|
الفشل العضوي النهائي
والآثار المترتبة على موت أحد الأعضاء الرئيسة
الداخلية مثل القلب والرئتين والكبد الدكتور محمد
إبراهيم السبيل في
هذا البحث سوف نحاول إلقاء الضوء على
نتائج موت أحد الأعضاء الرئيسة في الجسم
وما يسبق ذلك من أعراض تؤدي إلى ما يسمى
الفشل العضوي النهائي "End
Stage Organ Disease"
وسوف نقتصر على أربعة أعضاء رئيسة في
الجسم هي القلب والكبد والرئتين
والكليتين. وقد تم استبعاد موت المخ حيث إن
هناك بحثاً منفصلاً فيما يتعلق بهذا العضو. وسوف
نأخذ هذه الأعضاء كلاً على حدة مع أن هذه
الأعضاء جميعاً مترابطة مع بعضها البعض
فيما يتعلق بوظائفها حيث يصعب الفصل فيما
بينها، ولكننا سوف نقوم بهذا الفصل من أجل
التبسيط وتقريب الموضوع للقارئ، ونبدأ
أولاً بنبذة بسيطة عن وظائف هذه الأعضاء
في الأحوال الطبيعية وكيف ترتبط مع بعضها
بانسجام أبدعته قدرة الخالق سبحانه
وتعالى. هناك
عنصران مهمان لبقاء الخلية على قيد الحياة
هما الغذاء والأكسجين. وهذان العنصران يتم
دخولها عن طريق جهازين هما الجهاز الهضمي
والجهاز التنفسي (الرئتان)، ويقوم هذان
الجهازان بتسليم الغذاء والأكسجين إلى
الدم الذي يقوم بدوره بضخ هذا الدم المحمل
بالأكسجين والغذاء إلى كافة أنحاء الجسم
لتستفيد جميع خلاياه من مقومات حياتها.
وتقوم الكلى والكبد بالتخلص من مخلفات
احتراق المواد الغذائية لتكتمل دورة
الحياة في الجسم البشري. وكما هو واضح فإن
دورة الحياة كما ووصفناها حلقة متكاملة،
ويعني تعطل أحد الأعضاء الرئيسة في الجسم
توقف هذه، الدورة وسوف نحاول في هذا البحث
وبعد هذه المقدمة أخذ كل عضو على حدة وشرح
وظيفته أولاً ومن ثم توضيح النتائج
المترتبة على اعتلاله وأخيراً نتائج
توقفه عن العمل. القلب: لا
يعدو أن يكون مضخة تقوم بتوزيع الدم في
سائر أنحاء الجسم، وهو عضلة يمكنها أن
تستمر في الانقباض والانبساط مع فصلها
نهائيا عن الجسم في حالة توفير الغذاء
والأكسجين لها، وهناك عاملان يتحكمان في
مدى فعالية القلب للعمل كمضخة: الأول:
سرعة ضربات القلب (Heart Rate) والثاني:
قوة انقباض العضلات (Contractility) ويستطيع
المخ وعن طريق إرسال إشارة معينة من خلال
الجهاز العصبي اللاإرادي (Autonomic
Nervous System) التحكم في
هذين العاملين ومن ثم زيادة إنقاص فعالية
عمل القلب كمضخة، يضاف إلى ذلك أن هناك
هرمونات معينة تستطيع أيضاً التأثير على
فعالية القلب، وعن طريق هذين العاملين
يتعامل القلب مع المؤثرات الخارجية على
الجسم سواء كانت فسيولوجية كالتمارين
الرياضية والانفعالات أو مرضية كالنزيف
والتسمم البكتيري وغير ذلك، وفي جميع هذه
المواقف فإن القلب لا يزيد عن كونه مضخة
يقوم بتغيير أدواره حسب متطلبات الجسم
البشري ولعل العامل الرئيسي في حدوث
التغييرات هو المخ بطريقة مباشرة وأخرى
غير مباشرة. والآن
ما هي الحالات المرضية التي يمكن أن تؤثر
على أداء هذه المضخة؟ كما
قلنا فإن هذه المضخة عبارة عن عضلة، هذه
العضلة تحتاج إلى الأكسجين والغذاء وهذان
العنصران يصلان إلى القلب عن طريق الأوعية
الدموية، وفي حالة نقص الأكسجين فإن ذلك
يؤدي إلى تحول هذه العضلة إلى ألياف لا
تقوم بعملها كما يجب، ويحدث هذا في حالة
انسداد الشرايين التاجية نتيجة الجلطة
وترسب الكوليسترول في جدران الأوعية
الدموية، وفي حالة تقدم هذه الحالة فإن
الأمر ينتهي إلى حدوث ما يسمى بفشل القلب
النهائي أي أن القلب لا يستطيع القيام
بمهمته في ضخ الدم إلى أجزاء الجسم الأخرى
بسبب قصور عضلة القلب في أداء عملها وفي
حالة عدم استبدال القلب (زراعة القلب) فإن
الأمر ينتهي بوفاة المريض. ما
ذكرناه سابقاً يوضح مثالاً لفشل القلب
بصورة تدريجية، وهناك مثال لما يحدث
بالقلب بصورة حادة وقد يؤدي إلى الوفاة
وهو توقف القلب الفجائي. ومن
المعروف أن خلايا المخ لا تستطيع أن تواجه
نقص الدم (الغذاء والأكسجين) لأكثر من أربع
دقائق أي أنه في حالة عدم وصول الدم إلى
المخ لهذه الفترة فإن الخلايا العصبية
تتوقف عن العمل وتحصل الوفاة الدماغية. أما
توقف القلب الفجائي فيحدث عادة نتيجة
لانسداد الشرايين التاجية بسبب الجلطة
مما يؤدي إلى اضطراب في حركة عضلات القلب
بسبب نقص الأكسجين ومن ثم تتعطل العضلات
عن العمل ويتوقف تدفق الدم إلى كافة أنحاء
الجسم. مما
سبق نستطيع أن نقول إن القلب لا يعدو عن
كونه عضلة تقوم بضخ الدم إلى كافة أنحاء
الجسم وفي حالة تعطل هذه العضلة لمدة تزيد
عن أربعة دقائق فإن النقص الحاد في
الأكسجين الذي نتج عن توقف القلب يؤدي إلى
موت خلايا الدماغ (الخلايا العصبية)
وبالتالي حدوث الوفاة. الرئتان: الرئة
هي العضو الذي يتم فيه تبادل الأكسجين
وثاني أكسيد الكربون، ويدخل الأكسجين إلى
الشعب الهوائية عن طريق عملية التنفس ومن
ثم إلى الحويصلات الهوائية المغلفة
بشعيرات دموية وعلى سطح هذه الحويصلات
يخرج ثاني أكسيد الكربون ويدخل الأكسجين،
وبالتالي فإن الرئة هي العضو الذي يقوم
بإدخال الأكسجين إلى الدم ومن ثم ينتقل
الدم إلى القلب والذي يقوم بدوره بضخ الدم
المحتوي على الأكسجين إلى كافة خلايا
الجسم. وكما
يحدث في القلب فإن الأعصاب القادمة من
الجهاز العصبي المركزي تتحكم في حركة
الرئتين، وهذا التحكم أقوى مما رأيناه في
القلب حيث أن تعطل الجهاز العصبي المركزي
أو موت الدماغ يؤدي حتماً إلى توقف التنفس
في حين أنه لا يؤدي إلى توقف القلب. في
معظم الأحيان فإن تعطل الرئتين عن العمل
يكون تدريجياً ويحدث ذلك في بعض الأمراض
المزمنة والتي تؤدي تدريجياً إلى قصور في
اداء الرئتين أما تعطل الرئتين بصورة حادة
فيحدث في حالات الاختناق والغرق وغير ذلك
وفي هذه الحالات فإن الأكسجين لا يصل إلى
الدم من خلال الرئتين وبالتالي يحدث نقص
حاد في الأكسجين القادم إلى الجهاز العصبي
مما يؤدي إلى موت الدماغ. مما
سبق تبين أن الرئة عضو أساسي لإبقاء الجسم
على قيد الحياة ومن المهم الإشارة هنا أنه
من الممكن أن تقوم الرئة في حالة فشلها -
بوظيفتها إذا تم اسنادها بجهاز التنفس
الصناعي الذي يقوم بضخ الأكسجين وسحب ثاني
أكسيد الكربون، ويحدث هذا في حالة موت
الدماغ حيث تتوقف حركة الرئتين تماماً
وتتعطل جميع أجهزة الجسم إلا إذا تم وضع
أجهزة التنفس كي تقوم مقام الرئة في ضخ
الأكسجين وسحب ثاني أكسيد الكربون،
وبالتالي فإن الأكسجين يتوزع على كافة
أنحاء الجسم مبقياً الأعضاء في حالة عمل
مستمرة حيث تم توفير الأكسجين لها، وابقاء
الأعضاء بهذه الحالة يضمن الاستفادة منها
في عمليات زراعة الأعضاء. الكبد: أحد
الأعضاء الرئيسة في الجسم وهي كالمصنع
الكيميائي الذي يقوم بالتحكم بالعمليات
الاستقلابية في الجسم وتقوم الكبد
بالتعامل مع الغذاء القادم من الجهاز
الهضمي وتحويله إلى مركبات يستطيع الجسم
أن يفيد منها، بالاضافة إلى ذلك تقوم
الكبد بصنع مواد ضرورية للجسم مثل
بروتينات التخثر وغيرها. إن
الآثار المترتبة على تعطل الكبد تكون عادة
أقل حدة من الأعضاء الأخرى، ومعظم حالات
الفشل الكبدي النهائي تكون مزمنة رغم أن
هناك حالات حادة تموت فيها خلايا الكبد
وبالتالي تتعطل الكبد عن العمل مما يؤدي
إلى حدوث قصور حاد في عمل الكبد ينتهي
بالمريض إلى الموت ما لم يتم استبدال
الكبد (أي زراعة الكبد). إن
معظم حالات فشل الكبد الحادة والمزمنة
ينتج عن إصابة الكبد بفيروسات تؤدي إلى
إلتهاب حاد يؤدي إلى تحطم الخلايا وتحولها
من خلايا عاملة إلى ألياف ومن ثم يحدث ما
يسمى بتليف الكبد ونتيجة لهذا تحدث
الأعراض الدالة على اعتلال الكبد مثل
الصفار والاستسقاء والنزيف والغيبوبة
وغير ذلك، وكما قلنا فإن الفرق بين تعطل
الكبد من جهة وتعطل القلب والرئتين من جهة
أخرى هو أنه في الحالة الأخيرة النتائج
سريعة وحادة وقد تؤدي إلى الوفاة أما في
حالة الكبد فإن تعطلها أقل حدة ويؤدي إلى
الوفاة ولكن بعد فترة زمنية أطول. عندما
يحدث موت الدماغ ويتم توصيل الجهاز
التنفسي بأجهزة التنفس المساعدة فإن
الكبد وغيرها من الأعضاء الأخرى تستمر في
العمل رغم كون الشخص ميتاً حيث إن الكبد
كغيرها عضو يمكن أن يستمر في العمل في حالة
ضمان تزويده بالأكسجين والغذاء. الكلى: الوظيفة
الرئيسة للكلى هي التخلص من مخلفات
العمليات الحيوية في الجسم وبالأخص
البولينا، وفي حالة تعطل الكلى عن العمل
فإن هذه المادة تتراكم وتؤدي إلى حدوث
اعتلال في جميع أنحاء الجسم. ويعد
تعطل الكلى أقل حدة من تعطل الأعضاء
الأخرى، ونتائجه لا تؤدي إلى تأثير سريع
ومباشر على الحياة، يضاف إلى ذلك أن وجود
البدائل الصناعية (الغسيل الكلوي) أدى إلى
بقاء مرضى فشل الكلى على قيد الحياة سنوات
طويلة. وفي
حالة توقف الدماغ عن العمل وبقاء الدورة
الدموية التنفسية فإن وظيفة الكلى تستمر،
وكما أوضحنا في حالة الكبد مما سبق نستطيع
أن نربط بين وظائف الأعضاء الرئيسة بحيث
نصل إلى فهم واضح لنتائج تعطل هذه الأعضاء
عن العمل. فالأساس
هنا أن جميع أعضاء الجسم تحتاج إلى
الأكسجين وفي حالة توفر هذا العنصر فإن
هذه الأعضاء مستمرة في العمل. فالرئة
هي العضو الذي يقوم بضخ الأكسجين إلى
الجسم ولا يمكن للرئة أن تعمل في حال موت
الدماغ إلا بوجود أجهزة التنفس، أما
بالنسبة للقلب فوظيفته هي ضخ الدم إلى
كافة أنحاء الجسم وهو كغيره من الأعضاء
يقوم بعمله في حالة توفير الأكسجين رغم
موت الدماغ، وفي حالة استمرار ضخ الدم إلى
كافة أنحاء الجسم فإن أعضاء الجسم تبقى
تعمل وتقوم بوظائفها وهذه هي الأسس التي
تقوم عليها زراعة الأعضاء. الرئيس
الدكتور فيصل الشاهين: شكرا للدكتور محمد
السبيل على هذه المحاضرة القيمة ونهنئك
على نجاح مثل هذا البرنامج الذي ساعد
الكثير من المرضى للاستمرار في
الحياة، فليتفضل: |