بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

بحمد الله وتوفيقه انعقدت ندوة " الإنجاب في ضوء الإسلام " بين الرجاء والتحفظ.

اما عن الرجاء فكان دعاء إلى الله العلي القدير أن يكلل أعمالها بالنجاح والتوفيق. لأن الإسلام نظام شامل لإصلاح الحياة العقلية والروحية والنفسية والجسدية والقانونية والاجتماعية وكفيل بمعالجة جميع شئون الحياة للفرد والجماعة. ولعل هناك من يتصور أن الإسلام ما هو إلا حدود وهذا ما يحاول المستشرقون دائما أن يصوروه.

إنه يعني مجتمعا تحكم سلوكه المبادىء الإسلامية ويقوم على التوحيد والرحمة والعدل ويبدع فيه الفرد وتنطلق طاقاته ويكون مداد العلماء فيه لا يقل شرفا عن دماء الشهداء ويتراحم أفراده القوى يساعد الضعيف والغني يخرج من ماله زكاة يطهر بها أمواله للفقير ولذلك يقوم على مجموعة القيم ابتداء من كلمة لا إله إلا الله وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق.

إنه مجتمع يتحفظ ويضع المعايير الدقيقة لعدم خلط الأنساب سدا للذرائع، أليس هو الذي أباح الزواج من واحدة الى أربعة بشرط أن يعدل بينهن ووضع أقصى العقوبة للزني.

 ولعل كل مشفق على الشريعة الإسلامية كان مشاركا لهذه الندوة التي كنا قبل انعقادها نتصور أننا سنواجه محدثات جديدة ولكن اتضح بحول الله وقوته أنها أحداث جديدة قديمة فلقد تعرض لها علماء المسلمين السابقين بشرح مستفيض مستنير رغم عدم تطبيقها في عصرهم ووضعوا التكييف الشرعي لها ثم أتى هذا القرن ليشهد التطبيق العملي ولذلك سارت الندوة في سهولة ويسر.

 ولو إننا تصورنا أن الشريعة الإسلامية جسد وروح فإن جسدها هو المجتمع أما روحها فهي النصوص القرآنية فبغير التقاء هذين العنصرين سنرى روحا بلا عمل أو أعمالا لاعلاقة لها بالفكر وهذا هو الضياع لأن للفرد المسلم تصوراته التي ينطلق منها وله قواعد تفكيره وله فلسفته الخاصة في الحياة وله ادراكه لمعنى وجوده على الأرض وهو إعمارها ولكن دون تجاوز لحدود الله التي فرضها سبحانه وتعالى وهذا نابع من إيمانه.

 إن الفرد يعيش رحلة على الأرض يتم فيها ابتلاء معدنه وضميره تحت عين الله ثم أنهم ميتون فمحاسبون فمسئولون حتى عن السمع والبصر.

وإذا كان الإسلام يدعو المريض إلى السعي والبحث عن العلاج فإن الهدف هو العلاج الذي تقره الشريعة الإسلامية.

أما تحفظنا فكان مصدره أن هذه أول مرة تعقد ندوة على هذا الغرار تجمع بين كبار فقهاء الإسلام وجهابذة الطب وذلك لبحث مثل هذه المواضيع المطروحة فكلها حديثة التطبيق في بلاد غير إسلامية والخوف أن ترفض مناقشة مثل هذه المواضيع بحجة أنها بدعة ولا داعي لها. ولكن وسائل الاتصالات الحديثة تخطت المسافات والحواجز فأصبحت ترى وتسمع الخبر ساعة وقوعه وبالتالي فإن هذه التطبيقات مفروضة علينا شئنا أم أبينا.

كذلك العلاج خارج دول المسلمين أصبح سهلا ميسورا وأيضا تلك الجاليات الإسلامية في الغرب والشرق التي تنمو باستمرار أصبح لها دين في أعناقنا نحن في البلاد الإسلامية يجب أن نبين لها الأحكام الشرعية في كل هذه المحدثات.

لقد كنا في توجس وخيفة أن يتمسك كل طرف برأيه ولا يسمح لأحد باقتحام حصونه مشككا في قدرات الفريق الآخر أو متهما إياه بالتخلف والجمود.

حقا كانت هذه مخاوفنا وشكوكنا في امكانية النجاح.

ولكن بحمد الله وبعد مرور دقائق محدودة ساعة انعقاد الجلسة الأولى قد انكسر حاجز الخوف وبدأت المناقشات سجالا تقرع الحجة بالحجة والحديث بالحديث والآية بالآية في تسامح ومحبة وصدق ورحابة صدر وهذا هو الحوار الإسلامي المستنير فلا غالب ولا مغلوب ولا منتصر ولا مهزوم الكل يعمل في إطار الشريعة الإسلامية برحابتها وسعتها ليزداد الذين آمنوا إيمانا على إيمانهم ونريهم بأن هذا الدين متين ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه.

كان إصرار الجميع على النجاح متيقنا وواضحا ولم يكن الخروج من نقطة إلى أخرى الا بعد استيفاء كل جوانبها ويكون هناك شبه إجماع حتى من أخذ بالأحوط سدا للذرائع فقد ظهر ذلك في التوصيات التي توصلت إليها الندوة.

وقد كان من أهم نتائج هذا اللقاء المبارك مايأتي.

1   ـ تشجيع هذا التجمع وتكراره في هذه المواضيع الحيوية التي أصبحت تواجه المسلم في يومه وغده ومفروضة عليه وستدخل بلاد المسلمين. لذلك لابد من وضع الضوابط الشرعية لها.

ورغم أن موضوع الحل والحرمة دائما هو أساس اجتماعاتنا ولكن كان علينا أن نجتمع ونتدارس ونتناقش وأن يأخذ الحوار وقته وإذا لم نصل إلي رأي واضح فإن علينا أن نعيد الكرة مرة ثانية المهم أن يجتمع الجميع تحت مظلة الشريعة الإسلامية في حوار إسلامي مستنير للوصول إلى الهدف الذي نسعى إليه وهو موقف الإسلام من هذه المحدثات.

 2- ظهرت الحاجة الملحة الى تطعيم مناهج كليات الطب بمزيد من العناية بدراسات إسلامية متعلقة بمسائل الفقه وأصوله حتى يستطيع الشخص إذا ما كان بعيدا أن يستبين لنفسه درجة الحق في أمره.

 3- كذلك توصلنا إلى أنه ينبغي أن تزود الكليات الدينية بثقافة تتعلق بالأحوال الشخصية أو ما سميناه بالأسرة ليس فقط من الناحية القانونية وإنما أيضا من الناحية الطبية التي تعينهم على أن يكونوا أكثر مقدرة على استيعاب محدثات العصر حتى لا تكون الهوة بين الفريقين كبيرة.

 4- ولعلنا استطعنا أن نكون فريق العمل المتكامل ونشجع الفقيه المتخصص في هذا المجال.

5- كما توصلنا إلى أن تربية الفرد المسلم هي أساس الممارسة اليومية وتنمية الضمير في عمله هي الضرورة القصوى لإنجاح العمل فإن هناك من الأمورما عرضت على الندوة وليس لها حل إلا أن يعامل المسلم ضميره ويحتكم إليه وهو ما يطلق عليه استثمار إنسانية الإنسان ولذلك ظهرت الضرورة الملحة في وضع ميثاق أخلاقي إسلامي للممارسات المختلفة ولعل الميثاق الذي أصدرته المنظمة في أول مؤتمر للطب الإسلامي يكون نواة لهذا العمل.

 6- اتضح لنا أيضا أن هناك واجب أمام رجال الفقه الشرعي تجاه أساتذة وعلماء الطب والعلوم الحياتية أن يرشدوهم ويبينوا لهم أي الطرق يمكن أن يسيروا في أبحاثهم بما يتفق والشريعة الإسلامية.

أخي الفاضل :-

إن الحدث كبير والموج عات والعالم في صراع وإن لم نأخذ بزمام المبادرة فإننا سننجرف في هذا التيار إلى بحر لجى حالك الظلام لا قرار له ولا مستقر فيه وقد يكون لبعض هذه الأبحاث جوانبها المضيئة من الناحية العلمية إذا تمشت مع الشريعة السمحاء أن تضيء الأمل أمام كثيرين لهم مشاكلهم الخاصة والمتعلقة بهذه الأمراض. ولكن إذا لم نتدارس هذه الأبحاث في ضوء الإسلام والشريعة السمحاء فإنها سوف تثيرموجة عارمة من الاضطراب الاجتماعي القائم على أسس الرحمة والمودة لذلك بادرنا الى عقد هذا الاجتماع وحرصنا على تسجيله بدقة قدر الاستطاعة وعرضنا هذا التسجيل على أساتذة أفاضل شاركونا الحضور في هذه الندوة.

هذا هو مجمل علمنا أبلغناه إليك داعين الله أن يتقبل منا جميعا وأن تكون مثل هذه الندوات فاتحة خيرلنا جميعا.

" ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب "

" والسلام عليكم ورحمة الله "

المحرر

دكتور احمد رجائي الجندي