كلمة الافتتاح لمعالي الدكتور

عبدالرحمن عبدالله العوضي

رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها الإخوة الأعزاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته?

 

يسعدني أن أرحب بحضراتكم في بلدكم الثاني الكويت إخوة أعزاء على المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

 

أيها الإخوة، لقد اعتادت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية منذ إنشائها أن تتصدى للمشكلات الطبية الحديثة التي طرأت على الممارسات الطبية كنتيجة حتمية للتقدم العلمي في كل مناحي الحياة.

 

فعقدت العديد من الندوات، جمعت فيها أهل الطب من جهة، وعلماء الفقه الإسلامي من جهة أخرى، لتبيان مدى الحل والحرمة في كل جديد دخل عالم الطب، وتدارسنا في هذه الندوات كل الجوانب الطبية التي تحيط بهذه المشكلات بصورة علمية محايدة حتى لا يحيد الرأي الإسلامي، وظهرت الشريعة الإسلامية عملاقة شامخة لتستوعب كل المحدثات التي عرضت على أساتذة الفقه الإسلامي، وإحدى هذه الصعوبات كانت «تعريف الموت». قبل عام 1985 ظهرت هذه المشكلة على الساحة العالمية ومثلت انعطافا خطيرا في المفهوم الإنساني، حيث بدأ العلماء في الغرب يبحثون طرق تشخيص الموت، خاصة في موتى الحوادث، وقرار إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي بعد أن يصبح الجسم الإنساني معتمدا عليها ولا يمكن أن تستمر فيه الحياة من دونها، وبدأت الساحة العالمية تتساءل في قلق شديد: هل يؤخذ بالمفهوم السابق وهو خمود كل أعضاء الجسم أو يؤخذ بموت جذع المخ رغم وجود بعض مظاهر الحياة وخاصة في القلب والرئتين؟

 

وأدلى كل فريق بدلوه، وظهرت الأبحاث الكثيرة، ولم تتوقف الأبحاث حتى الآن، وظهرت بروتوكولات عديدة لعل أشهرها هلسنكي ومنوسوتا وهارفارد ونوتنجهام وهافانا وسدني وكثير غيرها، وبدأ كل بلد يأخذ ما يراه مناسبا له لاستصدار شهادة الوفاة.

 

وظهرت الآراء العقائدية المختلفة; فاليهودية أدلت بدلوها، والجماعات المهتمة بالأخلاقيات الطبية عبرت عما تقتنع به، وغاب الرأي الإسلامي عن هذا الموضوع المهم والحيوي. وكان لا بد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن تتصدى للمشكلة، فدعت الأطباء والفقهاء لندوة للاستماع والبحث والمناقشة، وكانت من أصعب الندوات في تاريخ المنظمة; لأن المشكلة تتمثل في أن الظاهر يخالف الواقع، فكيف تصدر شهادة وفاة بذلك؟ والفقيه بطبيعته حساس تجاه مثل هذه المسائل، لأنه يخشى أن يصدر حكما بالقتل على إنسان حي، ومن ثم فهو يأخذ دائما بالأحوط، ولكن سعة الأفق ورحابة الصدر بين الطرفين كانت الوسيلة المثلى لما يجب أن يكون عليه الاجتهاد الجماعي، فلم يعد لدينا لا الفقيه الموسوعي ولا الطبيب الموسوعي مثل ابن رشد الفيلسوف المشهور صاحب الكليات في الطب وبداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه، والذي قيل عنه «كان يُهرع لفتواه في الطب كما كان يُهرع لفتواه في الفقه» لذلك كان الحوار ساخنا في كل الأوقات، والجميع يسعى إلى الحقيقة، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، وصدرت التوصيات في هذا المجال، وأعمال الندوة خير شاهد على هذا.

وعند دراستنا لهذا الموضوع لم تكن زراعة الأعضاء آنذاك تطرق الأبواب، بل إن المنظمة درست موضوع زراعة الأعضاء بعد هذا الموضوع بأربع سنوات.

 

بعد هذه المقدمة التي أردت أن تكون بسيطة مختصرة عن نشاط المنظمة في هذا المجال، أحب أن أضع أمامكم الأمور الآتية:

 

أولا: نحن جميعا في هذه القاعة فريق واحد يبحث عن الحقيقة، قد تختلف وجهات النظر حول الموضوع، ورغم أن هذه الاختلافات ظاهرة إنسانية فإنني أرجو ألا تكون سببا للخلاف بيننا وألا تفسد للود قضية، فالرسول e يقول: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون» والإمام مالك رضي الله عنه يقول: «كل واحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر» وكان يشير إلى قبر سيد البشر رسولنا الكريم e.

 

ثانيا: إن أهم ما تبحث عنه المنظمة هو المصالح المرسلة التي حددتها الشريعة الإسلامية في مقاصدها الخمسة: «حفظ الدين والنفس والمال والنسل والعقل»، فكيف تحفظ هذه المقاصد بحياة عليلة سقيمة؟!

 

ولن تستقيم حياة الأمة إلا إذا كانت قوية معافاة صحيحة. وهذه لن تتأتى إلا بأمرين اثنين: الإيمان القوي، والعلم النافع. والعلم الذي أمرنا ديننا الإسلامي الحنيف أن نطلبه ونسعى في طلبه هو العلم الذي يعود على البشرية بالخير والنفع، وقرآننا فيه ما يزيد عن خمسمائة آية تحثنا على طلب العلم وتفرضه علينا، وقد وصف الإمام الشافعي الطب بصفة خاصة فقال: «لا أعلم علما أنبل ولا أشرف من الطب غير العلوم الشرعية».

 

ثالثا: نحن مطالبون بالبحث العلمي والتغلب على مشكلاتنا الصحية، إلا أن عجلة البحث العلمي قد توقفت في بلادنا، وأصبحنا عالة ومستهلكين لكل التقدم العلمي، وضاعت فرص كثيرة على العالم العربي والإسلامي في التنمية لو كان بدأها لحصدنا نتائجها اليوم، وسنواجه بأخطر ما ووجهت به الأمة وهو اتفاقية الجات، ليضيع ما بقي لدينا من مؤسسات علمية بسيطة.

 

رابعا: إن هذا التقدم في العالم يدق أبواب بلادنا شئنا أو أبينا، فكان علينا أن نتدارس كل هذه الأمور بما يتوافق مع تعاليم شريعتنا، فإن جاءت متطابقة مع إسلامنا قبلناها وإن كانت غير ذلك رفضناها.

 

خامسا: الموضوع الذي نحن بصدده اليوم «تعريف الموت البشري» موضوع خطير لأنه يمس كيان الإنسان من حيث هو إنسان، ورغم أن المنظمة عقدت ندوة فقهية طبية عام 1985 بهذا الخصوص، فإنها آثرت أن تعقد هذه الندوة بحثا عما استجد على الساحة العالمية، وقررت أن تؤجل انعقادها إلى ما بعد مؤتمر سان فرانسيسكو في الفترة ما بين 17-19 من نوفمبر 1996م الذي شارك فيه ثلاثة مندوبين عن المنظمة للاطلاع على أحدث ما وصل إليه العلم في هذا المجال ولتزويد ندوتنا هذه بما شاهدوه وسمعوه بكل الصدق والأمانة. والتقرير بين أيدي حضراتكم لتكونوا على بينة من أحدث الأبحاث في هذا المجال، ولن أعلق عليه لكي لا يعد هذا مصادرة للآراء، وسأترك لحضراتكم مناقشة الأبحاث التي بين أيدينا لنصل في النهاية إلى قرار واضح وصريح.

 

سادسا: إن المشكلة مشكلة مهنية بحتة، والأمانة تقتضي أن تُعرض الآراء بأمانة وإخلاص في أي محفل أو لقاء، لأن إخفاء جزء من الحقيقة جريمة أمام الله وأمام الناس، فلا غاية لنا من الوصول إلى الحقيقة سوى إرضاء رب العالمين ودفع المسيرة الصحية إلى الأمام، ومساندة عجلة التنمية لدولنا العربية والإسلامية لترتفع الهامات ويكون لنا دور في المسيرة الإنسانية.

 

سابعا: مع أن ندوتنا هذه طبية - وغاب الجناح الآخر عنها وهو الفقه، ولسنا في معرض تبيان الحلال والحرام - إلا أن نتائج هذه الندوة سوف تؤدي إلى استصدار الفتوى بالتحليل أو التحريم، ولذلك يجب أن نفرق بين أمرين: الأول هو مدى الحل والحرمة في هذه الأمور الجديدة، وأصحاب القول الفصل في هذا الأمر هم علماء شريعتنا الإسلامية الغراء، أما الأمر الثاني - وهو الذي يبدو أن له السيطرة على الساحة العربية والإسلامية، والعالمية أيضاً - فهو الممارسات غير الأخلاقية، وهذان أمران مختلفان تمام الاختلاف، فهذه الأخيرة صفة بشرية، فلقد خلق الله الإنسان وخلق فيه الخير والشر، وخير ما قيل في هذا الموضوع قول رب العالمين واصفا النفس البشرية: «ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها»، وهنا نلاحظ أن الفجور جاء قبل التقوى، ولذلك فإن الخلافات في هذا المجال يجب ألا تزعجنا بل علينا أن نقومها ونواجهها بما يردعها ونصحح مسارها وأن نتصدى لها جميعا.

 

والانحرافات ليست مقصورة على فئة معينة ولا قطر بعينه، لكنها تمارس على امتداد العالم شرقه وغربه، فقيره وغنيه.

 

إن الأخذ بالتقدم العلمي ليس بدعة بل قد يكون فرض عين، فلولا مسايرتنا لهذا التقدم ما وصلنا إلى ما نحن فيه من اكتشافات جديدة في التشخيص والعلاج والدواء لإنقاذ الآلاف بل الملايين من المسلمين وغير المسلمين، ولم يفرق العلم بين فقير وغني بل الجميع سواسية.

 

قد تكون التكنولوجيا مرتفعة الثمن في بدايتها ولا يقدر عليها إلا الأغنياء، وبمرور الزمن يصبح كل شيء ميسراً ويستفيد منه الجميع، والأمثلة كثيرة في عالم الدواء والتشخيص والعلاج.

 

لذلك فإن معيار رفض أي تقدم علمي هو مدى الاتفاق والاختلاف مع الشريعة الإسلامية.

 

وبهذا يعيش المجتمع المسلم في ظل حضارته الإسلامية متكاملا بعضه مع بعضه الآخر.

 

أدعو لحضراتكم بالتوفيق شاكرا لكم تجشمكم مشقة السفر رغم مشاغلكم الكثيرة، وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على اهتمامكم وحبكم لإسلامكم ومصلحة أبناء أمتكم مهما كلفكم ذلك من مشقة.

 

)ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب}.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته???