|
كلمة
المستشار الدكتور
عبد الله محمد عبد الله بسم
الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على
أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. نحن
الآن مع الجلسة الأولى لندوة الإنجاب في
ضوء الإسلام، وبرنامج هذه الجلسة كالآتي:
الوراثة في العلوم الطبية . يتحدث
الدكتور ماهر حتحوت عن بنوك الحليب البشري
المتخلط. ثم يليه الأستاذ الدكتور حسان
حتحوت في بحث التحكم في جنس الجنين، ثم
نستعرض معا بعض المناقشات في المسائل
الطبية حول هذين الموضوعين. وبعد ذلك
ننتقل إلى الأبحاث الفقهية. ومحدثنا
الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي الذي
سيتحدث عن بنوك الحليب البشري المختلط
والتحكم في جنس الجنين ثم يبدأ النقاش
العام. وأود
أن ألقي كلمة موجزة إن سمحتم حضراتكم.
وتتلخص في أن المحور الذي تدور عليه أبحاث
مؤتمرنا هوالإنسان وما أدراك ما الإنسان،
إنه ككل حي لم يخلق سدى، ولم يترك هملا،
سلك له ربه النهج الأول حتى يتكاثر، وأتاه
الهدى القويم حتى يستحكم، وسدد يديه حتى
يشتد، وأنار بصيرته حتى يستكمل، وأوجد فيه
دخائر الفطرة حتى يستبحر، وفجر فيه سرائر
الإتقان حتى يسود ويمتلك، وعلمه البيان
حتى يستفهم، وكرمه فقال " ولقد كرمنا
بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم
من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلا " . كرمه
الله في ذاته فجعله نفيسا غيرمبتذل ولا
ذليل، يحيط به التكريم في أصل نشأته ومادة
وجوده، وكرمه حيث خلقه على هذه الهيئة من
امتداد القامة وحسن الصورة قال تعالى: "
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " (1)
قال الدميري: يعني هو"اعتداله وتسوية
أعضائه لأنه خلق كل شيء منكبا على وجهه
وخلقه سويا، وله لسان ذلق ينطق به ويد
وأصابع يقبض بها، مزينا بالعقل مؤدبا
بالأمر مهذبا بالتمييز يتناول مأكله
ومشربه بيده " (2). وللقاضي
أبي بكر بن العربي كلام نفيس، تتجلى فيه
مظاهر تكريم الخالق للإنسان، فيقول: ليس
لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله
تعالى خلقه حيا، عالما، قادرا، متكلما،
سميعا، بصيرا، مدبرا، حكيما، وهذه صفات
الرب جل وعلا، وعنها وقع البيان بقوله صلى
الله عليه وسلم "خلق الله تعالى آدم على
صورته " (3) يعني على صفاته، وكرمه فجعله
صاحب إحساس وعواطف ومشاعر ووجدانات، وحضه
على العفاف والفضيلة، وجعل عنده حرصا على
الأبوة والبنوة، ورعاية للأنساب وروابط
الأسرة. ومظاهر
التكريم للإنسان عديدة ومتنوعة، ولا مجال
لحصرها في هذا المقام، ويكفي أن يسوق
الكريم جل وعز هذه الآية التي تحدد مكانة
الإنسان في هذا الوجود، حيث يقول سبحانه:
"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا"
(4) فالأرض وما عليها وما في داخلها كله
مخلوق لأجل الإنسان، وقد ساق الله سبحانه
وتعالى هذه الآية لإظهار عظيم قدرته جل
وعز ومنته على البشر، وكذا لإظهار عظيم
منزلة الإنسان الذي ألقى إليه مقاليد
الخلافة وتقاليد الاستخلاف، فلا يضل
ولايشقى، وعلم آدم الأسماء
كلها،فالتعاليم هنا وفي سورة الرحمن حيث
يقول:، "خلق الإنسان علمه البيان " (1)
أي جعله ذا علم. وبهذا
التعليل، وبهذا الترشيد، فضل الإنسان على
بقية أنواع جنسه، وبقوة النطق يكون إحداث
الموضوعات اللغوية، للتعبير عما في
الضمير، وكان ذلك سببا أيضا لتفاضل أفراد
الإنسان بعضهم على بعض، بما ينشأ عن النطق
من الاستفادة، وهو مبدأ العلوم. ولقد
حث الإسلام على طلب العلم منذ فجر بزوغه. وآيات
القرآن الكريم، وأحاديث الرسول الكريم في
هذا المجال كثيرة. وذهب
أحد الباحثين إلى أن عدد الآيات العلمية
في القرآن الكريم تبلغ حوالي 750 آية تشمل
مختلف العلوم. والإمام
الغزالي يفتتح كتابه " إحياء علوم الدين
بكتاب العلم، ويعقد مقارنة بين علم الفقه
وعلم الطب، أيهما أفضل؟ ويبين فيه آداب
العالم، وآداب المتعلم. وقد
نشط المسلمون في القرنين الأول والثاني من
الهجرة، وهما اللذان وضعت فيهما العلوم،
ونشطت فيهما الترجمة، كما وصلت العربية
والترجمة إلى عصر النضج في القرنين الثالث
والرابع. وقد
وضع ابن النديم في القرن الرابع الهجري
أول عمل ببلوغرافي من نوعه سجل في كتابه (الفهرست)
وكذا المؤلفات والترجمات لكل العلوم بما
فيها الطب، وتراجم الأطباء. ويأتي
بعده بقرون أحمد بن مصطفى الشهير بطاش
كبرى زاده المتوفى سنة 968
هـ، فيضع كتابيه "مفتاح السعادة ومصباح
السعادة " في موضوعات العلوم، ومن قبله
بقرنين صنف ابن خلدون العلوم المتداولة في
عهده إلي صنفين كبيرين. الأول
طبيعي يهتدي إليه الإنسان بفكره، كالعلوم
الحكمية والفلسفية، ومنها الطب، والثاني
العلوم النقلية كالعلوم الشرعية، وعلوم
اللغة. وبحث
طاش كبرى زاده في كتابه أو موسوعته المشار
إليها مختلف فروع العلم، ومنها العلم
الطبيعي، وبين أقسامه، ومنه علم الطب،
وعرفه فقال: "هوعلم يبحث فيه بدن
الإنسان من جهة صحته ومرضه، لحفظ الصحة،
وإزالة المرض، وموضوعه بدن الإنسان من حيث
الصحة والمرض، ومنفعته بينة لا تخفي" ثم
يقول: وكفى بهذا العلم شرفا وفخرا قول
الامام الشافعي رضي الله عنه: "العلم
علمان: علم الطب للأبدان، وعلم الفقه
للأديان " ونكتفي بهذا القدر.. والسلام
عليكم. |