|
بـين الأوارق والحقائق
والمؤتمرات الدكتور حسان حتحوت أود
أن استرعى كل انتباهكم إذ أقدم لكم خمسة
أمخاخ بخمس إصابات: (رسم1) المخ الأول تتميز
إصابته بأنها «إلى زوال». قد تكون دوخة أو
إغماءة أو إغفاءة أو غيبوبة تقصر أو تطول
ولكنها تنحسر دون أن تتلف أيا من خلايا
المخ، ثم يعود المصاب إلى سويته وكأن شيئا
لم يكن. فهذه هي «العارضة». أما
الثاني فإصابته أشد.. إذ تتلف قسما من المخ.
وخلايا المخ إنْ ماتت لا تُعَوَّض. وتترك
بعدها «ثغرة عصبية» تعتمد على الموقع
والمقدار.. مثل شلل في العضو أو الأعضاء
التي تقوم عليها تلك المنطقة من المخ. أما
الإصابة الثالثة فعجيبة. إنها تغلق المرور
في اتجاه واحد في شارع السيالات العصبية
من المخ وإليه. وهي تصيب المخ الأوسط فتدع
المريض قادرا على الحس والإدراك لكنه عاجز
تماما عن الاستجابة بتحريك أو تعبير. فهذا
هو الحبيس أو السجين وأسميه الحصور (locked-in)? وإن كان
أغلبُ المرضى يحتفظون بقدرة وحيدة هي
تحريكُ العينين بين الأعلى والأسفل،
فتبقى هذه وسيلتهم الوحيدة للاتصال بمن
حولهم. أما
المخ الرابع فإصابته فادحة. إذ تتفاقم
الأمور فتقضي على فصّي المخ تماما، سواء
باستفحال أي من الإصابات السابقة أو
بطارئة شديدة كالقذائف أو الأنزفة أو
الأورام أو انسداد موارد الدم. فكيف حالُ
المريض؟ لا حِسَّ ولا حركة.. غيبوبة كاملة coma قد تمتد أياما أو شهورا أو
سنين عددا أو حتى يدركه الموت. ورغم هذا
فلا يقال إن هذا المريض مات. فإنه محتفظ
لنفسه وبنفسه بقابلية التنفس والدورة
الدموية. ومهما طال المدى فإن له رغم موت
مخه حقوق الإنسان الحي في الغذاء والماء
والرعاية الصحية والتمريضية حتى يقضي
الله في أمره. ولا ينبغي اليأس فهناك حالات
يتضح فيما بعد أن إصابتها لم تقض على المخ
ما توقعناه من قضاء مبرم فإذا بها تصحو من
الغيبوبة وتعاني ولو بعد حين.. وتنجلي «الحياة
النباتية» كما يقولون عن حياة إنسانية
سوية تدوم إلى أجلها المسمى. والآن
دعكم من تلك الأمخاخ الأربعة.. ولننتقل إلى
هذا المخ الخامس فهو بيت القصيد. هنا جذع
المخ. هنا المقتل. ولماذا؟ لأن فيه
المركزين الحيويين مركز التنفس ومركز
القلب. فإن كفَّ التنفسُ، كف تزويد الدورة
الدموية بالأكسجين فحُرِمت منه أنسجة
الجسم المختلفةُ فماتت، لأنها لا قوام لها
إلا به. بيد أنها لا تموت في الحال ولا تفضي
إلى الهلاك بسرعة واحدة. أسرعها موتا
أقلُّها صبرا عن الأكسجين وهو نسيج المخ
الذي لايصمد إلا دقائق ثلاثا أو أربعا..
لكن القلب يبقى أكثر، والبنكرياس يبقى
أكثر، وبعض الغدد الصماء قد تستمر في أداء
إفرازاتها لفترة، والكلوة تبقى أكثر وقد
كان قسم زرع الكلى هنا في الزمن الأول
يستورد الكلوة من هولندا فتأتي في الطائرة
ويحملها الإسعاف إلى غرفة العمليات
فتودَعُ جسدَ متلقيها فتستأنف العمل،
والجلد يبقى لفتراتٍ أطول ولقد كنت في
بحثي للدكتوراة أستقبل الأجنة الصغيرة
التي ماتت في أرحام أمهاتها ثم اللهجهضت
بعد فترة ثم حُملت إليّ في الصباح فآخذ
فتفوتة من جلدها أقصّها إلى نمائم أودعها
المحلول المغذي فلا تبرح أن تتكاثر
بالانقسام الخلوي فتعطي طبقة واسعة من
الخلايا، وهي ظاهرة أصبح من تطبيقاتها
الحديثة استنباتُ رقائقَ من الجلد
تُغطَّى بها المساحاتُ المكشوفة من أجساد
المحاريق. لذلك
استغربت القول بأن المصاب لاينبغي أن
يُعَدّ ميتا إلا بعد أن يكتمل موت أعضائه
وأنسجته وخلاياه جميعا. والخطأ واضح وكذلك
المأزق.. إذ لو صح ذلك لما جاز شرعا أن ندفن
ميتاً إلا بعد أيام من موته أو أسابيع!!
واستمر الاستغراب. فقد قرأت في إحدى
الأوراق أن مريضاً يحمل تشخيص موت جذع
المخ صدرت عنه لما سُحبَ عنه الإنعاش
حركاتٌ وخلجات في ذراعيه. ويعلم علماء
الطب أن بعض خلايا النخاع الشوكي تلبث
فترة بعد موت صاحبها شأنُها شأنُ ما ذكرنا
غيرَها فتصدُرُ عنها تلك الحركاتُ
الانعكاسية.. والوصية بإقصاء أهل المتوفى
لحظة سحب الإنعاش وبعدها بدقائق، هي إجراء
إنساني يعفيهم أن يسيء جهلُهم تفسيرَ هذه
الظاهرة فيتوهموا أن مريضهم لم يزل حيا.
فإنْ لُوِيَ عنقُ الموضوع فصُوِّر على أنه
اعتراف ضمني بحياة المريض فهو كلام أعتقد
أنه على الأقل في حاجة إلى الاستغفار. وهناك
كذلك غيرَ الحركات الانعكاسية حركاتٌ
موضعية. أذكر كيف كانت أمي رحمها الله وأنا
طفل صغير، تذبح الأرنب ثم تسلخه ثم
تقطِّعُه إِرْباً، ثم أرى العضلاتِ في فخذ
الأرنب تختلج ورغم ذلك لم تُصَوِّرْ لي
طفولتي أن الأرنب لم يزل حيا. وفيما بعد
تهيأ لي أن أشهد قِصاصاً في إحدى البلاد
التي تُعْدِمُ بقطع الرأس.. وطاحت الرأسُ
وبقي الجسم فترة ينتفض ويختلج لكنْ لم
يخطر ببالي بحمد الله أن الرجل ما يزال حيا. وما
دام الشيءُ بالشيءِ يذكر فلاللهشِرْ هنا
إلى مقال على صفحة كاملة في أكتوبر 1996 في
مجلة اسمها «المسلمون» بعنوان ضخم «موتى
يتحركون في قبورهم.. خرج من قبره حاملا
كفنه وآخر مات في لحده».. (رسم 2) ونَسِيَ
الكاتب المصري أننا في مصر ندفن في غرفٍ
بينما هم في الرياض حيث زعم الحادثَ
يدفنون في باطن الأرض ثم يُهيلون التراب
فلو دفنْتَ حصانا قويا لما كانت له فرصة..
وحساب الصحافة يومَ القيامة عسير. ولنعُدْ
إلى جذع المخ هذا لنعرف كيف يموت. في
الحالات التي تعنينا جراحيا والتي يدور
حولها النقاش لصلتها بزرع الأعضاء، يموت
جذع المخ بتفاقم الإصابة التي تعلوه في
المخ نفسه، إما نزيفا أو تهتكا أو قطعَ
مدده الدموي أو زيادةَ ضغط داخل الجمجمة
الصُّلبة تكبسه من أعلى فتحشُرُه حشرا في
الفتحة العظمية التي تحته. وهنا تتغير
التسمية فبدلا من أن نقولَ «موت المخ»
نقول «موت جميع المخ» أو نؤكِّدُ أكثر
فنقول: «موت جميع المخ بما فيه جذع المخ».
ونعترف أن هذه التسميات قد تكون مثارَ
التباسٍ خارجَ محيط الأطباء بل أيضا في
محيط الأطباء من غير المحققين وقد
شَهِدْتُ هذا الخلط. ولهذا يفكرون في وضع
تسميات جديدة. لكن
قد يموت جذع المخ بآلِيَّةٍ أخرى خاصةٍ به
(رسم 3 أ، ب) والمثال الأكبر لذلك هو حالاتُ
الإعدام شنقا. فالرأس محمول على الفقرة
الأولى ورباطهما وثيق لا يسمح إلا بانزلاق
الرأس عليها أماماً وخلفاً. والفقرة
الأولى محمولة على الثانية التي لها
زائدةٌ عظمية محورية تصعدُ خلال ثقب في
الفقرة الأولى مقدَّمُه عظميّ ومؤخره
رباط ليفي. فإن دارت الرأس يمنةً ويسرةً
فإنما تدور هي والفقرة الأولى معا حول هذا
المحور العظمي للفقرة الثانية. وليس
الإعدامُ شنقا إلا إلقاءَ وزن الجسم فجأة
فينزاحُ للخلف فتقطعُ العظمة المحورية
الرباط الذي كان يمسكها فتهرسُ جذع المخ
الذي يحاذيها وهذا نفاذ الإعدام (رسم 3A). هل ماتت آنذاك أعضاء الجسم وخلاياه؟ لا.
ومعلومٌ أن القلبَ يظلُّ ينبضُ دقائق. ولو
سلمنا جدلا بأننا سبقنا الموت إلى القلب
فزودنا المريض بمضخة تنفسية تُزوِّد
الدورة الدموية بالأكسجين ومن ثم القلب
يظلّ نابضا يستمرُّ في ضخ الدورة الدموية
بأكسجينها إلى الأعضاء بما فيها القلبُ
نَفْسُه فيما يعرف بالإنعاش الصناعي. ولا
تَسْمَحُ أخلاقياتُ الطب بأمثال هذه
التجارب، وإنما تعنينا هذه الحالاتُ
الراقدة في المستشفيات مشبوكة فعلا في
المضخات التنفسية ولا يجرى عليها تشخيص
الموت وإن مات فيها المخ وإنما عندما
يتأكد موت جذع المخ. فهل
لموت جذع المخ من تشخيص؟ نعم.. العلامات
السريرية التي بينها الزملاء. ولكن ألا
توجد حالات تشبهه وليست به؟ بلى.. أن يكون
المريض أخذ مسكنات أو مهدئات، أو مصابا
بتسمم من أي نوع، أو تكون درجة حرارة جسمه
انخفضت تحت المعدَّل. فهذه تُستبعد تماما
من التشخيص. وهنا لطيفة أخرى، فإن بعض
الأوراق جعلتْ برودة الجسم شرطا لتشخيص
الموت والعلماء يرونها استبعادا لهذا
التشخيص. ولكن
ألا يحسن أن يؤجَّلَ إعلانُ الوفاة ساعتين
كما هو متبع حتى الآن؟ وهنا يقولون بل لا
بد من ست ساعات ثم ست ساعات يعادُ بعدها
الفحص. وليطمئنَّ القلب، لا قلب المريض بل
قلب الطبيب، يزوَّدُ المريض بشحنة مركزة
من الأكسجين خلال مضخة التنفس ثم يفصل عن
هذه المضخة لنتأكد أنه لا يتنفس. ولكن أما
من تأكيدات مختبرية لذلك؟ أجل.. انعدام
الدورة الدموية في المخ باستعمال الصبغات
الشعاعية والموجات فوق الصوتية وقياسات
النظائر المشعة واختفاء النشاط الكهربائي
ورصد التغيرات الكيميائية، وكشأن التقدم
العلمي دائما ينفتح باب جديد من الدراسة
العلمية للموت رصدت له الميزانيات وتقرر
له مؤتمرٌ كلَّ سنتين وينهض له الأفذاذ من
العلماء وليتنا من بينهم. ويدور
السؤال فما موقف العالم من هذا الأمر؟
فالموقف ما ذكرنا. ونسأل هل بالإجماع؟
فنقول هيهات! هناك من يخشى أن يزيف الأطباء
موت المخ لينتزعوا أعضاء الأحياء
للزراعة، وهناك من يرفض الاعتراف بالموت
ما دامت بعض الأعضاء أو الغدد أو الأنسجة
مستمرة في وظائفها، وهناك خلفيات دينية
ترفض أصلا فكرة زراعة الأعضاء فترفض كل ما
ييسرها ويمهد لها، وتوصي البوذية بتفويض
هذه الأمور إلى الطبيعة بدلا من التداخلات
الإنسانية المعقدة.. ولو شاء ربك لجعل
الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. ثم
أنني لاحظت في بعض الأوراق هنا جنوحا إلى
إقحام الأمور الغيبية في المسائل العلمية
في غير توفيق. ولا أنكر على الطبيب أن
يتناول الفقه لكن بشرط أن يكون له فيه نصيب
من الدراسة والوعي، وليس كل طبيب مثل عصام
الشربيني أكرمه الله. ونعى
بعض الإخوة على الحضارة الغربية افتراسها
للفرد هناك واستغلاله وانتهاك حقوقه،
وأنا رجل مسلم مؤمن ومع ذلك أتمنى أن تكون
حقوق الفرد عندنا عشر معشار ما عندهم.. ومن
اللوائح والنظم والضمانات والرقابات
والاحتياطات لديهم ما يطمئن، عدا جيش من
أسماك القرش هناك اسمه «المحامون» يتربص
ويتلمظ لأية واقعة تنتهك فيها حقوق مريض! وحمدت
الله على دينه الذي ارتضى لنا. وعلى شريعة
وسعت المساحة للعقل أن يفكر ويجتهد، وعلى
فقه استنبط منذ قرون طوال قاعدة «حركة
الذبيح» التي اعتمدت الإصابة القاتلة حتى
والمصاب لم يزل يُرِي علامات حياة، وعلى
فتح المجال للتغيير مع تغير المعارف فلم
تعد «حركة الذبيح» نتيجة طعنة تخرج
الأحشاء بل موتَ المخ وجذعه، دون أن
نجرِّمَ الفقه القديم أو نحجم عن الجديد
أو ندعي له الخلود.. فأحكام الفقه فيما لا
نص فيه مبنية على غلبة الظن ما وجد الدليل
الصحيح وعلى أنه أينما كانت المصلحة فثم
شرع الله. الرئيس:
دكتور ممدوح جبر: شكراً للأخ الدكتور حسان
حتحوت على محاضرته القيمة والآن نفتح
الباب للمناقشة ونبدأ بالدكتور عبدالمنعم
عبيد وأرجو من الدكتور عبدالمنعم عبيد
الاختصار لأن الموضوع قد أثار الكثير من
الأشجان، ولقد طلبت 5 دقائق وأرجو أن
تختصرها إلى دقيقتين إن أمكن. |