الاجهاض

فى الدين والطب والقانون

للدكتور حسان حتحوت

فى تصدي لموضوع الإجهاض ابصرت له ثلاثة مداخل ارتأيت أن أدخل منها جميعا .

المدخل الأول قصة طالعتها فى كتاب كليلة ودمنة عن ثلاث سمكات ، كيسة وأكيس منها وعاجزة ، تسامعن بقدوم صياد إلى غديرهن ، فأما الأكيس فاتخذت قرارها على الفور فنزحت من غدير إلى غدير ، وكأنها تترك ما يرب إلى ما لا يرب ..  

وأما الكيسة فما إن أبصرت شبكة الصياد يطرحها فى الماء حتى احتالت وناورت فاتخذت لنفسها مدارا ومسارا فوق مرمي الشبكة فنجت منها ...  

وأما العاجزة فأخذتها الغفلة حتي احتوتها الشبكة فأطبقت عليها فأصبحت من الهالكين .

ولقد اصبح موضوع الإجهاض الآن موجة عالية وأصبحت المجتمعات أمامها عاجزا وكيسا وأكيس . ولعل انتباهة قبل وقوع الأمر توفر جهدا كبيرا بعد وقوعه ، والأمثله متعددة فى منطقتنا العربية .  

والمدخل الثاني خواطر اتسقت فى نفسي وأنا أتلو فى قرآن الله الكريم .  

" بسم الله الرحمن الرحيم ( يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لايشركن بالله شيئا ، ولايسرقن ولايزنين ولايقتلن أولادهن ولايأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولايعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) ( الممتحنة 12 ) ووقفت متأملا عند قوله ولايقتلن أولادهن ، وساءلت نفسي : وهل كانت النساء يقتلن أولادهن ؟ إن قتل الذرية الذى عرفته الجاهلية فنهي عنه الاسلام كان وأد البنات دون البنين ... فلاينبئ عنها التعبير بكلمة أولادهن وهي تشمل البنين والبنات ... ثم إن تلك الجريمة جريمة الوأد ، كان يقترفها الرجال دون النساء لأن الرجل الجاهلي دون أمرأته هو الذى ينحاز للذكورة دون الأنوثة فيما ينجب " وإذا بشر أحدهم بالأنثي ظل وجهة مسودا وهو كظيم يتواري من القوم من سوء ما بشر به ، أيمسكه على هون ، أم يدسه فى التراب " وساءلت نفسي بعدما تكون تلك الجريمة التى تقترفها النساء ويذهب ضحيتها أولادهن ذكورا وإناثا ... وجدت نفسي تستريح إلى أن المقصود بقتل النساء أولادهن هو إحداث الإجهاض .  

هذا التمايز بين جريمة ضحاياها الإناث فقط والدافع لها اتقاء العار ... وبين جريمة أخري ضحاياها الأولاد عموما والدافع اليها شئ غير خشية العار ... زاده القرآن وضوحا فى قوله تعالي ( ولاتقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) ( الانعام 151 ) وفى قوله تعالي ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم ) ( الاسراء 31 ) ، فهذه جريمة دوافعها اقتصادية بحته ... وضحاياها الأولاد ذكورا وإناثا ، وهو مالم يعرف عن العرب إلا أن يكون القصد منه الاجهاض ... وتعبير " من إملاق " في الآية الأولي و" خشية إملاق " فى الآية الثانية يشمل الإملاق الواقع فعلا والإملاق المخشي الذي لم يقع بعد ... ويبين ان كلا الإملاقين ليس من أسباب علاجه إزهاق حياة . ذلك اجتهادي ... وقد أكون فيه مصيبا او غير مصيب .  

أما المدخل الثالث فهو انني طبيب .. وأنني مسلم . وللطب أصوله وفروعه وكلياته ووقائعه .. وللإسلام أوامره ونواهية وقواعده التى يعرف الناس بها الحلال والحرام بينين أو مشتبهين .  

ومسألة الإجهاض من المسائل التى تجابهني كل يوم خلال عملي طبيبا لأمراض النساء والولادة ، وتجابه غيري من الأطباء فى مشارق الأرض ومغاربها . ويؤود الطبيب وهو يتحري ما يعمل ان مسألة الإجهاض فى الزمن الأخير لم تعد مسألة طبية فى أيدي الأطباء ... لقد نازعهم عليها وانتزعها منهم أهل التشريع وأهل الاجتماع وأهل الدراسات السكانية والاقتصادية وأهل المذاهب المعاصرة فى فكر وخلق وسلوك .. هذه التى غيرت معالم العالم فى الزمن الأخير تغييرا شاملا لسنا بمعزل عنه ولانستطيع أن نكون ، فالعلم كمشته المواصلات وموجات الأثير والمطبعة حتي أصبح يحس كل من فيه بكل ما فيه .  

وليت القول الفصل فى مسألة الإجهاض يتأتي إن فتحنا كتابا فنقلنا ما فيه ولكن الله بجانب ما أنزله من تشريع لم يعف الأعين من أن تبصر ولا الآذان من ان تسمع ولا الأفئدة من ان تفكر .. فقد جرت سنة الله أن تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا . وأدرك هذا فقهاؤنا الأوائل فكانت لهم الآراء تختلف وتتفق ، بل كان للشافعي مذهبان ، فيقال قال فى القديم وقال فى الحديث ، بل إن عمر ليجيب عن السؤال إجابتين بينهما زمان ، فيقول افتينا بما علمنا ونفتي بما نعلم  

وقد أصبحت مسألة الإجهاض فى زمننا هذا غير ما كانت فى زمن كثير مما بين أيدينا من الكتب ، وأصبحت أبعادها عالية فهي كسعر العملة ومناطق التوتر السياسية وجبهات الحرب باردة وساخنة وسريان الأوبئة وقضايا الطاقة ـ لايمكن أن تفهم إلا إن استوعبنا أبعادها العالية وألمنا بالتيارات التي تحركها ودرسنا اتجاهها من أين وإلى أين ؟ فإذا عرفت العلة بان الحكم ... فالإحكام في الإسلام إلا أحكام التعبد تدور مع العلل ... وبهذا أدخل بحضراتكم إلى الموضوع .  

تطور النظرة القانونية للإجهاض  

منذ قديم كان الإجهاض مقيتا وفى قسم ابقراط الذي تتوارثه المهنة عبر الأجيال يقسم الطبيب ألا يصف دواء يجهض به حاملا ... وحتي الأمس القرب كان الاجماع منعقدا ان ليس للإجهاض من مبرر الا ان يكون استمرار الحمل مهددا لحياة ألام ـ ولا زال هذا معمولا به في قوانين كثير من البلاد بينها مصر ولبنان والأربن وسوريا وغيرها .. وقد تزاد العقوبة إن كان المجهض طبيبا أو صيدليا أو قابلة ولكن شهدت السنوات الأخيرة تطورا في تشريعات الإجهاض يختلف من بلد لآخر ... وأعفي حضراتكم من تفاصيل القوانين في كل بلد .... فاعترف القانون بمبررات للإجهاض غير المبررات الطبية ووسع القانون للإجهاض فلم يصبح الإجهاض القانوني مرادفا للإجهاض الطبي بل أوسع منه ...  

واصبح القانون يعترف بمبررات للإجهاض هي  

1 ـ  الدواعي الطبية .. وهي ما أشرنا اليه آنفا ... ولكن وسع فى بعض البلاد مدلولها وبعد ما بين قوسيها ... فبدأت بالخطر على حياة الأم ان استمر الحمل ، ثم الخطر على صحتها ، ثم على صحتها الجسمية او النفسية ، ثم عليها فى الحاصر وفى المستقبل المنظور ، ثم على الصحة الجسمية أو النفسية لأفراد الأسرة الآخرين بما فيهم الأبناء الشرعيون أو الأبناء بالتبني .

 

2 ـ الدواعي الجنينية ... وهي ملحقة بالدواعي الطبية ، فى الحالات التى يتيقن أو يترجح فيها أن الجنين مصاب بمرض أو عاهة او مات فعلا .

 

3 ـ الدواعي الانسانية .. مثل إباحة إجهاض الحمل الناتج عن الاغتصاب أو وقاع القاصر أو المجنونة ... ومن أمثلة ذلك قضية الاستاذ الدكتور بورن المشهورة فى بريطانيا فى الثلاثينات إذ أجهض بنتا فى الرابعة عشرة اغتصبها ثلة من الجند ..ورغم أن دافعه كان إنسانيا الا ان دفاعه فى المحكمة كان طبيبا إذ اعتبر أن صغر حجم الحوض عظمة ولحمه يعرضها للخطر الشديد عند الولادة .. وأخذت المحكمة به وبرأته .

 

4 ـ الدواعي الطبية الاجتماعية .. وهي تأخذ فى الاعتبار غزارة الانجاب أو تقارب الولادات ـ والآثار الجسمية أو النفسية التى لا ترقي لدرجة المرض ، ومنها أيضا صغر السن أو كبره ... إن الظروف الحرجة التى تتعرض لها الانثي غير المتزوجة إن حملت ... ونذكر هنا ان القانون التونسي يبيح الإجهاض إنكان للسيدة خمسة أطفال أحياء .. وأن القانون الأربني وإن كان يعتبر الإجهاض جريمة إلا أنه اعتبر ظرفا مخففا ان يكون الاجهاض قد أحدث اتقاء فضيحة تمس الشرف .

 

5 ـ الاجهاض حسب الطلب .. وهو الصيغة التى تود ان تتحرر حتي من التحايل على القوانين . وهي خاتمة المطاف للموجة الإجهاضية المعاصرة ... وقد شقت دعوته طريقها بمثابرة وإلحاح حتي اعترف بها القانون فى بعض الدول الشرقية والغربية مثل هنغاريا وروسيا وأمريكا ..وإن كانت روسيا تشترط أن تلقي المرأة لجنة تحاول إقناعها بالعدول وإلا فلها ما شاءت .

 

ماذا وراء التغيير والتطوير فى تشريعات الإجهاض ؟

 

واضح أن التشريعات التى استحدثتها كثير من الدول تهدف عموما إلى الانتقال من تقييد الإجهاض إلى إطلاقه فى درجات متفاوته .

 

ولم يكن الإجهاض فى ظل التشريعات التى تضيق رقعته مقيدا بالمعني المتوقع.

 

وإنما كان هناك أفراد من داخل المهنة الطبية او من خارجها مستعدون لإجراء الإجهاض سرا لقاء أجر متفاوت ... ومنهم من جمع ثروات طائلة من وراء ذلك .وكان هؤلاء المجهضون فى الخفاء سببا ـ خلال تجاربهم ـ فى إزهاق أرواح كثيرات ... أو إصابة كثيرات بمخاطر صحية تحيا بعدها الضحية بعلة مزمنة أوتفقد القدرة على الانجاب . ولعل مآسي هذا النوع من الاجهاض ـ الذى كان يسمي " الاجهاض الاجرامي " كانت من أقوي حجج المطالبين بإباحة الاجهاض .. فمادام الإجهاض سيتم فمن الخير أن يتم في ظروف مأمونة وتحت رعاية طبية وافية .

 

وكما كانت القوانين تهدر بالاستخفاء منها كذلك كانت تهدر بالتحايل عليها ..ز وفى ظل القوانين التى وسعت رقعة الإجهاض بدافع الخطر على الصحة الجسمية أو النفسية ، كان يكفي أن تقول الفتاة " سأنتحر إن لم تجهضوني " .. فيكتب الطبيب على أوراقها " نزعة إنتحارية " ويكفي هذا مبررا للإجهاض .

 

على أن هناك ظاهرة لوحظت جديرة بالتسجيل ... فقد كان يظن أن إباحة الإجهاض بالقانون ستقضي على تجارة الإجهاض الاجرامي ولكن دهشت السلطات عندما تبين انالعكس هوالذى حدث ففي هنغاريا قبل عام 1956 وهو العام الذى ابيح فيه الإجهاض ـ كان عدد الإجهاضات غير القانونية فى حدود مائة ألف إلى مائة وخمسين ألفا ... فإذا هي بعد الإباحة تصل مائة وستين لمائة وثمانين ألفا فى الستينات .. وتجاوز مائتي ألف عام 1968 .. وصدقت ذلك تجربة اليابان وغيرها من الدول كاسكندينافيا بعد إباحة الإجهاض .

 

وحري بالذكر كذلك ان بعض الدول التي أباحت الإجهاض بقصد تخفيف حدة الانفجار السكاني أو بمعني آخر إقرار الإجهاض وسيلة لتحديد النسل ، قاللها تجربتها إلى مأزق بدأ يقض مضاجعها .

 

ففي اليابان حيث الاجهاض مباح منذ 1948 هبط معدل الولادة إلى 5ر13 فى الألف .. وصحت السلطات على حقيقة مره ـ هي نقص عدد الشباب عن الوفاء بمطالب العمالة ، فاذا أضفنا ان العناية الطبية ادت إلى زيادة عدد المسنين فى المجتمع تبين ان الشريحة الحاملة وهي شريحة العاملين المنتجين قد تقلصت بالنسبة للشريحة المحمولة المكونة من الأطفال فى جانب والعجائز فى جانب آخر .

 

وفى رومانيا أبيح الاجهاض عام 1956 فزاد عدد حالات الاجهاض القانوني إلى ربع حالات الحمل كلها سنه 1958 ، وثلثها سنه 1959 ، ثم تفاقمت حتي جاوز عدد ما يجهض من الحمل عدد ما يكتمل إلى الولادة ورأت الدولة أن الامة تمارس لونا من الانتحار بالانقراض فبدأت تتراجع وتعود أدراجها بقصر السماح بالاجهاض على الدواعي الطبية ، وتشجيع نمو الامة بمنح مكأفاة وعلاوات عن الولادة والمواليد ، وتقرير إجازة أمومة براتب كامل ، وإعفاءات ضربية للأسرة الكبيرة ... وتبعت رومانيا غيرها من دول أوروبا الشرقية.

أما القانون الإنجليزي الذى صدر فى 1967 فقد أباح الإجهاض إن كان استمرار الحمل يحمل فى طياته خطرا جسميا أو نفسيا على المرأة هي أو أي طفل من أطفال العائلة بما فيهم أبناؤها أو أبناء زوجها أو الأولاد بالتبني ... وفى قياس الخطر حض القانون على اعتبار الظروف البيئة الحاضرة أوالتى ترتقب فى المستقبل المنظور .

 

وعلى هذا فإن القانون يتسع لأن يقال إن أسرة تتبني طفلا ثم تحمل الزوجة ولكن الطفل المتبني يؤذية نفسيا قدوم الوليد الجديد فيباح أن تجهض المرأة .

 

وكان واضحا أن القانون الجديد لم يكن استجابة لطلب الهيئات الطبية . بل إن مجلس الجمعية الملكية لأطباء التوليد وأمراض النساء طلب ان تشكل لجنة من الأطباء والقانونيين لبحث الموضع فأهمل طلبة .. واجتاحت بريطانيا موجة إعلامية عاتية تنادي ان الإجهاض حق لكل من تريده وأنه لايجوز أن تحمل امرأة جنينا لاتريده .

 

وقد أعلنها الدكتور السيرتوماس جفكريت فى الإذاعة البريطانية ، فقال إن قانون الإجهاض الجديد قد احتضنته مجموعة من المشاغبين قليلة العدد ولكن قوية التنظيم ، غزت الرأى العام بالدعاية المغرضة المحرفة وسخروا الصحافة فى غسل مخ الأمة بشعار الإجهاض حسب الطلب ، وبأموال مجلوبة من الخارج طبعوا وروجوا كتيبا يشرح القانون الجديد باسلوب مغرض ... وعندما عرضنا المساهمة فى البحث قال أحد أعضاء البرلمان : نحن هنا لنشرع لا لنسمع لآراء الفنيين .

 

كان القانون الجديد إذن فى غاية المرونة . وقد ترك الظروف للطبيب فماذا كان ؟

 

كان أن الذى يحكم ضميره ظل يحكم ضميره .. ولكن الذى كان يتعاطي تجارة الإجهاذ خفية جاهر بتعاطيها فى ظل القانون وفى حمي شرعية لم تكن من قبل ... وكان ان الذين جاءوا بالقانون بدعوي حماية الناس منهم أصبحوا هم فى حماية القانون .

 

وماذا كانت الآثار المباشرة لتنفيذ القانون ؟ تبدت الملاحظات الآتية :

 

أ ـ زيادة مضطردة فى حالات الإجهاض لدرجة شغلت من أسرة المستشفيات ومن وقت الأطباء الاختصاصيين ما عطل علاج المريضات بالأمراض الأخري .

 

ب ـ كان من بين النساء المجهضات 44 بالمائة فقط سيدات متزوجات .. أما الـ 56 بالمائة الباقية فكانت أحمال سفاح فى بنات ( 37 بالمائة ) أو مطلقات وأرامل
( 9 بالمائة ) وهو ما ينبئ عن حقيقة الحاجة التي يلبيها القانون الجديد . وفى أمريكا بلغت نسبة حمل السفاح بين المجهضات درجة أعلي من ذلك .

 

جـ ـ كانت ثلاث مستشفيات خاصة فى لنبن تجري من الإجهاضات أكثر مما تجرية مستشفيات منقطة لنبن المجانية الحكومية .. وهذا يدل على مدي الاستغلال التجاري للإجهاض .

 

د ـ ورغم إباحة موانع الحمل وإباحة الإجهاض فقد زادت نسبة ولادات السفاح إلى الولادات الحلال زيادة كبيرة ... مما يدل على أن لب القضية هو إشاعة جو من التسيب وعدم الخجل من الحرام وعدم الاكتراث بالوادع والزواجر والمسئوليات وبعبارة أخري تفشي الإباحة الجنسية .

 

الخلفية الأخلاقية التي أفضت للإباحة

 

الذى ذكرناه من تطويع القانون حتي أفضي لإباحة الإجهاض لايمكن النظر إليه مجردا ... فهو جزء من صورة لأيضاهم الا بالنظر للصورة كلها والا كنا كمن قرأ " ولا تقربوا الصلاة " ثم سكت ، فموجة إباحة الإجهاض هي خيط من نسيج ، وخطوة على طريق ، وجزء من كل ، اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الأولي فلسفتان جديدتان اولعلهما ذراعان لفلسفة واحدة ... الأولي تنكر الله أساسا وتنكر الدين متهمة إياه بأنه أفيون الشعوب وتدعي ان الانبياء كانوا مصلحين اجتماعيين أرادوا إغراء الناس باتباعهم فوعدوهم بمغانم لم يكونوا يملكونها ..ولهذا أحالوهم إلى مصرف وهمي يسمي النعيم فى الآخرة : واستعت هذه الفلسفة حتي أصبحت تبسط رواقها على أكثر من ثلث سكان الأرض " وقد هدفت من البدء إلى إخلاء النفس من الله .

 

أما الذراع الثانية فرفعت فى الغرب المسيحي شعار مذهب جديد اسمه " الفضيلة الجديدة " راكبة موجة التقدم العلمي والانتصارات التى حققها العقل البشري . وراح هذا المذهب يمجد هذا العقل وينادي بجعله الهادي والمرشد والمحور الذى تدور حوله الحياة ... والمرجع فى تنظيم السلوك .. فما وافق عليه العقل فصواب والا فهو الخطأ ولما بلغ الغاية من تقديس العقل دعا إلى ان يعرض الانسان عليه كل التراث الانساني ليراجعه فى تحرر من المورثات السخيفة البائدة أو التى آن لها ان تبيد . وفى دورة الجديد سلطة عليا    فى حياة الإنسان أخذ العقل يقر ويستبعد ، ويحرم ويحلل ، ويثبت وينفي ، وباختصار احتل العقل مكانة الإله المعبود .

 

وفى موجة عارمة من غسيل المخ لم ينبه الناس إلى أن إلهم الجديد محدود وناقص . فالعقل يبصر حتي الأفق ولكن وراء الأفق آفاق لا يحيط بها . والعقل ناقص العلم ، وإلا فما الحكمة فى إقامة المختبرات ورصد الميزانيات للبحث العلمي . أليس كل يوم يأتينا بكشف جديد حجة علينا أننا كنا فى اليوم السابق اقل علما ؟ اليس اجتهابنا الفائق فى البحث العلمي مرادفا لإدراكنا أن هناك ما نجهله ؟ .

 

وراح العقل فيما راح يستعرض القيم والفضائل القديمة ويضع بدلا منها قيما وفضائل جديدة . وتحت رأىات الحرية بشر الإنسان بأنه حر فيما يفعل ما دام لا يؤذي غيره ..

 

وقامت تساند هذه الحركة حركة فكرية أخري منفصلة عنها فى الظاهر لا فى الباطن ..إسمها مذهب " الفضيلة بلادين " .. داعية إلى أن علىالإنسان أن يحب الخير لذاته ويكره الشر استجابة لفطرته وبغير حاجة إلى اعتناق دين ما .. بل ها هو ذا الدين طالما فرق الناس وتسبب فى المذابح حتي بين ابناء المسيحية ذاتها . وقالوا انما كان الدين ليهدي الإنسان للمحبة وحسن المعاملة والأمانة والخير ، فإن أمكن تحقيق هذه الغايات عن غير الطريق الديني فقد غنمنا الخير محضا وأمنا التعصب والانغلاق وما يجران إليه ... إن على الانسان ان يحتكم إلى ضميره فهذا هوالحكم المهم ، وكم من صاحب دين يقيم الشعائر ويتمسك بالطقوس والعبادات وهو مع ذلك غشاش أو حاقد أو فاسد أو غير أمين .

 

ولقيت هذه الدعوة إلي الفضيلة هوي كبيرا فى نفوس كثيرين من الفضلاء وكان ذلك كسبا كبيرا للحركة ، فالمهم عندها إلا يكون للشر والخير ميزان ثابت لايستيطع أحد أن يبعث به ومتي زحزحت صخرة الأيمان وقام ضمير الإنسان مقام تعاليم الله فالأمر بعد ذلك من السهولة بمكان فالحارس الجديد لطيب وبطيب ومادام قد تحرر من ردع العقيدة وتلبس بحرية الحركة فالمنافذ يسيرة دون ان يشعر بها ، ونفس الإنسان قابلة للتغيير والإيحاء بل أن الحديد ليلين بشدة الحرارة ومداومة الطرق .

 

وكانت النيجة الحتمية ان تقلص ظل الدين عن حياة الناس ، وخفت صوت الله فى نفوسهم . ومرت الأيام فإذا الرأى العام الغربي قد أدار ظهره لله بل اجترأ عليه ، وربما ساعد على ذلك أن العقل المتفتح لم يعد يسيغ ما أدخله الكهنوت على المسيحية مما لم يكن فيها . ولقد دهشت ودهش الكثيرون دهشة بالغة حين طلع علينا أحد أعداد مجلة التايم سنه 1966 مصدرا بعنوان ضخم يسأل " هل الله ميت ؟ وحسبت الارض تزلزل زلزالها وتخرج أثقالها والمجلة من أوسع صحف العالم انتشارا ولكن ظلت المجلة تلوك الموضوع قرابة السنتين . بين مؤيد ومعارض ..ز وفى عددها فى 26/12/1969 أوردت مثالا اسمه " الكهنوت الجديد وإعادة الحياة إلى الله " وكما يكون البذر يكون الثمر .. وغير عصي على الفهم كيف ان كثيرا من محرمات الماضي صارت من مباحات الحاضر ... وتحت شعار " الفضيلة الجديدة " ما دمت لاتؤذي فأنت حر ... ولم تلق لمفهوم الأذى الا النظرة السطحية ... وتغير فيما تغيرالنظر إلى العلاقة الجنسية ، وإذا الفضيلة الجديدة هي بعينها الرذيلة القديمة .

 

وأتبع ذلك بموجة ضارية وهادفة من كل ما يبعث على الإثارة الجنسية من أفلام السينما وروايات المسرح والأغاني والرقصات والأزياء وكتب المتعة السريعة وكتب الفلسفة العميقة وبرامج الإذاعة والتلفيزيون ومحاضرات عامة ولقاءات فردية .. حركة شاملة فى عنان واحد إلى هدف واحد ... وصارت تيارا اجتماعيا يجرف المجتمعات زرافات لا وحدانا .. ولم تجد الحركة مجالا فقصرت فيه .

 

استاذ علم النفس فى جامعة بريطانية كبيرة يحذر من العقد النفسية الناجمة عن الكبت الجنسي لدي الشباب وبرتراند رسل يعلن فى حديث تلفزيوني سعالله بتحقيق دعوته لإقامة علاقات الجنس بين الزملاء والزميلات من طلاب الجامعات ولكن شرط عدم الحمل ... وقد أصبح ذلك ممكنا بفضل موانع الحمل . ولم تنج الكنيسة ذاتها من هذا الغزو الفكري ... ففي مجلة التايم 28/10/1966 أن لجنة من مجلس الكنائس البريطاني تبارك الصلة الجنسية فى الزواج ولكنها لاتصر على العفة قبل الزواج ولا الالتزام بعده وتدعو لتهيئة وسائل منع الحمل للبنات غير المتزوجات ولمزيد من التراخي فى تشريعات الإجهاض . وذكرت مقالا لأسقف انجليزي فى الخمسينات يدعو لإيقاف استعمال كلمة " الله " لمدة جيل من الزمان ، ويقول إن اتصال شاب بفتاة جنسيا بمحبة وبغير إكراه يشكل مبررا ... وذكرت آنذاك قول المسيح عليه السلام " من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه " .

 

واقرأوا معي فى نفس الجريدة قصة الشاب الأمريكي الذي تقدم لمنصب كنسي ثم اتضح أنه مصاب بالشذوذ الجنسي ..ولم ينكر ذلك ، كتبت أمه للجنة المختصة تقول كان بإمكأنه ان يكذب وينافق فقدروا فيقفضيلة الصدق . وسأله صحفي ألا يخشي من طبعه هذا على أحداث رعيته إن اصبح قسيسا فقال لا .. إنني لا ابتذل الجنس ، وحسبي أن أعثر على الرجل الذي استريح إليقفاستقر معه ... أليس هذا عجيبا ؟ بل الأعجب منه أن الشاب حصل على الوظيفة .

هذه لمحة عن المناخ الأخلاقي عن المناخ الأخلاقي الذى لف الغرب ، فلا غروا أن يترك طابعة على قيم كثيرة منها التشريع ، فتكون هذه التطورات التى منها قوانين الإجهاض الجديدة ، والتى كان من أحدثها عدم اعتبار اللواط جريمة ما دام بين بالغين راضيين مستترين .

 

وتحت ستار حرية المرأة قالوا ما دام الرجل حرا فى إتيان الجنس فلتكن للمرأة نفس الحرية ... بدلا من أن يقولوا ما دام الزني غير لائق بالمرأة فهو كذلك غير لائق بالرجل .

 

وتهافت الشبان والشابات كتهافت الفراش على النار ... وأطلقت الهيئات الطبية كل صيحات الاستغاثة وهي تري عودة الأمراض السرية إلى بلاد كبريطانيا كانت تظن أنها تخلصت منها إلى غير رجعة ... وفقدت جراثيمها الحساسية للبنسلين فعاد الزهري والسيلان بالوفرة التى كانا عليها قبل اكتشاف البنسلين ، مع فارقين خطرين :

 

الأول أن سن الإصابة كانت حول الخامسة والعشرين للخامسة والثلاثين فأصبحت بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين ، وفى عام 1965 كانت 27 بالمائة من الفتيات المصابات دون سن العشرين .

 

والفارق الثاني هو أنه فى السابق كان معظم المصابين من الرجال وأقلهم من الإناث فارتفعت نسبة الإناث حتي سادت ثم جاوزت نسبة الذكور ، لم تعد المصابة هي مومس الأمس التى تصيب وحدها العديد من الرجال .. ولكن مريضة اليوم هي الفتاة العادية طالبة أو عاملة أو موظفة .

 

وفى أمريكا أعلن الدكتور بروان من المركز الأمريكي لمكافحة المرض في سنه 1965 أن ستمائة وخمسين ألفا من شباب أمريكا ذكورا أو إناثا تحت سن العشرين يصابون سنويا بالزهري أو السيلان . كما أعلن الدكتور ماكنزي بولوك من جميع الصحة الأمريكية أن الإصابات شهدت مؤخرا تفاقما مروعا ودعا لإعلان حالة الطوارئ القومية .

وزاد الإجهاض وأغلب أحماله من سفاح ... وطغت نسبة ولادات السفاح على الولادات الشرعية فى كثير من ولايات امريكا ، وقد حضرت مرة مرورا فى جناح الحوامل بإحدي أمهات مستشفيات أمريكا فإذا كل من فى السرائر يقدمن لي بلقب الآنسة فلأنه إلا واحدة هي التى قدمت بلقب سيدة .

 

وما راعني فى نيويورك إلا مظاهرة من البنات الآنسات ترفع اللافتات وترفع العقائر مطالبة بإباحة الإجهاض .. ونشرت صورتها بالصحف .

 

كل هذه القرائن تمثل الدوافع والحافز والظمأ على التشريعات الجديدة التى تصر على أن الإجهاض مباح كالماء والهواء للسيدات والآنسات على السواء .

 

كيف نهتدي للرأى الصواب فى مسألة الإجهاض ؟

مصادر الهداية فى هذا السبيل ثلاثة وهي

أولا : ـ وجهة النظر الأخلاقية .

ثانيا : ـ دستور المهنة الطبية

ثالثا : ـ أحكام الشريعة الإسلامية

 

القواعد الأخلاقية :

 

وتفصل هنا الأخلاق عن الدين عمدا فليس كل إنسان بصاحب دين . وقد أباح لنا الدين بحمد الله أن نسلك سبيل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتى هي أحسن ... ولانحجم إذن ان نناقش الأمر مناقشة علمانية عقلانية بحته .

 

ننظر علميا لنشأة الحياة عبر تاريخها المعلوم ... فإذا أرقي صورها الإنسان ، وإذا الذى يميز الانسان عن سائر الحيوان هو أن الإنسان انقرد بأنه الكائن الوحيد الذى قد تهفو نفسه لشئ فيردها عنه وهي قادرة عليه . تتحرك نوازع الحيوان جوعا او ظمأ أو جنسا فيستجيب لها استجابة مباشرة حالما تهيأ له الظرف .

 

إلا الإنسان ـ فركاز إنسانيته فحضارته أن عنصر " كبح جماح النفس " يتغشي حياته .. ويغير كبح جماح النفس يصبح المجتمع الانساني غابة وحشية ، وكم من حضارة فرطت فى معني كباح جماح النفس ويسرت للأهواء والنزوات أيسر السبل فزلت فزلت ... وما حضارتنا المعاصرة باستثناء ، ولو استمر الاتجاه الأخلاقي الذى رسمته فمن المؤكد أن حضارتنا قد غرست فى جسمها جراثيم فنائها .

 

ونؤمن بما يردده فلاسفتنا الملحدون من شعارات الحرية والمساواة .. ونؤمن معهم بحق المرأة فى الحرية متكافئة فيه مع الرجل ... بل ونحتكم معهم إليه ـ من دعوتهم هم ، ومن شعاراتهم هم ، نقول إن بديهيات العدالة والمساواة تقول إن كل علاقة بين اثنين لا يتكون نتائجها موزعة عليهما بالتساوي هي علاقة تنوعن العدل والإنصاف والمساواة .

 

وقد أطلقوا الجنس للرجل والمرأة على السواء بدافع المساواة .

 

فهل تحققت المساواة ؟ العكس هو الصحيح ... فلقد اتضح أن المرأة هي الخاسرة على طول الشوط .

 

إن عوشرت وهجرت فهي الخاسرة

وإن حملت سفاحا وأجهضت فهي الخاسرة .

 

وإن ولدت سفاحا فهي الخاسرة سواء استبقت وليدا بغير اب أم تنازلت عنه لمن يتبناه . هذا حتي بمنطقهم ظلم عظيم ... حتي وان أعفيناهم من قال الله وقال الرسول ... ويصورون أن الشبق الجنسي ضرورة لاتقاوم ... فكرة العفة عندهم شئ غير علمي ، وبالأمس يسروا التخلص منها بما أشاعوه من أن البكانة تزول بمزاولة انواع الرياضات ، وهو عذر لم يعودوا يحتاجون إليه الآن على أية حال .

العفة عندهم شئ نظري ليس فى المقدور العملي ... ومجتمعاتنا الإسلامية تقدم الدليل القاطع على أنها هي الشيء الطبيعي ، فمازالت نسبة البكانة فى بناتنا قبل الزواج تقارب المائة بالمائة .

 

والحمد لله إن مجتمعاتنا لديها ما تقدمه للغرب الضال فى ظلماته ... فالفضيلة طب وقائي ولكن الأمر يقتضي أن ينشط المخلصون لمجابهة حركة الإفساد الشاملة الماكرة الهادفة القادرة ... التى تريد أن تقوض أركان المجتمعات حتي تنهار فيسهل عليها وراثتها .. حتي تكون طيعة لتحكمها الفئة التىتحسب نفسها الشعب المختار وأن ما سواها بهائم وعجماوات .

 

دستور المهنة الطبية

 

شهد العقد الأخير نشأة اختصاص جديد بين تخصصاتالفروع الطبية .. جاء وسطا بين فرع اطب التوليد وفرع أمراض الأطفال .. وذلكم هو " الطب الجنيني " الذى عني بالجنين قبل أن يكون وليدا ... ويشرف عليه ومازال فى رحم أمه .. وقد أمكن الوصول إلى تشخيص طائفة من الأمراض التى تصيب الجنين .. وأمكن استنباط عجلات لبعض هذه الأمراض ، وليست كل هذه العجلات من قبيل التداوي بالعقاقير بل إن منها إجراءات ذات طبيعة جراحية صرفة تجري على الجنين فى الرحم .

 

وقد يولد الجنين دون أوأنه فسرعان ما يوضع فى حاضنة صناعة تهيء له الدفء والغذاء والنفس النقي والوعاء غير الملوث .. ولايزال البحث العلمي يركض وراء اختراع مشيمة صناعة تخدم الجنين المجهض ولو كان صغيرا .

 

معني هذا أن الجنين الانساني أصبح بين يدي المهنة الطبية زبونا له حق الزبون وحرمته ومكانته . فكيف يجوز أن المهنة من جانب تسبل عليه الرعاية والعناية والحفاظ ، ومن جانب آخر تستبيح أن تمتد إليه يد الطبيب فتنتزع حياته وتنفذ فيه الإعدام لا لشيء إلا لأنه غير مرغوب فيه ؟

 

رأى الاسلام

حرمة الحياة مقررة فى الإسلام كما هو معروف وينسدل هذا على الجنين . إلا أن بعض السلف الأقدمين من الفقهاء قسموا حياة الجنين قسمين .. يفصل بينهما بدء شعور السيدة بحركة الجنين فى بطنها ويكون هذا عادة فى نهاية الشهر الرابع من الحمل . وتوهم هذا الفريق من الفقهاء أن هذا الاحساس سببه دبيب الحياة فى الجنين .. أو ما عبروا عنه بنفخ الروح .. وأجاز بعضهم إذن إجهاض الجنين قبل نفخ الروح .

 

كان هذا الحكم إذن دائرا على هذه العلة . إلا أن التقدم الطبي منذ عصرهم وحتي عصرنا الحاضر قد كشف أن إحساس السيدة بحركة الجنين لاينبيء عن بدء هذه الحركة . فالحق أن الجنين يتحرك ويتحرك من قبل ذلك بزمن طويل ولكن السيدة لاتحس به لأن الكيس المائي الذى يسبح فيه يكون فى البداية كبيرا فسيحا بالنسبة لجسم الصغير .. ويمر زمن حتي يكبر الجنين فستطيع لكماته وركلاته أن تطال جدار الرحم فتشعر بها السيدة بعد أربعة اشهر حملية . بل إن لدينا الآن من الأجهزة ما نسمع به دقات قلب الجنين وهو فى الاسبوع الخامس ولدينا من الاجهزة ما نرصد به حركة الجنين حتي من قبل ذلك واستقر علميا أن الجنين منذ بدايته بيضه ملحقة تشرع فى الانقسام والتكاثر فأنه كائن حي ينمو ويتطور بصورة متصلة ناعمة دائمة مستمرة دون أن يوجد خط فاصل له قبل وله بعد يتيحان الأخذ بما أجتهد اليه الاقدمون .

 

العلة إذن تغيرت فلابد أن يتغير الحكم وعلى ما أفضي إليه التقدم العلمي تتأسس حرمة حياة الجنين فى كافة أدوارها .

 

وهذا الرأى الحديث الذى وصل اليه العلم بالملاحظة المباشرة . وصل اليقفريق من الفقهاء القدامي عن طريق المنطق والاستدلال ، فقالوا ان الجنين حتي قبل نفخ الروح فيه حياة محترمة هي حياة النمو والاعداد فلايجوز اسقاطة ...

 

ومن هؤلاء الإمام الغزالي ، فقد عرض لهذه المسألة وفرق بينها وبين العزل الذى كان يمارس لمنع الحمل .. فقال " وليس هذا ( العزل ) كالإجهاض والوأد ..لأن ذلك جناية على موجود حاصل .. وأول مراتب الوجود أن تقع المادة فى الحمل وتختلط بالبويضة وتستعد لقبول الحياة .. وإفساد ذلك جنياة ، فإن صارت نطفة فعلقة كانت الجناية أفحش .. وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا ، ومنتهي التفاحش فى الجناية بعد الانفصال حيا . هذه مسألة .

 

المسألة الأخري هي أن الفقهاء ـ وأقول ايضا الأطباء ـ قد أجمعوا على أن السيدة إن كانت مصابة بما يجعل استمرار الحمل خطرا على حياتها ضحي بالحمل استبقاء لها ، لأنها هي الأصل والجنين الفرع . على أن الأعذار الأخري التى وردت فى السابق لتبرير الإجهاض كأن يكون لبن الأم ضعيفا والزوج فقيرا غير قادر على أن يستأجر المرضع ، أو أن تخشي الأم ان تحمل أثناء الرضاع فترضع وليدها لبن الغيل أي لبنها وهي حامل ، فهذه أسباب زالت ظروفها فى زمننا هذا الذى تهيأت فيه وسائل منع الحمل وتهيأ اللبن الصناعي للإرضاع ومستحضرات المقويات والفيتامينات للمرأة حاملا أو مرضعا .

 

والحق أن الشريعة الإسلامية لم تقصر فى التدليل على حرمة الجنين وصيانة حقه ، وحسبنا فى هذا أن نورد الشواهد الأربعة التالية .

 

أولا : إذا توفي رجل عن زوجة حامل فأنه لايجوز التصرف فى تركته قبل أن يرصد نصيب الجنين حتي يولد .. وعلى الورثة أن يتعهدوا إن وضعت الزوجة أكثر من جنين ان يردوا مما أخذوه نصيب الجنين الثاني أو من زاد على ذلك إن وضعت أكثر .

 

ثانيا : إذا أجهضت المرأة جنينا فى أي دور .. وبدا على هذا الجنين أية أمارة من أمارات الحياة كعطسة أو سعلة أو تحريك أصبع .. فإن هذا الجنين يرث أيا من مورثية الشرعيين مات بعد بدء الحمل .. ثم إذا مات هذا الجنين آلت تركته لورثته الشرعيين .

 

ثالثا : إذا حكم على امرأة بالإعدام وكانت حاملا تأجل تنفيذ الحكم حتي تضع وليدها وفى رأى آخر حتي تتم رضاعة . وقد أجل النبي صلى الله عليه وسلم رجم الزانية الحامل ، مما يدل على أن الحمل السفاح لايبرر الإجهاض على حياة الجنين وأن لهذا الجنين حق الحياة .

 

رابعا : شرع الإسلام عقوبة مالية على إحداث الاجهاض . اسمها الغرة إننزل الجنين ميتا او نزل قبل تمام الشهر الرابع والغرة نصف عشر ديه البالغ . فإن نزل بعد الشهر الرابع حيا كانت الغرامة ديه كاملة وتدفع لورثة الجنين الرعيين .. فإن كان منهم من ساهم فى إحداث الإجهاض دفع نصيبه من الغرامة ولكن حرم من نصيبه من التعويض والتعويض واجب إن لم يكن هناك قصد ... فإن عمر دعا اليه امرأة فخافت وقالت ويالها ما لها ولعمر ... وكانت حاملا فأجهضت فى الطريق ، واستشار عمر فأشار عليه على بن أبي طالب قائلا إن ديته عليك لأنك افزعتها فألقته . وامتثل عمر .

 

وتتعد الديه بتعدد الاجنة ودفعها لايعفي الجاني من العقوبات التعزيزية الاخري التى يراها القاضي إن تبين ان العدوان مقصود ، سواء كانت مالية أو غير ذلك .

وتغطي الغرة الحمل من أبكر أدواره .. بل قالوا ان المرأة لو ألقت مضغة او دما او غير ذلك مما لو عرض على ثقات شهدوا بأن فيه خلقا خفيفا او مبدأ خلق آدمي لو بقي لتصور فالجاني مسئول أيضا .  

وبديهي ان كل هذه الحقوق حقوق فرعية ، تالية للحق الأصل وهو حق الحياة وهو الذى يجب أن نصونه للجنين .. باسم الطب وباسم الخلق ، وباسم الله .

          لكنه الإنسان فى غلوائه                     ضلت بصيرته فجن جنونا

          ويحي لمنتحر كأن بنفسه                              من نفسه حقد الحقود دفينا

          اعتد اسلحة الدمار فما رعت                  طفلا ولا امرأة ولا مسكينا

          واليوم مد يديه للأرحام                              تقتلعان منها مضغة وجنينا

          قد صيغ من نور وطين فانبري           للنور يطفئة ولبي الطينا

          ما أضيع الإنسان مهما غذ فى             سبل العلوم إذا أضاع العرينا