في شبه العمد فعند الشافعية على العاقلة، وعند الإمامية على الجاني- مع مراعاة ما أوجبه الإمامية في الجناية على الجنين قبل نفخ الروح وبعدها، إذ الواجب عندهم في الحالة الأولي الغرة ، وفي الثانية الدية كاملة، أما الشافعية فالغرة في كل الحالات.

 

وأما الحنابلة فقد فرقوا بين جنين يموت مع أمه أو بعدها، وجنين لا يموت معها.

 

فإذا مات الجنين مع أمه أو بعدها فإن كانت الجناية خطأ أو شبه عمد تحملت العاقلة دية الجنين كما تتحمل دية أمه، لما روى المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة - عبد أو أمه- على عصبة القاتلة.

 

وإن كانت الجناية على الأم عمدا، فإن الجاني يتحمل دية الجنين لا العاقلة لأن العاقلة لاتحمل مادون ثلث الدية.- كما بينا آنفا- والواجب في الجنين أقل من الثلث، وكذلك لأن الجناية لا يحمل بعض ديتها الجاني وبعضها غيره فيكون الجميع على القاتل، أو لكون ديتهما جميعا موجب جناية تزيد على الثلث.. كما لو قطع عضوا من إنسان عمدا فسرت الجناية إلى النفس... فإن موجبها يكون عليه دون العاقلة.

 

وأما إذا مات الجنين وحده.. أو قبلها فإن ديته تكون على الجاني لا العاقلة لأن العاقلة لاتحمل ما دون ثلث الدية- كما بينا- عمدا كانت، الجناية أوشبه عمد أو خطأ..

 

والذي أرجح الأخذ به هنا هو

 

أولا: إذا كانت الجناية على الجنين عمدا كانت الدية (الغرة) على الجاني وحده، ولاتتمحل العاقلة منها شيئا، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال. " لا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا " ولما روي عن عمر- رضي ا لله عنه- أنه قال " مضت السنة أن العاقلة لاتحمل شيئا من دية العمد إلا أن تشاء " رواه مالك. ولأن الدية بدل متلف- بفتح اللام -، وبدل المتلف يجب على المتلف- بكسر اللام- ولقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وإنما خولف هذا الأصل في الخطأ، لأن المخطىء معذور، وقد رفع عنه موجبه بنص الحديث " رفع عن أمتي الخطأ ". وإيجاب الدية على العاقلة، هو من قبل المواساة والتعاون والتضامن الاجتماعي مع المجني عليه أو أسرته. أما القاتل عمدا فغير معذور فيلزم ألا يواسى ولا يساعد حتى لا يؤدي هذا إلى تكرار الجناية منه، وبذلك يتفشى الفساد.

 

وإيجاب إلى هنا على الجاني لا يمنع من توقيع عقوبة تعزيرية عليه، جزاء تعديه على الغير وإخلاله بالأمن، وتقديرها موكول إلى الإمام أو من يقوم مقامه.

 

        ثانيا: أنه اذا كانت الجناية شبه عمد، كما إذا أراد تأديب الأم وتهذيبها، أو كان لاعبا. أو ما إلى ذلك من الأغراض المشروعة في ذاتها، والتي قد يصحبها بعض التجاوز أو عدم التحرز، أو كانت أداة الجريمة غير صالحة للقتل ولم توضع في مقتل... فإنني أرجح أن تتحمل العاقلة دية الجنين المجني عليه، وذلك لما روي عن أبي هريرة أنه، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة - عبد أو وليدة- وقضى بدية المرأة على عاقلتها " متفق عليه" ورمى إحداهما الأخرى بحجر، هو من قبيل شبه العمد لا العمد، لأن في التعبير بالرمي مع ملاحظة بنية المرأة ومقدرتها الجسمانية يجعل أداة الجناية مما لا تقتل غالبا فضلا عن كون الرمي قد يصيب وقد لا يصيب، وقد يصيب مقتلا وقد لا يصيب، واذا كان كذلك كانت الجناية شبه عمد، ويدلنا على ذلك أيضا إيجاب الرسول صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة الجانية، ولو كانت الجناية عمدا لأوجب عليها القصاص، ننفيذا لكتاب الله تعالى،  ( كتب عليكم القصاص في القتلى) ولقوله صلى الله عليه وسلم " العمد قود " أي فيه القصاص.

 

وأيضا فإن الجناية شبه العمد، تستحق التخفيف من ناحية أن الجاني لم يرد إزهاق الروح، وهو ما تتميز به الجناية خطأ عن الجناية عمدا، والجناية خطأ موجبها الدية على العاقلة، فكذلك هنا تكون الجناية شبه العمد على الجنين موجبة للدية على العاقلة..

 

ثالثا: أنه إذ كانت الجناية على الجنين خطأ فإن ديته تجب على عاقلة الجاني استنادا إلى ما تمسك به أصحاب الاتجاه الأول وإذا وجبت على عاقلته، فإنني أرجح أن يشترك الجاني  مع العاقلة- ابتداء وانتهاء- وذلك لأن جناية القتل خطأ أوجب المشرع الحكيم، فيها الدية والكفارة فقال مخاطبا القاتل (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ) فأوجب تقديم الكفارة، والكفارة تجب في ماله إجماعا، فكذلك الدية إلا أن السنة النبوية أضافت إلى ذمته ذمة العاقلة بالحديث المتقدم مواساة له، وإعانة،- ورفقا بحاله ونظرا له فتعلق الحق به بنص الآية، وبالعاقلة بنص الحديث المتقدم، وأيضا لأنه ليس من المقبول عقلا إسقاطها عنه جميعها، وتكليف غيره بأدائها دونه، وهو المرتكب للجناية، مما يؤدي إلي إيغار صدر العاقله، عليه. وتغير شعورهم نحوه، وما لا يقبل عقلا يبعد أن يكون مقبولا شرعا، كما أن إيجابها عليه وحده لا يتناسب مع رفع موجب الخطأ عن المخطىء بالحديث، وكذلك فإن في اشتراكه معهم تحقيقا للتعاطف والتآزر والشعور بما يشعر به الآخرون من أفراد العاقلة ورعاية للجانبين ، وبذلك تندفع أسباب الجناية والغرامات المالية.

 

رابعا: كما أرى أن يكون أداء الدية حالا وقويا في القتل العمد، وذلك لأنها بدل متلف، وبدل المتلف يلزم المتلف حالا، كقيم المتلفات، ولأن التأجيل نوع من التخفيف والتيسير، وذلك لايتناسب مع الجريمة العمدية التي يناسبها التشديد لا التخفيف،- وهذا ما نص عليه فقهاء المالكية، والحنابلة- في الصورة التي قالوا فيها يتحمل الجاني دية الأم وجنينها-

 

وأما شبه العمد والخطأ- والذي رجحنا فيه إيجاب الدية على العاقلة، فإنني أرجح أن تكون منجمة عليهم، على ثلاث سنوات، يجب في آخر كل سنة ثلثها- قياسا لها علي تقسيط جميع الديات الواجبة في هذين النوعين من الجنايات في هذه المدة عند جمهور العلماء .

 

" الجنين الذى تجب فيه الغرة

 

إذا وقعت، جناية على جنين، فإما أن يخرج الجنين الذي تجب فيه الغرة حيا من بطن أمه، أويخرج ميتا، ولكل حالة من هاتين الحالتين عدة صور، يختلف حكمها باختلاف أثر الجناية عليه، وأثرها على أمه التي ارتبط بها ارتباطا وثيقا واتصل بها اتصالا عضويا، ونتناول فيما يلي بالتفصيل حكم هاتين الحالتين، وما يندرج تحت كل حالة من صور.

 


الحالة الأولي

استمرار حياة الجنين بعد الجناية

 

إذا استمرت حياة الجنين بعد الجناية فيجب أن نفرق بين صورتين : صورة استمرار حياته فى بطن أمه متما مدة حمله ، وصورة إسقاطه نتيجة هذه الجناية حيا .

 

الصورة الأولي : أن يستمر فى بطن أمه متما مدة حمله ، وفي هذه الحالة لا يخلو الأمر عن احتمالين .

 

        أولهما : ألا يتأثر الجنين بالجناية إطلاقا ، وحينئذ لا يجب على الجاني شئ بالنسبة للجنين ، لأنه لم يصب بأي أذي أو ضرر ، وأما كون الجاني معاقبا بآثار جنايته على أم هذه الجنين ، فهذا أمر آخر له أحكامه المستقلة فى الجناية على النفس .

 

        وثانيهما : أن تؤدي الجناية الى الاضرار بما دون نفس الجنين ، كما إذا انفصل جزء من أجزائه ، كيد أو رجل .. ، ثم تابع نموه فى بطن أمه الى ان تم وضعه حيا ، ففي هذه الحالة يجب فى الجزء المصاب مثل ما يجب فى الانسان المولود الحي، ففي اليد نصف الديه ، وفى اليدين ديه كاملة .. وهكذا فى بقية أعضائه وأجزائه ـ عند الحنفية والحنابلة ـ إذا كان قد تخلق وعلم أنها يده ، أو رجله .. ، وأتم عند الحنفية أربعة أشهر وعند الحنابلة سته أشهر وإلا ففي اليد نصف الغرة ، وفيهما الغرة كاملة .. وهكذا .

 

أما الشافعية والإمامية فإنهم يوجبون في الجزء المضار من الجنين جزءا من الغرة كالجزاء الواجب من الدية في الجناية على الإنسان الحي... ففي يده نصف الغرة، كما في يد المولود الحي نصف الدية، وفي يديه غرة كاملة كما في يدي هذا ديه كاملة.

 

والذي تستر يح النفس إليه في هذا، وتطمئن إلى الأخذ به، هو أنه إذا استمرت حياة الجنين بعد الجناية عليه، وولد حيا، فإنه يجب في الجزء المصاب منه مثلما يجب في الانسان المولود الحي من الدية، لأن أثر الجناية من قطع يد أو رجل، أو فقد عين، أوحاسة من الحواس- سيلازمه طوال حياته، ويؤثر عليه في الأنشطة التي تعتمد. على هذ1 الجزء المصاب..، فالأضرار التي تصيبه ليست إلا  أضرارا مرتبطة بحياته كلها. لذلك أرى ترجيح القول الأول الذي يقضي بجعل حكم الجناية عليه حكم  الجناية على الحي المولود.

 

ولاعبرة بتحديد عمره  وقت الإصابة، بل العبرة بمعرفة أثر الإصابه عليه، سواء مضى عليه أر بعة أشهر أو أقل أو أكثر، وعند ولادته سيتبين لنا  أثر هذه الجناية عليه، طالما لم يحدث سبب يصح أن يقطع الصلة بين السبب الأول وبين ما اكتشفناه من إصابة فيه، فإذا تبينا هذا الأثر عليه بعد ولادته حيا أو جنينا، على الجاني العقوبة المقررة على  مثيله من المولودين الأحياء.

 

ولا يعترض علينا بأنه إذا سقط ميتا وجبت فيه الغرة فكيف توجب فيه هذا المقدار من الدية، وهو قد يكون ضعف الغرة!!!، لأن الأمر مختلف، إذ الجنين قبل ولادته معرض لأخطار متعددة فقد يتتابع نموه بشكل طبيعي وقد لا يتتابع، وقد يولد حيا وقد يولد ميتا... فهناك عدة احتمالات من شأنها أن تؤثر على القول باستمرارية. نموه وولادته حيا... فإذا حدثت الجناية على من كان هذا حاله فسقط ميتا وجبت ديته وقد، حددتها السنة النبوية...، وهي عقوبة متعادلة ومتكافئة مع حالته، ومع ظروف حياته المبهمة إلى حد ما..

 

أما إذا نز ل حيا، فإنه يأخذ حكم الأحياء المولودين، وقد حدد القرآن الكريم والسنة النبوية الواجب من العقوبات بالنسبة لهذه الطائفة، فيجب تطبيق أحكامهم عليه، لانه إنسان حي مولود مثلهم ولا فرق، وكونه كان في بطن أمه وقت حدوث الجناية لا يؤثر في ذلك، لأنه يجب علينا أن نتبين حال المصاب بعد الإصابة، حتى نعرف مدى تأثيرها عليه- كلا أو بعضا- ثم نوجب العقوبة الملائمة، وهذا ما نفعله مع هذا الجنين، حيث ننتظر ولادته، وهو الحكم المتمشي مع قواعد  العدالة، لأنه من الناحية الواقعية والعقلية والمنطقية، ما الفرق بين جناية على جنين قطعت، يده ثم نزل حيا وعاش، وجناية على حي مولود قطعت يده أيضا؟. لا فرق لأن كلا منهما سيعيش دون هذا العضو، ويتضرر به، ويؤثر على مستقبله، بل قد. يكون تأثيره على مستقبل هذا الجنين المولود حيا أكثر.

 

لذلك أري رجحان أن يطبق في مثل هذه الحالات ما يطبق على الأحياء المولودين.. كما هو رأي الحنفية والحنابلة.

 

الصورة الثانية : أن تؤدي الجناية إلى إسقاطه حيا، ثم يموت بعد ذلك من أثر هذه الجناية- سواء ماتت أمه أو لم تمت- ففي هذه الجناية تطبق على الجاني العقوبات المقررة للجناية على الانسان المولود الحي إذا ما تحققت الشروط التالية :

 

الشرط الأول: أن تضع هذا المولود حيا.

لأنه اذا علمت حياة هذا المولود كانت هذه الجناية التي أدت إلى موته جناية على إنسان كامل ، ونفس قائمة بذاتها، مستقلة بحياتها، فيجب في الجناية عليهما ما يجب في الجناية على المولود الحي .

 

إلا أنه لما كانت مظاهر  الحياة في المولود متنوعة، بعضها يدل على حياته وعلى استقرار هذه الحياة، وبعضها يدل على حياته دون أن يدل على استقرارها، وبعضها لا يصعد إلي درجة الدلالة على الحياة.. لذلك كان من الضروري تناول هذه المظاهر بالبحث لمعرفة الحكم في كل حالة منها.

 

أما النوع الأول. وهو الأمارات الدالة على حياته المستقرة، فيجب أن نفرق بين نوعين منها:

 

أولهما الاستهلال- وهو الصياح والبكاء- وقد اتفق الفقهاء جميعا على أن المستهل تثبت له أحكام الأحياء المولودين، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا استهل المولود ورث " والاستهلال هو الصياح- كما قال ابن عباس والقاسم والنخعي.

 

وقد تمسك بظاهر الحديث المتقدم بعض الفقهاء فقالوا لا يثبت للمولود حكم الحياة إلا بالاستهلاك فقط، دون غيره من الأمارات، ولعلهم جعلوا العلة في إيجاب الميراث له ( وهو أحد الأحكام الخاصة بالأحياء) هي كونه مولودا مستهلا، أي لابد من تحقيق، ولادته، وتحقق استهلاله، فهي علة مركبة من جزأين، إذا وجدا وجد الحكم وإذا انعدما- أو انعدم أحدهما- لم يوجد الحكم...

 

وهذا القول  مروي عن، الزهري وقتادة واسحاق، والإمام مالك والإمام أحمد، والاباضية، وقد روي معنى ذلك عن عمر، وابن عباس، والحسن بن علي، وجابر رضي، الله عنهم .

 

وثانيهما: كل مادل على الحياة المستقرة من أمارات- سواء كانت تنفسا طويلا، أو رضإعا، أوسعالا.. أو ما شابه ذلك، أم كانت استهلالا- فإن هذه الأمارات إذا ثبت صدورها عن المولود ثبتت له أحكام الأحياء عند المالكية والحنابلة الذين يتمسكون بمثل هذه الأمارات لاكتساب المولود أحكام الأحياء.

 

وكذا عند الحنفية والشافعية والزيدية والإمامية، وغيرهم ممن يتوسعون فيكتفون، بأن تكون الأمارات دالة على الحياة (كما سيأتي في الفقرة التالية) من باب أولي ووجه رأي المالكية والحنابلة: أن هذه الأمارات تعلم بها حياته كما تعلم بالاستهلال فلا وجه لقصرها على الاستهلال إذ هي شبيهة به في هذا الوجه أيضا،

 

        والخبر المروي عن الرسول يدل بمعناه وتنبيهه على ثبوت الحكم في كل الصور التي تعلم بها حياة هذا المولود، لأن رضاعة اللبن أدل على حياته من صياحه... وكذا تنفسه، تنفسا طويلا، أو عطاسه، أو سعاله.

 

ويمكننا أن نوضح وجهة نظرهم بوجه آخر، هو أن مناط الحكم هوكونه حيا حياة مستقرة، فإذا ثبتت هذه الحياة بأي مظهر من المظاهر الدالة عليها ثبت الحكم، سواء كان هذا المظهر استهلالا كما  هو  وارد في النص، أو غيره مما يعادله أو يفوقه في افادة المقصود، لانه ليس في الاستهلال معنى يقصد لذاته سوى أنه يدل على الحياة المستقرة.

 

وأما النوع الثاني: وهو الأمارات الدالة على حياة الجنين- عقب ولادته- دون أن تدل على استقرار هذه الحياة..، كما إذا تحرك بعض أعضائه كيديه، أو رجليه، أو عينيه، أو شفتيه... وما شابه ذلك مما تعلم به حياته دون أن تصدر عن أمارة من الأمارات السابقة، فإن الفقهاء قد اختلفوا في ثبوت حكم الأحياء المولودين له... فيرى بعض الفقهاء عدم ثبوت حكم الأحياء له، استنادا للحديث المتقدم، الذي قرن حكم الميراث بالاستهلال، وهذا لم يستهل، وأيضا لمساواتها له، واذا "كان الأمر كذلك لا يثبت لمن هذه حاله حكم الأحياء.

 

وهو قول من تمسكوا بالاستهلال، أو بالأمارات الدالة على الحياة المستقرة.

 

        ويري أكثر الفقهاء أنه  تثبت له أحكام الأحياء المولودين أيضا- مثله كمثل الحالتين السابقتين- وذلك لأنه لما علمت حياته بمثل هذه الأمارات أشبه المستهل ومن قيس عليه.

 

وقد رجح ابن رشد- المالكي المذهب- هذا الرأي رغم أنه يخالف رأي مذهبه فقال " قال الشافعي وأبو حنيفة والثو ري وأكثر الفقهاء "كل ماعلمت به الحياة في العادة من حركة أو عطاس أو تنفس فأحكامه أحكام الحي، وهو الأظهر  " وهو رأي الزيدية والإمامية أبضا والظاهرية.

 

ومن هذا يتبين لنا أن هذا الاتجاه يأخذ من النص في الحديث على الاستهلال مفهومه ومدلوله- وهو إفادة الحياة- فيجعل العلة في ثبوت أحكام الأحياء له هي " كل ما علمت به حياته في العادة " دون تقيد بمظهر معين فإذا رأينا منه حركة تفيد الحياة ثبت له حكم الأحياء. وإلا لم يثبت. وأرى أن هذه الأمارات لا يلزم أن تكون ظاهرة للعيان أحيانا ، فإذا ثبت ذلك لانستطيع أن نقول إنه غير حي، لأن الواقع يكذب ذلك، وكل ما يمكن أن نفعله هو أن نثبت بطرق الإثبات المعروفة من شهادة كل من يثبت حياته في هذه الحالة. لأن العلم والخبرة قد فتحا آفاقا كثيرة قضت، على الشك في كثير من هذه الأمور التي كان الاعتماد في تحقيقها على المظاهر المشاهدة والمرئية .

 

وهذا ما أويد الأخذ به، فكل ما علمت به حياة المولود- سواء كان العلم نابعا من العرف والعادة الدالة على أن هذه الأمارات تدل على حياة من صدرت عنه، أوكان نابعا من علم أهل الخبرة من الأطباء والمتخصصين- بأن هذه الامارة دالة على حياته،- اعتبرناه علة في ثبوت حكم الأحياء له..، وكل ما لم يكن على هذه المثابة لايثبت به هذا الحكم...

 

النوع الثالث- الحركات التلقائية. وبناء على ما تقدم يكون كل ما لا يدل على حياة المولود، كما لوصدرت عن جسمه اختلاجات أو حركات عفوية، غير نابعة من وجود حياة فيه...، بل قد تكون ناتجة عن انضغاطه أثناء ولادته في حيز ضيق، فإذا أخرج عاد إلى حيز 5 الطبيعي- مثل هذه الحركات لا يثبت بها حكم الحياة بداهة، لأننا قد اشترطنا أن تكون هذه الأمارات دالة على الحياة، أما مثل هذه فإنها لا تدل، على ذلك...

 

ولقد تعرض الفقهاء للتمييز بين هذه المظاهر، فنص في نهاية المحتاج على أنه " لا عبرة بمجرد اختلاج " أي لا بد أن يكون الاختلاج نابعا عن وجود روح، وليس مجرد حركة عفوية، وقرر هذا ابن قدامة بوضوح فقال " وأما الحركة والاختلاج المنفرد، فلا يثب به حكم الحياة لأنه قد يتحرك بالاختلاج وسبب آخر  وهو خروجه من مضيق فإن اللحم يختلج سيما إذا عصر ثم ترك، فلم تثبت بذلك حياته ".

 

فيجب علينا حينئذ أن نتثبت من أن هذه الأمارات هي أمارات حياة. لأن مثلها تثبت به حقوق، والحقوق أمور يقينية، والأمور اليقينية لا تثبت بالشك...

 

 الشرط الثاني: أن يثبت أنه قد مات بسبب هذه الجناية.

فيجب  التأكد من أن موته كان بسبب هذه الجناية، حتى لا نعاقب بريئا، والطريق إلى معرفة ذلك، هو أن يقرر أهل الخبرة ذلك.. بالاضافة إلى الأسباب الظاهرة، كأن يسقط بعد الجناية متألما أو مصابا إلى أن يموت، أو تبقى أمه متألمة إلى أن تسقطه. ثم، يموت، فيعلم بذلك أن السبب في موته هو هذه الجناية...

 

وهذا الحكم يشابه حكم ما لو ضرب إنسان شخصا فمات إثر الجناية، أو بقي متألما إلي أن مات، فإنه بذلك يعتبر قاتلا له، ولذلك يجب علينا انتظار ما تنتهي إليه هذه الايام قبل توقيع العقوبة على الجاني خوفا من أن يموت من أثر الجناية فيستحق عقوبة الجناية على النفس لا على ما دونها.

 

أما إذا تخلل سبب آخر  بين الجناية وموته يصلح أن تضاف إليه هذه النتيجة فإنه تنقطع بذلك الصلة بذلك السبب والنتيجة، وقد يكون القاطع بينهما مرضا مهلكا، وقد يكون فعل فاعل كما اذا أقدم إنسان آخر على قتله عقب ولادته، وكانت فيه حياة مستقرة، ففي هذه الحالة ينسب القتل إلى الثاني دون الأول، فيستحق قاتله العقوبة المقررة لجنايته، عمدا أو خطأ أو شبه عمد.

 

أما إذا لم تكن فيه حياة مستقرة، كأن كان في النزع الأخير، وهو ما يطلق عليه في الفقه الإسلامي " أن تكون حركته مثل حركة المذبوح " فإن القاتل هو الأول، وعليه الدية كاملة، ويعاقب الثاني بعقوبة التعزير تأديبا له، وجزاء لما اقترف، وإنما، لم يعاقب بعقوبة القتل، لأن القتل هو إزهاق روح المجني عليه، وهذا المجني عليه روحه قد أزهقت ولم يبق من حياته إلا آخر الانتفاضات التي تصاحب إزهاقها... فكان السبب الثاني غير صالح لأن تنسب إليه النتيجة- وهي الموت،- لأنها متحققة وموجودة بالسبب الأول.

 

وقد يكون الفاصل بين السبب والنتيجة زمنا لا تظهر خلاله آثار الجناية عليه، كما إذا ولد حيا، وبقي مدة من الزمن سالما لا أثر للجناية عليه، وكانت هذه المدة كافية في الدلالة على قطع الصلة بين جنايته وموته...، فإذا مات بعد ذلك فإنه  يعتبر الجاني عليه وهو جنين- قاتلا لأنه قد تخلل بين الفعل والنتيجة زمن يقطع الصلة بينهما، إذ لا بد من أن يكون السبب عاملا طوال الفترة الممتدة منذ الاعتداء عليه حتى موته،.. والطب كفيل بمعرفة مثل هذه الحالات، وتقدير الفترة الملائمة لإبطال مثل هذه الأسباب وعدم الاعتداد بها في بناء النتيجة عليها..

 

وللمالكية، تحليل تفردوا به في إيجاب العقوبة الكاملة على من جني على جنين، ثم سقط حيا ومات، نرى أهمية إيضاحه وتحليل أبعاده..

 

يرى المالكية أن الجاني يستحق العقوبة كاملة إذا توافر ما يأتي :

 

أ ـ     أن تتحقق، حياة الجنين بعد سقوطه- وقد سبق أن أوضحنا هذا.

 

ب- أن يقسم أولياؤه أن موته كان بسبب فعل الجاني- سواء مات عاجلا- أو آجلا فإذا أقسموا وجب أن نفرق بين جنايتين :

 

الأولى: أن يتعمد ضرب الجنين، وتكون هذه الجناية عمدية إذا تعمد ضرب الأم الحامل في موضعين على بطنها، أو على ظهرها ، فنزل الجنين حيا، ثم مات.. ففي هذه الحالة يجب القصاص على الجاني بعد القسامة على الراجح عند المالكية، خلافا لأشهب الذي أوجب الدية في مال الجاني بعد القسامة .

 

الثانية : ألا يتعمد ضرب الجنين على الصفة المتقدمة، سواء تعمد ضرب الأم في غير هذين الموضعين أو لم يتعمد بل كان مخطئا فيهما أو في غيرهما.. فإنه تجب الدية كاملة بعد القسامة أيضا.

 

" أما إذا لم يقسموا، فلا غرة ولادية في هذا المولود، أما أنه لا غرة فلأن الجنين إذا انفصل عن أمه حيا حياة مستقرة صار من جملة الأحياء، ولا تكون الغرة في الأحياء، وأما أنه لا دية فيه، فذلك لأن الدية تتوقف على أن يقسم أولياؤه أنه مات بسبب هذه الجناية  وقد امتنع الأولياء عن القسامة فلا تجب الدية- هذا هو المعتمد عند المالكية، وقد خالف في ذلك بعضهم، فقالوا: إنه في حالة امتناعهم عن القسامة تجب الغرة فقط..

 

والناظر إلى ما ذهب إليه  المالكية من إيجاب القسامة لإيجاب عقوبة في الجناية على الجنين إذا ولد حيا ثم مات، يجد أن المذهب قد تفرد باشتراط هذا الشرط من بين المذاهب الأخرى.

 

والظاهـر أنه قاسها على من لا يعرف له قاتل، وذلك لأن موت هذا المولود قد يوجد له أكثر من سبب ، ففي كلا المسألتين، القاتل بعينه مجهول، إلا أن هذا القياس لا يستقيم لأن الجاني هنا موجود حقيقة، وأما احتمال وجود سبب آخر لموت هذا المولود، فإنه مجرد احتمال، ويلزم الجاني، أو غيره...

 

أن يثبت عكس ما هو ظاهر وواضح، فإن أثبت انتفت الجناية عنه وعدلنا عن السبب الأول إلى السبب الثاني، وإن لم يثبت ظلت الجناية عالقة به، وهذا ما أرى رجحانه والأخذ به حتى لا يؤدي الأخذ بما قاله المالكية إلى ألا يجب في هذا المولود الذي سقط حيا ثم  مات شيء، لا من الغرة ولا من الدية إذا امتنع أولياؤه عن القسامة وقد يكون امتناعهم عن القسم ورعا واحتياطا..، وهذا يؤدي إلى ضياع دم هذا المولود هدرا..

 

" وأيضا فإن أهـل الخبرة يمكنهم أن يتحققوا من الظروف والأسباب المؤثرة في موت هذا المولود فإذا وضح لديهم سبب آخر، كما لو فرط المولد أو غيره ممن صاحبوا انفصاله عن أمه فترك الحبل السري مفتوحا، أو عرضوه لما يؤثر في حياته من برد شديد أوحر  شديد لا يقوى مثله على تحمله..، ففي هذه الحالة ينشأ سبب جديد يصح أن يضاف إليه قتل هذا المولود، وحينئذ يجب علينا أن نتحقق من فعالية هذا السبب وتأثيره في إحداث هذه النتيجة، والدوافع والأسباب التي صاحبت هذا التفريط... وعلى ضوء ذلك نتعرف على الجاني الحقيقي،ثم توقع عليه عقوبة القتل، عمدا أو خطأ أو شبه عمد.

 

الشرط الثالث،: أن يكون الجنين قد ولجته الروح.

 

أ- لقد اشترط جمهور الفقهاء في الجنين الذي نزل حيا، ثم مات من أثر الجناية، أن تكون الروح قد ولجته، أي أن يكون قد بلغ الأربعة الأشهر فأكثر، لأنه بولوج الروح فيه يتأتي القول بأن الجناية قد أزهقت روحه، ومن ثم يجب فيه عقوبة من أزهق روح إنسان حي..

 

وهذا ما نص عليه الشافعية، حيث قالوا لا تأثيرلسقوطه وهو دون ستة أشهر مادامت حياته قد عرفت، وقد عرفنا مما سبق أن الإمامية والأباضية يوجبون في قتل الجنين إذا ولجته الروح دية الإنسان المولود الحي...،

 

فمن باب أولي يوجبونها إذا سقط حيا ثم مات من أثر الجناية. كما عرفنا أن الظاهرية يوجبون في الجناية العمدية عليه بعد ولوج الروح فيه القصاص، وفي غير العمدية الغرة إذا سقط ميتا، والدية إذا سقط حيا.

 

أ ـ ويرى الحنابلة والمزني أن الدية تجب فيه اذا كان سقوطه لستة أشهر فصاعدا، ولأنه قبل ذلك  لا تعلم فيه حياة يتصور  بقاؤه بها  بعيدا عن بطن أمه، وإذا كان كذلك لا تجب فيه الدية قياسا له على من سقط ميتا..

 

·               والذي أري رجحان الأخذ به هو الاعتداد بحياته في إيجاب الدية كاملة بعد ولوج الروح فيه، فاذا ولجته الروح- أي عند بلوغه الأربعة الأشهر- و سقط من أثر الجناية وعرفت حياته، وجبت فيه دية المولود الحي لأن كلا منهما له روح إنسانية، وله حياة قد عرفت وثبتت، فالفصل بينهما  ليس له ما يدعمه....، فيجب توحيد الحكم فيهما، وهو  إيجاب الدية كاملة  في كل منهما، وأما القول بأن حياته هذه لا تؤهله للبقاء بعيدا عن بطن أمه فيكون حكمه حكم الميت، نقول: إن هذا التعليل متأثر بما عرفه الناس من موت هؤلاء في العصور التي لم تتطور فيها دراسة حياة الأجنة 0، أما اليوم والمستقبل فإنه قد يثبت غير ذلك.. فإذا ثبت إمكان حياته وهو محتمل يفقد هذا التعليل تأثيره في الحكم، وإذا كان بالإمكان أن يفقد تأثيره وجب أن نبحث عن علة أخرى تظل مستمرة  وكافية في إيجاب العقوبة الكاملة- وهي إمكان حياته- وذلك إنما يكون بعد نفخ  الروح فيه 00، فإذا نفخت فيه الروح وسقط حيا، كان حكمه حكم الأحياء، لا حكم الأموات .

 


الحالة الثانية

موت الجنين بسبب الجناية

 

لموت الجبين بسبب الجناية عليه عدة صور يختلف الحكم فيها باختلاف حالة موته في كل صورة عن الأخرى.

 

الصورة الأولى: هي أن ينفصل الجنين كله عن أمه ميتا أثناء حياة الأم- سواء استمرت حياة أمه بعد انفصاله، أو ماتت بسبب هذه الجناية- ففي هذه الحالة تجب دية الجنين بالاتفاق بين الفقهاء الذين لم يوجبوا القصاص أو الدية بعد  نفخ الروح فيه، مستدلين بما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه قضى في الجنين الذي سقط ميتا بالغرة، أما كون الحادثة التي ورد فيها النص قد جاء فيها أن الأم قد ماتت، بعد إسقاط الجنين فأن موتها أو عدم موتها بعد إسقاطه ميتا لا تأثير له على موجب الجناية عليه، بل تأثيره على العقوبة المستحقة على الجاني جزاء موت هذه الأم،  وهذا أمر آخر يندرج حكمه تحت الجناية على هذه النفس.

 

الصورة الثانية: أن ينفصل عنها بعض الجنين، ثم تموت الأم  ويموت جنينها، ففي هذه الحالة في تجب ديته أيضا عند الشافعية والحنابلة، والزيدية والامامية، وذلك لأن الجاني قاتل لهذا الجنين- ولأمه أيضا- فيلزمه موجب جنايته عليهما، ولا عبرة بانفصال جسمه كله، لأنه لا أثر لذلك إلا إذا تبين أن  الجنين كان موجودا حقيقة وحيا وقت حدوث الجناية، وأنه تأثر بها، ولذلك تحرك من مكانه منفصلا عن أمه التي تأثرت  بها.

 

ويري المالكية وابن المنذر : أنه لاتجب الغرة فى الجنين حتي تلقيه كاملا ، مستدلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الغرة فى الجنين الذى ألقته المرأة ، وهذه لم تلق شيئا .. إذ قد خرج بعضه فقط ، وقد يكون موتها سببا لموته ...

 

وهذا المسلك الذي سلكه هذا الرأي ينبىء عن اعتداد بالحادثة التي ورد فيها الحديث، ويترتب عليه تخصيص النص بسبب النزول، مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص  السبب، وإذا تعمقنا في النظر وجدنا أن هذا الرأي لايتمشى مع الحكمة التي شرعت من أجلها  هذه العقوبة، حفاظا على حياة الأجنة إذ ما الفرق بين جنين انفصل ميتا أو جنين انفصل بعضه ثم ماتت الأم، لا فرق لأن المؤدي هو موتهما وقد كان.

 

ولئن قيل إنه يحتمل أن الجنين مات بسبب موت الأم، لا بسبب ضربه له، فإن الجواب عن ذلك أن الاعتداء على ما به قوام حياته اعتداء عليه هو أيضا..

 

وإلا فكيف يعاقب المالكية وغيرهم من جني على شخصين بضربة واحدة عقوبة من ضرب كل واحد منهما على حدة، أو من منع عن إنسان ما به قوام حياته من مأكل أو مشرب أو غيرهما عقوبة الجاني، عليه مباشرة، ولذلك أرى رجحان الرأي الأول والأخذ به.

 

الصورة الثالثة : إذا ماتت الأم ثم ألقته ميتا، ففي هذه الصورة يظهر  سبب ثان لموت هذا الجنين هو موته بسبب موت أمه- بجانب السبب الأول، وهو موته بسبب الجناية.. وهذا الصراع بين السببين جعل الفقهاء يختلفون أيضا في إيجاب الدية في هذه الحاله إلى رأيين:

 

أ ـ فيرى. جمع من الفقهاء  أنه يجب على الجاني العقوبة المقررة على قتل الجنين. وذلك لأن الظاهر هو تلف هذا الجنين بسبب هذه الجناية، وقد علم ذلك بخروجه من بطن أمه ميتا، فوجب ضمانه كما لو سقط ميتا في حياتها، وأيضا  فإن هذا الجنين لو سقط حيا بعد موتها ضمنه فكذلك إذا سقط، ميتا، فيكون حكمه كما لو أسقطته ميتا في حياتها.

 

ب- ويرى الحنفية والمالكية والشافعية والأباضية أنه لا شيء في الجنين في هذه الصورة، وقد أوضح الحنفية وجه القول بذلك فقالوا: إن القياس يأبى كون الجنين مضمونا أصلا، لاحتمال كونه ميتا، أو كونه حيا أثناء وقوع الاعتد اء علي الأم، ولا يجب الضمان بالشك، وازداد هنا احتمال. آخر وهو أنه يمكن أن  يكون قد مات بسبب الضرب، أو بسبب موت الأم، وإذا كان النص الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بترك القياس، حيث أوجب، في الجنين الغرة في حال مخصوصة، وهي ما إذا خرج ميتا قبل موت الأم فسقط اعتبار أحد الاحتمالين (وهو الاحتمال الأول) ويتعين الاحتمال الثاني في نفي وجوب الضمان في غير هذه الحالة التي  ورد بها النص.

 

كما قالوا أيضا إن الجنين في هذه الحالة يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها.

 

والرأى، الأو ل، هو الذي أرى رجحانه والأخذ به لعدة وجوه منها:

 

1-      أن الاحتمال 1لأول، وهو احتمال موت الجنين قبل وقوع الجناية ،بسبب آخر غير هذه الجناية- لم يعد اكتشافه الآن مشكلة، إذ يمكن معرفته والتأكد منه بفحص الجنين بواسطة أهل الخبرة، فقد تطور الطب والعلوم المساعدة له تطورا  يزيل لنا هذا اللبس، ويظهر  لنا حقيقة الأمر.. وإذا أمكن ذلك  انتفى ما يرتكز عليه هذا الرأي من درء العقوبة في هذه الحالة، وبالتالي تجب العقوبة إذا ثبت أن موته كان بسبب هذه الجناية- وما أحسب هؤلاء الفقهاء يختلفون مع الآخرين إذا وجد في  عصرهم هذا النوع من التطور العلمي الذي ينفي هذا الاحتمال.

 

2-      أن الأصل هو استمرار حياة الجنين ما لم يوجد سبب ظاهر يقطع هذه الحياة، والسبب  الظاهر هنا هو الجناية على أمه، فيعاقب الجاني بالعقوبة، المقررة للجناية على الجنين- دون فرق بين ما إذا ماتت الأم بعد إلقائه، أو ماتت قبل إلقائه، فإذا وجد سبب آخر يقوى على معارضة هذا السبب ويبطل اعتباره أخذنا بالسبب القوي وتركنا هذا السبب، كما إذا ثبت أن الأم قد تعاطت شيئا قبل، الجناية يؤثر في حياة الجنين أو حياتها... وإن لم يوجد عملنا بالسبب الظاهر حفاظا على حياة الجنين وحياة أمه.

 

3- أنه حتى مع القول بأنه قد مات بسبب موت أمه، فإنه من المقرر فقها أنه لو ضرب شخص اثنين ضربة واحدة وجب عليه عقوبتان، لأنه جني. على كل واحد منهما، ولاعبرة بكون سبب هذه الجناية ضربة واحدة، بل العبرة بكون الضرر قد أصاب كلا منهما... فتأخذ هذه الصورة التي معنا- حكم ما لو ضرب، كل واحد منهما على حدة..، وإذا كان كذلك كان حكم ضارب الأم الحامل مثل  هذا الحكم  ولا فرق، لأنهما نفسان يتحركان معا ويعيشان معا، ولكل واحد منهما نفس وروح، وله ذمة، وله حقوق.

 

وبهذا ينتفي القول بأنه يعتبر كعضو من أعضائها، لأنه إذا تيقنا من وجوده كان نفسا قائمة بذاتها من جهه وله أحكامه، ومنها أن الجناية عليه مضمونة وموجبة للعقوبة.

 

الصورة الرابعة: إذا ماتت الأم ومات جنينها في بطنها دون أن تلقيه

 

أ ـ يرى الظاهرية والإمامية وحكي عن الزهري- أن الجاني تجب عليه دية الجنين   (الغرة)، لأن الظاهر أنه قتل بسبب جنايته... وأن العبرة كما يقول الإمامية بمعرفة حياة الجنين قبل وقوع الجناية، فاذا  علمت حياته وجبت ديته- خرج أو لم يخرج- ويضيف ابن حزم إلى ذلك قوله " ولم يشترط. رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين إلقاءه. ولكنه قال- عليه الصلاة والسلام- في الجنين غرة- عبد أو أمه- كيفما أصيب- ألقي  أو لم يلق- ففيه الغرة المذكورة، وإذا قتلت الحامل فقد تلف جنينها بلا شك ".

 

ب- ويرى جمهور الفقهاء ، أنه لا يجب على الجاني شيء، وقد قال ابن قدامة في الاستدلال على ذلك " أنه لايثبت حكم الولد إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له وصية ولا ميراث،... ولانه إذا لم يخرج يجوز ألا يكون فيها- جنين، أو أنه كان ميتا وما كانت تشعر به من حركة في حياتها يصح ألا تكون صادرة عن وجود جنين،.. وإذا وقع الشك في ذلك فإن الضمان لا يجب بالشك ".

 

والذي تستريح النفس إليه وتؤيد الأخذ به هو أنه إذا ثبت وجود الجنين وأنه كان حيا قبل الجناية وجبت دية الجنين..- والوسائل العلمية الحديثة والمتنوعة كفيلة بالتحقق من كل ذلك - واذا لم يثبت وجوده على هذا الوجه لم تثبت العقوبة..

 

وهناك فارق كبير بين إيجاب الميراث له، وصحة الوصية له.. لأن الذي يترتب عليهما هو إدخال أموال في ذمته، وذمته ضعيفة بسبب اختفائه في بطن أمه وعدم التيقن من حياته، ولذلك حجزت له هذه الأموال إلى أن نتبين أنه كان موجودا وحيا وقت وجود سبب الميراث أو الوصية..، وذلك يتحقق بولادته في زمن معين.. أما الذي معنا فهو جناية أدت إلى موته في بطن أمه التي ماتت أيضا .. والتحقق من وجوده أصبح ممكنا بطرق شتى، وكذلك التحقق من موته بسبب هذه الجناية، وإذا أمكن التحقق من وجوده على هذه الصفة كان من العدالة أن يعاقب الجاني عليه.. وإلا لأدى هذا إلى تفشي هذا النوع من الجنايات.. وهو ما يرفضه الشرع والعقل.

 

الصورة الخامسة: إذا لم ينفصل الجنين عن أمه التي ماتت بسبب، الجناية- كلا أو بعضا- ثم أخرج الجنين ميتا.

 

تعرض الفقهاء لهذه الصورة من جانبين

أولهما: حكم إخراج الجنين من بطن الأم عند وقوع ما ينهي حياتها وبخاصة في المراحل التي  يكون الحمل فيها ظاهرا وترجى حياته، فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال " أتاني رجل فقال: جئت من أقصى الكوفة، وإن أختي ماتت أول الليل، والولد في بطنها يتحرك، فقلت له. اذهب فشق بطنها واستخرج الولد، قال: فجاءني الرجل بعد سبع سنين مع غلام وأنا في طاق الريانيين، فقال: أتعرف هذا الغلام؟ فقلت، ما أدري من هذا، قال: هذا الذي سألناك أن امرأة ماتت والولد في بطنها يتحرك فأمرتني أن أشق بطنها وأستخرج الولد،ففعلت فهو هذا، وهذا مولاك، وقد سميته " نجا ".

 

وهذه الحادثه ـ التي يبدو أن الزمن بين السؤال عن الحكم والتنفيذ كأن يسمح بإنقاذ الجنين، إما لانها كانت في حالة احتضار أو غيبوبة تسبق الموت، تختلط في صورتها به مما لا يعرفه الا أهل الخبرة في ذلك- يؤخذ منها أن الفقهاء لا يمنعون هذا الاجراء الذي ينقذ حياة الجنين وقد صرح فقهاء الزيدية أيضا بمثل ذلك ...، بل إنني أرى أنه يجب شرعا اتخاذ هذا الاجراء أملا في أن تكتب الحياة لهذا الجنين، وبخاص .. إذا كان في مرحلة من مراحل حياته التي تسمح بذلك، والتأخير عن اتخاذ هذا الإجراء يجب أن يبحث وتحقق أسبابه، ويشكل هذا التأخير مسئولية جنائية إزاء من يعلم بوجود الحمل، مع التمكن من العمل على إنقاذه.. ولا يبذل في هذا السبيل ما يبذله الانسان في مثل هذه الظروف.. ويعتبر هذا من فروض الكفاية فإذا تركه جميع الموجودين العالمين بحاله والمتمكنين أثموا وعوقبوا، وإذا كان الموجود واحدا كان فرض عين عليه.

 

أما الجانب الثاني: هو إيجاب عقوبة خاصة بهذا الجنين الذي مات بموت أمه، فإن جمهور الفقهاء (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة، الزيدية، الأباضية) يرون أنه لا تجب في هذا الجنين دية.. لأن موت أمه هو السبب الظاهر لموته.

 

أما الظاهرية والإمامية فإنهم لا يشترطون في إيجاب العقوبة خروجه من بطن أمه- دون فعل أحد- بل  يرون إيجابها فيه مادام قد علم وجوده وحياته قبل موتها.

 

وهذا ما أؤيد الأخذ به، لأننا إذا تيقنا أنه كان موجودا، وكان حيا قبل حدوث الجناية، وأنه مات بسبب هذه الجناية، فحينئذ تجب العقوبة في ذاته، بل المقصود هو التيقن من وجود الحمل، فإذا لم ينفصل لم يحدث هذا اليقين،ولا تجب العقوبة بالشك.

 

فإذا تيقنا من وجود الحمل بطريقة أخرى.. سواء تم ذلك بإخراج الجنين أو بغير ذلك من الطرق التي يعرفها أهل الخبرة كان الحكم واحدا ولافرق، وأيضا فإنه لم يرد نص باشتراطه وسياق الحادثة التي وجبت فيها دية الجنين لا يخصص النص..، فتظل العقوبة واجبة في كل حالة أدت فيها الجناية إلى موت الجنين- سواء خرج بنفسه أو لم يخرج، وكذا لو أخرج رغبة في إنقاذه بعد التأكد من موت الأم فاكتشف موته أيضا.

 

وهذا ما دعا بعض علماء الزيدية إلى الاعتراض على ما جاء في بعض كتبهم من " أنه إن يخرج حملها بعد الجناية عليها ولكن الورثة افتضوا بطن المرأة حتى أخرجوا الجنين فلا شيء لأنه مخرج وليس بخارج " فقالوا "وكان من، الأولى وجوب الغرة، إذ العلة تحقق وجوده، وقد تيقن وجوده " وسبق لنا نقل ما قاله الظاهرية في هذا أيضا. وبهذا يتأكد لنا أن ما اشترطه بعض الفقهاء من ضرورة خروجه كلا  أو بعضا لإيجاب الديه، المقصود به تيقن أن الحمل موجود فعلا، وهذا ركن من أركان الجناية- فإذاتيقنا وجوده بأي وسيلة من الوسائل، وتيقنا أن موته كان بسبب هذه الجناية- بالمباشرة أو بالتسبب- استحق الجاني العقوبة المقررة على قتل الجنين.

 

الصورة السادسة: الاعتداء على أكثر من جنين في بطن واحد

 

إذا أدي الاعتداء على الأم إلى إسقاطها جنينين ميتين أو أكثر، فإنه يجب لكل جنين دية "غرة "، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم قضي في الجنين بغرة  فيكون في الجنينين غرتان، وهكذا..

 

وقد روي هذا عن الزهري في امرأة ضربت فأسقطت ثلاثة أسقاط قال : أرى أنه في كل واحد  منهم غرة.. وروي مثله عن ربيعة، وعن الليث بن سعد الأنصاري أنه قال أيضا في الجنين إذا طرح ميتاغرة عبد أو وليدة فإن كان اثنين فغرتان .

 

ويثبت، هذا الحكم عن طريق القياس على الجرائم على الأشخاص... فمن أتلف شخصين بضربة واحدة ضمن كل واحد منهما .

 

أما إذا أدى الاعتداء إلى إسقاط أكثر من جنين أحياء ثم ماتوا، أو مات أحدهم.. فإنه يجب في الحي ما يجب في الإنسان المولود حيا- كما أوضحنا فيما تقدم- وكذا لو أدت، الجناية إلي  الإضرار بما دون نفسه وجب فيها ما يجب فيه.

 

المستحق لدية الجنين  .

 

إذا وجبت الغرة ـ كلا وبعضا ـ على الوجه الذى اوضحناه فيا تقدم فإن المستحق لها يدور ـ فى الفقه الاسلامي ـ بين الأم وبين ورثة الجنين وذلك لأن الجنين باعتبار الصلة العضوية بينه وبين أمه يعتبر كجزء من أجزائها ... ، وباعتبار كونه نفسا آدمية صالحة للتفرد بالحياة فىلوقت المناسب يعتبر كائنا مستقلا ، فمن نظر إلى الجانب الأول جعل الغرة للأم ـ الا أن تكون هى الجانية ـومن نظر الى الجانب الثاني جعلها للورثة الشرعيين .. ونوضح فيما يلي آراءهم فى ذلك .

 

الرأي الأول: يرى. جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية الامامية) أن الغرة تكون لورثة الجنين، وذلك لأنه آدمي حي، ونفسه مضمونة بالدية (الغرة)، وكل نفس مضمونة بالدية تكون ديتها موروثة عنها- فقد ثبت وصح أن الدية موروثة على فرائض المواريث، قال تعالى في موجب القتل، الخطأ " ودية مسلمة إلى أهله " فالغرة تكون كذلك.

 

ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أفرد ما يجب في الجنين عما يجب في أمه، فجعل، في الأم المجني عليها دية، وجعل في الجنين غرة، فصح أن حكم الغرة كحكم دية النفس، لا كحكم دية الأعضاء، إذ لوكان الجنين بمثابة عضو من أعضائهـا لما وجب فيه شيء بعد إيجاب دية أمه لأنه يكون داخلا في  ضمانها - كأي عضو من أ عضائها.

 

ولأنه لو كان واجبا أن تكون الغرة للأم لوجب إذا جني عليها فماتت، ثم ألقت جنينا جنيا ميتا ألا يجب فيه،شيء، لأن الميت لا يستحق شيئا بعد موته.

 

الرأي الثاني. يرى ربيعة، والليث بن سعد أن الغرة لا تكون لورثة الجنين، وإنما تكون للأم خاصة، وذلك لأن الجنين يعتبر كعضو  من أعضائها، لأنه يحيا بحياتها ويموت بموتها.. وإذا كان كجزء من أجزائها فإن بدله  " وهو الغرة " يكون لها كبدل أعضائها إذا أتلفها متلف فإنها هي التي تستحقه دون غيرها، فكذلك جنينها.

 

وإذا كانت الأم هي الجانية على جنينها، كما لو شربت دواء فأسقطته أو أولجت شيئا، أو ما شابه ذلك، فقد قال ابراهيم النخعي تعتق رقبة (كفارة) وتعطي أباه غرة.

 

وهذا الرأي كما نرى يرجح جانب الارتباط العضوي والجزئي الموجود بين الجنين وأمه، وبين الجنين وأبيه، على جانب ذاتية الجنين وانفراده بحياته وحقوقه.. إلا أنه لما كان هذا الارتباط ألصق بالأم كانت مقدمة في استحقاق دية الجنين على الأب، فإن قام ما نع يمنع من استحقاق الأم هذه الدية، ظهرت علاقة الأب به فاستحق هذه الديه.. وينتج عن منهج هذا الاتجاه أنهما لو قتلاه، فهـل يكون المستحق هم الورثة لمكان الصلة والقرابة من هذا الجنين  أم تقدم قرابات  الأم على قرابات الأب  تمشيا مع أصل الاستحقاق؟ وهذا ما لم يفصحوا عنه.

 

الرأي الثالث: هو رأي الظاهرية: يتوسط بين الرأيين السابقين، فيفرق بين الجناية على جنين لم يبلغ المائة والعشرين ليلة، وبين جنين قد بلغها..

 

فأما من لم يبلغ هذه المدة فإن الغرة الواجبة في الجناية عليه تكون لأمه، لأن الجنين في هذه الفترة- كما يقول ابن حزم- " بعض من أبعاضها، ودم من دمها، ولحم من لحمها، وبعض- حشوتها بلا شك، فهي المجني عليها، فالغرة لها بلا شك، فإن ماتت ثم طرحت الجنين، فالجنين لورثة الأم، لأنه بنفس الجناية وجب لها، فهي موروثة عنها ".

 

" وأما من بلغ المائة والعشرين ليلة فإن الغرة موروثة لورثته الذين كانوا يرثونه لو خرج حيا، فمات على حكم المواريث.. وذلك لأنه" قد صح بالقرآن والسنة أن دية القتيل في الخطأ والعمد مسلمة لأهله، قال تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (في القتل العمد): " من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين " فذكر عليه الصلاة والسلام " القود أو الدية أو المفاداة " وإذا كانت الدية مسلمة لأهل القتيل والقتيل لا يكون إلا في حي نقله القتل من الحياة إلى الموت بلا خلاف من أهل اللغة التي بها نزل القرآن، وبها خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجنين بعد مائة وعشرين ليلة حي بنص خبر الرسول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وإذ هو حي فهو قتيل قد قتل بلا شك. وإذ هو قتيل بلا شك فالغرة- التي هي ديته- واجبة أن تسلم إلى أهله بنص القرآن. وقد اتفقت الأمة على أن الورثة الذين يسلم لهم الدية: "أنهم يقتسمونها علي سنة المواريث بلا خلاف ".

 

ومن هذا يتبين لنا أن الظاهرية يوافقون رأي جمهور الفقهاء في غرة من بلغ المائة والعشرين ليلة، ويخالفونهم فيمن لم يبلغها فيأخذون فيها بوجهة الرأي الثاني.

 

ولنا على موضع خلاف الظاهرية مع رأي الجمهور اعتراض من ناحية أن الظاهرية بنوا رأيهم على أن من لم يبلغ المائة والعشرين ليلة ليس حيا، وإذ لم يكن .

 

كذلك كان كجزء من أجزاء الأم..، وهذا التحليل لا يستقيم من وجهين.:

 

أولهما: أنه إذا لم يكن حيا فكيف توجبون ضمانه؟ فإن الدية تجب في الأحياء لا في الأموات.

 

وثانيهما: كيف تثبتون له كل حقوقه من ميراث أو وصية.. أو إنفاق عليه.. مع أنه ليس حيا؟ لذلك أرى أن هذا التعليل لا يستقيم ولا يؤدي إلى النتيجة التي ابتغوها، إذ الجنين حي منذ وجوده، ومستحق للحقوق التي تتناسب مع حالته..

 

وأما  نفخ الروح فيه عند حد معين، فكما قال تعالى (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي "فالحياة أمر ظاهر، والروح أمر خفي، والأحكام تناط بالأمور الظاهرة المنضبطة لا الأمور الخفية، وحينئذ فكما يستحق الورثة دية الجنين بعد بلوغه الأربعة الأشهر يستحقونها أيضا قبل ذلك ولا فرق ويؤيد هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن عمر الجنين الذي أوجب فيه الغرة، فدلنا ذلك على أن الحكم واحد.

 

وأما قول أصحاب الرأي الثاني: " إن الجنين يعتبر جزءا من أجزاء الأم، فتستحق الأم ديته، كما تستحق دية أي عضو من أعضائها" فإنه لوكان الأمر علي هذه المثابة لدخل بدله في بدلها، وأصبحت الدية واحدة،  ولكن الرسول صلى اللة عليه وسلم جعل فيها دية، وفيه غرة.

 

وأيضا فإن له من الحقوق ما يدلنا على أن لكل حياته المنفصلة. فالرسول صلى الله عليه وسلم منع تنفيذ الرجم على الزانية حتى تضع مولودها كما يمنع تنفيذ القصاص وما شابهه من العقوبات التى تؤدي إلى إهلاك الجنين، كما وجب في قتله الكفارة- على ما سيأتي إيضاحه- والكفارة لاتجب إلا في قتل النفس.. كما أنه تثبت له حقوق، ويكتسب حقوقا أخرى غير ما تكتسبه الأم أو يثبت لها، والعكس صحيح أيضا، ومن هذا يتبين لنا أنهما نفسان، وليسا نفسا واحدة، وإذا كان كذلك كان حكم ديته حكم دية النفس، فتكون غرته موروثة عنه، لورثته الشرعيين، كما  تورث الدية، بلا فرق بين جنين وجنين، وتطبق حينئذ قواعد الميراث جميعها..

 

 الميراث بين الأم وجنينها

 

لما كانت الأم وجنينها- أو أجنتها- عرضة للموت بسبب الجناية عليها أو على جنينها، وقد يكون موتهما أو موتهم في وقت واحد، وقد يتعاقب ذلك...، ونظرا لأهمية بيان حكم هذه الصور فإننا نوضحها فيما يلي :

 

أما إذا كان موت الأم وجنينها- أو  اجنتها- قد تم في وقت واحد، أو لم يعلم، أو اشتبه الأمر، أو اختلف الورثة في أيهما مات أولا، ففي هذه الحالة يكون حكمهم حكم الغرقى،
لا يرث أحد هؤلاء الموتي من الأخر، ويرث كل واحد منهم، ورثته الشرعيين- فلا ترث الأم من جنينها- وأجنتها- شيئا من الغرة، ولا يرثون منها شيئا من أموالها ـ وإنما يرث كل واحد منهما الأحياء من ورثته. وذلك لأن من شرط استحقاق الميراث تحقق حياة الوارث وقت موت المورث، وهذا الشرط. غير متحقق في هذه الصور، إذ لا يمكن الجزم بتحقق حياة أحدهما وقت موت الآخر..

 

وهذا هو رأي جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية،والشافعية، وأكثر الامامية  وهو ما أرجح الأخذ به.

 

وإذا تعاقب موتهما ورث من بقي حيا بعد الآخر- ولو للحظة- من مات قبله. كما إذا سقط الجنين ميتا، ثم ماتت أمه، أو سقط حيا ثم مات ثم ماتت أمه بعده ورثت، نصيبها من ديته ثم يرثها ورثتها، لتحقق حياتها من بعده. وكما إذا سقط حيا ثم ماتت الأم قبل موته...، أو ماتت ثم خرج- شيا، ثم مات.. فإنه يرث أمه، ثم يرثه ورثته... لتحقق حياته وقت موت أمه في الصورتين.

 

 الميراث بين التوأم والأم :

 

وكذلك الحكم بين التوأم، فمن بقي حيا بعد أخيه يرثه.. ثم إذا مات الوارث ورثه ورثته الأحياء وقت موته... وكذلك الأم معهما..

 

فإذا أسقطت الأم جنينا ميتا أو حيا  ثم مات، ثم ألقت آخر، ففي الميت غرة، وفي الحي دية... ويرث الحي أخاه الذي مات قبله، فيأخذ نصيبه من الغرة أو الدية، ثم إذا مات هذا الوارث ورثه ورثته من بعده.

 

أما إذا أسقطت جنينا ميتا، ثم ماتت، ثم أسقطت آخر حيا فإنها ترث من دية الأول، وكذلك يرث الجنين الثاني من ديته، فإن مات الثاني ورث ديته " وأمواله ورثته الأحياء.

 

أما إذا اسقطتهما ميتين ثم ماتت فإنها ترث منهما.

 

العقوبة التبعية

وتتمثل هذه العقوبة في أمرين: الكفارة، والحرمان من الميراث، وكلاهما يعتبر حقا من حقوق اللة تعالى، ومن ميزات هذه الحقوق أنها إذا وجبت لا تبرأ ذمة من وجبت عليه إلا بأدائها، ولا يجوز الصلح عنها ولا العفو ولا الابراء من أي سلطة كانت، وإن الامام أو من يقوم مقامه يجب عليه أن يطالب باستيفائها، لأنه هو المنوط به تنفيذ أحكام الله تعالى ورعاية مصالح الأمة..


 

أ ـ         الكفارة

 

 أما الكفارة فتطلق في الفقه الاسلامي على " ما أوجب المشرع فعله بسبب من الأسباب التي جعلها موجبة لهذا الفعل " وهي عقوبة فيها معنى العبادة ، شرعت تكفيرا للذنب، ومحوا للجرم، وتقر با إلى الله تعالى.

 

ما تؤدي به الكفارة

 

هذا النوع من العقوبة بالنسبة لجريمة القتل جعله الله، ماليا أولا، وهو:

 

إعتاق رقبة مؤمنة، وعتق هذه الرقبة ملائم للجريمة ومناسب لتكفير الذنب، لأنه لما كان الرق موتا حكما، والحرية حياة، كان إعتاق الرقبة إحياء لنفس أخرى عوضا عن النفس المقتولة، فإن لم يجد هذه الرقبة لضيق ذات اليد، أو لعدم وجودها- كما هو الحال الآن في عصرنا الذي تحقق فيه غرض المشرع بانحسار الرق من المجتمعات- كان عليه أن يصوم شهرين متتابعين-كما نص على ذلك قوله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) الآية إلي قوله تعالى (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) .

 

فإن لم يستطع الصيام لسبب من الأسباب فيرى الشافعية على الظاهر، والإمام أحمد في رواية عنه- أنه يطعم ستين مسكينا، قياسا على كفارة الظهار والفطر في رمضان، وهذا التقدير وإن لم يكن في هذه الآية  التي بينت عقوبة القتل الخطأ فقد ذكر ذلك في نظيره، وهوكفارتا الظهار  والفطر في رمضان فيقاس هذا عليهما.

 


إيجاب الكفارة على قاتل الجنين

 

ولما كان النص يقضي بالكفارة في القتل الخطأ دون غيره، وكان الجنين، نفسا.. من وجه دون وجه في حق بعض الأحكام .

 

لذلك اختلف الفقهاء في إيجابها في الجناية على الجنين فيرى الحنفية والمالكية والزيدية أنه لا تجب الكفارة في قتل الجنين، ولكن يندب عند الحنفية أداؤها ويستحسن عند المالكية :

 

وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قضى بالغرة على الضاربة لم يذكر الكفارة مع أن الحال حال الحاجة إلى البيان، ولوكانت واجبة لبينها، ولأن وجوب الكفارة متعلق بالقتل وأوصاف أخرى ( لم يعرف وجودها في الجنين) من الايمان والكفر حقيقة أو حكما- قال تعالى ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) وقال تعالى في  نفس الآية (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ) أي كان المقتول على هذه الصفة، والجنين لم يعرف قتله، لأنه لم تعرف حياته وكذا إيمانه وكفره حقيقه وحكما. أما الحقيقة فلا شك في انتفائها، لأن الإيمان والكفر لا يتحققان من الجنين، وكذلك حكما لأن ذلك يتحقق بواسطة الحياة ولم تعرف حياته. ولأن الكفارة من باب المقادير، المقادير لا تعرف بالرأي والاجتهاد بل بالتوقيف، وهو الكتاب العزيز والسنة والاجماع، ولم يوجد في الجنين الذي ألقي ميتا شيء من، ذلك، فلا يجب فيه الكفارة ولأن وجوبها متعلق بالنفس المطلقة، والجنين نفس من وجه دون وجه، بدليل أنه لا يجب فيه كمال الدية.

 

إلا أنه لما ارتكب الجاني أمرا محظورا ندب له أن يتقرب إلى الله بالكفارة لمحو هذا الجرم، ويستغفر الله مما صنع.

 

ويرى الإمامية (على الراجح) والظاهرية أنه تجب الكفارة في قتل الجنين إذا بلغ الأربعة الأشهر، وقد أفاض ابن حزم في توجيه رأيه فقال " فصح أن من ضرب حاملا فأسقطت جنينا، فإن كان قبل الأربعة الأشهر، قبل تمامها، فلا كفارة في ذلك، لكن الغرة واجبة فقط لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بذلك، ولم يقتل- أي الجاني عليها- أحدا، لكن أسقطها جنينا فقط، واذ لم يقتل أحدا لا خطأ ولا عمدا، فلا كفارة في ذلك، إذ لا كفارة إلا في قتل الخطأ، ولا يقتل إلا ذو روح، وهذا لم ينفخ فيه الروح بعد.

 

وإن كان بعد تمام الأربعة الأشهر، وتيقنت حركته بلا شك، وشهد بذلك أربع قوابل عدول، فإن فيه غرة..، لأنه جنين قتل، فهذه هي ديته، والكفارة واجبة بعتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، لأنه قتل مؤمنا خطأ.

 

فإن قال قائل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوجب هنا كفارة؟

 

قلنا: لم يأت لها ذكر في حديث الجنين، وليست السنن "كلها مأخوذة من آية واحدة،ولا من سورة واحدة، ولا من حديث واحد، وإذ أوجب الله تعالى في قتل المؤمن خطأ كفارة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسام أنه تعالى خلق عباده حنفاء كلهم ، فهو إذ خلق الله فيه الروح فهو" حنيف بنص القرآن ففيه الكفارة، وهذه الآية ( اي آية الكفارة) زائدة شرع على ما في حديث الجنين، وأوامر الله تعالى مقبولة كلها، لا يحل رد شيء لشيء منها أ صلا، ومن خالف هذا فقد عصي الله تعالى فيما أمر به ".

 

وقد دعم فكرة إيجاب الكفارة بآثار عن بعض الصحابة والتابعين، منها ما روى عن عبد الرزاق عن عمر بن ذر قال: " مسحت امرأة بطن حامل فأسقطت جنينا، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمرها أن تكفر بعتق رقبة " يعني التي مسحت " قال علي: هذه رواية عن عمر رضي الله عنه ولا يعرف له في هذا مخالف من الصحابة رضي الله عنهم.

 

كما روي عن ابن جريح قال قلت لعطاء: ما على من قتل من لم يستهل؟

 

قال: أري أن يعتق أو يصوم " .

 

وروي أيضا عن الزهري في رجل ضرب امرأته فأسقطت قال: يغرم غرة، وعليه عتق رقبة ولا يرث من تلك الغرة شيئا، هي لوارث الصبي غرة.

 

وعن ابراهيم النخعي قال في المرأة تشرب الدواء، أو تستدخل الشيء فيسقط ولدها قال: تكفر وعليها غرة .

 

هذه وجهة نظر الظاهرية وفهمهم للأدلة، وإذا كان لنا عليها من تعليق مبكر فهو ان ما ورد من بعض الآثار عن عمر وعطاء والزهري والنخعي جاء عاما في إيجاب الكفارة، فلم تخص طورا من أطوار الجنين دون طور آخر، فمقتضاها أن الكفارة واجبة في قتل كل ما هو جنين، سواء بلغ الأربعة الأشهر أم لم يبلغها. .

 

ويرى كثير من الفقهاء أنه تجب الكفارة في قتل الجنين في أي طور من أطواره على ضوء ما بيناه فيما تقدم- قال بذلك الشافعية والحنابلة، وبعض الإمامية، والحسن، وعطاء، والزهري والنخعي والحكم واسحاق، وروي عن مالك " ومن شرحنا لوجهة نظر الرأي الثاني والأدلة التي استندوا عليها يتضح لنا أن أدلتهم هي أدلة هذا الرأي، غير أنهم لا يوافقونهم في التفرقة بين جنين قتل، قبل بلوغه الأربعة الأشهر، وجنين بلغها..، وذلك لأن النصوص لم تفصل هذا التفصيل فيظل الحكم عاما.

 

 والذي أرجحه وأرى الأخذ به هو هذا الرأي الذي يقضي بايجاب الكفارة في قتل الجنين في أي طور من أطواره لعدة اعتبارات:

 

أ ـ أن النصوص الموجبة للكفارة في جريمة القتل شاملة لكل ما يصدق عليه أنه قتل، أي تحويل الكائن الحي إلى جسم ميت لاحياة فيه، والاعتداء على حياة الجنين بإسقاطه وتحويله إلى جسم لا حياة فيه يعتبر قتلا  ولذلك يصدق عليه قولنا "أسقطت جنينا ميتا " ولم يخص اللغويون الموت بمن كان به روح، فالنبات، إذا فقد النمو وجف يطلق عليه أنه قد مات، ومع هذا فليس فيه الروح الإنسانية، وإنما فيه الروح الطبيعية، ففقدان الروح الطبيعية يعتبر موتا، وإذا كان فقدانها ناتجا عن الاعتداء عليها كان قتلا، ومن ثم كان كل اعتداء على الانسان، أو أصل الانسان بحيث يؤدي إلى فقدان روحه الطبيعية أو الإنسانية يعتبر قتلا له، وإذا كان قتلا له، فإن النصوص توجب علي القاتل كفارة، لجبر الذنب، ورأب الصدع.

 

1         ـ أنه ما من شك في أن قاتل الجنين قد ارتكب فعلا محظورا، وهذا ما أجمع عليه، وإذا كان فعله محظورا، فقد أغضب خالقه ومنظم شئونه وعلاقاته، فيجب، عليه أن يتقرب إليه بما شرعه طريقا للتقرب إليه في مثل هذه الحالة، وهو الكفارة.

 

2       ـ أن قول أصحاب الرأي الأول: أن الكفارة تجب فمن قتل نفسا مؤمنة، والجنين لم تعرف حياته، ولا إيمانه وكفره، منقوض بأنه يجب التأكد من أن موته كان بسبب هذه الجناية، وأما إيمانه وكفره فقد ناقشه ابن حزم آنفا حيث روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله عن ربه " خلقت عبادي كلهم حنفاء " وقوله صلى الله عليه. وسلم (وكل مولود يولد على هذه الملة ).

 

 

ولاشك أن هذا الإيمان هو إيمان حكمي لا حقيقي، لأن الحقيقي أساسه الاعتقاد الجازم الناتج عن دليل، وطريقه العقل، ومثل هذا الكائن لم يمنح هذه النعمة بعد، فرحمة به ورأفة جعل على الإيمان.

 

ومع هذا فإن إيمان المقتول ليس شرطا في إيجاب الكفارة على القاتل عند جمهور العلماء، فمن قتل ذميا أو مستأمنا وجبت عليه الكفارة أيضا، بدليل أن الله تعالي قال في آية الكفارة (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) والذمي له ميثاق وهذا منطوق، والمنطوق يقدم على دليل الخطاب المفهوم من قوله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ) ولأنه آدمي مقتول ظلما فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم.

 

إذن ليس إيمان المقتول شرطا في إيجاب الكفارة على القاتل، بل تجب الكفارة على كل من قتل إنسانا معصوم الدم، والجنين إنسان مستكن، وهو معصوم الدم بدليل حظر الاعتداء عليه وتجريمه، وتوقيع عقوبة على قاتله.

 

وأما قولهم أيضا إن الجنين نفس من وجه فإنما ذلك، في شأن الحقوق والواجبات التى تثبت له أو عليه.. لكن في الحقيقة والواقع هـو نفس، بدليل أن الحقوق تثبت له من وقت وجوده  في بطن أمه ولوكان في أول مراحل تكوينه، فلو لم يكن نفسا لما ثبتت له هذه الحقوق.. من ميراث أو وصية أو نسب.

 

وأما أن  ديته ليست دية كاملة فذلك أمر آخر، لأن الديات ثبت تفاوتها في بعض الحالات، ومع هذا ظلت الكفارة واجبة في كل الحالات، فلا علاقة بين الدية وبين الكفارة.. والضمان الواجب في قتل الجنين هو دية له، ودية كاملة بالنسبة لوضعه، ومتلائمة مع حالته، فلا وجه لجعل نقصانها بالنسبة لمقادير الديات الأخرى سببا في عدم إثبات الكفارة في قتله.. والنص المثبت للكفارة عام.

 

كما أرجح  أن كل أنواع جناية قتل الجنين موجبة للكفارة على القاتل، سواء كان قتله عمدا أو خطأ أو شبه عمد، لأن الكفارة إذا وجبت في الخطأ وهو أخف أثرا من القتل، العمد، بل إن إثمه مرفرع بنص الحديث" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فإيجابها في القتل العمد أولى، لأن القاتل عمدا أمس حاجة إلى التكفير عن ذنبه من المخطىء.

 

وقد جاءت السنة مؤيدة لذلك فقد روي عن واثلة بن الأسفع قال " أتينا النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال: " اعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار " فالرسول صلى الله عليه وسلم قد أمرهم أن يعتقوا رقبة عن هذا القاتل الذي استحق النار بالقتل، واستحقاقه النار لا يكون إلا بالقتل العمد لقوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما"، فدل ذلك الحديث على إيجاب الكفارة في القتل، العمد.

 

وإذا ثبت وجوبها في العمد كما هي في الخطأ يثبت وجوبها في القتل شبه العمد، لأن منزلته بين المنزلتين، وكلتا الجنايتين قد وجبت الكفارة فيهما.

 

كما أرجح أنه يستوي في إيجاب الكفارة أن يكون القتل بالمباشرة أو بالتسبيب ومثال الأخير ما لو تعدى شخص فحفر حفرة في مكان لا يملكه فسقطت فيها امرأة حامل أثناء سيرها، فأسقطت جنينا ميتا، فإن قتل الجنين كان سببه المباشر سقوط الأم في هذه الحفرة، ولم يكن سببه المباشر حفر هذه الحفرة، إذ قد تتنبه لوجودها، أو لا تسير في هذا الطريق الذي توجد به الحفرة، وقد أطلق على هذا النوع من القتل: القتل تسبيبا- أي بواسطة- فقد تخلل بين الفعل الأصلي والنتيجة سبب أخر، وهو السقوط، إلا أنه متصل بالأول، ومترتب عليه، لكنه لا يدور معه وجودا وعدما، بل قد يتخلف، ومن ثم كان السبب الثاني أقوى في إضافة  إليه من السبب الأول من حيث الظاهر.

 

ولذلك اشترط جمهور الفقهاء القائلين بأن القتل بالتسبيب كالقتل مباشرة في الحكم: توافر  رابطة السببية بين الفعل والنتيجة، واستمرار هذه الرابطة  حتي تتحقق النتيجة دون أن يتخلل بين السبب والنتيجة سبب آخر يصح أن يضاف إليه القتل، فإذا وجد هذا السبب انقطع تأثير السبب الأول في النتيجة وأصبح القتل مضافا إلى السبب الثاني الذي اتصلت به النتيجة. وذلك كما لو تدخل إنسان فألقى الأم في هذه الحفرة فحينئذ يكون القاتل هو الملقى دون الحافر لها.. ومع اتفاق هؤلاء الفقهاء في تساوي الجنايتين إلا أن منهم من لم يشترط في إيجاب الكفارة المباشرة. وهم فقهاء، (الشافعية، والحنابلة، والظاهرية) ومنهم من اشترط المباشرة في إيجابها (وهم الزيدية والامامية) والذي أرجح الأخذ به هو  إيجابها في قتل الجنين، سواء كان قتله بالمباشرة أو  بالتسبب، وإن اختلف إلا  أن النتيجة واحدة- وهي القتل- ولأن الكفارة  إنما وجبت بسبب قتل النفس، وفى كلتا الحالتين وجد القتل، وإذا وجد القتل وجبت، الكفارة، لجبر الذنب وللتقرب الى الله كان القاتل ـ أيأ كانت طريقة قتله ـ محتاجا إلى ذلك .

 

الكفارة واجبة على كل قاتل ولو كان قريبا

 

الكفارة تجب على القاتل بسبب القتل أيا كان أبا أو أما أو غيرهما، وهو رأي جميع من يوجبون الكفارة في قتل الجنين.

 

فإذا قتلت الأم جنينها- كأن شربت دواء لإسقاطه أو فعلت ما يؤدي إلى ذلك.. كان عليها الكفارة لأنها قاتلة، وعليها الغرة، ولا ترث منها شيئا، وقد روي عن ابراهيم النخعي أنه قال في المرأة تشرب الدواء  أو تستدخل الشيء فيسقط ولدها، قال " تكفر وعليها غرة ".

 

ومثل الأم في ذلك الأب، فقد ورد عن الزهري في رجل ضرب امرأته فأسقطت قال " يغرم غرة وعليه عتق رقبة ولا يرث من تلك، الغرة شيئا، هي لوارث الصبي غيره ".

 

ومثل الأم والأب غيرهما- أقارب أو أجانب أو غيرهم، فقد روي عن مجاهد أنه قال " مسحت امرأة بطن امرأة حامل فأسقطت جنينا، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمرها أن تكفر بعتق رقبة- يعني التي مسحت ".

 

وهذا دلنا على استقلال حياة الجنين، واحترام هذه الحياة، وعدم تبعيته في هذا الجانب لأي من الأب أو الأم، إذ أن واجبهما إنما ينحصر في ضرورة الرعاية والحفظ والتنمية.. دون غير ذلك مما قد يصيبه بأي ضرر.

 

كما بين لنا أنه ليس لطبيب أو غيره أن يعتدي على حياة الجنين لأي سبب إلا عند الضرورة، وهي الخوف على حياة الأم من استمرار حياة الجنين، ففي هذه الحالة يضحي بالفرع في سبيل إنقاذ الأصل، لأنها إذا كانت هي الأصل في إيجاده وبقائه فلا يعقل أن يكون وجوده سببا في إفنائها.. ولا بد من أن يصل الطبيب إلى درجة تقارب التيقن من أن وجوده في بطنها يهدد حياتها  ولا يباح له أن يفعل ذلك لمجرد الظن إذ أن الأرواح لا تنال بالشك والظن.

 

تعدد الكفارة بتعدد الأجنة (التوأم) وتعدد الجناة

إذا أدت الجناية إلى إسقاط أكثر من جنين (توأم) فإنه، يجب على الجاني- إذا كان فردا- أن يؤدي عن كل جنين كفارة، كما يؤدى، عن كل جنين غرة، لأنه قاتل لهم.

 

وإذا تعدد الجناة، وثبت اشتراكهم في قتل الجنين أو الأجنة (التوأم)، فإنه يجب على كل جان كفارة عن قتل كل جنين واحد، فإذا  قتل ثلاثة جنينين، وجبت ست كفارات على كل واحد منهما كفارتان.

 

أما الغرة فلا تجب إلا غرتان وتقسم الغرة الواجبة على الجناة بالحصص، والسبب في ذلك هو أن الكفارة تجب على من اتصف بالقتل،، وكلهم قد اتصفوا بذلك على سبيل الكمال، إذ يعتبر كل منهم قاتلا إذا اشترك ثلاثة. لذلك روعي في إيجاب الكفارة الشخص الذي ارتكب الجرم، وأما  الغرة فإن المراعى في إيجابها هو المجني عليه، إذ هي ضمانه وديته، وإذا كان كذلك فإنها لاتتعدد بتعدد الجناة، وتتعد بتعدد  الأجنة المعتدى عليهم.

 

حرمان قاتل الجنين من ميراثه

 

لايرث قاتل الجنين من ديته (الغرة) شيئا.. وذلك استنادا إلى قوله صلى الله عليه وسلم" ليس لقاتل ميراث، وقد نقل، ابن قدامة اتفاق العلماء على ذلك فقال " وإذا شربت الحامل دواء فألقت جنينا فعلية، غرة، لا ترث منها شيئا، ولانعلم بين أهل العلم خلافا في ذلك، لأنها أسقطت  الجنين بفعلها وجنايتها فلزمها ضمانه بالغرة، كما لو جني عليه غيرها، ولا ترث من الغرة شيئا لأن القاتل لايرث من دية المقتول ويرثها سائر ورثته. فإن كان الجاني المسقط للجنين أباه أو غيره فعليه غرة لا يرث منها شيئا لما ذكرنا " .

 

خاتمة

 

وفي نهاية هذا البحث لا أود أن أفيض في بيان الأضرار الصحية الجسيمة التي تلحق الأم التي تسقط جنينها، فإن الأطباء قد سدوا بأبحاثهم هذه الثغرة، والمقام لا يسمح بعرض هذه الأضرار، ولا بيان الأضرار الاجتماعية التي تنتج عن إباحة الاسقاط، من تيسير سبل ارتكاب الفاحشة، ثم إلقاء آثارها مما تنطق بفحش الفعل، واستنكاره عقلا وشرعا، وتتابع هياكلها ضمائر الجناة أينما ساروا وأينما حلوا وكل إنسان له ضمير حي، ونفس أبية، وغيرة على العرض، ووازع من خلق ودين يأبى هذا العمل ويرفضه شكلا وموضوعا.

 

ولكنني أكتفي هنا ببيان نتائج هذا البحث من الناحية الفقهية والتشريعية .

 

نتائج هذه الدراسة لحياة الجنين في الشريعة الإسلامية

 

من هذه الدراسة يمكننا أن نستخلص النتائج التالية على ضوء ما رأيت رجحانه والأخذ به من أحكام الجنين في الفقه الاسلامي.

 

أولا: الجنين منذ بداية تكونه كائن حي ونفس محترمة  معصومة الدم.

 

ثانيا. الجنين له ذمة توجب له نوعا من الحقوق يكفل، بقاءه، والاعتداد به في المجتمع من حفظه، والإنفاق عليه، وحجز نصيبه في الميراث، وصحة الوصية له، والوقف عليه، وجواز الهبة له (عند بعض الفقهاء) و إلحاق نسبه بأبيه..

 

 ثالثا. أن ولاية الأم على جنينها ولاية حفظ وصيانة، ورعاية لنموه ومتابعة لتطوره،ودرء كل الأخطار وإبعاد كل ما يؤتر تأثيرا سيئا في مسيرة حياته.

 

وأن ولاية الأب عليه ولاية غير مباشرة تتمثل في الانفاق، عليه، ورعاية أمه، وتهيئة وسائل الراحة لها، وعدم إحداث ما يؤتر عليها وعلى- جنينها تأثيرا يضر بنموه وحياته.

 

رابعا: أن إيقاع الضرر على الجنين- كلا أو بعضا- في أي مرحلة من مراحله حرام شرعا، وفاعله آثم شرعا، والآتم أمر عقوبته في الآخرة موكول إلى خالقه جل شأنه- كما وكيفا.

 

خامسا: أن الإضرار بالجنين جناية تستوجب، عقوبة دنيوية

 

أ ـ فإن كانت الجناية قد أدت إلى إسقاطه ميتا، ففيها الغرة (نصف عشر الدية) والكفارة، وحرمان قاتله من ميراثه، ويمكن إضافة عقوبة تعزيرية تتناسب مع نوع الجناية، فهي في العمد أشد منها في شبه العمد، وفي شبه العمد أشد منها في الخطأ، وقد لا توقع على الخاطىء لبذله الاحتياط والحذر المطلوب.

 

ب- وإن كان قد سقط حيا ثم مات من أثر الجناية، وجب على قاتله ما يجب على قتل النفس الحية المولودة المعصومة الدم.. من قصاص أو دية وكفارة وحرمان من الميراث وغير ذلك.

 

ج- وإن كان قد سقط حيا، وقد أثرت الجناية علي  ما دون نفسه، كفقء عين، أوقطع يد أو رجل، أو فقد حاسة، أو غير ذلك- وجب على الجاني ما يجب علي الجاني على ما دون النفس الحية المولودة.

 

د- وفي كل الحالات التي تجب فيها الدية أو دية الجنين يتحمل الجاني ما وجب بسب الجناية عمدا، وتتحمل العاقلة ما وجب بسبب الجناية شبه العمد والخطأ. على أن يشترك الجاني معهم ابتداء وانتهاء.

 

هـ- أن دية الجنين موروثة عنه لورثته الشرعيين كدية النفس ولا يرث الجاني منها شيئا..

 

سادسا أنه لا فرق في هذه الأحكام جميعها بين أن يكون الجاني أبا اوأما او غيرهما ، فالكل معاقب بهذه العقوبات .

 

سابعا: أنه يجوز عند الضرورة- وهي الخوف على حياة- الأم- إسقاط جنينها حفاظا على حياتها، ويعتبر ذلك عذرا مسقطا لكل العقوبات.

 

هذا ما أردت إبرازه، وفقنا الله تعالى جميعا إلى إخلاص النية في العمل بشريعته، وهيأ قلوبنا وعقولنا إلى الأخذ بأحكام ديننا، ونبذ كل دخيل، وأرشد كل مسلم إلى أن، يضيف لبنة في صرح العمل بشريعة الله، فإن شريعة الله لم يخاطب بها إنسان معين دون غيره، ولكن خوطب بها كل البشر، وكل، محاسب على ما قدم وأخر.. " .

 

والله من وراء القصد، وهو المعين والهادي إلى سواء السبيل.