مدى شرعية التحكم فى معطيات الوراثة

الدكتور عبد الستار ابو غدة

تمهيد : الوراثة فى الطب والتراث الفقهي :

بالرغم من قلة الكتابات فى الوراثة فإن هذا العمل لم يغفله القدامي من الأطباء والفقهاء وغيرهم من العلماء ممن كتب فى موضوعات ذات صلة بهذه الحقيقة ولاسيما بعد أن أشار اليها الحديث الذى رواه البخاري ومسلم وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لعل ابنك نزعه عرق ) فى شأن من استغرب أن يولد له من لم يشبهه تماما بل أشبه أحد أجداده على أن جهودهم اقتصرت على ( التعرف ) إلى خصائص الوراثة ولم تبلغ آمالهم امكانية
( التصرف ) والتحكم فيها وهو مجال مضي الطب المعاصر فيه أشواطا أمكن فيها الانتخاب والاستنجاب والتعديل والتبديل بعض ذلك آتي كل ثماره المرجوه وبعض آخر شارف على تحصيل نتائجه أو اعتبرت فى حيز الإمكان على ما وصف المختصون .

 

ولاتخفي الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي لما وقع من قضايا التحكم فى الوراثة أو كاد يقع بعدما قام الأطباء ( أهل الذكر فى هذا المجال ) بالمهمة الضرورية التى لابد ان تسبق إصدار الحكم ، وهي تقديم التصور والبيانات الكاشفة لحقيقة كل قضية ، ليسهل إدراكها وتكييف الاجراءات الواقعة فيها فضلا عن الأهداف والفوائد والمحاذير .

 

واذا كان لابد من تقديم تعريف للوراثة قبل الخوض فى التصرفات المتصلة بها والمعالجة أو الإلمام بشرعيتها ، فإن الوراثة هي :

 

"انتقال الصفات من الأصول إلى الفروع أو من السلف إلى الخلف ، وهي تشمل إلى جانب الخصائص ـ الأمراض القابلة للتوريث "

وقبل الانتهاء من هذه التوطئه إلى صميم الموضوع ، لابد من الإشارة إلى أن (التعرف ) إلى هذا العلم فى بعض معطياته وسبر أغوار الإنسان فى كنه تكوينه وملاحظة انطواء العالم الأكبر فى جرمه الصغير ، لهو مما يدخل فى تلبية دعو ة الله الخالدة إلى التأمل فى النفس وإبصار ما استكن فيها من عجيب الخلقة ويستتبع ذلك الاعتبار والعظة ( وفى أنفسكم أفلا تبصرون ) ويتلوه الانتقال من التدبر فى الخلق إلى الايمان بالخالق وازدياد اليقين بقدرته وحكمته واطمئنان القلب إلى وحدانيته فى الألوهية والربوبية .

واذا كان فى بعض الدراسات المتصلة بالعلم من حيث هو التفرقة بين النافع وغيره فإنها لم يقصد بها إلا اطراح فئة من العلوم قامت على الاستخفاف بعقل الإنسان أو تحدى عقيدة الفطرة ... أما العلم الذى يصلح أن يكون ـ فضلا عن نفعه المادي ـ مدرجة للنظر فى الكون والتفكر فى مالك الملك فإنه فى دائرة التكليف والطلب ..

حفظ النسل من مقاصد الشريعة .

تستمد قضايا الوراثة أهميتها من اتصالها الوثيق بمقصد من مقاصد التشريع وهو حفظ النسل وصيانة النسب ، باعتباره أحد الكليات الخمس التى جاءت الشريعة لصيانتها ، وهي : الدين والنفس والعقل والنسل والمال ...ولتوفير ما يناسبها من صون وكلاءة جاءت أنواع شتي من الأحكام الشرعية بعضها لا مناص من مراعاته ، لأنه يمثل ( الضروريات ) وبعض آخر يتلوه فى سلم الأهمية وهو " الحاجيات " وإلى جانبهما يقوم خط آخر للدفاع يمثل ( الكماليات أو التحسينات ) وهذه الأحكام تحيط الكليات الخمس وإحداها النسل ـ بسور منيع يتحقق به الانذار المبكر ودفع الأذي أو رفعه .

ولايتسع المقام لأكثر من هذا التنوية الدال على عناية الشريعة بما يصون ذات الإنسان ومقوماته ويعزز تكريم آدميته وأنه مفضل على كثير من الخلق تفضيلا .

والغرض من هذا تأكيد واجب الحفاظ على صحة الانسان وتمايزها ، والتبصر عند الإقدام على أي تصرف من شأنه المساس بهذه القضية الأساسية ، وملازمة الطرق الطبيعية المرسومة بالفطرة لابتغاء ما كتب الله للإنسان من نسل صحيح صالح ( هو الذى خلقكم من نفس واحدة  وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما : لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين " سورة الأعراف 189.

ومن هذه الآية وأمثالها يتبين أن الزواج هو السبيل الآمنة التى ألهمها الله خلقه لبقاء النوع الإنساني وأن فيها وحدها يتحقق السكن والمودة والرحمة وأن العزوف عن هذه الطريق والتنكب عن هذه الجادة يعرض الكلية الأساسية التى هي ( بقاء النسل وحفظ النسب ) إلى هزات عنيفة تجتثها من جذورها فتزهق معها حقائق ذات شأن لأنها يرتكز عليها بقاء المجتمع الإنساني وسعاته كعلاقة الأبوة والأمومة وما يتصل بهما وقواعد النفقة والميراث وأصول التكافل الأسري وهو ما تنظمه أحكام الأحوال الشخصية للإنسان ( حقوق العائلة ) .

أنواع التحكم فى معطيات الوراثة :

إن الصور المطروحة على بساط البحث لاتعدو ثلاثة أنواع هي :

1 ـ      النسخ ـ ( أو الاستنساخ ) وهو الحصول  على نسخ من الكائن دون التزاوج .

2 ـ      المزج بين صفات وخصائص معينة فى المخلوق بالتصرف فى مورثاته .

3 ـ          استصفاء جنس معين باستبقاء عنصره فى الطور الأول للجنين .

ولكن هذه الأنواع ليست آخر ما يمكن الوصول إليه من معطيات ، لذا كان المفضل تناولها ضمن تقسيم آخر يلحظ فيه الغاية هل هي وقائية أو علاجية أو سواهما من الأغراض .. وهذا كله بعد أن أخذت هذه المعطيات فى الظهور مع تقدم علم الوراثة واكتشاف الرموز ( الشفرة ) التى تحكمه .

 

الأسباب الوقائية والوراثة

سبقت الإشارة إلى أن من بين ما شرعه الله عز وجل قواعد خاصة لصيانة النسل من أن يلحق به ما يخل بسلامته أصلا أو يحدث به ضررا بليغا أو أذي مهينا وقد ظهرت هذه التشريعات فى صنفين من الرعاية .

أحدهما وقائي يسبق وقوع الخطر فيوجد ما يدرؤه ويبعده أو يجعل أثره ضعيفا مستهلكاً.

والآخر : علاجي تدعو إليه حاجة طروء السقم ودواعي التلف الذى يلحق به ومتناول بعموم النصوص فى التداوي والعلاج لإصلاح ما يطرأ على الطبيعة وإزالة الأدواء والعلل بالوسائل التى لا يلابسها محرم .

فأما التصرفات الجارية مجري الوقاية فهي باب مفتوح على مصراعية فللإنسان أن يسعي جهده لاتقاء ما يصيبه من سوء سواء كان الضرر المخوف لحوقه خلقيا مصاحبا لوجود الانسان أو طارئا عليه مبدلا ما هو عليه من فطرة سوية .

فالوقاية والاحتراس مأمور بهما بأي وسيلة صحية نقية من الشوائب ، والنصوص الشرعية فى هذا كثيرة نقتصر منها على ثلاثة أمثلة شديدة الصلة بموضوع الانجاب ويتبين منها الدعوة الصريحة للأخذ بما يقي النشء منذ أول مظهر من مظاهر التأثير الوراثي وهو ( الزواج ) حيث يلتقي شطرا النشأة لوجود السلالة .

( الأول ) قيام كل من الزوجين بتخير الآخر ، والأمر موجه للزوج لأنه هو المتولي عادة للخطبه وإبداء الرغبة ـ ففي الحديث الذى روي من طرق عديدة لكنها ضعيفة :
 " تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم " رواه الحاكم والبيهقي وابن ماجه .

وفى رواية ابن عدي وابن عساكر " .... فإن النساء يلدن اشباه إخوانهن وأخواتهن " رواه البيهقي بلفظ " الناس معادن ، والعرق دساس ، وأدب السوء كعرق السوء " ورواه الديلمي بلفظ " تزوجوا فى الحجر الصالح فإن العرق دساس " وفى لفظ رواه أبو موسي المديني : " انظر فى أي نصاب تضع ولدك فإن العرق جساس "

( الثاني ) تحاشي الزواج بالقريبات ، تفاديا لضعف السلالة وفى ذلك أثر عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال لأل السائب : قد أضويتم فانحكوا فى النزائع أي الغرائب ، رواه ابراهيم الحربي فى غريب الحديث وأبو نعيم فى فضل النفقة وفى حديث مختلف فى صحته
 " الناكح فى قومه كالمعشب فى داره " وفى أثر آخر : اغتربوا لاتضووا وهذا المعني مما عرفته العرب وكررته فى أشعارها كقول أحدهم :

إن بلالا لم تشنه أمه                         لم يتناسب خاله وعمه

وقول الآخر :

تنجبتها للنسل وهي غريبة             فجاءت به كالبدر خرقا معمها “

وفى محاذير ذلك يقول أحدهم

ذاك ( عبيد) قد أصاب ( ميا )

 

ياليته ألحقها صبيا

فحملت فولدت ضاويا

 

( الثالث ) تحاشي العدوي ونقل الأمراض المعدية أو الوراثية للأصحاء ولاسيما عند الاقدام على الزواج ، قبل الاستشفاء من تللك الامراض التى يسهل انتقالها للسلالة وفى ذلك ورد الحديث الصحيح .

(لايوردن ممرض على مصح ) أخرجه البخاري ومسلم ، وكذلك حديث : " لا عدوي ولاطيرة ولا هامة ولا صفر ، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد " أخرجه البخاري وأحمد فى المسند .

أثر الهدف فى التغيرات الوراثية :

يختلف الحكم الشرعي على الإجراءات أو التصرفات الواقعة فى مجال الوراثة تبعا للهدف المبتغي من الفعل ، وإن مراعاة الغاية هنا مبعثها الموازنة بين المفاسد والمصالح ، أوالمضار والمنافع ، وهي موازنة مطلوبة شرعا ، انطلاقا مما قرره علماء أصول الشريعة من أنه لايوجد ـ الا نادرا ـ ما يتمحض للنفع والصلاح دون أن تشوبة شائبة من الضرر فى الدين أوالبدن أو المال وإنما تكون العبرة بالاغلب أي حيث تتحقق المصلحة الراجحة على ما يقع من ضرر بفعلها ، ويعتبر هذا من ارتكاب أخف الضررين تفاديا لأشدهما .

مراعاة سلامة الوسيلة :

فضلا عن مشروعية الهدف لابد من مراعاة مشروعية الوسيلة أيضا بأن تكون أمرا حلالا يمكن به تجنيب الإنسان شيئا من المخاطر الناتجة عن الوراثة من أبيه أو أمه وهذا السعي لتحصيل النفع مأمور به فى نصوص شرعية كثيرة منها الحديث الشريف : " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولاتعجز ...."

ومن الواضح أن حرص الإسلام على الجمع بين نبل الهدف والوسيلة معا نابع من اعتبار التكليف مستمرا وشاملا لأي تصرف معنوي أو مادي وأن للوسائل والاجراءات حكم المقاصد والغايات فليس فى الاسلام فكرة : الغاية الصالحة تبرر الوسيلة الفاسدة، فإن التعبد  شامل للنية والفعل ... ولايعني هذا أن يخلوا الاجراء من محاذير ، بل المراد أن تكون المصلحة أساسية وأن يروي ما فيها من نفع على ما يستتبع  حضولها من محاذير وأن تكون الوسيلة لتحصيلها هي فى ذاتها فعل مشروع بقطع النظر عن اقترأنها بالهدف والغاية .

ومن هنا يتبين أنه لايصلح بحال من الأحوال أن يكون هدفا مشروعا الرغبة فى التكاثر أو التشهي أو العبث أو الافساد ، وهو ما يلحظ استحواذه على معظم التجارب والتصرفات فى هذا المجال بسبب  الحضانة فى بيئات لاتقيم لمعيار الحلال والحرام أي أعتبار .

نخلص مما سبق إلى ان هناك ضوابط ومنارات تحوط وتنظم أي تحكم يتطلع اليه فى معطيات الوراثة . ولعل أهمها البعد عما يشأ عنه تغيير الخلقة كالتصرفات التى تزيد أو تنقص فى الطبيعة الأصلية التى فطر عليها الانسان بداعي التجميل أو الرغبة فى الحسن ، أو غير ذلك من أغراض غير مشروعة ذلك أن هذا  التغيير قد وسمته النصوص الشرعية بأنه استجابة لأوامر الشيطان " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " ولايدخل فى هذا ما يقع لتلافي الضرر والأذى اللاحق بالانسان . أو الناشئ معه بصورة مغايرة للمعتاد فى جنسه أي لايدخل فيه ما يستهدف به العلاج أو الوقاية .

كذلك يجب الحذر من تبديل الفطرة والسجية التى طبع الله الناس عليها من حيث الميول التى تخلق مع الانسان قابلة للخير والشر ومستعده للتأثير الصالح او التغيير المفسد ، والمراد إدانة تلك التصرفات فى السجايا بغير وسائل التقويم المشروعة ، مما يخرج الانسان عن انسانيته المتكافئة فى النوازع ، ليتحول إلى الاستخذاء والطاعة العمياء ، أو التمرد والجموح الشرس .

الاستنساخ

بالرغم من أن التصور الوافي لهذه القضية تكفل به المختصون فيما قدم لهذه الندوة من بحوث علمية فإنه لابد من إعادة التعريف بصورة موجزة ليمكن الربط بين الواقعة وحكمها .

فالاستنساخ أو النسخ يريد به المختصون محاولة تقديم كائن أو خلية او جزئ يمكنه التكاثر عن غير طريق التلقيح ومن غير نقص أو إضافة للمحتوي الوراثي.

هذا التصرف إن كان فى مجال الحيوان وبالاولي فى النبات فانه لون من ألوان التنمية والتثمير لما سخره الله للانسان وفسح له فيه سبل التصرف مما ليس فيه تعذيب ولاتبديل عابث للخلقه ومن وجوه التحكم هذه صور كانت فى عهد التشريع الأول وشملها حكم التقرير والمشروعية لان التصرف فى الحيوان والنبات هو تصرف في المال بما يزيده ويجوده فقد امتن الله على الناس بوجود الخيل والبغال مع أن هذه الأخيرة نتيجة تلاقح مستجلب فيه مخالفة النوع كما ورد الحث على التمكين من عسب الفحل واستنجاب الأعراق وليس هذا من الخلق أو الإبداع في شيء فهو سلوك لاسباب مادية يحدث عنها من النتائج ما قدره الله والكون كله مسخر للإنسان وقد هداه الله لتدبير وجوه الانتفاع به وتوفير خبراته .

أما بالنسبة للإنسان فإن قضية النسب المعدودة إحدي الكليات الخمس الموصي بصيانتها هي إحدي الضوابط الجوهرية التى تعصم من اقتحام المخاطر غير المحصورة والعصية عن السيطرة .

كما لا تخفي خطورة النظر إلى الإنسان كأنه مما يتخذ للتكاثر فيه بما يشبه التمول كأنه من السلع الخاضعة للتنمية وكذلك خطورة المساس بالعلاقة المتينة التى أوجدها الله فى الزواج ليكون من آثاره حصول الأولاد وانتسابهم .

فالاقدام على تطبيق الاستنساخ فى الإنسان لاينفك عن الوقع فى تجهيل الأنساب وانقطاع التناسل الذى ناط الله به القرابة بأنواعها وقد تناول الحظر صورا عديدة تؤدي لجهالة النسب أو لإدخال التنازع فيه فمها حرمه الله :

ـ نفي الانساب الثابته سواء كان النفي من نفس المحمول عليه النسب إذا كان لا يعلم قادحا فى النسب لكنه نفاه باطلا وزورا وهو ما كان معروفا فى الجاهلية باسم " الخلع " بفتح الخاء .

وكذلك إذا كان النفي من غيره وهو ما يستوجب عقوبة القذف أحد الحدود الشرعية المنصوص عليها ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون ) " سورة النور ، الآية 4"

تضييع العائل من هم فى عياله ـ ففي الحديث الذى رواه مسلم فى صحيحة : " كفي إثما أن تحبس عمن تملك قوته " وفى رواية لأحمد " كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " .

ـ تحريم التبني : ـ وهو إخراج النسب من البرط بالحقائق الشرعية إلى محض الادعاء والهوي ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم ) سورة الاحزاب ، الآية 4 "

ـ اختلاط الانساب : ـ سواء حصل بالزني ( ولاتقربوا الزني أنه كان فاحشة وساء سبيلا ) سورة الاسراء /32 أو حصل بالزواج بمن لاتزال فى عدة الغير وفيه الحديث الذى رواه أبو داود والترمذي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " لايحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره " أي إتيان الحبلي من غيره.

ـ كما تناول التحريم كل ما يؤدي إلى قطع التناسل أو إضعافة او تغيير طرقة التى وقعت موقع الفطرة كالاختصاء او الرهبانية او شتي أنواع الشذوذ عن التمتع الحلال.

أضف إلى ذلك ما تقضية مراعاة مبادئ تكريم البشر الذين سخر الله لهم الكون من ان يكونوا محلا للتصرفات المهينة .

ومن هذا يظهر بوضوح أن الاستنساخ فى مجال الانسان هو من مواطن الحظر وان ما يبذل فى سبيل ذلك من جهود هي كذلك الا بالقدر الذى تتطلبه أغراض العلاج والتداوي .

الاستبدال : ـ

لعل هذه الكلمة تصلح للتعبير عما تتطلع إليه المحاولات فى مجال الوراثة بإيجاد ما يعتبر بدائل عن الوضع الاصلي من خصائص وخصال فى الانسان كانت ستظل معه لولا التدخل باستبدال الذى هو أبني بالذي هو خير فى الواقع وإن كان الغرض متجها إلى عكس ذلك …

والاستبدال هو كما عرفه المختصون التعويل على ما للحامض النووي من خصائص ولاسيما خاصة الالتحام عند قصة بحيث يمكن التحكم فى إبدال المورثات من خلال عمليات معقدة يعود تحقق نتائجها إلى تلك الخصائص فى الحامض المذكور .

وبناء على ما سبق من تفصيل فى اعتبار الهدف يختلف الحكم على هذه التصرفات تبعا للقصد فإن اتجه إلى العلاج من علة سواء كانت مرضا وراثيا قائما بالجسم اوانحرافا فى الطبيعة الاصلية او تقاصرا عن القدر المألوف فيها فأنه مما يندرج فى التصرفات المشروعة ان لم يكن على سبيل الوجوب فعلي وجه الندب أو الاباحة لأنه من جنس المأمور به فى نصوص الشريعة الداعية إلى التداوي وإزالة الضرر ودرء المفسدة وتحصيل النفع والحرص عليه .

ولكن ما الحكم إن اتجه القصد أو أدت الوسيلة إلى تغيير الخلقة أو تبديل الفطرة على سبيل العبث والافساد للانحطاط من الخلق السوي إلى أحد طرفي قصد الأمور من المبالغة فى الطباع الحليمة الهادئة المغرقة فى الجانب الخير كالملائكة ، أو الانحراف بالسجايا عنالوضع الطبيعي المحايد المحقق للتوازن إلى صفة العجز والاستخذاء والانقياد اللا إرادي ، أو التوغل فى الميول الشريرة التى تنحدربالانسان فى فطرته من القابلية للخير والشر على حد سواء إلى ان يطرأ مؤثر ما ( فطرة الله التى فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ) " سورة الروم ، الآية 30 "

مما لايساور معه الشك ان فى ذلك تبديلا للفطرة المنهي عن تبديلها وقد حرم الله كل ما يؤثر على الطبيعة الاصلية للانسان سواء كان بأسباب مادية منضبطة كالاسكان والتخدير والاكراه الملجئ أو بأسباب أخري خاصة كالذى يتعاطاه السحرة النافثون فى العقد اوالحسدة هواة الاصابة بالعين او المرجفون وأهل الترحيص على الشر او التثبيط عن الخير باستغلال الهوي الجامح ، أو الطيش البين او الغفلة والسذاجة وما إلى ذلك من المؤثرات المعنوية أو النفسية السلبية او المفسدة فلايقل عن هذه التصرفات فى الخطورة ما يصل اليه الانسان من نتائج بالوسائل المادية المختبرية والاجراءات الطبية فكل من هذا وذاك استجابة لأمر الشيطان ومطاوعة لنزغاته بالقيام بالتصرف المعتبر سببا ينشأ عنه مسببا منسجمة مع ذلك التغيير فإن الله ربط الأسباب بالمسببات والحكم كما يتعلق بالفعل المباشر يتعلق بالتسبب إذا ما توافرت صلة السببية .

 

القواعد الشرعية فى تغيير الخلقة :

جاء فى ذلك آية وحديثان صرحا بأن تغيير خلق الله هو من استجابة الناس لما يأمرهم به الشيطان على سبيل الغواية لهم والاضلال .

أما الآية فهي قوله تعالي : ( وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضاً ، ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ، ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ) سورة النساء /117 ـ 119 "

حيث أشارت الآيات الكريمة إلى أن تبتيك الانعام أي تقطيعها وتغيير خلق الله بمثل قطع الآذان وفقء الأعين هو من المحرمات ومن فعل الشيطان وأثره ….

أما الحديثان فهما ما رواه عياض المجاشعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه : " وإني خلق عبادي حنفاء كلهم ، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وأمرتهم أن يغيروا خلقي ) أخرجه مسلم .

وما رواه ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) أخرجه مسلم أيضا وقد حمل جماعة من المفسرين هذا التغيير على أنه إشارة إلى الوشم وما جري مجراه من التصنع للحسن وهو قول ابن مسعود والحسن البصري والوشم عرز ظاهر الجسم بإبرة ثم حشوة بالكحل أو النئور ( دخان الشحم ) فيخضر ومما يجري مجري الوشم التنمص وهو قلع الشعر من الوجه والتفلج وهو صنع تحزيزات فى الاسنان تفعله المرأة الكبيرة للتشبه بالشابة .

والمعني الذى حرمت لاجله هذه الأمور هو تغيير خلق الله تعالي كما قال ابن مسعود وهو اصح الآراء كما قال القرطبي ورجحة على قوله من تكلف تعليلا لا يشير اليه النص وجعل المعني فى النهي للتدليس وكذلك تظل هذه التصرفات مما تشمله الآيه عند من حمل
 ( التغيير ) على ما حصل لبعض المخلوقات التى هي للاعتبار والانتفاع حيث جعلوها معبودة لأمر الشيطان ، وهذا النهي إنما هو فيما يكون باقيا ، لأنه هو الذى يتحقق فيه تغيير خلق الله ، فأما ما لا يكون باقيا كالكحل والزينة فلاشئ فيه ولايدخل فى هذا المنع .

ومع أنه استثني من النهي الوسم وهو إحداث علامة فى الحيوان بالكي وهو جائز فى غير الوجه فقد اختلف فى خصاء الحيوانات أما الخصاء فى الآدمي فلم يختلفوا فى أنه لايحل ولايجوز ، لأنه مثله وتغيير لخلق الله تعالي وكذلك قطع سائر أعضائهم فى غير حد ولاقصاص . قاله أبو عمر بن عبد البر .

وقد بين الإمام الطبري أن فى هذا الحديث دليلا على أنه " لايجوز للمرأة تغيير شئ من خلقها الذى خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان "

التماس الحسن لزوج أو غيره سواء فلجت أسنأنها أو وشرتها أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها ( فليغيرن خلق الله ) النساء / 119 وذلك يخرج الناس عن فطرة الله فيشمل هذه المعاصي أيضا لأن الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي لأن كل ذلك تغيير خلق الله . قال عياض ويأتي على ما ذكره ( الطري ) أن من خلق باصبع زائدة أو عضو زائد لايجوز له قطعة ولانزعة لأنه من تغير خلق الله تعالي إلا ان تكون هذه الزوائد تؤلمه فلابأس بنزعها عند الطبري ) وغيره .

الاستصفاء : ـ

لعل هذه التسمية تؤدي المراد من عبارة التحكم فى جنس الجنين بعد تشخيصة … فهو من باب الاصطفاء لأحد الجنسين على الآخر .

وإن هذا التحكم إذا ما تم بوسائل صحيحة فهو سائغ كما يسوغ الدعاء بطلب جنس معين ومن المقرر أن ما يحرم فعله يحرم طلبه وإن من شروط الدعاء الا يسأل أمرا محرما.

وقد سأل نبي الله زكريا عليه السلام ان يرزقه الله ذكرا ليصبح وليا يرث من ميراث النبوة وفضلا عن ذلك فما كان يجري على مرأى ومسمع المفسرين والفقهاء وضمنوه بعض كتبهم ما كان يسلكه الناس من وسائل أخري يظنون تأثيرها فى الحصول على هذا المقصود بقطع النظر عن مدي صلتها بالحقيقة .

ومثل هذا المسعي إذا جاء على نطاق إذا جاء على نطاق فردي شخصي لاغبار عليه وهو بمنأي عن توهم منافاته لحصرالعلم بالأرحام فى جملة الأمور الخمسة التى استأثر الله بعملها فإن ذلك العلم ليس حاصلا بوسيلة ولا هو مسبوق بجهل ولا هو محفوف بظن وتردد كعلم الناس فضلا عن أن الآية جاءت فى مورد التحذير مما كان مادة خصبة للكهان والمنجمين ورتب عليها خطورة الجزم بذلك على أنه علم موهوب أما إن كان الإخبار ناشئا عن عادة أو وسائل فأنه ليس فى حيز النفي .

وكما يقول القرطبي المفسر وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالي وحده .

وهنا يثور اشتباه آخر هو المنافاة لإرادة الله وإيجاد الموانع من نفاذ المشيئة كما قيل وهو ادعاء عجيب لأن مراد الله لايعرف للإنسان إلا بعد وقوعه وإرالله تمضي طبقا لما يشاء سبحأنه ولاراد لأمرة وهذا مقتضي العقيدة الايمانية الصحيحة فى مسألة القضاء والقدر فالعلم بالمقدور علما سابقا لوقوعة هو مما اختص الله به ولا يتخلف عنه القضاء الواقع وإن الذى يقع فعلا مهما تخللت من أسباب شتي أو قامت من موانع وصوارف هو المقدور المغيب سواء كان ظهوره إلى علم الشهادة مباشرة للأسباب الظاهرة أو عقب تدخل أسباب غربة عن مجري الأمور المعتادة مما يستدفع به المكروه أو يستجلب به المرغوب وما قواعد الوراثة إلا نظم وأسباب كونية أودعها الله فى مخلوقاته يرفعها متي تعلقت بذلك إرالله سواء كان ارتفاعها حلالا أو حراما ذلك ان الحرام وازعه هو ما في نفوس المؤمنين من منزلة الخطاب والقوي الرادعة عن عصيانة وليس هو الموانع القهرية فى صورة المعجزة أو العقوبة المعجلة ..

والارادة الإلهية نوعان : ـ إرادة كونية نافذة دون الحاجة إلى فعل يقدم عليه المخلوق أو كف يصدر منه بل يسخر الله من الأسباب ما يكفل نفاذ تلك الإرادة وإرادة أخري شرعية تقتضيها النصوص الآمرة أو الناهية وهي نافذة بالالتزام والمراعاة أو معطلة بالتمرد والعصيان أوالإهمال لأنها مناط التكليف وموضوع الخطاب .

وابن تيمية من أشار إلى الفرق بين نوعي الإرادة وأوضح اللبس الناشئ عن عدم التمييز بينهما . وكمثال شرعي مشابه قضية التحكم فى أصل الإنجاب نفسه بالعزل فقد جاء فيه الحديث عن جابر " أن رجلا أتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ان لي جاريه هي خادمنا وسانيتنا فى النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال : أعزل عنها إن شئت فأنه سيأتيها ما قدر لها " أخرجه مسلم فى صحيحه ...

والملحوظ أن أكثر هذه القضايا المطروحة فى ظروف المسلمين الحاضرة ليس فى الواسع سد ذرائعها بمعالجتها عن طريق الحكم التكليفي القاضي بالطلب أو الكف بل أنها تمثل أمامهم من خلال الواقع بخيره وشره ولابد حيئنذ من بحث ما يترتب على ذلك من آثار ( وهو ما يسمي بالحكم الوضعي ) بقطع النظر عن كون الفعل حلالا أو حراما ولايخفي أنه لاتزال أحكام الشريعة هي المطبقة فى هذه القضايا فى العالم الإسلامي كله لأنها من قطاع الأحوال الشخصية .

وان التبعية للغرب الذى لايقيم وزنا للحل والحرمة هي العائق عن تناول هذه القضايا فى بداياتها قبل ان تتفاقم للتعرف إلى الحلال البين والترحيب به والتنبية إلى الحرام البين واجتنابه ، وتبقي بعض المشتبهات التى تتقي ويحتاط فى البعد عنها استبراء للدين والعرض كما أشار إلى ذلك الحديث المعروف .

هذا وان الذى يمدنا بالحلول والمعالجات للآثار والنتائج هو ما في الشريعة من غني مصدره ما بنيت عليه من قواعد ومراعاة معاني النصوص وعللها وهي لاتتناهي ولاتضيق بكل ما يجد من حوادث وقضايا على سبيل التنوية فإن من الصيغ الشرعية التى تتصل بهذه الموضوعات أحكام النسب إثباتا ونفيا وأحكام اللعان وأثر الولادة التى ينشأ عنها النسب بصورة طبيعية مهما كانت ملابسات الحمل حتي باستدخال النطفة بتعبير الفقهاء وقاعدة الولد للفراش وللعاهر الحجر وهو نص حديث صحيح . يعتبر على رأس النصوص الشرعية المنظمة لهذه الزمرة الهامة من أحكام الشريعة .