موت جذع المخ

مراجعة ومناقشة

الدكتور عصام الشربيني

استشاري الأمراض الباطنية

م. الصباح - الكويت

الموضوع الذي تبحثه ندوتنا هذه، سبق أن بحث في ندوة نظمتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت في يناير 1985م، وشارك فيها نخبة من الأطباء من مختلف التخصصات، ونخبة من أساتذة الفقه وأهل الفتوى، عرضوا لجوانب القضية المختلفة، وأصدروا بعد حوار مفصل بين الفقهاء والأطباء توصيات سبق نشرها.(1)..

 

وتحرص المنظمة كعادتها، على متابعة بحوثها وندواتها وتوصياتها، ورصد ما يجد حولها من وجوه المعرفة، أو شواهد التجربة، لتنظر ما يؤيد ويؤكد ما انتهت إليه، أو ما يعارضه وينقضه.

 

وندوتنا هذه استمرار مبارك إن شاء الله لهذه الجهود الطبية.

وموضوع الندوة يتعرض بالضرورة لثلاثة جوانب:

1ـ الموت.

2 ـ وقف أجهزة الإنعاش.

3 ـ زراعة الأعضاء.

وأحب في مبدأ حديثي أن نتفق على أمور محددة:

 

أولا: أنه لا يوجد نص شرعي يحدد تعريف الموت، فلا بد إذن أن يحدد باجتهاد بشري وفق قواعد الاجتهاد المعروفة.

 

ثانيا: أن الاجتهاد البشري يبنى على معرفة بشرية وفهم بشري، وأنه قابل للتغيير كلما تغيرت المعارف البشرية، أو سبل فهم هذه المعارف، وإن كانت القواعد الشرعية لم تتغير، مع التسليم بأن المعرفة البشرية وفهم دلالاتها، وكذلك الاجتهاد المترتب عليها، كلها أمور قابلة للخطأ والصواب، ومن ثم للمراجعة والمناقشة..

ثالثا: أن احتمال ظهور معارف جديدة في أمر من الأمور، أو احتمال الخطأ في فهمها، أو في تنزيل الأحكام الشرعية عليها، ليس مبررا للتوقف عن الاجتهاد فيما نحتاج إليه، في حدود ما تيسر لنا من وسائل الاجتهاد، فإنه {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.(2).، ولنا الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يمنعه احتمال الخطأ في القضاء أن يقضي بين الناس; روى البخاري ومسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر مثلكم، وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار».(3)..

 

رابعا: أن تتسع صدورنا للاستماع لمختلف الآراء، ومناقشة أدلتها مناقشة موضوعية، سعيا وراء الأفضل، وأن نجتهد في تجنب ما يقع فيه البعض، ولو بحسن نية، من اعتقاد الرأي أولا، ثم التماس الحجج له بعد ذلك، فما أكثر ما يؤدي ذلك إلى ضعف الاستدلال، ثم إلى افتعال الأدلة واعتساف النصوص، وسوقها للاستدلال بها على ما لا تدل عليه.

 

كما يؤدي إلى محاولة الإثارة - أو الاستثارة - الدينية أو العلمية - بالاستشهاد بآيات وأحاديث في غير موضعها، أو بادعاءات طبية لا تثبت للتمحيص.

 

والصحافة - ومنها الطبية - قد تلجأ للإثارة لجذب القراء إلى قراءة موضوع بعينه، والتاجر قد يلجأ إليها لجذب الأنظار إلى بضاعة يرجو رواجها، أما في مثل موضوعنا الذي نبحثه فقد لا تستحق إيرادها، أو الرد عليها، لأنها إن جاز أن تؤثر في عامة الناس أو في غير ذوي النظر من الأطباء أو المرضى، فإنها ستعرض في نهاية المطاف على أساتذة في الفقه أو الطب لهم في تخصصاتهم قدم راسخة، يزنون كل رأي بل كل كلمة? وربما كل حرف، بموازين دقيقة.

تحديد الموت

والأمر هين عندما يحدث الموت في الظروف التي اعتدنا أن نشاهدها في بعض أقاربنا أو جيراننا.

 

إلا أنه ظهرت في علوم الطب والصراع مع الأمراض والجراحات معارف جديدة نمت وتطورت وتراكمت واستقرت على مدى سنين طويلة في مختلف بلدان العالم.

 

ونتج عن ذلك، فيما يتعلق بالمرض والموت، مشكلتان متربطتان ببحثنا هذا، وندوتنا هذه:

 

الأولى: أجهزة الإنعاش واتخاذ قرار بوقفها أو نزعها حين يعتقد الأطباء المعالجون، وفق المعرفة البشرية المتوفرة، أنه لم يعد لاستمرارها جدوى، أو قرار بنقلها من مريض لم تعد تقدم له نفعا إلى آخر يرجى أن تساعد على إنقاذ حياته.

 

الثانية: نقل الأعضاء; كلية أو كبد أو قلب... إلخ; من ميت إلى حي، أو من حي إلى حي بالتبرع إذا لم يهدد ذلك حياة المتبرع.

 

ومن الواضح أنها أمور تنشأ في ظروف تصحبها ضرورات عاجلة، أو حاجات ملحة والضرورات كما نعلم تبيح المحظورات - والحاجات أحيانا قد تنزل منزلة الضرورات.

 

وما أسهل وأيسر أن نغلق الباب، ونكف آذاننا وأبصارنا عن كل جديد، وننتظر حتى يتأكد موت الحي، ولكن هل نكون حينئذ قد أدينا واجبنا، وقمنا بما يوجبه علينا فرض الكفاية، الذي نقوم به نيابة عن الأمة جميعها؟

 

إن الأطباء يعملون، ويبحثون ويجتهدون وقد وضعوا نصب أعينهم قول الله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا..}.(4)..

 

وما أحسن ما نقله إلينا في ندوة سابقة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي من قول سفيان الثوري رضي الله عنه: «الفقه هو الرخصة عن ثقة.. أما التشدد فيحسنه كل أحد».

 

تعارض المصالح:

ولم يزل الأطباء، من قبل أجهزة الإنعاش ومن قبل زرع الأعضاء، يتعرضون لمواقف صعبة، تقتضيهم اتخاذ قرارات عاجلة في أمور تتعلق بالحياة والموت، وقد تختلف فيها الآراء، وتتعارض فيها المصالح، كما يحدث في الحوادث والكوارث والحروب، عندما يحال إلى المستشفى في وقت واحد عدد من المصابين أو الجرحى أكبر من عدد الجراحين وغرف العمليات، فمن يعالج أولا؟ الذي وصل أولا، أو الأشد خطورة، أو من يستغرق علاجه وقتا أقصر حتى نتمكن من علاج غيره، أو من نعتقد أن احتمال إنقاذ حياته أرجى وأرجح من احتمال إنقاذ غيره.. إلخ؟

 

وهي مسألة معروفة في كتب الفقه عندما تتعارض مصلحتان، لا تدرك إحداهما إلا بتضييع الأخرى أو عندما يقع ضرران، إذا دفعت أحدهما وقع الآخر، ولا بد من اختيار..

والقرار يتخذ حينذاك باجتهاد بشري، وفق ما يتوافر، في ذلك الوقت وذلك المكان، من خبرة أو إمكانات، وقد يظهر فيما بعد خطؤه أو صوابه. ولكن لا بد من اتخاذه على خير وجه مستطاع.

 

والآن إلى أي الآراء انتهت الندوة السابقة؟

 

1 ـ وضح للندوة بعد عرض الأطباء أن تشخيص موت جذع المخ هو المعتمد عليه عندهم في تشخيص موت الإنسان، وتشخيص موت جذع المخ له شروط واضحة، بعد استبعاد الحالات التي يشتبه في إمكان علاجها، وإن في وسع الأطباء إصدار تشخيص مستقر يطمأن إليه بموت جذع المخ.

 

2 ـ واتجه رأي الفقهاء بناء على هذا العرض إلى أن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة مستيقنة هي موت جذع المخ يعد قد استدبر الحياة، وأصبح صالحا لأن تجرى عليه بعض أحكام الموت قياسا، مع فارق معروف، على ما ورد في كتب الفقه خاصا بالمصاب الذي وصل إلى حركة المذبوح، وتوقفوا في إجراء بقية أحكام الموت عليه.

 

3 ـ كما اتفق الرأي على أنه إذا تحقق موت جذع المخ جاز حينئذ وقف أجهزة الإنعاش الصناعية.(5)..

 

هل من جديد؟

فهل جد من المعارف الطبية ما يجعل الأطباء والفقهاء ينقضون هذه الآراء؟

 

إن تعريف الموت بأنه «الزوال التام الدائم والأكيد لكل علامات الحياة من جميع أجزاء الجسم».(6). لم يعد يستقيم مع الحقائق الثابتة حاليا، فلو تبرع إنسان سليم بأحدى كليتيه، وزرعت في مريض بالفشل الكلوي ثم حان أجل السليم ودفن في قبره، واستمرت كليته تؤدي وظيفتها في جسم المريض هل نمسك عن اعتبار المتبرع ميتا لأن أحد أعضائه حي؟ ويقال مثل ذلك عن الخلايا التي تؤخذ من إنسان، ونستزرعها في أطباق في المختبر، يموت صاحبها وتستمر هي في الحياة منتجة جيلا بعد جيل، ويمكن الاستطراد في الأمثلة المشابهة..

 

أما عن القول بأن الأيض (الاستقلاب أو التمثيل الغذائي) هو أكثر علامات الحياة وضوحا.(7). فنقول نعم: حياة الخلية أو حياة النسيج أو حياة العضو، وليس حياة الإنسان.

ويضيف الدكتور رؤوف سلام: ليس صحيحا أن تعريف الموت «هو توقف القلب والتنفس» ولكن الصحيح أن هذا التوقف من وسائل التعرف على الموت.(8)..

 

فهل يمكن من الناحية العلمية أن يقال هذا عند حدوث موت جذع المخ؟

حقيقة أو وهم

 

لقد كفانا الأستاذ الدكتور مختار المهدي الرد على القول بأن موت جذع المخ مجرد مفهوم تبناه بعض المختصين.. إلخ وليس حقيقة.(9)..

 

وسواء كان حقيقة أو مفهوما فإنه عند حدوثه بشرائطه المحددة يصبح من المؤكد أن الإنسان قد استدبر الحياة إلى غير رجعة.

 

ولم يتقبل الأطباء بسهولة هذه الحقيقة إلا بعد سنين طويلة من التحري والبحث والتمحيص والمراقبة، وفي سنة 1976 انعقد في بريطانيا المؤتمر المشترك للكليات الطبية الملكية وحدد الشروط الواجب توافرها لتشخيص موت جذع المخ، وأصبحت بعد ذلك تعليمات قائمة من السلطات الصحية البريطانية إلى الأطباء العاملين في المملكة المتحدة.

 

وأجريت بعد ذلك دراسات للتأكد من صحة هذه الشروط.(10).:

 

فتمت مراجعة ملفات سبعمائة حالة تم فيها تشخيص موت جذع المخ، ولكن أجهزة الإنعاش لم توقف لسبب أو لآخر، فوجد أن الحالات جميعها ماتت (موتا أكيدا بأي مقياس من المقاييس المختلفة)، إذ توقف القلب بعد ساعات أو أيام قليلة رغم استمرار الأجهزة، ولم تعد حالة واحدة منها إلى الحياة رغم كل الجهود [فهل نعد موت جذع المخ موتا وإن استمرت بعض الأعضاء حية، كما نعد توقف القلب موتا وإن استمرت بعض الأنسجة حية]؟

 

ثم أعيد النظر في الموضوع من زاوية أخرى: روجعت ملفات ألف حالة أدخلوا إلى المستشفيات في حالة غيبوبة عميقة إثر إصابة بالغة بالرأس، وتمت معالجتهم، وكانوا جميعا أحياء عند إجراء الدراسة، أي بعد ثلاثة أشهر من إصابتهم، وكان هدف الدراسة الإجابة عن سؤال واحد «هل كان من الممكن أن يشخص موت جذع المخ في أي من هذه الحالات؟» ولم يجد الباحثون حالة واحدة من الحالات الألف استوفت شروط هذا التشخيص حتى في أسوأ مراحل الإصابة [فإذا اتضحت صحة التشخيص فيمن ماتوا، ولم يقع التشخيص خطأ فيمن عاشوا (أكثر من ألف حالة)، فهل يكون ذلك دليلا مقنعا على أنه تقدير صحيح، وأنه تشخيص يطمأن إليه]؟

 

تفاوت الشروط

ما ذكر في الأبحاث المقدمة من الاختلاف حول تشخيص موت جذع المخ والشروط اللازمة لذلك، من بلد لآخر، أو من ولاية لأخرى في البلد نفسه، ليس في الواقع غير تفاوت في وسائل درجات التأكد من توافر هذه الشروط، مثل الزيادة المطلوبة في نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم، عند فحص إمكان عودة التنفس الطبيعي للمريض، أو اشتراط أو عدم اشتراط إجراء رسم كهربائي للمخ، أو التصوير الشعاعي لشرايين المخ، أو إعادة هذه الإجراءات مرة أو أكثر عند الشك بعد 6 ساعات أو 12ساعة... إلخ، أما الشروط الأساسية نفسها فلا خلاف عليها، [وأما القول بأن هذا الاختلاف يعني أن الشخص الواحد يمكن أن يعد حيا في ولاية ويعد ميتا في ولاية أخرى، وبالتالي نرفض فكرة موت جذع المخ من أصلها]، فهذا لعمري منطق أشبه بمنطق ابن الرومي في تعليقه المشهور على الخلاف الفقهي بين الحجازيين والعراقيين حول شرب النبيذ:

أحل العراقي النبيذ وشربه                         وقال: حرامان المدامة والسكر

وقال الحجازي: الشرابان واحد           فحل لنا من بين قوليهما الخمر

سآخذ من قوليهما طرفيهما                     وأشربها ما فارق الوازر الوزر

 

أدلة مرفوضة

نشر تقرير في مجلة طبية بعنوان: «متلازمة جويان باريه Guillain Barre شخصت خطأ موت جذع المخ»، (وهو مرض قابل للشفاء) وعندما نتجاوز العنوان إلى ما بعده نجد الكاتب يقول: «كان من الممكن أن نشخص الحالة خطأ كموت لجذع المخ. لولا كذا وكذا..?»? ثم يضيف بعد ذلك أن الحالة لم تستوف الشروط اللازمة لتشخيص موت جذع المخ; أي أن التشخيص لم يقع والخطأ لم يحدث!».(11)..

 

وبهذا يكون هذا التقرير شاهدا على صحة الشروط المذكورة وإن كان قدم لندوتنا للاستدلال به على عكس ذلك.

 

ومن أهم هذه الشروط أن يكون المريض في غيبوبة عميقة ناتجة، «بغير شك»، عن تلف بالغ بالمخ، غير قابل للعلاج، وسببه معروف، (مثل إصابته بالرأس أو نزيف بالمخ أو عمل جراحة بالمخ.. إلخ)، مع استبعاد أسباب بعينها (لأنها قابلة للعلاج) أي أنه إذا لم يعرف السبب أو كان قابلا للعلاج فإنه لا يتم تشخيص موت جذع المخ، بل لا يوضع أصلا في الحسبان، ولا تجري فحوص للتأكد من حدوثه.

 

الغيبوبة

ونعود هنا إلى موضوع الغيبوبة الذي يعاد ترديده، إن الغيبوبة طالت أو قصرت، واستعادة الحياة بعدها ليست شاهدا على شيء مما نناقشه، لأن الغيبوبة شيء غير الموت وغير موت جذع المخ، نعم هي مجرد شرط من الشروط الواجب توافرها قبل الحكم بموت جذع المخ بجانب شروط أخرى، ولكنها قد تحدث في إنسان لا اختلاف على حياته.

وقد تكرر هذا الإيضاح في كل الندوات والمؤتمرات، في بلادنا وفي غيرها، ومن حق الإخوة غير الأطباء وبصفة خاصة الفقهاء، أن يعيدوا السؤال والاستفسار والاستيضاح حتى تطمئن قلوبهم، ولكن المستغرب أن يتكرر شيء من ذلك من أحد الأطباء، وهي حقيقة طبية يتوقع ألا يغفل عنها طبيب، وأغرب من ذلك أن يكون نقلا عن جريدة سيارة.

وللصحافة دور هام أشار إليه الدكتور مختار المهدي في بحثه - وذلك على المستوى الإعلامي، وليس على المستوى العلمي، والصحافة نفسها لا تزعم ولا تحرض على أن تكون أخبارها على مستوى الدليل العلمي في قضية من القضايا.

 

تجربة حاسمة

ربما كفانا كثيرا من النقاش، التجربة المثيرة التي أجراها أستاذان يهوديان في إحدى جامعات نيويورك، أتيا بشاة حامل قريبة من وقت الوضع، ثم فصلا رأسها عن جسدها، وأوصلا الجسد بجهاز التنفس لحفظ الأعضاء حية، واستمر قلبها ينبض وضغط دمها في الحدود الطبيعية لساعات عدة، ثم أجريت عملية قيصرية، استولدا بها حملا حيا.. وأظهرا بذلك أن القلب النابض أو الجنين الحي ليسا دليلا على الحياة إذا كان الجسد يعتمد على جهاز التنفس الصناعي.(12)..

 

وهذه التجربة تجاوزت بكثير ما كنا نفعله عند أول التحاقنا كطلبة بكلية الطب، ندخل مختبر وظائف الأعضاء، ونأخذ حيوانا صغيرا، نقطع نخاعه الشوكي حتى لا يحس، ثم ننزع القلب من الجسم فنضعه في محلول يوفر له شيئا من الغذاء وشيئا من الهواء فيستمر القلب في النبض، وننزع عضلة متصلة بعصب، نثبت أحد طرفيها على لوحة، ونربط الطرف الآخر بخيط ينتهي إلى ريشة تكتب على شريط متحرك، وننبه العصب أو العضلة بتيار كهربائي ضئيل فتنبض العضلة وتكتب الريشة.

 

ونخلص إلى أن الشبهات والاعتراضات التي أثيرت لم تغير من صحة هذه الشروط فهي لا زالت قائمة.

 

وقف أجهزة الإنعاش

لا يرى السادة الفقهاء مشكلة في ذلك فأي إجراء علاجي يغلب على ظن الأطباء أنه لا يحقق نفعا للمريض، فلا داعي لاستمراره.(14)..

 

ومن هنا كانت توصية الندوة السابقة بجواز وقف الأجهزة إذا تم تحقق موت جذع المخ.

 

ونأتي الآن إلى زراعة الأعضاء

 

نقل الأعضاء لا يتم عادة إلا في ظروف تنطبق عليها أحكام الضرورة، لإنقاذ حياة مريض، وإذا وجد البديل فلا نقدم عليها، ونعلم أن الضرورات تبيح المحظورات.

 

أما في حالات ترقيع القرنية فلا ضرورة; لأن الحياة غير مهددة بصفة مباشرة، وإنما تجرى لحاجة هي استعادة البصر، ونعلم كذلك أن الحاجات قد تنزل منزلة الضرورات.

 

فإذا كنا قد توصلنا إلى إقناع السادة الفقهاء بأن من وصل إلى حالة موت جذع المخ قد استدبر الحياة إلى غير رجعة، وأصبح في حالة تشبه حركة المذبوح، وإذا كنا أجزنا (فقهيا وطبيا) وقف أو نزع أجهزة الإنعاش إذا غلب على الظن أنها لم تعد تجدي نفعا في علاج المريض، ونحن نعلم أن وقفها يتبعه على الفور توقف القلب والتنفس (أما استمرارها فلا يمنع توقف القلب بعد ساعات أو أيام قليلة)، فهل يمكننا - في ضوء الضرورة - بدلا من إيقافها عند تشخيص موت جذع المخ - أن نتركها تعمل حتى نتمكن من أخذ أعضاء ممن استدبر الحياة بغير رجعة لننقذ بها حياة مريض آخر؟

 

هذا سؤال نترك الإجابة عنه للسادة الفقهاء.

 

وأكرر هنا ما ذكرته في الندوة السابقة: أن الأطباء لا يستعجلون وقف الأجهزة بهدف أخذ عضو أو أكثر للزراعة، بل العكس هو الذي يحدث، بمعنى أنهم عندما يشخصون موت جذع المخ، يؤجلون وقف الأجهزة، حتى يتاح لوليه أن يفكر في روية ويقرر في غير عجلة الموافقة على أخذ أعضاء، إذا شاء، مع المحافظة على صلاحية الأعضاء للزرع خلال مدة التأجيل.

 

جرائم

ونحن في هذه الندوة لا نتحدث عن القتل ولو كان قتل المرحمة Euthanasia? ولا نتحدث عن المثلة، ولا نتحدث عن تجارة الأعضاء من الأحياء أو الأموات، ولا نتحدث عن استئجار نسوة يحملن ثم يسقطن حملهن ليستفاد من أعضاء الأجنة، أو للتجارة فيها.

 

فهذه جرائم نتخذ حيالها الإجراءات اللازمة، وفي الفقه الجنائي متسع لذلك.

 

أضرار محتملة

كما أننا لا نتحدث عن الأضرار التي قد تصيب الحي الذي يتبرع بعضو من أعضائه، أو المريض الذي تلقى عضوا من حي أو من ميت، فلو لم ترجح الفائدة احتمال الضرر لما أقدم عليها أحد.

 

ولم نسمع أن أحدا طلب أن يلغى من قاموس الطب والأطباء العقاقير المخدرة، أو عقار البنسلين أو الأسبرين، بحجة أن الأولى قد تسبب الإدمان وسوء استغلالها واسع الانتشار، والثاني يسبب حساسية تؤدي أحيانا إلى الصدمة والوفاة، والثالث قد يؤدي إلى قرحة ونزيف من المعدة، ولا يزال مئات الملايين من البشر يجنون فوائد صحية جمة من هذه العقاقير.

 

ولنتذكر أن الغلو في التخوف من الأضرار بلغ بأمة من الأمم، في مرحلة من مراحل تاريخها، أنها وأدت بناتها خشية العار، ولولا رحمة من الله وفضل، وآيات حاسمة في كتابه الكريم، لأوشكت بعض المجتمعات المعاصرة أن تقترب مرة أخرى من هذا المنكر الكبير.

 

وقد نهينا عن الغلو في الدين {لا تغلوا في دينكم}.(15). «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».(16).، ونصحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقبل من الله عافيته «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، ثم تلا: وما كان ربك نسيا».(17)..

 

ملخص البحث

1 ـ تحديد الموت اجتهاد بشري يتغير بتغير المعرفة البشرية.

2 ـ موت جذع المخ يمكن تشخيصه وفق شروط واضحة يُطمأَن إليها.

3 ـ ما أثير من اعتراضات وشبهات لا يغير هذه الحقيقة بل زادت الثقة بها على مر السنين.

4 ـ وافق الفقهاء على أن هذه الحالة تشبه حركة المذبوح في كتب الفقه.

5 ـ إقفال أجهزة الإنعاش على من وصل إلى هذه الحالة لا اعتراض عليه.

6 ـ نقل الأعضاء يتم عادة في ظروف تنطبق عليها أحكام الضرورة.

7 ـ السؤال المطروح على الفقهاء هو: ما دمنا قررنا وقف الأجهزة (ويتبعها فورا توقف القلب) فهل نستطيع أن نأخذ بعض الأعضاء لزراعتها قبل هذا الوقف؟

8 ـ احتمال سوء الاستغلال، أو تجاوز القانون والشريعة، لا يعني الحكم بعدم الجواز بل يدعو إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ذلك? دون أن نحرم الناس من الاستفادة بما هو جائز أو واجب.

الكويت أكتوبر 1996


الهوامش

 

(1)ندوة «الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي» الكويت يناير 1985.

(2)سورة البقرة آية 286.

(3)البخاري ومسلم «رياض الصالحين» رقم 224.

(4)سورة المائدة آية 32.

(5)ندوة الحياة الإنسانية.. ص677، 678.

(6)التعريف العلمي الطبي للموت - رؤوف سلام 1996 ص10.

(7)التعريف العلمي الطبي للموت - رؤوف سلام 1996 ص3.

(8)التعريف العلمي الطبي للموت - رؤوف سلام 1996 ص10.

(9)مفهوم وفاة الإنسان... مختار المهدي 1996 ص9، 10.

(10)Jennt B. & al. (Ternet Boal) 1981, B.M.J. 282, 533-34.

(11)T. Hassann & C. Mumford, Post Graduate Med. J. 1991, 67280-281.

(12)Tendler & Shafren. Proceeding of the 1st International Symposium on Brain Death, Itawa, Havana, Coba, Sept. 1992, p.22.

(13)David Bates Medicine International April, 1996, Page. 51.

(14)ندوة الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها (الأساتذة الدكتور القرضاوي ص524 والأشقر 624 - وبدر عبدالباسط 626).

(15)سورة المائدة آية 77.

(16)حديث شريف رواه البخاري - رياض الصالحين رقم 149.

(17)حديث شريف رواه الحاكم وصححه البزار.

 

الرئيس الدكتور محمد هيثم الخياط: شكرا للدكتور عصام الشربيني لهذا العرض الواضح، والبحث التالي للدكتور محمد علي البار فليتفضل: