ملحق رقم (3)

ب. جينيت

موت الدماغ

 

ب. جينيت

الموت عملية أكثر منه حادثة. والنقطة التي يمكن عندها، في هذه العملية، أن نعلن الوفاة بيقين إنما هي أمر يحدده المجتمع، آخذين في الاعتبار ذلك الاهتمام الطبيعي بألا يتعجّل أبداً في القيام بذلك. في القرن الثامن عشر أدى الخوف من الدفن قبل الأوان إلى اللجوء إلى كل الحيل والأدوات البارعة لتميكن ضحايا مثل هذا التشخيص الخاطئ من إعطاء إشارة للأحياء أنهم هم كذلك أحياء. وفي عام 1740، خلصت دراسة بعنوان «الشك في علامات الموت وخطر حالات الدفن المتعجلة» إلى أن التعفّن هو العلامة الوحيدة الأكيدة على الموت. وبعد قرن هدأت هذه المخاوف إلى حد كبير نتيجة إدخال السماعات التي ركزت الانتباه على دقات القلب على أنها العلامة القاطعة على الحياة. وفي منتصف القرن العشرين صار الأمر معقداً نتيجة اختراع آخر - جهاز التنفس الصناعي. فحين يستخدم لعلاج حالة فشل تنفس مؤقتة، قد يفلح في إنقاذ الحياة; ولكن حين يتوقف التنفس لتلف في أصل الدماغ لا رجعة فيه، فإن جهاز التنفس الصناعي يفيد فقط في إطالة عملية الموت، إذ أن أجهزة الجسم المختلفة تتعطل وظائفها بالتالي. في عام 1968 قرر «إعلان الرابطة الطبية العالمية (WMA) في سيدني أن نقطة الموت لمختلف أجهزة الجسم والخلايا ليست لها من الأهمية في الحكم بموت الفرد مثل ما للتيقن من أن العملية لا رجعة فيها. وفي حالة المريض المعتمد على التنفس الصناعي لتلف في الدماغ يمكن للقلب أن يظل ينبض أياما بعد أن يكون الدماغ لم يتوقف فقط عن القيام بوظائفه بل بدأ يتحلل. والاستمرار في التنفس الصناعي في مثل هذه الحالة فيه حرمان للمريض من الموت بكرامة، وإطالة لا داعي لها لرب الأسرة، كما أن فيه إساءة استخدام لطاقات البشر والأدوات. ولكي يتجنب الأطباء ما لهذه المحاولات المتطاولة لاستعادة الحياة من نتائج غير مرغوب فيها فإنهم في حاجة إلى أن يتعرفوا على الكيفية التي بها يقررون أن الدماغ قد مات، ومن ثم يمكن وقف التنفس الصناعي.

 

ثلاثة تصورات خاطئة

لقد استجيش اهتمام الجماهير في بريطانيا حول موت الدماغ حين عرضت هيئة الإذاعة البريطانية في أكتوبر 1980 على 6 ملايين مشاهد في برنامج «بانوراما» حلقة بعنوان «زراعة الأعضاء - هل المتبرعون موتى حقا؟» وقد برزت في هذا البرنامج ثلاثة تصورات خاطئة، فتحت الباب لطوفان من التعليقات والرسائل تدفق على الصحافة العامة والطبية على السواء.

 

تاريخ موت الدماغ

ألمح برنامج «بانوراما» إلى أن فكرة «موت الدماغ» كانت شيئاً جديداً، تمّ إدخاله دون أن ينال نصيبا من المناقشة كما ينبغي. والواقع أن الأطباء كانوا يتعاملون مع موضوع موت الدماغ منذ نحو ربع قرن. لقد شهدت الحملة الكورية من 1950 حتى 1953 أول استخدام واسع النطاق لأجهزة التنفس الصناعي مع ضحايا الصدمات; كما أن وباء شلل الأطفال عام 1952 في الدانمرك وعام 1955 في نيوإنجلاند استدعيا استخدامات كثيرة لهذه الأجهزة. وفي عام 1958 أنشئت وحدات للعناية المركزة في أكسفورد وبلتيمور وتورنتو (Pontoppidan et al.,1977)، وهو العام نفسه الذي وردت فيه تقارير من «نيوكاسل» على «التاين» عن قيمة العناية المركزة لمرضى التنفس المصابين بإصابات خطيرة في الرأس (McIver, Frew and Matheson,1958) وشهد العام التالي أول وصف رسمي لموت الدماغ على يد طبيبي أعصاب باريسيين (مولاري Mollaret، وغولون Goulon? 1959) أطلقا عليه اسم «الغيبوبة الطاغية» (Coma Dإpassإ). وبعد عشر سنوات نشرت معايير «هارفارد» عن تشخيص موت الدماغ، وتولت النشر لجنة ضمت اختصاصيين في القانون والدين بالإضافة إلى أطباء وجراحي الأعصاب، وكانت برئاسة هنري بيتشر (Henry Beecher) أستاذ التخدير (تقرير اللجنة الخاصة بمدرسة هارفارد الطبية، 1988).

 

كما ظهرت في المجلات البريطانية عدة مناقشات عن موت الدماغ
 (
Editorial, 1974; British Transplantation, Society, 1975, Editorial, 1975; Jennett, 1975) وذلك قبل أن ينشر «مؤتمر مدارس الطب الملكية وكلياتها» في بريطانيا (1976 a,b)، في كل من «المجلة الطبية البريطانية» و«المشرط»
(
Lancet) - بياناً عن تشخيص موت الدماغ. و«معايير المملكة المتحدة» هذه، كما سُمّيت فيما بعد، كانت ثمرة عامين من النقاش بين المتخصصين في التخدير والأعصاب ووظائف الأعصاب وجراحة الأعصاب. وبعد مرور عام دون ظهور أي تعليق مناقض قام رؤساء الأقسام الصحية.. الأطباء بإرسال نسخ إلى جميع أطباء المستشفيات. وفيما بعد أعيد طبع «معايير المملكة المتحدة» في «دستور الممارسة (1979) للأقسام الصحية والذي جاء ثمرة عمل فريق ضم أطباء وممرضين وممثلين لمهنة القانون والمجالس الصحية، كما أنه طلب وجهات نظر الهيئات الدينية الرئيسية. ومن هنا فلا حقيقة في التهمة القائلة إن فكرة موت الدماغ قد اللهدخلت إلى بريطانيا دون أن تنال الفرصة الكافية للمناقشة.

 

العلاقة بزراعة الأعضاء

كانت الغمزة الثانية من برنامج «بانوراما» هي أن تشخيص موت الدماغ إنما ظهر في الغالب بسبب الحاجة إلى وجود أعضاء مناسبة لعمليات الزراعة. والواقع أن هاتين الظاهرتين التقنيتين قد تطورتا متفرقتين تماما رغم أنهما التقتا في منتصف الخمسينيات; وإن كان موت الدماغ أصبح مألوفاً مدة طويلة قبل زراعة الأعضاء. ولم يحدث قبل عشر سنوات من وصف موت الدماغ أن تمت في كل بريطانيا في الأسبوع الواحد أكثر من عملية زرع أعضاء; وفي السنوات الأولى كان الكثير من الأعضاء يأتي من متبرعين أحياء - أكثر من النصف طبقا لإحصائية أمريكية عام 1971 (Moore,1972).

والقاعدة الآن هي أخذ الأعضاء من الجثث، وفي عام 1977 جاء ثلثا هذه الأعضاء من متبرعين ماتت أدمغتهم (على جهاز التنفس الصناعي) في أحد مقاطعات بريطانيا
(
Barnes,1979); وفي فترة أحدث ورد من المقاطعة ذاتها أن جميع المتبرعين منها الآن كانوا يتنفسون صناعيا (Barnes,1981). كل ما فعله موت الدماغ في التبرع بالأعضاء كان أن أزال الشعور بالتسرع والتعجل غير الملائم، وبذلك زاد من احتمال موافقة الأقرباء على التبرع وجعلهم يشعرون بالرضا بعد ذلك عما حدث. لكن لو اكتُشف غداً بديل لزراعة الأعضاء فسوف يظل هناك الآلاف كل عام من حالات موت الدماغ بحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن الوقت الذي يُغلق فيه جهاز الرئة الصناعية.

 

عِوَل المعايير.(*).:

لا شك أن أخطر ما تضمنه برنامج «بانوراما» هو أن المعايير التي يشخّص بها موت الدماغ في بريطانيا قد لا يكــون التعويل عليها بمستوى المعايير التي في البلدان الأخرى، لأن اهتماما زائدا عن الحد قد وجه إلى موت أصل الدماغ، ولأن التشخيص اعتمد على تقديرات سريرية. لقد زعم أطباء أمريكيون، تحدثوا في هذا البرنامج، أن مرضى - في حالات غير قليلة - قد شُفوا بعد تشخيص سريري قرر موت أدمغتهم وأن بعض من حدث لهم ذلك أجريت معهم مقابلات. وشهدت الأشهر القليلة التالية نشر قدر كبير من الأدلة، من على جانبي الأطلنطي، أكدت صدق المعايير السريرية للتشخيص; وكذلك صار واضحاً أنه ولا واحدة من الحالات الأمريكية التي عرضها البرنامج كانت قد شخصت على أنها موت دماغ طبقا للمعايير البريطانية. لكن صار واضحا أن مجموع الأطباء ليس لديهم تصور موحّد عن موت الدماغ من الناحية المرضية الوظيفية
(
Pathophysiology); وهذا يفسر معظم الاختلافات في الرأي حول الأهمية النسبية لمعايير التشخيص المختلفة.

 

ويبدو أن هذه الاختلافات تعكس مراحل متتابعة في تطور التفكير حول موت الدماغ، نظراً لتراكم الخبرات في الخمس والعشرين سنة الأخيرة. وحيث أن معايير المملكة المتحدة قد تأخر نشرها نسبياً في هذا التطور فإنها تمثل منهجا أحدث مما أعلن في أوائل السبعينيات مما اعتمد على وثيقة هارفارد الأصلية لعام 1968.

 

تغيير التصورات:

كانت معايير هارفارد تتطلب غياب أي نشاط حركي انعكاسي، ويوصي بأن يكون رسم المخ مسطّحا (flat). وهذا يتضمن موت النظام العصبي المركزي بكامله - الغشاء والحبل الشوكي وجذع الدماغ. وقد أصبح الآن واضحاً أن موت جذع الدماغ هو الحاسم; فما أن يصبح هذا الجزء من النظام العصبي ميتا فإن القلب دائما يتوقف خلال أيام، حتى لو ظل جهاز التنفس الصناعي وغيره من الأجهزة المساعدة يعمل. وهذه النتيجة التجريبية، التي سجلت رسميا الآن في مئات الحالات المنشورة ووجد أنها متفقة مع آلاف من الحالات الأخرى التي لاحظها العديدون من الأطباء في بلدان كثيرة، تشير إلى أن موت جذع الدماغ علامة على أن عملية الموت قد جاوزت نقطة اللاعودة وهي التي أكد عليها «إعلان سيدني» تأكيدا قويا.

 

كذلك فقد ظهر، نتيجة تراكم الخبرة، أن النشاط الانعكاسي المنسَّق في النخاع الشوكي يمكن أن يستمر لمدة أيام بعد موت الدماغ; وبالفعل فإن الحركات الانعكاسية للأعضاء تميل إلى الظهور، وقد تصبح أكثر نشاطا، لمدة طويلة بعد اختفاء جميع انعكاسيات جذع المخ إذا ما استمر جهاز التنفس الصناعي متصلا. ولهذا فإن بعض المعايير الأحدث تبدي ملاحظة عن أن النشاط الانعكاسي للنخاع الشوكي متوافق مع موت الدماغ.

 

ومسألة النشاط المتبقي والمستمر في أجزاء من القشرة الدماغية لفترة من الوقت بعد موت جذع الدماغ أثارت مزيداً من الجدل. وشهادة علم الوظائف تشير إلى أن الوظيفة القشرية المتكاملة تكون ممكنة فقط إذا كان هناك دفع إلى أعلى من جذع الدماغ عن طريق التكوين الشبكي الصاعد، فإذا أوقف ذلك في ظروف تجريبية فإن كلا من النشاط الكهربي والأيضي للقشرة الدماغية يضعف إلى حد كبير. أكثر من هذا، حين تتعرض القشرة الدماغية لموت موضعي نتيجة نقص الأوكسجين بعد توقف للقلب فإن الحالة الطبية الناتجة هي نفسها ما يحدث حين تفصل القشرة السليمة نتيجة تمزق محور عصبي مما يحدث كثيرا في إصابات الرأس - أي حالة الخمول (Vegetative) (انظر ما يلي). والمؤكد أن هذا النشاط الفيزيو - كيميائي يمكن أن يستمر في بعض الوقت في مناطق معزولة في القشرة فوق جذع دماغ ميت، كما يحدث في حالة شرائح الدماغ فوق طاولة المختبر. والنشاط الكهربي المتبقي يظهر كثيرا في رسم المخ بعد موت جذع الدماغ، لكن ظهر أن هذا لا يمثل أي فرق في النتيجة (Pallis,1981).

 

من أجل هذه الأسباب تركز فكرة موت الدماغ حاليا على جذع الدماغ. فإذا مات الجذع مات الدماغ; وإذا مات الدماغ مات الإنسان. وقت الموت يحين عندما يشخص موت الدماغ، وليس بعد ذلك بفترة حين يتوقف القلب (مؤتمر مدارس الطب الملكية وكلياتها في بريطانيا، 1979). وقبول المجتمع لهذه التصورات يتضح في مناطق كثيرة من تشريع قوانين موت الدماغ - وكانت (كانساس) هي أول ولاية أمريكية تفعل ذلك عام 1970، وفنلندا أول دولة أوروبية فعلته عام 1971. وجوهر مثل هذه التشريعات أن يكون واضحاً أن الشخص بمجرد أن يعلن موت دماغه من قِبل مستويات طبية مقبولة فإنه يمكن اعتباره حينئذ ميتاً قانونياً; لكن هذه القوانين (باستثناء حالات قليلة) لا تحاول أن تفصّل المعايير الفنية التي يتم بها تشخيص موت الدماغ، وقيمة قوانين كهذه أنها تزيل أي غموض في تصرف الطبيب الذي يوقف أجهزة التنفس الصناعي بعد القيام بتشخيص موت الدماغ. إنه لا يوقف علاجا ليتسبب في موت شخص، إن ما يفعله ببساطة أنه يوقف عمل شيء لا فائدة له لشخص قد مات بالفعل (حكماً).

 

معايير التشخيص:

النتيجة في ضوء هذه التصورات أن المطلوب من المعيار أن يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن جذع الدماغ قد توقَّف بلا رجعة عن أداء وظائفه. وهذا بالتأكيد كان هدف المعايير التي نشرتها الكليات الملكية في بريطانيا ثم صادقت عليه الأقسام الطبية. تتكوّن هذه المعايير من جزأين - الشروط والاختبارات. فلا بد أن تتحقق الشروط أولاً كي يكون مقبولاً أن ننتقل إلى الاختبارات.

 

أما الشروط فتتطلب أن يكون المريض في غيبوبة تامة وأنه مختنق (يعتمد على جهاز التنفس الصناعي)، وأن هناك تلفاً في بنية الدماغ غير قابل للعلاج، وأنه تم استبعاد إمكانية قلب أسباب هبوط وظائف جذع الدماغ. ويتضمن الشرط الأخير أسباب الهبوط مثل انخفاض درجة الحرارة والاختلال الأيضي الشديد، فضلا عن العقاقير المهبّطة (بما فيها الكحول)، أو السدادات العصبية العضلية المستخدمة لتسهيل أنْبَبَة القصبة الهوائية أو للحفاظ على عمل الرئة الصناعية قبل أن يكون انقطاع التنفس. وعندما يعطى المريض عقارا مهدئا يمكن استخدام مثير سطحي للأعصاب لنتبين ما إذا كانت هذه لا تزال تسبب شللاً.

 

في معظم الحالات يكون التشخيص واضحاً في حالة التلف البنيوي الدماغي غير القابل للعلاج، وليس هناك خوفٌ ذو بال من العوامل المشوشة. أكثر من نصف حالات موت الدماغ التي تحدث في بريطانيا تنتج عن إصابات جسيمة في الرأس; القصة واضحة وليس ثمة سبب للاعتقاد بأن العوامل القَبْلَيّة تؤثر على وظيفة الدماغ - بما يختلف عن تأثير جرعة الكحول الحديثة عند نسبة من المرضى. ويعتبر النزيف المتزامن داخل الجمجمة مسؤولا عما يقرب من ثلث الحالات; وحكايتهم أنهم يصبحون فاقدي الوعي بعد صداع مفاجئ ودلائل من بينها تصلب الرقبة ونزف شبه شفاف وظهور دم في السائل الخشوكي. أما باقي الحالات فإن معظمها لمرضى لم يستجيبوا للعلاج من أحوال أخرى داخل الجمجمة، كورم أو خُرّاج في المخ، وربما التهاب الدماغ أو التهاب السحايا; وهناك قلة من المرضى عجزوا عن الاستجابة لمحاولة الإنعاش بعد حادث توقف في القلب أو انخفاض شديد في ضغط الدم أدى إلى تلف في الدماغ بسبب نقص الأوكسجين.

 

أحياناً تكون الحكاية ليست بهذا الوضوح الحاسم، مثلا عندما يصاب مريض بالاختناق مباشرة قبل أو عقب إدخاله المستشفى، وليس لدينا علم واضح بالأحداث السابقة. أو أن يكون المريض قد وُجد فاقد الوعي ولا يوجد أحد يخبر عما حدث; ورغم أنه يكون واضحا أن ثمة إصابة في الرأس فإننا أحيانا نكون غير متأكدين كيف كانت حالة المريض بالضبط قبل الإصابة. من الضروري في مثل هذه الحالات أن نأخذ في الحسبان أثر العقاقير التي اللهخذت أو أعطيت، وإذا لم يمكن قياسها، فعلى الطبيب أن ينتظر مدة تسمح باستبعاد العقاقير كسبب لهبوط جذع الدماغ.

 

أما الاختبارات التي تستخدم، إذا كانت الشروط المطلوبة قد تحققت، فمهمتها أن تقرر ما إذا كان في جذع الدماغ أي دليل على نشاط باقٍ أو راجع. يتم اختبار العديد من الاستجابات المنعكسة - بؤبؤ العين للضوء، والجفنين للمس القرنية، وعضلات الحلق لحركة أنبوب داخل القصبة الهوائية، وعضلات الوجه لألم يُحْدَثُ بالوجه أو الجبهة. بعدئذ تحقن الأذن بعشرين ملليلتر من الماء المثلج (للتحقق أولا من أن الصماخ مائل بوضوح نحو الطبلة) وملاحظة العين للحركة. فإن وجدت استجابة لأي واحد من هذه، دل ذلك على أن جذع الدماغ لا يزال يعمل.

 

آخر الاختبارات وأقواها حسماً هو التثبت من أنه لا يوجد ردّ فعل من جذع الدماغ على دفقات التنفس. وقد علق اختصاصي أعصاب أمريكي على أهمية هذا الاختبار - وأن تلك المواصفات الدقيقة لكيفية إجرائه إنما هي سمة لمعايير المملكة المتحدة
(
Homan,1979). يفصل المريض من جهاز التنفس الصناعي لمدة تكفي لارتفاع ضغط ثاني أوكسيد الكربون في الدم (Paco2.) إلى عتبة مقدار معين، مع استمرار إيصال الأوكسجين تجنبا لنقصه. إن هذا الضغط عند مريض ميت الدماغ يتلقى تنفسا صناعيا قد يكون منخفضا جدا، ومعدل ارتفاع ثاني أوكسيد الكربون في حالة ينخفض فيها الأيض على هذا النحو يكون أيضا أقل من المعتاد. وقد اعتبر أن عتبة التنفس التحفيزي لمريض يشتبه في موت دماغه يكون في حدود 45-56 ملم زئبق، وهو يعتبر أعلى بدرجة كبيرة بالنسبة لمريض مخدر سليم المخ (Schafer and Caronna, 1978). ويعتمد طول مدة الفصل المطلوبة على بداية مستوى ضغط ثاني أوكسيد الكربون الذي يمكن رفعه إلى المعدل الطبيعي بضخ 5% ثاني أوكسيد كربون في الأوكسجين قبل الفصل. ويرى «شافر» و«كارونّا» (1978) أن الفصل لمدة عشر دقائق كافٍ لوصول ضغط ثاني أكسيد الكربون إلى معدل 60 ملم زئبق، على أساس أن بداية المستوى تكون أعلى من 30 ملم زئبق. وهناك حاجة إلى اعتبار خاص في حالات المرضى من أصحاب ضيق التنفس المزمن ممن تعودوا على معدل مرتفع لضغط ثاني أوكسيد الكربون في الدم.

 

أسباب موت الدماغ وملابساته وتواتره

إصابات الرأس هي أكثر أسباب موت الدماغ في بريطانيا، وهي مسؤولة عن نحو نصف الحالات. وقد يحدث الفشل التنفسي سريعا عقب وصول المريض إلى المستشفى; ويعتبر الكحول وانخفاض الضغط أو نقص الأوكسجين في الدم، نتيجة الإصابات المصاحبة، عوامل مضاعِفة. ويمكن أن يحدث الفشل التنفسي لمرضى تعافوا من إصابة الصدمة لكن تعرضوا لمضاعفات كأورام دموية داخل الجمجمة أو تورم في الدماغ. كذلك قد يصحب النزف داخل الجمجمة فشلٌ تنفسيّ فور الصدمة الأولى; وقد يكون حدثاً ثانوياً ناتجاً عن فتق في حالة تمدد الأوعية الدموية مرة ثانية بعد الشفاء من النزف الأول. ومن المألوف أن يحدث اختناق مؤقت عقيب نزف في الغشاء العنكبوتي، وقد يزول في الحال خلال دقيقة أو نحوها، لكن في قلة من الحالات حدثت الإفاقة من الاختناق بعد ساعة أو أكثر، وفي حالة استخدام جهاز تنفس صناعي خلال هذه المدة. وهذا الاحتمال يبرر تشغيل جهاز التنفس الصناعي في مثل هذه الحالات، على الرغم من النتيجة المتكررة وهي أن المريض يصبح في حالة موت دماغ.

 

وقد يحدث موت الدماغ عندما لا يفيد علاج بعض حالات داخل الجمجمة (مثل الخرّاج أو الورم أو التهاب الدماغ أو التهاب السحايا). والمرضى من هذا النوع يستخدم معهم عادة جهاز التنفس الصناعي كجزء من العلاج ثم يصبح واضحا أن أدمغتهم ماتت. أحياناً مع المرضى الذين تتكرر إصابتهم بأورام داخل الجمجمة غير ممكن إجراء عملية لها، والذين قد اتخذ بشأنهم قرار أنه لا يوجد لهم علاج بعد ذلك، قد يستخدم معهم جهاز التنفس الصناعي خلال فترة الاختناق لأن عائلتهم وافقت من قبل على ذلك لكي يمكن التبرع بأعضائهم. ومن ثم فهم ضرب آخر مختلف عن جمهور مرضى موت الدماغ الذين لم تنجح معهم محاولات الإنعاش أو العلاج السريع.

 

هنالك مجموعة أخرى من المرضى وهم أولئك الذين يعانون توقفا في القلب أو هبوطا قويا منتظما في الضغط وقد أمكن معهم استعادة حركة القلب ودورته لكن ذلك تم متأخراً بحيث لم يمكن إنقاذ الدماغ. وطبقاً لمدة الاختناق وحدّته فقد ينتهي هؤلاء المرضى إلى موت الدماغ، أو ربما يتركون في حالة الخمول (vegetative) (انظر مايلي). قلة منهم يُشفون مع درجات أقل من التلف في الدماغ، وآخرون يشفون تماما. ومثل حالات الاختناق هذه مع تلف في الدماغ تحدث مضاعفات في حالات الإصابة في الرأس أو بعض أحوال دماغية أخرى، وقد يصبح من الصعب عندئذ فصل الإسهامات النسبية للتلف الدماغي الأولي والتلف الثانوي الناجم عن الاختناق. وأهمية محاولة القيام بهذا هي أن الشفاء يكون ممكنا بعد عدة ساعات من الغيبوبة الخالية من الاستجابة عندما تكون ناجمة عن تلف سببه الاختناق فقط، وهذا ربما يعود إلى أن العقابيل الكيمحيوية.(*). في اختناق الأنسجة تفسر الهبوط المستمر للنشاط في جذع الدماغ لكنه قابل للاستئناف.

 

ليس هناك طريق مباشر لمعرفة معدل تكرار حوادث مـوت الدماغ على مستوى القطر أو توزيعها بين المستشفيات أو حقول الاختصاص. نشرت سلاسل صغــيـرة من وحدتين عامـتـين للعناية المركزة (Luksza, 1979; Searle and Collins, 1980)? وقامت ثلاث وحدات لجراحة الأعصاب بجمع خبرتها خلال عدة سنوات في مراجعة غطت أكثر من 60 حالة (Jennett, Gleave and Wilson,1981). المرضى الذين ماتوا من تلف حاد في الدماغ وُضِعوا مؤقتاً على جهاز التنفس الصناعي مرات أكثر مما كان عليه الحال قبل خمس سنوات; وما يقرب من نصف إصابات الرأس القاتلة تمر في وحدات جراحة الأعصاب الآن بفترة موت دماغ قبل أن يتوقف القلب. إن الإحصائيات المبنية على هذه الدراسات، وعلى بيانات علم الأوبئة المتعلقة بإصابات الرأس وحالات أخرى مما ينتهي إلى موت الدماغ، تشير إلى أن هناك حوالي 4000 حالة سنويا في بريطانيا. وفي البلاد التي يكثر فيها استخدام العلاج بجهاز التنفس الصناعي لحالات التلف الحاد للدماغ، يحتمل أن يكون موت الدماغ فيها أكثر تكررا; وكذلك حيث تكثر إصابات الرأس القاتلة - ومعدلها السنوي في الكثير من البلاد يزيد على ضعف عددها في بريطانيا (Jennett and MacMillan, 1981;Jennett and Teasdale,1981).

 

يقوم مركز خدمة زرع الأعضاء في بريطانيا (Transplant Service) بمقارنة جميع السجلات الخاصة بالمتبرعين بالأعضاء، ومنها يمكن استخلاص نتائج عن توزيع حالات موت الدماغ على مختلف أنواع المستشفيات، ورغم أن واحدا فقط من كل أربعة أو خمسة من مرضى حالات موت الدماغ يتبرع بأعضائه، حتى في الوحدات المكرّسة لتوفير الأعضاء (Wilson and Cast, 1980: Jennett, 1981)? فإن المتبرعين يعكسون بدرجة كبيرة التوزيع التشخيصي لمجموع حالات موت الدماغ التي هم نسبة مأخوذة منها. تكشف المراجعة لأكثر من 1200 متبرع خلال الفترة 1978-1980 أن ثلاثة أرباع الـ 285 مستشفى التي جاء منها متبرع واحد على الأقل لم تكن مستشفيات تعليمية ولا بها وحدات جراحة أعصاب Jennett and Hessett, 1981) ).

 

وكثير من مستشفيات الأحياء هذه كانت صغيرة نسبياً وبعيدة عن وحدة جراحة الأعصاب في المنطقة. معظم وحدات العناية المركزة العامة سجلت من 8-10 حالات موت دماغ كل سنة، على حين بلغ العدد في وحدة جراحة الأعصاب الكبيرة في المنطقة خمسة أضعاف أو أكثر; لكن هناك حالات قليلة جدا من هذه كانت أغلبية حالات موت الدماغ في وحدات غير متخصصة.

 

مصداقية المعايير:

نظرا لأن تشخيص موت الدماغ حاليا يقود إلى فصل جهاز التنفس الصناعي، مما ينتج عنه توقف القلب، فقد زعم البعض أن التشخيص نبوءة تحمل في طياتها تحققها. والحق أن الأمر تطلب سنوات كثيرة قبل أن يصبح لدى الأطباء السريريين الثقة أن يقوموا بالتصرف المنطقي بأن يفصلوا جهاز التنفس الصناعي بمجرد أن يتم تشخيص موت الدماغ. لقد تطلب الأمر 19 عاماً في وحدة جراحة أعصاب بريطانية لترتفع نسبة الحالات التي فصل فيها جهاز التنفس الصناعي من 6% إلى 40%; بل إن حوالي ثلث من أعلن موت دماغهم من المرضى وصلوا إلى توقف نبض القلب بينما كان جهاز التنفس الصناعي لا يزال يعمل (Jennett, Gleave and Wilson,1981). وأكثر من 700 مريض حتى الآن مسجلون رسميا أن جهاز التنفس الصناعي استمر متصلاً بهم بعد تشخيص حالتهم سريرياً بأنها موت دماغ; وفي جميع هذه الحالات توقف القلب خلال 14 يوما، والمعتاد أسرع من ذلك بكثير Editorial, 1981).) ومن اللازم أن يضاف إلى هذه التقارير المنشورة الخبرات المتراكمة للأطباء السريريين في الكثير من البلدان. ومنذ نشر «معايير هارفارد» عام 1968 يقدر أن هناك على الأقل ربع مليون حالة موت دماغ كانت تحت الملاحظة. في هذه المرة لم تتوفر أي استثناءات موثقة بشكل جيد تخرج على الملاحظة التجريبية أن موت جذع الدماغ مؤشر موثوق به على توقف نبض القلب، وأن عملية الموت قد وصلت إلى مرحلة اللاعودة.

 

هنالك منهج مختلف لإثبات المصداقية وهو أن نحلل الملامح السريرية المبكرة للمرضى الذين شفوا بعد فترة غيبوبة عميقة لنعرف ما إذا كان أي منهم، في أسوأ الأحوال، قد تقرر أو حتى اشتبه أنه حالة موت دماغ. لقد أجري هذا على سلسلة من 1003 حالات من هذا النوع من المرضى الذين عاشوا لمدة ثلاثة أشهر بعد إصابة خطيرة في الرأس، والذين سُجلت تفاصيل وضعهم العلاجي المبكر وبشكل توقعي في بنك معلومات حاسوبي. لم يكن من بين هؤلاء المرضى أحد على الإطلاق اجتمع فيه الاختناق وثبات بؤبؤ العين وغياب حركات العين وأشكال أخرى من انعدام الاستجابة التي تعزى إلى تلف الدماغ ( Jannett, Gleave and Wilson, 1981).

 

أشباه أخطاء مزعومة:

على الرغم من قوة الدلائل المدعمة لمصداقية المعايير السريرية لتشخيص موت الدماغ، تظهر من وقت لآخر قصص صحفية، خاصة في مطلع السبعينيات، عن مرضى شُفوا بعد زعم اعتبرهم حالات موت دماغ. وفي بعض هذه الأمثلة افترض أن الأعضاء قد أخذت «تقريبا» لتزرع. وما إن يكتشف تقرير وافٍ يمكن تفسير مثل هذه الحالات بأنها نتيجة واحد أو آخر من صور سوء الفهم. أحياناً يكون أساس الإشاعة أن أحد الأقارب قيل له عقب إدخال المريض إلى المستشفى إن الظاهر أن حالته «شبه ميئوس منها». وهذا أمر يختلف تماماً عن إعلان موت الدماغ طبقاً للمعايير الدقيقة; ولا غرابة أن بعض المرضى من هذا النوع قد استجاب لعملية إنعاش قوية - وهذا هو ما تسعى إلى تحقيقه عملية الإنعاش. في هذه الملابسات لن يثير الطبيب موضوع إمكانية التبرع بالأعضاء، لكن الأقرباء كثيرا ما يفعلون ذلك اليوم وعياً منهم بأن الحاجة إلى المتبرعين قد زادت. وعلى الطبيب أن يبين أنه من السابق لأوانه أن نعرف ما إذا كان الأمر سينتهي إلى ذلك، بينما يشكر الأقرباء على عَرضهم. في بعض الأحيان قد يستمر الطبيب بطيش في متابعة موضوع التبرع (بل قد يبادر بالمناقشة حول هذه الإمكانية) قبل أن تستوفي المتطلبات حقها من الوقت. وحتى إذا ما كان قبول العرض مشروطا بعدم استجابة المريض لعملية الإنعاش، فما أسهل أن ينسى ذلك الأقرباء المذهولون.

 

أحيانا يكون هناك اشتباه في موت الدماغ، على الأقل لبعض الوقت في عقل شخص ما، وذلك في حالة المرضى الذين يعانون حالات عدم استجابة، وليس حالة موت الدماغ التي يسهل تمييزها عنها. وأكثر هذه الحالات حالة الخمول (vegetative) وهي حالة تنتج من تعطل عمل القشرة الدماغية بينما يكون جذع الدماغ لا يزال نشيطا
(
Jennett and plum,1972) ). ومن ثم يمكن للمريض أن يتنفس ويبلع (وإن كان الغالب أنه يحتاج إلى أنبوب تغذية)، لكنه لا يتجاوب مع البيئة باستجابات ذات معنى من الناحية النفسية. فلا كلمات تنطق، لكن تعتريه فترات يقظة عندما تكون العينان مفتوحتين وقد تستطيعان متابعة الأشياء المتحركة بفعل انعكاسي، والأعضاء المصابة بالشلل التشنجي تحتوي على ذخيرة معقولة من النشاط الانعكاسي، ومن بينها قدرة انعكاسية على الإمساك قد تفسر خطأ على أنها حركة اختيارية. وأشْيَع الأسباب حدوث إصابة حادة في الرأس تؤدي إلى عزل القشرة الدماغية نتيجة فصل روابطها، لكن حين يجيء الموت الموضعي في القشرة الناتج عن نقص الأوكسجين عقب توقف في القلب فإن النتيجة السريرية تكون هي هي. المرضى من هذا النوع يمكن أن يعيشوا سنوات، إذا ما أتيح لهم خدمة تمريضية جيدة. وهناك حالة قليلة الوقوع وهي ظاهرة التجمد (Locked-in syndrome) التي تنشأ عن تلفٍ في جذع الدماغ لكنه في بعض أجزائه فقط. ومرضى هذه الحالة يصابون بالشلل فيما تحت الوجه، نظرا لتعطل أجهزة الحركة النازلة - عادة بسبب تلف في الأوعية. إنهم يكونون متنبّهين ويمكنهم التواصل بالإشارة، مستخدمين حركات العين أو الفك، اللذين يظلان يعملان لأن العصب الذي يمدهما واقع فوق التلف.

 

في جميع هذه الحالات يحدث عند البعض اشتباه في موت الدماغ في حالة مريض هو في الحقيقة حيّ. أحياناً يحدث العكس، فيعتقد البعض في مريض مات دماغه أنه حي - وذلك بسبب الانعكاسات المستمرة من النخاع الشوكي. وأي شخص يحتمل أن يشهد هذه الحركات للمرة الأولى يجب تحذيره وشرح طبيعتها له، كي لا يسيئون تفسير ما يرونه.

 

مجالات سوء الفهم الأخرى قد سبق التعرض لها، ومن المهم أن يتم تسجيلها وأن ينشر التعريف بها على أوسع نطاق - وذلك مثلما حدث قبل صياغة معايير المملكة المتحدة (Jannett,1975).

 

إجراءات وقائية:

لم تظهر أي حالة تشخيص خاطئ لموت الدماغ على أساس معايير المملكة المتحدة مع التوثيق الجيد، والطبيب البريطاني الوحيد الذي زعم أنه يعرف حالات من هذا النوع عليه أن ينشر تراجعه (Paul,1981 ) ومع هذا فمن المهم أن ننظر في الإجراءات الوقائية المقترحة وأيها هو الملائم. وأفضل هذه الإجراءات وجود مجموعة من الإرشادات العامة يأخـذ بها أفراد الهيئة العـلاجيـة والتمريضية الذين هـم على درايـة ليس فقط بتشخيص موت الدماغ، وإنما كذلك بكيفية التعامل بثقة وتعاطف مع العائلة. وتوصي معظم هذه الإرشادات بإعادة الاختبارات الخاصة بعمل جذع الدماغ وأنه لا بد من مشاركة اثنين من الأطباء ذوي خبرة جيدة في إجراء التشخيص. وحين يكون هناك اتجاه إلى التبرع بالأعضاء فيجب ألا يضم أي من الطبيبين إلى الفريق الطبي الذي ينتظر تلقي الأعضاء للزرع. وبصرف النظر عن هذا، فالواجب ألا يكون هناك فرق في الممارسة سواء أكان هناك تبرع بالأعضاء أم لا; وأهمية تشخيص موت الدماغ أنه يقود الآن عادة إلى فصل جهاز التنفس الصناعي ليتلوه توقف نبض القلب.

 

والمهارات الطبية المطلوبة لتشخيص موت الدماغ بشكل موثوق فيه ليست محصورة في إجراء اختبارات وظيفة جذع الدماغ. والحق أن هذه الاختبارات سهلة نسبيا، إذ لا تستدعي تفسيرا نوعيا للاستجابات لأن علامة موت الدماغ هي انعدام الاستجابة. وحين يتقرر أن الشروط المطلوبة قد تحققت فإن ذلك يستدعي تقييما دقيقا للوضع السريري - إلى أي مدى يمكن الثقة بتاريخ الأحداث الواقعة قبل الغيبوبة العميقة والاختناق؟ - وما الذي نعرفه عن سبب تلف الدماغ؟ - وهل مر وقت كاف لنتأكد من التشخيص؟ وهذا هو موطن اعتبار خبرة المعالج السريري.

 

ومن الإجراءات الوقائية المهمة ضد الاشتباه الخاطئ في موت الدماغ أن يسمح بمرور وقت كاف. والذي يهمنا هو الفترة الفاصلة بين بداية الغيبوبة والاختبارات الأولى لعمل جذع الدماغ. والواجب أن يتاح الوقت الكافي لتتحقق الشروط المطلوبة، وللسماح بإثبات التشخيص، وللقيام بالجهود العلاجية بالشكل المطلوب لتقرير أن تلف الدماغ غير قابل للعلاج; مثلاً، هناك حاجة إلى وقت لاستعادة الضغط الطبيعي للدم وكذلك
(
normoxia)، ولمحاولة تخفيض الضغط داخل الجمجمة بالوسائل الجراحية أو غيرها، ولتتمكن العوامل المضادة من وضع حد للاختناق المؤقت، أو لتركيز العقاقير أن يخفّ. وتختلف المدة التي تتطلبها هذه الأمور طبقا للملابسات. فالمريض المصاب بتلف حاد في الدماغ ودخل في حالة اختناق بمجرد وصوله إلى المستشفى يحتاج إلى 6 ساعات على الأقل، وقد تتطلب الحالة من 12 إلى 24 ساعة. وقد تستدعي الضرورة أطول من ذلك حين لا يكون التاريخ محددا، وعند الاشتباه في تناول عقاقير، أو حين تكون هناك حالة نقص وصول الأوكسجين (من الدرجة الأولى أو الثانية). ويكون الوقت المطلوب، أقل من ذلك بكثير في حالة المرضى الذين يحدث لهم تلف ثانوي في الدماغ وهم في المستشفى، وتم كشف الخلل الأولي في الدماغ لديهم عن طريق التثبت (مثلا، نزيف متكرر في الغشاء العنكبوتي في الدماغ نتيجة لتمدد في الأوعية الدموية).

 

وقد سجل كل من (1981) Hesset,Jennett مُدد استمرار جهاز التنفس الصناعي وتمدد البقاء في المستشفى لسلسلة من المرضى ذوي الحالات المختلفة. وقد أكدت مجموعة القوانين خلال عقد مضى على الفاصل الزمني بين إجراء مجموعتين من الاختبارات التي تكشف موت الدماغ; ونحن ندرك الآن أنه عند التأكد من مرور وقت كاف لتحقيق المتطلبات، يمكن أن تكرر تلك الاختبارات بعد مرور نصف ساعة.

 

ولعل هذا الفصل عن الإجراءات الوقائية هو أفضل مكان لنناقش تلك الفحوصات المخبرية التي أوصى بها البعض من حيث أنها تقدم دليلاً مؤكِّداً ومفيداً عن حدوث موت الدماغ. ولعل قيمة هذه الفحوصات ومصداقيتها هي الآن المجال المهم الوحيد الذي لا يزال موضع خلاف بين الأطباء في مختلف البلدان. والأغلب أن يطلب أحد نوعين من الاختبارات - تلك التي تقيس تدفق الدم إلى الدماغ والأخرى التي تراقب النشاط الكهربي للقشرة الدماغية. يمكن أن نرى تدفق الدم عن طريق تصوير الأوعية الدموية بالأشعة
(
angiography) أو معرفة وجوده عن طريق حقن نظائر مشعة في تيار الدم ومراقبة دخولها إلى الرأس أو عدم تواجدها فيها. ومن المؤكد أن انقطاع تدفق الدم إلى الدماغ لمدة 15 دقيقة يمكن أن يكون دليلاً نهائياً على موت الدماغ; لكن أن يستمر دوران الدم داخل الجمجمة لفترة بعد موت الدماغ. أكثر من ذلك، فإن المعدات والخبرات المطلوبة لا تكون متوفرة في كل وقت، بينما تصوير تدفق الدم بالأشعة يحمل شيئا من المخاطرة; فحتى في الولايات المتحدة ينظر إلى تلك الاختبارات على أنها غير عملية في الاستخدام العام.

 

أما رسم المخ فأمر مختلف، من حيث أنه متوفر على نطاق واسع في كثير من البلاد ثم هو بالتأكيد لا خطر فيه إطلاقا. ورغم ذلك، فهنالك عدة أسباب لتفسير أنه ليس من الحكمة النظر إليه على أنه اختبار مناسب وأكيد. أهمها أنه ليس ملائماً، من حيث أنه يقيس النشاط في غشاء الدماغ على حين يعتمد موت الدماغ على انعدام النشاط في جذع الدماغ. وكما سبق البيان، فإن بعض النشاط المتبقي في رسم المخ قد يستمر برهة بعد موت جذع الدماغ، ولكن هذا لا يغير حتمية أن يحدث سريعا توقف نبض القلب
(
Pallis,1981) وحتى حين تُظهر اللواحب (electrodes) على فروة الرأس أن لا حركة في قشرة الدماغ، فقد يوجد نشاط في الدماغ إذا استخدمنا لواحب أعمق - لكن لا أحد قد قدم اقتراحاً جدياً بعمل ثقب من أجل هذا الغرض. وفي أي حادث، يكون تسجيل صمت النشاط الكهربائي الدماغي من فروة الرأس ظاهرة تحكمية، تعتمد على الطريقة المتفق عليها لضبط الجهاز، وعلى الخبرة الفنية للقائم بالتسجيل وعلى تفسير الرسم. وقد يكون من الصعب الحصول على تسجيلات يوثق بها في البيئة غير الملائمة في وحدة العناية المركزة. من ثم يكون من الخداع أن يشار إلى أن رسم المخ يقدم مقياسا موضوعيا لموت الدماغ يمكن أن يعتمد عليه أكثر من التقييم السريري. لكن أبلغ حجة ضد استخدامه هي أنه حتى لو أمكن الحصول على تسجيل مقبول تقنياً، وافترضنا أنه سيكون مسطحا بناء على معايير متفق عليها، فإن هذا لا يشير بالضرورة إلى موت الدماغ. هناك الكثير من التقارير عن مرضى شفوا بعد غيبوبة عميقة، عقيب أخذهم عقاقير مخفضة أو بعد توقف في القلب، وكانت رسومات أمخاخهم في إحدى المراحل مسطحة (Pallis1981). وهكذا أخفق رسم المخ في التمييز بين موت الدماغ والحالة التي تحاكيها إلى حد كبير.

 

وعلى الرغم من المكانة البارزة التي احتلها رسم المخ المُتكاره.(1). في معايير هارفارد الأصلية فقد نُصّ بوضوح في السنة التالية أنه ليس ضروريا في التشخيص
(
Beecher,1969;Sillito,1969.) وأكد جرّاحو الأعصاب في مينيسوتا على هذا عام 1971 (Mohandas and Chou,1971) ثم أعادوا التأكيد مؤخرا على مسألة إجراء التشخيص على أساس الدلائل السريرية فقط (Chou,1981). أما أولئك الذين لا يزالون يصرون على لزوم استخدامه فهم اختصاصيون في علم وظائف الأعصاب السريري، ومن المهم أن نلاحظ أن أشد منتقديهم قسوة هم من مجال تخصصهم نفسه (Legg and Prior,1980,Pallis and MacGillivray,1981;prior, 1980).

 

وقد صرحت معايير المملكة المتحدة بوضوح تام أن رسم المخ لا حاجة إليه في التشخيص، كما أن هناك دلائل على أن استخدام رسم المخ يتناقص في كثير من البلدان بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية.

 

الخلاصة

إن الاهتمام الذي تركز على هذا الموضوع خلال السنة الماضية في بريطانيا أدى إلى فهم أفضل للتصورات والجوانب العملية المرتبطة بموت الدماغ. أصبح الأمر اليوم مقبولا كحادث يتكرر حدوثه نسبيا، حيث تستدعي الممارسة الطبية الجيدة أن يتعلم الأطباء أن يتعرفوا عليه بشكل موثوق فيه، كما تتطلب الشفقة منهم أن يتصرفوا بشكل ملائم بمجرد أن يتم هذا التشخيص. ولتسهيل هذه المهمة فلعل من المُعين على ذلك أن يسمّى استشاريٌّ في كل مستشفى تكون مسؤوليته التثبت من أن الأطباء والممرضين المشاركين، رغم التغيير المتكرر في الأفراد، على علم تام بما عليهم فعله، وبالجهة التي يحصلون منها على النصيحة حين يحتاجون إليها.

 

ولعل مما يساعد عمليا أن تكون في البلد قائمة مراجعة مقبولة من الجميع بالمتطلبات الأساسية والاختبارات الخاصة بموت جذع الدماغ والتي يمكن أن تقوم بوظيفة مفكِّرة (aide memoire) للمعالجين على جانبي السرير، وسجل دائم يحفظ في ملف حالة المريض، لكن الإرشادات العامة للتشخيص لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها قواعد جامدة - إذ أن إرشادات كهذه لا يمكن أن تصاغ لتلبي كل احتمال. وكل الإرشادات الأساسية التي نشرتها السلطات في كل من أمريكا (American Neurological Association,1976) وبريطانيا (Conference of Medical Royal Colleges and their Faculties of the U.K.,1976a, b; Robson,1981)  قد أكدت على أهمية الحكم الطبي في اتخاذ قرار، في الحالات الفردية، بشأن التحديد الدقيق للفحوصات الضرورية، ولمدة الملاحظة المطلوبة قبل أن يجرى تشخيص موت الدماغ، وما إذا كان هناك ظروف تسمح بحذف واحد أو أكثر من الاختبارات. وفي نهاية اليوم فإن الطبيب المعني بحالة المريض هو الذي عليه أن يقرر وقت إعلان موت مريضه.