الجهاز المناعي للدماغ

يتألف الجهاز المناعي للدماغ من خلايا تدعى الخلايا الدبقية المكروية (الصغرية) تكون في الحالة السوية دفاعية لكنها يمكن أن تصبح هدامة بشكل مذهل. كما يمكن لهذه الخلايا أن تسهم في حدوث
بعض الأمراض التنكسية العصبية والخرف الناجم عن الإيدز..

.J.W سترايت - .A.C كينكايد - كولتون



عندما يفحص علماء البيولوجيا مجهربا نسجا سليمة مأخوذة من الدماغ أو النخاع (الحبل) الشوكي ، فإنهم قلما يرون خلايا الدم البيضاء التي هي أهم جنود الجهاز المناعي، والسبب وجيه ، فمع أن خلايا الدم البيضاء تضطلع بدور المدافع ضد الخمج infection والسرطان، فإنها تستطيع كذلك أن تفرز مواد قادرة على قتل العصبونات الخلايا العصبية) neurons التي لا تعوض. ويقلل الجسم من هذا التخريب بالحد من عبور الخلايا المناعية من الأوعية الدموية إلى الجهاز العصبي المركزي فالخلايا البيضاء هذه لا تتسلل عموما إلى داخل النسج العصبية إلا حينما تتأذى الأوعية الدموية بسبب الرضح (الرض) trauma ، أو المرض. 

وقادت مثل هذه المشاهدات إلى الاعتقاد الذي ساد في السابق بأن الجهاز العصبي المركزي تنقصه الحماية المناعية.. أما اليوم فقد أثبت الباحثون أن تلك الخلايا المدهشة المسماة الخلايا الدبقية (الدبقيات) المكروية microglia تشكل هناك شبكة دفاعية واسعة الانتشار. وتقوم الخلايا الدبقية المكروية (الصغرية) بعملها في أكثر الأوقات دونما إيذاء للعصبونات. إنما تتزايد الأدلة المشيرة إلى أن هذه الخلايا تفقد صفتها الحميدة أحيانا. وفي الواقع فهناك من الدلانل ما يشير إلى أنها يمكن أن تساعد على حدوث أو تفاقم عدة حالات مسببة للعجز، كالسكتة الدماغية stroke وداء الزايمر Alzheimer's disease والتصلب المتعدد (المنتثر) multiple sclerosis واضطرابات تنكسية عصبية أخرى .

 إن الخلايا الدبقية المكروية تنتمي إلى صنف خلوي هو الدبق glia المشتق من الكلمة الإغريقية (glue ، أي الغراء)، وقد تم تعرفه لأول مرة في القرن الماضي. وفي البداية أعتقد البيولوجيون خطأ أن الدبق يتألف من وحدة بنيوية واحدة ويؤدي دورا عديم الأهمية كمعجون يتوضع ما بين العصبونات في الدماغ والنخاع الشوكي . وبحلول العشرينات من هذا القرن تمكن العلماء بمساعدة المجاهرمن تحديد ثلائة أنماط من الخلايا الدبقية: الخلايا النجمية astrocytes  والخلايا القليلة التغصنات oligodendrocytes والخلايا الدبقية المكروية. وبحلول السبعينات، اتضح أن النمطين الأولين على الأقل يضطلعان بمسؤوليات هامة. 

فمثلا وجد أن الخلايا النجمية- وهي كبرى الخلايا الدبقية من حيث الجسم الخلوي- ترتشف جزئيات الناقل العصبي الفائضة حول العصبونات، حامية بذلك هذه العصبونات من استقبال قدر مفرط من التنبيه أنظر: "الخلايا النجمية للدبق العصبي  العلوم العد د 7 (1990)، ص 48. كما تبين أن الخلايا القليلة التغصنات، والتي تلي سابقتها من حيث الحجم، تولد غمد النخاعين (الميلين) myclin الذي يعزل المحاوير axons (وهي استطالات ممتدة من أجسام العصبونات وتحمل الإشارات الكهربائية). وقد خمن بعض الباحثين بأن يكون للخلايا الدبقية المكروية الأضأل حجما دور مناعي خاص، إنما لم تتوافر الأدوات اللازمة لإثبات هذا التخمين حتى الثمانينات من القرن الحالي. 

نشأت الفكرة أساسا نتيجة لبحوث مكثفة أجراها P. ديل ريو أورتيكا في أوائل القرن العشرين. ونذكر أن هذا الباحث هو تلميذ سابق لعالم التشريح الإسباني الشهير: سانتياكو رامون كاجال. ففي العام 1919 طور ديل ريو- أورتيكا مادة ملونة تعتمد على كربونات الفضة، أتاحت إمكان تمييز الخلايا الدبقية المكروية عن العصبونات والخلايا النجمية والخلايا القليلة التغصنات في  الشرائح الرقيقة لأدمغة الثدييات. وفي فترة لاحقة أمضى هذا الباحث أكثر من عقد من الزمن محاولا تعلم كل ما أمكنه عن هذه الخلايا الغريبة.
وتوصل ديل ريوأورتيكا إلى أن الخلايا الدبقية المكروية تظهر بادىء ذي بدء في الدماغ المتنامي كأجسام عديمة الشكل ، ثم لا تلبث في نهاية الأمر أن تتمايز Differentiate إلى أشكال شديدة التفرع (التشعب) تسكن كل أنحاء الدماغ وتلامس العصبونات والخلايا النجمية إنما لا تمس إحداها  الأخرى. ورأى كذلك بأن هذه الخلايا تستجيب بشكل مثير إذا ما أصيب الدماغ  بأذية شديدة. فقد لاحظ مثلا بأن الخلايا المتفرعة تسحب فروعها الدقيقة استجابة لجرح طاعن، بحيث بدت وكأنها تعود لهيئتها المتكورة غير الناضجة. 

وفي هذه الحالة الأخيرة رأى ديل ريو- أورتيكا أن الخلايا الدبقية المكروية تشبه البلاعم (البلعميات الكبيرة)  ، التي هي شكل من أشكال خلايا الدم البيضاء الموجودة في النسج خارج الدماغ. كما عرف أيضا بأن البلاعم حينما تستشعر حدوث أذية أو خمج في النسج فإنها تهاجر إلى المنطقة المصابة حيث تتكاثر وتصير شديدة البلعمة، أي إنها تغدو خلايا قمامة (جامعة فضلات) تستطيع ابتلاع وتقويض الميكروبات (الجراثيم) والخلايا الميتة. وبحلول العام 1932 استطاع هذا العالم أن يفترض بأن تكور الخلايا الدبقية الناضجة إنما يعكس تحولها الشكلي إلى الحالة البلعمية. وبكلمات أخرى اعتقد ديل ريو أورتيكا بأن الخلايا الدبقية المكروية هي بلاعم الجهاز العصبي المركزي.

تأييد لدور مناعي
ومع أن أفكار ديل ريو أورتيكا كانت معقولة ، فإن قلة من العلماء تابعتها في الخمسين سنة اللاحقة. ويعود ذلك على الأغلب إلى أن الطريقة التي اتبعها أورتيكا " في التلوين أثبتت عدم موثوقيتها. فمن دون وجود طريقة موثوقة لتمييز الخلايا الدبقية المكروية عن سائر الخلايا، لا يستطيع أحد أن يعرف الكثير عن وظائفها. ولم يسقط هذا الحاجز إلا في الثمانينات من هذا القرن بعد أن شرع ، .H.V بيري وزملاؤه (من جامعة إكسفورد) بتقصي مقدرة الأضداد الوحيدة النسيلة monoclonal antibodies .

توحي البحوث المجراة على الخلايا الدبقية المكروية المستنبتة
وفي الأدمغة المريضة بأن هذه الخلايا تؤذي أحيانا
العصبونات الموكل إليها حمايتها.

 على الارتباط بالخلايا الدبقية المكروية. ويتعرف كل ضد من الأضداد الوحيدة النسيلة هدفا بروتينيا شديد النوعية ، أو ما يسمى مستضدا antigen. وتوصلت هذه المجموعة إلى أنه إذا ما وجدت مثل هذه الأضداد أهدافا لها على الخلايا الدبقية المكروية- من غير أن تكون هذه الأهداف موجودة على الخلايا الأخرى للجهاز العصبي المركزي- فإنه يمكن استخدامها كنوع جديد من الملونات بمجرد وسمها بمادة يمكن الكشف عنها ، من أمثال المركبات الومضانية (المفلورة) fluorescent. 

وفي العام 1985 بينت مجموعة بيري أن الأضداد الوحيدة النسيلة المختلفة التي أنتجتها مجموعات أخرى تستطيع حقا أن تميز الخلايا الدبقية المكروية في النسيج الدماغي. وسرعان ما توافر مزيد من الأضداد التي تستطيع أداء مثل هذا الغرض. وبتوافر هذه الأضداد إضافة إلى ابتكار طرائق جديدة للمحافظة على تجمعات نقية من الخلايا الدبقية المكروية في المستنبتات في أواسط الثمانينات- أمكن مؤخرا تفحص فاعليات هذه الخلايا بالتفصيل. 

فعلت الأضداد ما هو أكثر من تحديد هذه الخلايا وإظهارها إذ قدمت كذلك دعما قويا لفكرة كون هذه الخلايا تلعب دور مدافعات مناعية في الدماغ والنخاع الشوكي. فقد تمكنت الأضداد المختلفة التي تتعرف البروتينات الموجودة حصرا على خلايا الجهاز المناعي دون غيرها، أن تعثر على أهداف لها على الخلايا الدبقية المكروية. وأكثر من ذلك فقد بينت أضداد معينة أن هذه الخلايا ربما سلكت سلوك البلاعم.

 وتعتبر البلاعم وبعض أقرانها خلايا عارضة (مقدمة) للمستضد ) antigen presenters حيث تقوم بتقطيع البروتينات التي تصنعها الميكروبات لتعرض هذه القطع في خزائن عرض جزيئية تعرف باسم مستضدات التوافق النسيجي الرئيسة من الصنف الثاني class 11 major histocompatibility antigens. وتساعد مثل هذه المعروضات على حث خلايا مناعية أخرى على شن هجوم شامل ضد الغزاة. وفيما بين عامي 1985 و 1989 بين باحثون آخرون من مختلف انحاء العالم أن الأضداد الوحيدة النسيلة القادرة على الارتباط بمستضدات التوافق النسيجي الرئيسة من الصنف الثاني ، غالبا ما ترتبط بكفاءة بالخلايا الدبقية المكروية. وعنى هذا السلوك أن الخلايا الدبقية المكروية- وعلى عكس الآراء السائدة- تولد مستضدات توافق نسيجي رئيسة من الصنف الثاني، وبالتالي فإنها ربما كانت في حد ذاتها خلايا عارضة للمستضد. 

وتنسجم نتائج الأضداد تماما مع البحث الذي أجراه ، W.G. كروتزبيري، وزملاؤه، من معهد ماكس بلانك للطب النفسي في مارتنسريد. فقد قامت المجموعة الألمانية- وهي إحدى المجموعات القليلة ذات الباع الطويل في الاهتمام بوظيفة الخلايا الدبقية المكروية- باختبارمقدرة الخلايا الدبقية المكروية على أن تسلك سلوك البلاعم لدى مواجهتها لعصبونات شديدة التأذي في أدمغة القوارض. وفي الوقت نفسه اختبرت المجموعة صحة مقولة بعض الباحثين بأن الخلايا الدبقية المكروية لا تعيش في الجهاز العصبي المركزي على الإطلاق، بل هي عبارة عن وحيدات (خلايا وحيدة) monocyles تفيض إلى داخل الدماغ أو النخاع الشوكي حينما تتأذى الأوعية الدموية في النسج العصبية. وقد كان من الصعب دحض هذا الادعاء، لأن الأضداد والملونات التي تتعرف الخلايا الدبقية المكروية تتعرف كذلك البلاعم المشتقة من الوحيدات التي في الدم.

 طبق كروتزبيري وزملاؤه طريقة بسيطة لحل المعضلتين معا. ففي البداية توجهوا للعصبونات ذات الأجسام الخلوية. المتوضعة في الدماغ والمحاوير المنتهية في العضلات خارج الدماغ. فقاموا بحقن ذيقان في موضع بالقرب من نهايات المحاوير وسمحوا لهذا السم أن يسري من خلال العصبونات ويقتلها من دون أن يؤثر في الأوعية الدموية. ضمنت هذه الطريقة البارعة أن تكون جميع الخلايا الشبيهة بالبلاعم والمستجيبة للأذية هي من الخلايا المقيمة في النسيج الدماغي وليست متسللة إليه من الدم. وأخيرا قامت المجموعة بفحص المنطقة المحتوية على بقايا العصبونات المتأثرة ، فتبين بتحليل النسج المأخوذة من عدة حيوانات بأن الخلايا الدبقية المكروية تهاجر بالفعل نحو العصبونات الميتة وتتكاثر وتزيل هذه الخلايا. وباختصار فإن الخلايا الدبقية المكروية هي البلاعم الخاصة بالدماغ.

 واليوم فقد ساعدت التجارب المجراة على مجموعات نقية من الخلايا الدبقية  المكروية في المستنبتات على إقناع أكبر المشككين بأن الخلايا الدبقية المكروية هي الجنود المناعية التي ظنها ديل ريو- أورتيكا كذلك. وأكدت هذه الدراسات أن تلك الخلايا هي غاية في الحركية- وهي خاصية أساسية بالنسبة لخلايا يفترض فيها سهولة التحرك باتجاه المناطق المتأذية في الدماغ. كما بينت هذه الأبحاث أيضا بأنه يمكن تحريض الخلايا الدبقية المكروية على إنتاج تشكيلة واسعة من المواد الكيميائية التي تصنعها البلاعم في النسج الأخرى.

كيف تسلك الخلايا الدبقية المكروية السوية

 وهكذا فقد سوغت البحوث المجراة حديثا قناعة ديل ريو أورتيكا بالخصائص المناعية للخلايا الدبقية المكروية. كما أوضحت هذه الدراسات آلية عمل هذه الخلايا في الجهاز العصبي المركزي الصحيح والمريض على حد السواء.

 وتعد الخلايا الدبقية المكروية حيوية للتنامي الناجح للجنين، إذ يمكنها أن تفرز عوامل نمو هامة لتكوين الجهاز العصبي المركزي، إلا أن دورا آخر لهذه الخلايا أمكن تحديده بشكل مؤكد. فالجنين أثناء نموه ينتج كمية من العصبونات والخلايا الدبقية تفوق حاجته. وبمرور الوقت تموت الخلايا غير المستخدمة وتقوم الخلايا الدبقية المكروية الفتية- التي لا تزال على هيئتها الأولية غير المتفرعة- بإزالة هذه المواد الميتة. 

وفيما يتم تشكل الجهاز العصبي المركزي تختفي الحاجة إلى تقويض الأعداد الكبيرة من الخلايا، ومن ثم يبدأ تمايز differentiatiation الخلايا الدبقية المكروية لتأخذ شكلها في حالة الاسترخاء ذا التفرعات الغزيرة. ويسهل هذا التحول البنيوي على الخلايا الدبقية المكروية عملها الذي يتلخص بفرض رقابة صارمة على صحة الخلايا التي تقع بجوارها. ومع أنه لا يعرف بعد الكثير عن الوظائف الأخرى للخلايا الدبقية المكروية المستريحة، فإن الأدلة غير المباشرة تشير إلى إفراز هذه الخلايا لمستويات منخفضة من عوامل النمو التي تعزز في هذه المرحلة بقاء العصبونات والدبق الناضجين. وقد تتضمن هذه العوامل عامل نمو الأرومات الليفية fibroblast growth factor وعامل النمو العصبي- وهما بروتينان استطاع الباحثون حث الخلايا الدبقية على إفرازهما في المستنبتات.

 أما الأمر المؤكد فيتمثل في أن الخلايا الدبقية المكروية المستريحة تستجيب بشكل فوري تقريبا (خلال دقائق) للاضطرابات في محيطها المباشر، حيث تستعد للإحاطة بالعصبونات أو الخلايا المتأذية الأخرى. أما العلاقات الخارجية لمثل هذا التحول فتتمثل بانسحاب فروعها، وبتغيرات شكلية أخرى، وبإنتاج بروتينات لم تكن موجودة سابقا، إضافة إلى ازدياد ملحوظ في اصطناع بروتينات كان يتم اصطناعها في السابق بكميات قليلة. فمثلا يتعززبشكل واضح تعبير expression  مستضدات التوافق النسيجي الرئيسة. لكننا لا نعرف بعد فيما إذا كانت الخلايا تفرز المزيد من عوامل النمو، غير أنها يمكن أن تنحو هذا النحو في محاولة منها لإصلاح العصبونات المتأذية. 

ويبدو أن الشكل الذي تأخذه الخلايا الدبقية المكروية المنشطة حديثا يعتمد إلى حد كبير على الهندسة البنيوية للمنطقة التي تعيش فيها هذه الخلايا. فإذا كانت المنطقة غنية بشكل أساسي بالمحاوير، فإن هذه الخلايا تميل لأن تصبح متطاولة ودقيقة حتى. تصلح للعمل بين الاستطالات. أما إذا كان هناك متسع للمناورة كما هو الحال في. معظم أرجاء الدماغ، فإن هذه الخلايا غالبا ما تأخذ شكلا شجيريا bushy 

إن الخلايا المنشطة لا تصير بلعمية بشكل تلقائي ، إذ أنها قد تعود لحالة الاسترخاء إذا ما كانت الأذية التي تواجهها خفيفة الوطأة أو عكوسة . أما إذا كانت الأذية شديدة إلى حد يقتل العصبونات فإن الخلايا البقية المكروية تباشر مهمتها كبلاعم مكتملة الفاعلية . أما المصير النهائي لهذه البلاعم فليس واضحا ، ولكن تحرى الخلايا الدبقية المروية في المستنبتات وفي الأدمغة المريضة يوحي بأن هذه الخلايا تتحول أحيانا لتؤذي العصبونات التي يفترض أن تقوم بحمايتها . 

إن الاشتباه باحتمال إسهام الخلايا الدبقية المكروية في الاضطرابات العصبية أثاره جزئيا ما سبق ذكره من اكتشاف أن هذه الخلايا يمكن أن تطلق العديد من الوسائط الكيميائية المماثلة لتلك التي تبثها البلاعم خارج الجهاز العصبي المركزي ـ ويكون بعض هذه المواد خطرا على الخلايا إلى حد حتمية قتله للعصبونات في حال إنتاجه بكميات كبيرة. فمثلا وجدت إحدانا(كينكايد- كولتون) بالاشتراك مع زملائها (في جامعة جورج تاون) أنه حينما تتعرض الخلايا الدبقية المكروية المنشطة في المستنبتات لمكونات بكتيرية معينة فإنها تقوم شأنها شأن البلاعم الأخرى بتوليد جزئيات شديدة التدمير تعرف بالأصناف الأكسجينية الارتكاسيةreactive oxygen species. ومن هذه المركبات الأنيون الفائق الأكسيد وجذر الهيدروكسيل (أحد أشد المركبات سمية في الجسم)   hydroxyl radicalويبروكسيد الهيدروجين hydrogen peroxide. وتستطيع هذه المركبات إضافة إلى قتلها الميكروبات، إتلاف الأغشية والبروتينات والدنا في العصبونات والخلايا الأخرى. 

تنتج الخلايا الدبقية المكروية والبلاعم العالية التنشيط مركبات أخرى ذات قدرة تدميرية، نذكر منها الإنزيمات المسماة البروتيازات proteases التي تهضم البروتينات وتستطيع فتح ثقوب في الأغشية الخلوية. إضافة إلى هذا، تشتمل هذه الخلايا- على الأقل- على جزيئين مرسالين متعددي الإمكانات، أو ما يسمى بالسيتوكينات cytokines يمتلكان القدرة على إذكاء التفاعل الالتهابي inflammation وذلك لأن هذه السيتوكينات، التي تضم بينها الإنترلوكين  interleukin. 1 وعامل نخر الورم م tumor necrosis factor كثيرا ما تساعد على استقدام عناصر جديدة من الجهاز المناعي إلى موضمع الأذية.  انظر: "عامل نخر الورم العلوم العدد 6 (989 1)، ص 80 قد يكون التفاعل الالتهابي ضروريا لاستئصال شأفة الأخماج والسرطانات الناشئة، ولكن قد يكون له أيضا تأثيرات جانبية خطرة تؤدي إلى أذية الخلايا غير المخموجة. وفي بعض الظروف تستطيع السيتوكينات إيذاء العصبونات بشكل مباشر، كما يستطيع عامل نخر الورم أن يقتل الخلايا القليلة التغصنات. 

إن إمكان قيام الخلايا الدبقية المكروية باصطناع جميع هذه المواد في المستنبتات لا يبرهن على أن هذه الخلايا تستطيع، " تعطيل الدماغ الحي. وفي الواقع يسيطر الجهاز العصبي المركزي على الخلايا " الدبقية المكروية بشكل محكم بحيث يجبرها على إبقاء مفرزاتها المقلقة في الحدود  الدنيا، حتى أثناء استجابتها للأذية أو المرض، ولولا ذلك ما عاش إنسان يمتلك خلايا دبقية مكروية في كل مكان من دماغه. ومع ذلك توحي البحوث بتراخي السيطرة هذه في بعض الاضطرابات العصبية، إما بسبب عيب في الخلايا الدبقية المكروية نفسها أو بسبب آلية مرضية أخرى تتسبب في إضعاف الرقابة السوية على سلوك هذه الخلايا.

الخلايا الدبقية المكروية والمرض

لا شك بأن لنشاط الخلايا الدبقية (الدبقيات) المكروية المفرط دورا في الخرف (العته) الذي يصيب أحيانا مرضى الإيدز. ففيروس عوز المناعة البشري human immunodeficiency virus الذي يسبب هذا المرض، لا يهاجم العصبونات إنما يخمج الخلايا الدبقية المكروية. وقد تبين أن مثل هذا الغزو يحث الخلايا الدبقية المكروية على إنتاج مستويات مرتفعة من السيتوكينات الالتهابية والجزيئات الأخرى السامة للعصبونات.

 ويمكن أن يلعب التنظيم المختل للخلايا الدبقية المكروية دورا في داء الزايمر أيضا فأدمغة هؤلاء المرضى تتميز بوجود أعداد كبيرة من اللويحات الشيخية senile plaques وهي مناطق غير سوية تحتوي على ترسبات من قطع بروتينية تدعى المادة النشوانية البيتاوية beta amyloid ممزوجة بخلايا دبقية مكروية وخلايا نجمية ونهايات عصبونية متأذية. ويعتقد أن هذه اللويحات تسهم في موت العصبونات الذي يسبب تردي الحالة العقلية في داء الزايمر. أما كيفية إيذاء اللويحات للعصبونات فغير معروفة وتبقى ، موضع جدل ساخن. ويشتبه كثير من الباحثين في أن المادة النشوانية البيتارية هي مصدر المشكلة. في حين نعتقد نحن بأن المادة النشوانية البيتاوية يمكن أن تؤذي أن خلال تأثيرها في الخلايا الدبقية المكروية. فمثلا، يتضح الآن أن مستويات الإنترلوكين 1 والسيتوكينات الأخرى التي تصنعها الخلايا الدبقية المكروية أحيانا، ترتفع في اللويحات الشيخية. ويعني مثل هذا الارتفاع أن شيئا ما (ربما كان المادة؟ النشوانية البيتاوية) يدفع بالخلايا الدبقية المكروية في اللويحات إلى حالة من الفعالية المفرطة. وفي هذه الحالة يفترض أن تقوم هذه الخلايا أيضا بإطلاق أصناف مؤكسجة وإنزيمات مفككة للبروتين تستطيع بوساطتها تخريب العصبونات.

 كما توحي مكتشفات أخرى بأن الخلايا. الدبقية المكروية يمكن حتى أن تسهم بتشكيل اللويحات. ويبدو أن هذه الخلايا تستجيب للأذية فى الجهاز العصبي المركزي بصنع شكل من أشكال البروتين طليعة النشواني amyloid precursor وهو الجزيء الذي يعطي المادة النشوانية البيتاوية حينما تنشطر بطريقة معينة. وأكثر من ذلك، فقد أظهرت الدراسات على هذه الخلايا في المستنبتات أن الإنترلوكين يؤدي بالخلايا المختلفة الأخرى (بما في ذلك العصبونات ربما) إلى إنتاج جزيئات طليعة نشوانية. وفي النهاية تعزز الأصناف الأكسجينية الارتكاسية التي تصنعها الخلايا الدبقية المكروية ، تكدس القطع (الشدف) fragments النشوانية. 

وهكذا يسهل علينا تصور إمكان حدوث حلقة مفرغة إثر قيام منبه ما بزج الخلايا الدبقية في حالة فعالية مفرطة. فإذا ما صنعت هذه الخلايا بروتين طليعة النشواني، يمكن عندئذ لبروتيازاتها أن تنشطر بدورها ذلك الجزيء ليعطي المادة النشوانية البيتاوية. وفي الوقت نفسه يمكن للإنترلوكين 1 أن يستحث كذلك خلايا أخرى على إنتاج المادة النشوانية. ومن ثم يمكن للأصناف الاكسجينية الارتكاسية أن تسبب تكتل المادة النشوانية المنطلقة من الخلايا الدبقية المكروية أو مجاوراتها. ويمكن لهذا التكتل أن يؤدي بدوره إلى تنشيط خلايا دبقية مكروية إضافية، وبالتالي إلى توليد المزيد من المادة النشوانية وتشكيل المزيد من اللويحات، وهكذا دواليك.

 يكتسب المصابون بمتلازمة داون (المنغولية) Down's syndrome الولادية أعدادا مرتفعة من اللويحات الشيخية في أدمغتهم، وفي وقت أبكر منه عند مرضى  داء الزايمر. ولما كانت التبدلات الدماغية في كلتا الحالتين على قدر كبير من التشابه، بدأت كينكايد - كولتون وزملاؤها بسبر احتمال قيام الخلايا الدبقية المكروية بالتسبب في الأذية الدماغية عند هؤلاء المرضى. وقد قدموا بعض الدعم لهذه الفكرة عبر دراسات أجريت على فئران تحمل عيبا جينيا مشابها للعيب المسؤول عن حدوث متلازمة داون لدى الإنسان. تكون الخلايا الدبقية المكروية لدى هذه الأجنة المكتملة غزيرة وارتكاسية بشكل غير عادي. يضاف إلى ذلك أن الخلايا الدبقية المكروية لدى الفئران "الداونية" تطلق كميات زاندة من الأصناف الأكسجينية الارتكاسية والإنترلوكين 1 والسيتوكينات الأخرى التي يمكن أن تضر بالنسيج العصبي. 

يفقد ضحايا السكتة الدماغية عصبونات تهضمها الخلايا الدبقية المكروية ذات النشاط المفرط، وذلك حسبما تشير التجارب التي أجراها أحدنا (سترايت) ومعاونوه في جامعة فلوريدا) على الجرذان. فحينما ينسد أحد الأوعية الدموية المغذية للدماغ الأمامي forcbrain سرعان ما يموت النسيج الدماغي المعتمد على ذلك الوعاء. ويموت كذلك في غضون الأيام القليلة التالية عصبونات حساسة تقع في جزء من المنطقة المحيطة بالإصابة، تدعى المنطقة CAI من الحصين hyppocampus. وقد اكتشفت مجموعة " سترايت أن الخلايا الدبقية المكروية تنشط في غضون دقائق قليلة من بدء الإصابة وقبل موت العصبونات الحصينية بزمن. (يتضح هذا التنشيط في التبدلات الشكلية والازدياد في قابلية تلون هذه الخلايا). هذا ونستطيع أن نتصور أنه إذا ما تحسست الخلايا الدبقية المكروية الخطر فإنها تحاول حماية العصبونات غير الشروع في إفراز ، أو زيادة إفراز، عوامل نمو ذات قدرة كامنة على إصلاح الأذيات. ولكن من المحتمل أيضا أن تؤدي الكيمياء المتبدلة في المنطقة إلى حل الكوابح السوية على سلوك الخلايا الدبقية المكروية ، مما يدفع هذه الخلايا إلى حالة " تصبح معهاخطرة. 

وتشير الأدلة الأولية إلى احتمال مشاركة " الخلايا الدبقية المكروية في مرض التصلب " المتعدد (المنتثر) وداء باركنسون Parkinson's disease والتصلب الجانبي الضموري (داء كهربك) amyotrophic lateral sclerosis. كما تتبدل الخلايا الدبقية المكروية بتقدم العمر، ويتضح ذلك من زيادة عرض مستضدات التوافق النسيجي الرئيسة على سطوحها. وقد يكون في هذا إشارة إلى تراخي الكوابح التي تحد من تحول هذه الخلايا إلى الحالة النشطة الخطرة بمرور الزمن. وسيؤهب تراخي هذه الضوابط من  دون شك لتخريب العصبونات وبالتالي سيسهم في اضمحلال الذاكرة والشيخوخة. 

الأخبار السارة

إن قدرا جيدا من البحوث حول الصلة ما بين الخلايا الدبقية المكروية والاضطرابات الدماغية يسم هذه الخلايا بالشر، إلا أن المعطيات المتوافرة تحمل بعض التضمينات المشجعة فإذا كان للخلايا الدبقية المكروية دور محوري بحق في الأمراض العصبية ، فقد يكون بالإمكان التخفيف من هذه الحالات باللجوء إلى التثبيط النوعي لهذه الخلايا أو بإبطال فعالية منتجاتها. وبالفعل، فقد بدىء باختبار المعالجات الدوائية التي تخدم هذه الغايات على المرضى المصابين بداء الزايمر.. فمثلا، تجرى الآن بعض الدراسات المحدودة لاختبار سلامة ونجاعة مادة مضادة للالتهاب قادرة على تثبيط الخلايا الدبقية المكروية المنشطة. وعلى النقيض من ذلك، فقد يستطيع العلماء الاستفادة من النواحي الدفاعية لهذه الخلايا في محاولة لتعزيز إنتاجها لعوامل النمو.
 منذ عشر سنوات أنكر بعض الباحثين مجرد وجود الخلايا الدبقية المكروية . ومنذ خمس سنوات كان معظم الأطباء يضحكون إذا ما أشار أحد إلى أن هذه الخلايا يمكن أن تؤدي دورا محوريا في تطور داء الزايمر والحالات التنكسية الأخرى في الدماغ ، أما اليوم فإن الشكوك أخذة بالاضمحلال. وفي الواقع فقد غدا العديد من الباحثين على ثقة بأن دراسة الخلايا الدبقية ستقدم في النهاية معالجات جديدة لبعض من أكثر الأمراض " المفجعة التي تصيب البشر.

والتي يمكن تجميعها على شيبة واحدة. إنها مسالة وقت فقط، ويتوتع إنتاج الأدوات الإلكترونية الجديدة في وقت قريب. 

في السابق، وخلال مواجهة الباحثين لمشكلة محدودية طريقة الترقيق، فإن عددا منهم قد توصل خطأ إلى أن السليكون كان يقترب من نهاية حياته كمادة إلكترونية. في غمرة هذا الواقع، صادفتني صورة معفقة على حائط مكتب صديق لي، رسمت فيها الأضواء الخلفية لسيارة وقد اخحتفت- هذه الأضواء- تحت غيمة من دخان العجلات ، وكتب عليها عبارة: "زرنيخيد الكاليوم يترك السليكون في الغبار" في الحقيقة ، إن العكس تماما هو الصحيح. وأود هنا أن أذكر أن فريقنا قد بين - بشكل واضح- أن السليكون لا يزال إلى حد كبير في ميدان السباق، وأن المراهنة على أنه لن يستمر طويلا ، في نجاحه مراهنة خاسرة.