بسم الله الرحمن الرحيم

آراء فى التلقيح الصناعي

للشيخ بدر المتولي عبد الباسط

    الحمد لله الذى يقول الحق وهو يهدي السبيل والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الرسول الأمين الذى جاء بالحق والصراط المستقيم وعلى آله وصحبه ومن تمسك بسنته واهتدي بهديه إلى يوم الدين .

    وبعد ،،

    فقد أثيرت فىهذه الأيام مسألة أطفال الأنابيب بعد أن أصبحت حقيقة واقعة وكانت من قبل يظن انها مسألة افتراضية وقد اختلفت آراء علمائنا المعاصرين فى بعض الصور واتفقت فى بعضها فاستعنت بالله على بيان هذه الواقعة من جميع نواحيها من ناحية الحكم الشرعي التكليفي من حيث الحل والحرمة وكذلك من حيث الأحكام أي الآثار المترتبة على هذا العمل من ناحية ثبوت النسب وما يتصل به من ميراث وغيره كحل الزواج أو حرمته وما إلي ذلك من الأحكام المترتبة على هذا التصرف .

 

    وباستطلاع آراء أهل الذكر فى هذه المسألة ( وهم الأطباء ) تبين ان هذه المسألة تقع على الصورالآتية : ـ

    الصورة الأولي : امرأة سليمة المبايض ولكن هناك خلل ما في قناة فالوب يمنع وصول البيضة ( البويضة ) من المبيض إلى الرحم فتؤخذ البيضة وتلقح بماء زوجها وتحفظ فترة ما في أنبوب خاص ثم ترد هذه البيضة الملقحة إلي رحم هذه المرأة .

    وهذه لامانع لها شرعا على ان لايتجاوز اطلاع الطبيب المعالج على اكثر مما تفضية الضرورة ... والطفل الذى يولد من هذه العملية ينسب قطعا إلى الزوج وإلى أمه صاحبة البييضة وهي كذلك الحاضنة .

    وعلى أني أتحفظ فى هذه المسألة أيضا وأري وجوب الاحتياط الشديد جدا فى حفظ البيضة من أن تختلط بغيرها من البيضات الملقحة فكلنا يعلم ما يجري في معامل التحليل ( دم وبول إلي آخره ) من أخطاء شنيعة مهما بلغت شناعتها فإنها لا تبلغ شناعة اختلاط البيضات الملقحة بعضها ببعض فإن الخطأ فى اختلاط عينات الدم أو البول لايتجاوز صاحب العينة التي وقع فيها الخطأ بينما أدني خطأ فى اختلاط بيضة ملقحة بأخري يمتد آثارو إلى أجيال وأجيال .

    فإذا فتح هذا الباب فلابد أن يكون هناك رقابة شديدة جدا على من يقوموا بهذه العمليات وإلا فالأولي سد هذا الباب أخذا بمبدأ سد الذريعة على أنه يجب ان يكون مع الطبيب المباشر زوج أو محرم أو مع التسامح الشديد أن لايختلي الطبيب بالمرأة بما يسمح للشيطان أن يدخل بينهما هذا ما أدين الله عليه .

    الصورة الثانية رجل تزوج أكثر من امرأة وكانت إحداهن عقيما مع سلامة مبيضها فتؤخذ بيضتها وتلقح بماء زوجها وترد البيضة الملقحة إلى رحم إحدي ضراتها السليمة الرحم فيتربي فى رحمها حتي يولد .

    ولابد من بيان الآثارالمترتبة على هذه العملية اولا : ليتضح الحكم التكليفي.

ثانيا : ما لاشك فيه أن هذا الطفل ينسب إلى زوج صاحبة البيضة وضرتها التي حملت هذه البيضة الملقحة وهذا أمر واضح لقيام الفراش وهو الزوجية ، أما إلى من ينسب هذا الطفل من ناحية الأم الصاحبة البيضة أم التي حملته ؟ .

    إن الذي أدين الله عليه أن هذا الطفل ابن أو بنت التى حملته لاصاحبة البيضة لقوله تعالي ( إن أمهاتهم إلا اللآئي ولدنهم ) وهذا نص قطعي الثبوت والدلالة ولاسيما أنه جاء على صيغة الحصر فليست صاحبة البيضة إلا كالدجاجة تبيض بيضتها ولكن لاينسب فرخها إليها بل إلى الدجاجة التى حضنته .

    فالفرخ المتخلق من هذه البيضة لايعرف إلا أمه التى حضنته ويقول الله سبحانه وتعالي " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن " فهل صاحبة البيضة حملته وهنا على وهن ؟ وكذلك يقول تعالي " ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها " فهل صاحبة البيضة كذلك ؟

    هذا من ناحية النص ومن ناحية المعني أن البيضة الملقحة إنما نمت وتغذت بدم التى حملتها وتحملت الأم الحمل وآلام المخاض ... فهل يعقل أن ينسب الولد لغيرها؟

 

    وعليه فهذا الولد ابن لهذه التى حملته وولدته ويأخذ كل أحكام الولد بالنسبة لأمه والأم بالنسبة لولدها من حيث الميراث ووجوب النفقة والحضانة وامتداد الحل والحرمة إلى أصولها وفروعها وحواشيها إلى غير ذلك .

 

    بقي الكلام علىعلاقة صاحبة البييضة كالأم المرضعة وذلك لأن الحنفية اعتبروا علة التحريم فى الرضاع هي الجزئية أو شبهتها فأقل ما يقال إن هذا الطفل فيه جزئية من صاحبة البيضة توجب حرمة الرضاعة .

 

    على أني لا أستريح إلى هذا التخريج وأري أن عملها هدر لاتترتب عليه أحكام .

 

    ألا تري أن امرأة ما لو غذت طفلا رضيعا بدمها بالطرق المعروفة الآن هل يثبت بين صاحبة الدم وبين هذا الطفل حرمة الرضاع ؟ والذى يبدو لي من قوله تعالي " وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم " إن الإرضاع فيه معني الجزئية .

 

    والذى أقطع به أن هذه المرأة لاتتجاوز أن تكون زوجة أب هذا الطفل ، أما ما وراء ذلك من تعلق حرمة الرضاع بها بأصولها وفروعها وحواشيها فأمر موهوم أكثر مما هو مظنون .

 

    وإن القول الذى ذهب إليه بعض الباحثين فى هذه المسألة بأن الأم هي صاحبة البيضة قول مردود للأدلة النقلية والعقلية السابقة ولما يترتب عليه من آثار خطيرة من أن امرأة تبيض وأخريات يحملن ويتألمن ويعانين آلام الحمل والمخاض ثم لايتمتعن حتى ولا بصفة  الأمومة... ويمكن لمثل هذه المرأة أن لها في كل شهر جنينا أو أجنة.

 

    ومن هنا يتبين أن الآثار المترتبة على هذا التصرف خطيرة وهذا يرجح القول بحظر هذه العملية لما يترتب عليها من مشاكل أو علي أقل تقدير الاشتباه بعلاقة هذا الطفل بصاحبة البييضة . والله أعلم .

 

    الصورة الثالثة : أن تلقح بييضة امرأة ما بماء غير ماء زوجها ثم ترد إلى رحمها.

 

    فهذه الصورة محرمة قطعا لما فيها من اختلاط الأنساب ، . ولكن هل يقام حد الزنا فى هذه الصورة ؟ الجواب لا ولكن يعزر كل من اشترك فى هذه العملية تعزيرا شديدا .

 

    ثم إلى من ينسب هذا الولد ؟ والجواب أن هذه المرأة إن لم تكن زوجة فالولد ينسب إليها كولد الزنا ولاينسب إلى صاحب الماء لأن ماءه هدر أما إذا كانت زوجة فقد حسم رسول الله صلي الله عليه وسلم هذه القضية بقوله " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فينسب ويلاعن هذه الزوجة ويفسخ النكاح بينهما ويقطع نسب الولد من الزوج ويلحق بأمه فقط .

 

    وإن علم أنه ليس منه ورضي به ثبت نسبه منه ولكن يكون آثما وعلى بنات هذا الرجل وأخواته أن يحتجبن من هذا الولد إن كان ذكرا وإن كانت أنثي فللاحتياط لايتزوج أبناء هذا الرجل منها والأصل فى ذلك أن رسول الله بالرغم من أنه ألحق ابن وليدة زمعة إلا أنه قال لزوجته أم المؤمنين سودة رضي الله عنها احتجبي عنه ياسودة بالرغم من أنه ألحقه بزمعة أبيها .

 

    ولعلي أكون قد بينت ما في هذه المسألة من صور وإشكلات فإن كنت قد وفقت فى ذلك فذلك من الله وإلا فمني ومن الشيطان . والله أعلم .