|
ما الفرق بين الموت الإكلينيكي والموت الشرعي؟ الدكتور محمد علي البار لكي
نبحث هذا الموضوع لا بد أولاً من تعريف الموت عند الفقهاء والأطباء ومعرفة
علاماته عند كل منهما ثم توضيح تلك الفروق بينهما. تعريف الموت «بصورة عامة»: إن
تعريف الموت مثل تعريف الحياة أمر يكتنفه كثير من الصعوبات، رغم أن العلامات
الفارقة بين الموت والحياة، وبين الكائن الحي والجماد أمر يدركه الإنسان
بفطرته كما يدركه بمعارفه، فالكائن الحي يتنفس ويتغذى وينمو ويتكاثر ويتحرك
ثم تختلف بعد ذلك طرق التنفس والغذاء والنمو والتكاثر والحركة بأشكالها المتعددة
المتباينة التي لا تكاد تعد ولا تحصى. وأصعب تلك الكائنات تحديدا هي الفيروسات
فهي كالجماد لا تتحرك ولا تنمو ولا تتنفس ولا تتغذى خارج الكائنات الحية
بل تتبلور مثل بعض الجمادات، فإذا ما دخلت إلى جسم الكائن الحي تحكمت في
سرّ السرّ فيه (جينوم الخلية الموجود في الدنا DNA)،
وجعلته عبدا لمشيئتها، لا ينقسم إلا حسب أوامرها، ولولا أن الله سبحانه وتعالى
يهب الأجسام الحية القدرة على مقاومة هذا الغزو الفيروسي لأبادت الفيروسات
جميع الكائنات الحية ابتداء من البكتريا وانتهاء بالإنسان.. ومع هذا كله
فالفيروس داخل الخلايا الحية لا يتنفس ولا يتغذى ولا يتحرك ولا ينمو بل كل
ما في الأمر أنه يتحكم في الخلايا فيجعلها تنقسم لتصبح فيروسات جديدة من
جنسه بدلا من أن تنقسم إلى خلاياها المعتادة. وفي
أجسام الكائن الحي المتعددة مثل الإنسان
أو الحيوان أو النبات تموت ملايين
الملايين من الخلايا في كل لحظة وآن،
ويخلق الله بدلا عنها ملايين مثلها. ويبقى
الكائن الحي على قيد الحياة ما دامت عملية
البدء والإعادة مستمرة. قال تعالى: {إنه
يبدؤ الخلق ثم يعيده} (يونس: 4). وقال تعالى: {قل
هل من شركائهم من يبدؤ الخلق ثم يعيده. قل
الله يبدؤ الخلق ثم يعيده فأنَّى توفكون} (يونس:
34). ولقد
صدق الإمام الغزالي حين قال: نعم لا يمكن
كشف الغطاء عن كُنه الموت إذ لا يعرف الموت
من لا يعرف الحياة، ومعرفة الحياة معرفة
حقيقة الروح في نفسها وإدراك ماهية ذاتها،
ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يتكلم فيها ولا أن يزيد على أن يقول (الروح
من أمر ربي)، فليس لأحد من علماء الدين أن
يكشف سر الروح وإن اطلع عليه، وإنما
المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت».(1).. تعريف الموت عند
المسلمين (التعريف الشرعي للموت): إن
تعريف الموت عند المسلمين لا يختلف عن
تعريفه في مختلف الحضارات الإنسانية
المختلفة والأديان التي عرفتها البشرية
المتباينة. فقد اتفق المصريون القدماء،
والبابليون، والآشوريون، واليونان
والصينيون والهنادكة واليهود والنصارى
والمسلمون على أن الموت هو مفارقة الروح
الجسد. ثم اختلفوا بعد ذلك اختلافات كثيرة
في هذه الروح، وهل تعود إلى هذا الجسد أم
تعود إلى جسد آخر؟ حيث يعتقد البوذيون
والهنادكة والشنتو أن الروح الشريرة تعاد
إلى جسد حقير، وتظل في تلك الدورات حتى
تتطهر، وأن الروح الصالحة الخيّرة تظل
تنتقل في الأجساد الخيرة حتى تصل مرحلة
النرفانا، وهي السعادة الأبدية المطلقة
في الروح المتصلة بالأزل والأبد. والمفهوم
الإسلامي للموت هو انتقال الروح من الجسد
إلى ما أعد لها من نعيم أو عذاب. والروح
مخلوقة مربوبة، خلقها الله تعالى، ثم هي
خالدة، والمقصود بموتها مفارقتها الجسد.
هذا هو مفهوم جمهور علماء المسلمين للموت
وإن خالف من خالف من المعتزلة وغيرهم. قال
الإمام ابن القيم في كتابه الروح.(2).: «والصواب
أن يقال أن موت النفوس هو مفارقتها
لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها
هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها
تعدم وتضمحل وتصير عدما محضا فهي لا تموت
بهذا الاعتبار». وقال
الإمام الغزالي في الإحياء: «إن الموت
معناه تغير حال فقط وإن الروح باقية بعد
مفارقة الجسد، إما معذبة وإما منعّمة.
ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عنه
بخروج الجسد عن طاعتها فإن الأعضاء آلات
للروح تستعملها حتى أنها لتبطش باليد
وتسمع بالأذن وتبصر بالعين. وتعلم حقيقة
الأشياء بالقلب، والقلب هنا عبارة عن
الروح. والروح تعلم
الأشياء بنفسها من غير آلة.. والموت عبارة
عن استعصاء الأعضاء كلها، وكل الأعضاء
آلات والروح هي المستعملة لها، وأعني
بالروح المعنى الذي يدرك من الإنسان
العلوم وآلام الغموم ولذات الأفراح. ومهما
بطل تصرفها في الأعضاء لم تبطل منها
العلوم والإدراكات ولا بطل منها الأفراح
والغموم، ولا بطل منها قبولها للآلام
واللذات. والإنسان بالحقيقة هو المعنى
المدرك للعلوم والآلات واللذات، وذلك لا
يموت أي لا ينعدم - ومعنى الموت انقطاع
تصرفه عن البدن وخروج البدن عن أن يكون آلة
له». قال
الإمام ابن تيمية: «قد استفاضت الأحاديث
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن
الأرواح تقبض وتنعم وتعذب. ويقال لها:
أخرجي أيتها الروح الطيبة».(4).. ويقول
الإمام الطحاوي في عقيدته: «ونؤمن بملك
الموت الموكل بقبض أرواح العالمين». قال
الشارح: والصواب أن يقال موت النفوس هو
مفارقتها لأجسادها وخروجها منها».(5).. ويقول
فضيلة الشيخ بكر أبو زيد رئيس مجمع الفقه
الإسلامي في بحثه القيم: أجهزة الإنعاش
وحقيقة الوفاة بين الفقهاء والأطباء: «إن
حقيقة الوفاة هي مفارقة الروح البدن. وأن
حقيقة المفارقة خلوص الأعضاء كلها عن
الروح بحيث لا يبقى جهاز من أجهزة البدن
فيه صفة حياتية».(6).. ويقول
الإمام الغزالي في «سكرات الموت وشدته» من
كتاب «الإحياء»: «إن كل عضو لا روح فيه فلا
يحس بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك
للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو جرح أو
حريق سرى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري
إلى الروح يتألم.. والنزع عبارة عن مؤلم
نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه حتى
لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في
أعماق البدن إلا وقد حلَّ به الألم، فلو
أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري
في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي
أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري
في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي
أصابته الشوكة.. فألم النزع يهجم على نفس
الروح ويستغرق جميع أجزائه فإنه المنزوع
المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من
الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من
المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق
إلى القدم فلا تسأل عن كربه وألمه».(7).. إخراج الروح: وقد
وكل الله سبحانه وتعالى ملائكة يقومون
بإخراج الروح من البدن. قال تعالى: {قل
يتوفاكم ملك الموت الذي وُكِّل بكم ثم إلى
ربكم ترجعون} (السجدة: 11) وملك الموت الموكل
بأرواح الآدميين هو عزرائيل عليه السلام
ويساعده في ذلك عدد غير معروف من الملائكة.
قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة
ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم، قالوا كنا
مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض
الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم
جهنم وساءت مصيرا} (النساء: 97). وقال تعالى: {ولو
ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة
باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} (الأنعام: 93).
ولو رأينا ذلك لرأينا أمرا مهولا مرعبا...
وعلى العكس من ذلك تقوم الملائكة بتبشير
المؤمنين الذين عملوا الصالحات وتسلم
عليهم وتنزع أرواحهم نزعا رفيقا. قال
تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين
يقولون سلام عليكم} (النحل: 32). ولا ينفي ذلك
كرب الساق وآلام النزع فقد تألم خير الخلق
وأكرمهم على الله سبحانه وتعالى محمد صلى
الله عليه وسلم وكرب في نزعه حتى قالت
فاطمة رضي الله عنها «واكرب ابتاه» فقال
لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم. أما
الكفرة والعصاة للردة فإنه ينكل بهم،
ويرون سوء مصيرهم عند الموت، وتضرب
الملائكة وجوههم وأدبارهم.. قال تعالى: {ولو
ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة
باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم، اليوم
تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على
الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} (الأنعام:
93). وقال تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين
كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} (الأنفال:
50). وفي
الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: وإذا كان
الرجل السيء قال «أي الملك» اخرجي أيتها
النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث،
اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من
شكله أزواج فلا يزال يقال لها حتى تخرج».(1).. وقد
وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم توضح كيفية إخراج الملائكة لروح
المؤمن وروح الكافر. وما في الأول من تيسير
حتى تسيل مثل الماء من فم السقاء، وما في
الثاني من تنكيل حتى تخرج كما يخرج
السَّفّود المبلل من كومة من الصوف كما
جاء في حديث البراء بن عازب وغيره الذي
أخرجه ابن منده وذكره ابن القيم بطوله في
كتاب الروح.(12).. وقد استوفى ابن القيم في
الروح ذكر الكثير من هذه الأحاديث (ص46-50). ويأتي
الإسناد في إخراج الروح في بعض الآيات إلى
الله سبحانه وتعالى مباشرة، حيث الفاعل
على الحقيقة هو الله ولا أحد سواه، قال
تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} (الزمر:
42)، والله سبحانه وتعالى هو الفاعل لكل شيء
في هذا الكون صغيره وكبيره. والملك مأمور
يفعل ما أمره به ربه سبحانه وتعالى. الروح وتأثيرها في
البدن: اتفق
جمهور علماء أهل السنة على أن الروح هي
المحركة للبدن وأنها هي المتصرفة فيه
والموت هو مفارقة الروح للجسد وانقطاع
تصرفها عنه بخروج الجسد عن طاعتها، فإن
الأعضاء آلات للروح كما يقول الإمام
الغزالي. والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء
عن فعل الروح. والروح هي المدركة للعلوم
وآلام الغموم ولذات الأفراح، كما يقول
الغزالي في الإحياء (سبق وأن نقلنا قوله
كاملاً) والروح التي نفخها الله في آدم
عليه السلام هي أمر علوي سماوي لا تدركه
الأبصار، ولم ينفخ الله الروح في آدم إلا
بعد أن سواه جسداً من الطين. (فإذا سويته
ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). الروح في الجنين: وكذلك
الروح في الجنين لا تنفخ فيه إلا بعد كمال
تسوية الجسد. قال تعالى {الذي أحسن كل شيء
خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله
من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من
روحه} (السجدة: 6-8). وقال تعالى: {ولقد خلقنا
الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في
قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا
العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا
العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك
الله أحسن الخالقين} (المؤمنون: 12-14). قال
المفسرون (ثم أنشأناه خلقا آخر) أي نفخنا
فيه الروح. وذلك لا يكون إلا بعد المرور
بالأطوار السبع - تكون ترابا ثم تكون نطفة
ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم تكون عظاما
ثم تكون لحما يكسو العظام ثم ينشئها الله
خلقا آخر فينفخ فيها الروح.(13).. وقد ذكر الله
سبحانه وتعالى في غير ما آية من القرآن
الكريم هذه المراحل والأطوار التي يمر بها
الجنين قبل أن تنفخ فيه الروح التي بها
يصير الجسد إنساناً.. قال تعالى: {ما لكم لا
ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا} (نوح: 13،
14). ثم فصل هذه الأطوار فقال عز من قائل: {يا
أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا
خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم
من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم. ونقر
في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم
طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى
ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم
من بعد علم شيئا} (الحج: 5). حديث نفخ الروح: وتضافرت
الأحاديث الصحيحة على أن نفخ الروح لا
يكون إلا بعد مرور الجنين بمراحل متتالية
ابتداء من النطفة فالعلقة فالمضغة ثم ينفخ
فيه الروح. أخرج الشيخان البخاري ومسلم في
صحيحيهما عن عبدالله بن مسعود رضي الله
عنه قال: أخبرني الصادق المصدوق أن أحدكم
يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون
علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك. ثم يبعث
إليه ملكا بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله
ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح». وهناك
اختلاف طفيف جدا في رواية مسلم عن رواية
البخاري بل هناك اختلاف طفيف يسير في
روايات البخاري نفسه (كتاب الأنبياء وكتاب
القدر وكتاب التوحيد وكتاب بدء الخلق). وفي
الأربعين النووية «إن أحدكم يجمع خلقه في
بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل
ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه
الملك فينفخ فيه الروح». وجمهور العلماء
مجمعون على أن الروح لا تنفخ إلا بعد مرور
مائة وعشرين يوما منذ بدء الحمل (أي تكون
الزيجوت أو اللقيحة أو النطفة الأمشاج)...
ويقولون: إن حديث حذيفة بن أسيد الذي رواه
مسلم لا يعارض ما جاء في حديث عبدالله بن
مسعود لأنه لا ذكر لنفخ الروح في حديث
حذيفة بن أسيد: ونصه: إذا مر بالنطفة ثنتان
وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فصورها وخلق
سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها. ثم
قال يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء
ويكتب الملك ثم يقول: يا رب رزقه فيقضي ربك
ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك
بالصحيفة فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص. وقد
قام العلماء الأجلاء من أمثال ابن القيم
والنووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم
بمحاولة الجمع بين الحديثين وقد استعرضت
ذلك كله في كتابي «خلق الإنسان بين الطب
والقرآن» وكتاب «الجنين المشوه: أسبابه
وأحكامه» فليرجع إليهما من أراد التفاصيل. والخلاصة
أن الفقهاء مجمعون على أن الجنين لا بد أن
يمر بمراحل متعددة قبل أن تنفخ فيه الروح
وهي التي بها الإرادة والفكر وبها يصير
الإنسان إنساناً. قال
الإمام ابن القيم في كتابه التبيان في
أقسام القرآن: «فإن قيل الجنين قبل نفخ
الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا؟
قيل: كان فيه حركة النمو والاغتذاء
كالنبات، ولم تكن حركة نموه واغتذائه
بالإرادة، فلما نفخت (روحه) انضمت حركة
حسيّته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه».(14).. وقال
الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري
وهو يتحدث عن أول الأعضاء تكوناً في
الجنين: «وقيل الكبد لأن منه النمو
والاغتذاء الذي هو قوام البدن، رجّحه
بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعي لأن
النمو هو المطلوب أولا. ولا حاجة له حينئذ
إلى حسّ ولا حركة إرادية لأنه حينئذ
بمنزلة النبات. وإنما يكون له قوة الحس
والإرادة عند تعلق النفس به».(15).. واللافت
للنظر حقاً أن يجعل هذان الإمامان
العظيمان نفخ الروح مرتبطاً بالإحساس
والإرادة أي بالجهاز العصبي بل بالدماغ.
فإذا لم يكن هناك حس ولا إرادة فلا روح
هناك، وإن كانت بعض الأعضاء بل كل الأعضاء
تعمل. ولذا
فإن بعض الفقهاء عد الجنين كالجماد أو ما
هو أشبه بالجماد وأباح بعضهم الإجهاض حتى
بدون عذر وذلك قبل نفخ الروح وخاصة قبل
الأربعين.. وإنما حرّم من حرم قتل الجنين
قبل نفخ الروح فيه باعتبار مآله ومصيره
الذي سيصير إليه فإذا حًرُمَ كسر بيض
الحرم باعتبار مآله فمن باب أولى يحرم قتل
الجنين باعتبار مآله وما سيصير إليه. قال
الإمام الغزالي في الإحياء: وليس هذا «أي
العزل» كالاجهاض والوأد لأن ذلك جناية على
موجود حاصل، والوجود له مراتب. وأول مراتب
الوجود أن تقع النطفة في الرحم ويختلط
بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد
ذلك جناية، فإن صارت نطفة مخلقة كانت
الجناية أفحش. وإن نفخ فيه الروح واستوت
الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا. ومنتهى
التفاحش في الجناية هب بعد الانفصال حيا». وقال
الشيخ الجليل يوسف القرضاوي في كتابه
الحلال والحرام في الإسلام: «واتفق
الفقهاء على أن إسقاطه بعد نفخ الروح فيه
حرام وجريمة لا يحل للمسلم أن يفعله لأنه
جناية على حي متكامل الخلق ظاهر الحياة». الجنين قبل نفخ
الروح فيه ليست فيه حياة إنسانية وأما
قبل نفخ الروح ففيه الخلاف حيث ذهب بعض
الفقهاء إلى السماح بالإجهاض وخاصة قبل
الأربعين باعتباره كالجماد أو أشبه
بالجماد.. وأما جمهور الفقهاء فلم يسمحوا
بالإجهاض باعتبار مآله ومصيره وإن لم ينفخ
فيه الروح ومع ذلك سمحوا بالإجهاض متى كان
الحمل يشكل خطراً على حياة الحامل أو على
صحتها أو كان الجنين مشوهاً تشويهاً
شديداً. وفي هذا الصدد أباح المجمع الفقهي
لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في
دورته الثانية عشر (15-22 رجب 1410هـ/ 10-17
فبراير 1990م) إسقاط الجنين المشوه قبل نفخ
الروح (120 يوما منذ التلقيح) إذا ثبت وتأكد
بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين
الثقات وبناء على الفحوص والوسائل
المختبرية أن الجنين مشوه تشويهاً خطيراً
غير قابل للعلاج وأنه إذا بقي وولد في
موعده ستكون حياته سيئة وآلاما عليه وعلى
أهله، فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب
الوالدين». والمجمع
الفقهي الموقر لم يبح إسقاطه إلا لأنه لم
تنفخ فيه الروح (الإنسانية) بعد ولا حِسَّ
ولا إرادة له.. وحتى من اعترض من الفقهاء
على ذلك قبل الاسقاط قبل الأربعين أخذاً
بالأحوط وبحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه
مسلم والذي ذكرناه قريبا.. فهؤلاء جميعا
أباحوا الإجهاض لأن الجنين لم تنفخ فيه
الروح بعد وإن كان الجنين قد مر بمراحل
متعددة من الخلق وتعدّى مرحلة النطفة إلى
العلقة فالمضعة فالعظام فاللحم يكسو
العظام.. وتصورت كثير من أعضائه.. وهي كلها
حية ولكن لا يحكم له بالحياة الإنسانية
بذلك إلا بعد نفخ الروح.. ولا يحرم قتله (بدون
سبب) إلا باعتبار مآله ومصيره لا باعتبار
أنه حي حياة إنسانية. حكم المولود إذا لم
يستهل: بل
إن الفقهاء لم يحكموا للجنين بعد ولادته
بالحياة إلا إذا استهلّ صارخا وعلمت فيه
آثار الحياة، واستدلوا على ذلك بقوله صلى
الله عليه وسلم: «إذا استهل المولود ورث»
وقول جابر بن عبدالله والمسور ابن مخرمه
رضي الله عنهما: «قضى رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا يرث الصبي حتى يستهل».(17).. فإذا
كان المولود حديثاً وقد نفخت فيه الروح
منذ أشهر عديدة لا يحكم له بالحياة إلا
عندما يستهل صارخاً أو يستدل على حياته
بأمارات موثقة عندهم فإنه من العجيب جداً
أن لا يحكم لمن مات دماغه وبالتالي فقد
الإحساس والحركة والإرادة بالموت. جاء في
الموسوعة الفقهية.(18).: «وتعرف حياته، أي
المولود» بالاستهلال صارخا، واختلف
الفقهاء فيما سوى الاستهلال. فقالت طائفة:
«لا يرث حتى يستهل صارخا. وهو المشهور عن
الإمام أحمد.(19).. وروي عن كثير من الصحابة
والتابعين مستدلين بأن مفهوم قول النبي ü
(إذا استهل المولود ورث) أنه لا يرث بغير
استهلال ولأن الاستهلال لا يكون إلا من حي.
والحركة تكون من غير حي.(21).. "وروي
عن أحمد أنه قال: يرث السقط ويورث إذا
استهل فقيل: ما استهلاله؟ قال إذا صاح أو
عطس أو بكى. فعلى هذا كل صوت يوجد منه تعلم
به حياته فهو استهلال. وهذا قول الزهري
والقاسم بن محمد لأنه صوت عُلمت به حياته
فأشبه الصراخ. وعن أحمد رواية ثالثة بصوت
أو حركة أو رضاع أو غيره ورّث وثبت له
أحكام المستهل لأنه حي. وبهذا قال الثوري
والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه.(22).. الإمام
مالك لا يعد الجنين حياً ما لم يستهل ولو
تنفس أو تحرك أو بال. ويقول فضيلة الشيخ
المختار السلامي: يرى الإمام مالك بن أنس
رضي الله عنه أن المولود إذا لم يصرخ لا
يُعتبر حياً ولو تنفس أو بال أو تحرك.
ومعنى هذا أنه لا يحكم له بالحياة بمجرد
التنفس حتى يقرن بها البكاء. وقال ابن
الماجشون: إن العطاس يكون من الريح والبول
من استرخاء المواسك (أي العضلات العاصرة Sphincter)? فما لم يكن الفعل إراديا
استجابة لتنظيم الدماغ لا يُعتبر أمارة
حياة. (الزرقاني علي الخليل ج2/112). انتهى
كلام فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي. ويقول
فضيلته أيضاً في بحثه المقدم إلى الدورة
الثالثة لمجمع الفقه الإسلامي مفصلا
وموضحا أقوال المذهب المالكي: «يقول خليل
ابن إسحاق (ولا سقط ما لم يستهل صارخاً،
ولو تحرك أو بال أو رضع). إن هذه الفقرة
تجعل مقياس الحياة الصوت. وقد فصّل اللخمي
ما تكون به الحياة فقال: اختلف في الحركة
والرضاع والعطاس فقال مالك: لا يكون له
بذلك حكم الحياة. قال ابن حبيب وإن أقام
يوما يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك حتى يسمع
له صوت وإن كان خفياً. قال إسماعيل: وحركته
كحركته في البطن لا يحكم له فيها بحياة.
قال عبدالوهاب: وقد يتحرك المقتول. وعارض
هذا المازري وقال: لا معنى لإنكار دلالة
الرضاع على الحياة لأننا نعلم يقينا أنه
محال بالعادة أن يرضع الميت. وليس الرضاع
من الأفعال التي تكون بين الطبيعة
والاختيارية، كما قال ابن الماجشون أن
العطاس يكون من الريح، والبول من استرخاء
المواسك (العضلات العاصرة)، لأن الرضاع لا
يكون إلا من القصد إليه. والتشكك في دلالته
على الحياة يطرق إلى هدم قواعد ضرورية.
والصواب ما قاله ابن وهب وغيره: أنه
كالاستهلال بالصراخ».(23).. ما لم تكن حياة
مستقرة فلا حياة ويقول
الدكتور محمد سليمان الأشقر في بحثه نهاية
الحياة المقدم إلى ندوة الحياة الإنسانية
في الكويت.(24).: «ولا بد للحكم بموته من أن
تنعدم كل أمارات الحياة. ويذكرون ذلك في
استهلال المولود ليرث، قالوا: لا بد أن
ينفصل حياً حياة مستقرة، فلو مات بعد
انفصاله حيا حياة مستقرة فنصيبه لورثته.
ويعلم استقرار حياته عندالحنابلة
والشافعية إذا استهل صارخاً أو عطس أو
تثاءب، أو مص الثدي، أو تنفس وطال زمن
تنفسه، أو وجد منه ما يدل على حياته كحركة
طويلة ونحوها فلو لم تكن حياة مستقرة بل
كالحركة اليسيرة أو الاختلاج والتنفس
اليسير لم يرث لأنه لا يعلم بذلك استقرار
حياته، لاحتمال كونها كحركة المذبوح، أو
كما يقع للانتشار من ضيق أو استواء
الملتوي (العذب الفائض في الفرائض) ج3/91...
انتهى. تعريف الحياة
المستقرة: ويُعَرّف
بدرالدين الزركشي في كتابه «المنثور من
القواعد» الحياة المستقرة بقوله: «الحياة
المستقرة هي أن تكون الروح في الجسد ومعها
الحركة الاختيارية دون الاضطرارية كما لو
كان إنسان، وأخرج الجاني أو حيوان مفترس
حشوته وأبانها، لايجب القصاص في هذه
الحالة. وأما حياة عيش المذبوح فهي التي لا
يبقى معها إبصار ولا نطق ولا حركة
اختيارية.(25). وقال الرملي في نهاية
المحتاج: وإن أنهاه (أي المجني عليه) رجل
إلى حركة مذبوح بأن لم يبق فيه إبصار ونطق
وحركة اختيار، وهي المستقرة التي يبقى
معها الإدراك ويقطع بموته بعد يوم أو
أيام، ثم جنى عليه الآخر، فالأول قاتل
لأنه صيّره إلى حالة الموت، ومن ثم
اللهعطي حكم الأموات مطلقاً ويُعزر
الثاني لهتكه حرمة ميت.(26).. ويعلق
على تلك العبارات الدكتور محمد نعيم ياسين
فيقول: «وهذا الذي ذهب إليه الفقهاء في هذه
المسألة يشير إلى أنهم اعتبروا فقدان
الإحساس والحركة الاختيارية علامات تورث
غلبة الظن بوصول المجني عليه إلى مرحلة
الموت، وأن الحركة الاضطرارية الصادرة من
المجني عليه لا تُعطي غلبة الظن ببقاء
الروح في الجسد إذا كانت وحدها، ولم تقترن
بأي نوع من الإحساس أو الحركة الاختيارية
وإلا لجعلوا القصاص من نصيب الجاني
الثاني، إذ يكون فعله القاتل وارداً على
جسد فيه روح. ولعلهم في هذا تأثروا بما
قرره علماء الطائفة الأولى أمثال ابن
القيم والغزالي من أن الروح ترحل عن جسد
صاحبها في اللحظة التي يصبح فيها الجسد
عاجزاً عن الانفعال للروح بأي نوع من
الإحساس والاختيار».(27).. حركة المذبوح: قد
أجمع الفقهاء على اعتبار حركة المذبوح بل
لو أن حيوانا مفترسا أو شخصا قام
بالاعتداء على آخر وأفقده النطق والإبصار
والإحساس والإدراك ولم يبق منه إلا ما
يسمى حركة المذبوح ثم جاء آخر فأجهز عليه
فإن القاتل هو الأول، وإنما يعزر الثاني
لانتهاكه حرمة الميت.. فمهما كان قلبه ينبض
وهو يتنفس ويتحرك إلا أن هذه الحركات
اضطرارية فلا يحكم له فيها بحياة. بل
وصل بعض الفقهاء إلى ما هو أعجب وأغرب من
ذلك. فقد زعم ابن القاسم أن عمر رضي الله
عنه لما طُعن كان معدوداً في الأموات. وأنه
لو مات له مورث لما ورثه، وأنه لو قام رجل
بالتذفيف على عمر فقتله لا يُعتبر الثاني
قاتلاً لأن القاتل هو الأول وهو أبو لؤلؤة
المجوسي غلام المغيرة بن شعبة. وقد
استدلوا على موت عمر بزعمهم ذاك أن الطبيب
سقى عمر لبناً فخرج اللبن من الجرح، ومعنى
ذلك أن الطعنة كانت نافذة حتى وصلت إلى
الأمعاء أو المعدة، ومثل تلك الحالة لا
تعيش في ذلك الزمان. ورغم أن عمر كان يتكلم
ويعهد وبقي ثلاثة أيام على ذلك إلا أن ابن
القاسم اعتبره في عداد الأموات. مما سبق يتبين
الآتي بالنسبة إلى الروح: 1 ـ
أن دخول الروح إلى الجنين
لا يتم إلا بعد مرور فترة زمنية تكون أعضاء
الجنين قد تكونت والقلب ينبض (منذ اليوم
الثاني والعشرين منذ التلقيح) والدورة
الدموية موجودة، ومع هذا فقد أجمع الفقهاء
وعلماء الإسلام أن الجنين قبل نفخ الروح
بمثابة الجسد ولا يحكم له فيها بالحياة
الإنسانية التي بها الإحساس والإدراك (وهي
التي لا تظهر إلا بعد تكون الدماغ واتصال
المناطق المخية العليا بالمناطق السفلى
وذلك لا يكون إلا بعد مرور مائة وعشرين
يوماً منذ التلقيح كما أثبته الدكتور
كورين في بحثه الرائد الذي ألقاه في مؤتمر
أخلاقيات زرع الأعضاء المنعقد في أتوا
بكندا في 20-24 أغسطس 1989م. حيث ذكر أن
الاتصالات والتشابكات SYNAPSIS بين المناطق المخية العليا
والمناطق الأسفل منها لا تبدأ إلا بعد
مرور الجنين بفترة مائة وعشرين يوماً). وحتى
لو قلنا بفترة الأربعين التي وردت في حديث
حذيفة بن أسيد، وفي هذه الفترة يبدأ جذع
الدماغ بالعمل، واعتبرنا ذلك علامة على
بداية الحياة ونفخ الروح فإن ذلك لا يغير
من الحقيقة شيئا.. وهي أن الجنين يبقى فترة
أربعين يوماً لا يعتبر فيه حياً حياة
إنسانية. إعجاز
أحاديث المصطفى e وهذه
الاكتشافات الحديثة تكون إعجازاً لأحاديث
النبي ü في هذا الباب. ففي حديث حذيفة
بن أسيد الذي رواه مسلم يؤمر الملك بتشكيل
كافة الأعضاء بما فيها الأعضاء التناسلية
بعد الأربعين الأولى من عمر الجنين. وفي
هذه الفترة المعروفة لدى علماء الأجنة
بفترة تكوين أو تخليق الأعضاء Organ genesis يبدأ جذع الدماغ في التكون
ويبدأ أول نشاطه في اليوم الثالث
والأربعين وقد أمكن تسجيل نشاطه
الكهربائي. أما المناطق المخية العليا
فتظل بدون نشاط وهي مثل اللمبة (المصباح)
بدون كهرباء. ولا يتم توصيل الكهرباء
إليها إلا بعد مرور مائة وعشرين يوما
وآنذاك تعمل. وبما أن المخ هو مركز
الأحاسيس والإرادة والفكر والرؤية وهو ما
اتفق عليه علماء الإسلام بإعطاء صفة
الروح، لأنها هي المدرك وهي المحاسب
والمعاقب والمعاتب والمطالب.. فإن وجود
هذه العلامة الفارقة العجيبة، وتطابق
الطب الحديث مع ما جاء في الأحاديث
الصحيحة يجعل لهذه الأحاديث إعجازاً
وفهما عجيبا. 1 ـ تضافرت
النصوص القرآنية والحديثية على أن آدم
عليه السلام لم تنفخ فيه الروح إلا بعد أن
اكتمل بناء جسده من الطين. وأن إبليس
اللعين كان يتعجب من خلقه ويصوت فيه قبل
نفخ الروح ويقول «لأمر ما خلقت». 3 ـ
أن أهم وظائف الروح هي
العلم والإدراك: يقول الإمام الغزالي:
الروح هي المعنى الذي يدرك من الإنسان
العلوم وآلام الغموم ولذات الأفراح.
والروح تؤثر في البدن الإنساني وتتحكم فيه.
والأعضاء آلات للبدن فإذا استعصت الأعضاء
على عمل الروح فإن الروح، تغادر البدن. فكل
الأعمال الاختيارية والإدراك والإحساس من
عمل الروح والأبدان آلات للروح. ولكن
هذا لا يعني أن خروج الروح يستتبع فقدان كل
حركة في الجسم وموت كل خلية فيه. فقد اتفق
الفقهاء، كما أسلفنا أن الجنين قبل نفخ
الروح فيه كانت فيه حركة النمو والاغتذاء.
بل إن القلب ينبض ويعمل منذ اليوم الثاني
والعشرين منذ التلقيح وتبدأ الدورة
الدموية عملها منذ تلك اللحظة ومع هذا لم
يقل أحد من علماء الإسلام أن الروح قد نفخت
في هذا الجنين في هذه الفترة، بل أجمعوا أو
كادوا على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد
مرور مائة وعشرين يوماً منذ بدء الحمل ولم
يشذ من ذلك إلا فئة قليلة لم تحدد وقتاً
لنفخ الروح ولكنها أخذت بحديث حذيفة بن
أسيد الذي رواه مسلم وحددت بالتالي بداية
الحياة بعد مرور الأربعين الأولى. وقد
أسلفنا القول في أن الفقهاء لم يحكموا
بحياة الجنين حتى بعد مولده وانفصاله حياً
من أمه إلا إذا استهل صارخاً أو ظهرت عليه
أمارات الحياة. ومنهم من لم يقبل التنفس ما
لم يستمر وقتاً طويلاً. وكذلك لم يقبلوا
الحركة دليلا على الحياة. بل ولا البول لأن
ذلك يكون من إسترخاء المواسك (العضلات
العاصرة) وبالغ بعضهم في عدم قبول العطاس
والرضاع دليلاً على الحياة كما أسلفنا. وأما
حركة المذبوح أو من اعتدى عليه وحش أو
إنسان حتى فقد الإدراك والنطق والبصر
والإحساس فإن حركته لا اعتبار لها عند
الفقهاء، واعتبروه ميتاً رغم أن قلبه لا
يزال ينبض ودورته الدموية لا تزال كاملة
ومعظم أعضاء جسمه لا تزال تعمل. بل
بالغ بعضهم مبالغة شديدة مثل ابن القاسم
عندما زعم أن عمر رضي الله عنه بعد أن طُعن
اللهعتبر في عداد الموتى رغم أن عمر رضي
الله عنه كان يعهد ويتكلم وبقي على ذلك
ثلاثة أيام كاملة وهو يحس ويدرك.. ولا شك أن
من قال بذلك قد خرج عن الطور المعهود وجانب
الصواب، فعمر دون ريب كان حياً. ولو عاش في
زمننا هذا لأمكن بكل يسر إنقاذ حياته بإذن
الله. وكم من حالات أشد بكثير من حالات عمر
أمكن إنقاذها. فقد أمكن إنقاذ الرئيس
الأمريكي الأسبق ريجان بعد أن اخترقت
الرصاصة صدره ووصلت إلى غشاء قلبه (التامور)،
وحطمت أجزاء من رئتيه. ومع ذلك أمكن إنقاذه
وحالته لا ريب أشد عسراً بكثير من حالة عمر
رضي الله عنه. 4ـ اتفق الفقهاء جميعا على أن حركة
المذبوح ليست دليلاً على الحياة، وأن
الحركات الاضطرارية (الأفعال الإنعكاسية
من الجسم) التي لا اختيار فيها ليست أثراً
من أثر الروح. ورغم وجود هذه الحركة فإن من
فقد كل إحساس وإدراك مع فقدان النطق
والإرادة عند هؤلاء الفقهاء دليل على
فقدان الحياة. يقول الدكتور محمد نعيم
ياسين في بحثه «نهاية الحياة الإنسانية في
ضوء اجتهادات الفقهاء» تحت عنوان خلاصة
تصور علماء الشريعة عن الروح وعلاقتها
بالجسد.(20).: (
إن الإنسان في تصورهم جسد وروح ولا يكتسب
وضعية الإنسانية بواحد من العنصرين دون
الآخر، وإن الجسد مسكن الروح في هذه
الدنيا طوال فترة الحياة المقررة للإنسان.
وأن العلم والإدراك والحس والاختيار أهم
وظائف الروح... وأن الجسد الإنساني لايصدر
عنه أي نشاط اختياري في هذه الدنيا بغير
أمر الروح وأن كل ما يصدر عنه هو بتأثيرها
الذي أودعه الله فيها. وأن الموت معناه
مفارقة الروح للجسد وأنه يحصل عنده صيرورة
الجسد عاجزاً عن انفعال الروح وأن وجود أي
نوع من الحس والإدراك والحركة الاختيارية
يدل على بقاء الروح في الجسد. وغياب هذه
المظاهر غياباً كاملاً يدل على مفارقة
الروح للجسد. وأن مجرد وجود حركة اضطرارية
لا معنى له سوى وجود بقايا الحياة المجردة
عن معية الروح). وفي
موضع آخر من بحثه يقول الدكتور محمد نعيم
ياسين: «ويفهم من ذلك أن العلماء المسلمين
يرون أن الحركة الاضطرارية التي لا اختيار
فيها ليست أثراً من آثار الروح.. ومقتضى ما
تقدم من تصورهم لوظائف الروح أن الحركة
الاضطرارية الناشئة عن هذا النوع من
الحياة ليس فيه دلالة على وجود الروح». ثم
يخلص الباحث إلى محاولة الجمع ما بين
أقوال الأطباء والفقهاء، من اتفاق
واختلاف وهذا الذي سنذكره فيما بعد عند
الانتهاء من تشخيص الموت وعلاماته عند
الفريقين. وما يهمنا ها هنا هو التأكيد على
أن الفقهاء لم يجعلوا الحركة الاضطرارية
دليلا على وجود الروح، بل على العكس من ذلك.
كما أنهم لم يجعلوا انتظام نظم القلب
وضرباته ووجود الدورة الدموية في الجنين
دليلاً على نفخ الروح فيه، بل اعتبروا ذلك
كله بمثابة النبات أو الحيوان وليس فيه أي
دليل على نفخ الروح في الجنين. وقد أخبر
المعصوم ü
عن موعد هذا النفخ وأنه لا يكون إلا بعد
مرور الجنين بمراحل متعددة ابتداء من
النطفة ومرورا بالعلقة والمضغة والعظام
واللحم الذي يكسو العظام ووجود أمارات
التخليق ووجود الأعضاء المختلفة من كبد
وقلب ورئة وكُلى.. ومع أن الدورة الدموية
والقلب يبدأ عملهما مبكرا جدا (في اليوم
الثاني والعشرين منذ التلقيح) إلا أن
الفقهاء لم يعيروا ذلك اهتماماً لوجود
النص.. واتفق جمهور الفقهاء وعلماء
الشريعة والعلوم الدينية أن نفخ الروح لا
يكون إلا بعد وصول الجنين إلى اليوم
العشرين بعد المائة. وهذا
دليل قوي على عدم اعتبارهم للدورة الدموية
كدليل على وجود الروح إذ يمكن أن تكون هناك
دورة دموية كاملة والقلب ينبض دون وجود
الروح وهذا بالضبط ما يقوله الأطباء حيث
إن القلب يمكن أن يستمر في النبض والدورة
الدموية بمساعدة العقاقير والأجهزة
وبوجود منفسة تقوم بعملية التنفس ولا يعد
الشخص في تلك الحالة حياً بل هو ميت إذا
مات دماغه بشروط معينة لا بد من توافرها في
تشخيص موت الدماغ. علامات الموت
وتشخيصه عند الفقهاء : لقد
قرر علماء الشرع أن الموت هو مفارقة الروح
للجسد إلى ما أعد لها من عذاب أو نعيم حسب
عملها في هذه الدنيا، وأن الموت هو انتقال
من دار إلى دار وليس عدماً محضاً فالروح
باقية لكنها لم تعد تستطيع التصرف في هذا
الجسد. والروح أمر غيبي لا نستطيع أن ندرك
كنهه. قال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل
الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا
قليلاً} (الإسراء: 85). قال
الإمام الغزالي: «الروح هي اللطيفة
العالمة المدركة في الإنسان. وهو أمر
رباني عجيب تعجز أكثر العقول والأفهام عن
درك حقيقته».(31).. وقد
جاء في تفسير الإمام الشوكاني في تفسير
قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح} الآية،
وقد اختلف الناس عن المسؤول عنه فقيل هو
الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته
وبهذا قال أكثر المفسرين. قال الفرّاء:
الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله
سبحانه به أحداً من خلقه ولم يعط علمه
أحداً من عباده... وانتهى الإمام الشوكاني
إلى أن الروح من جنس ما استأثر الله بعلمه. وقال
الجنيد رحمه الله: إن الروح شيء استأثر
الله بعلمه ولايجوز لأحد البحث عنه (أي
ماهيته وكنهه) أكثر من أنه موجود. وقال
الشعراني: «لم يبلغنا أن رسول الله e تكلم عن حقيقة الروح مع أنه
سئل عنه فنمسك عن الحديث عنها أدباً». لهذا
كله بحث الفقهاء عن العلامات التي تمكنهم
من معرفة الموت. وقد استدل الفقهاء على
الموت ببعض الأمارات وببعض الأحاديث
النبوية نذكرها كما جاءت في بحث فضيلة
الدكتور بكر أبو زيد رئيس مجمع الفقه
الإسلامي بشيء من الاختصار. 1 ـ عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ü قال: إن الروح إذا قبض اتبعه
البصر. (أخرجه مسلم). 2 ـ عن شداد بن أوس أن رسول
الله ü
قال: إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن
البصر يتبع الروح. وقولوا خيراً فإنه يؤمن
على ما يقول أهل الميت (أخرجه أحمد في
مسنده). وعلامات الموت هي: انقطاع
النفس واسترخاء القدمين وعدم انتصابهما
وانفصال الكفين، وميل الأنف، وامتداد
جلدة الوجه، وانخساف الصدغين، وتقلص
خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة وبرودة
البدن، فإن حدث شك أو مات الشخص فجأة فعلى
المشخص الإنتظار حتى تتبين العلامات. قال
الإمام النووي في روضة الطالبين.(33). «فإن
شك بأن لا يكون به علة. واحتمل أن يكون به
سكتة، أو ظهرت أمارات فزع آخر إلى اليقين
بتغير الرائحة أو غيره». " وفي حالات الموت بالسكتة والصعقة
والخوف والسقوط ونحوها مما قد ينتج عنه
الموت المفاجىء يطلب الفقهاء، أن ينتظر
بالميت احتياطاً حتى تظهر به العلامات
المعتبرة في غير هذه الأحوال من استرخاء
الرجلين وانخساف الصدغين إلى آخره ليتحقق
الموت».(34).. ولا
شك أن هذه العلامات ليست يقينية ما عدا
توقف التنفس توقفاً نهائياً لا رجعة فيه.
ولذا اعترف الفقهاء أنفسهم أنهم كانوا
يشخصون الموت في حالات لم تمت بعد حتى قال
ابن عابدين في الحاشية: «إن أكثر الذين
يموتون بالسكتة يدفنون وهم أحياء» لأنه
يعسر إدراك الموت الحقيقي إلا على أفاضل
الأطباء.(35).. وقد
نقلنا كلام فضيلة مفتي تونس العلامة الشيخ
محمد المختار السلامي في حكم الفقهاء على
الجنين الذي لم يستهل صارخاً. وكيف أنهم
اعتبروه ميتاً. وكم من ملايين الأطفال عبر
ألف عام أو تزيد حكم عليهم الفقهاء بالموت
لأنهم لم يستهلوا حياتهم صارخين. بل إن
بعضهم لم يعترف بالتنفس ولا بالعطاس ولا
بالرضاع!! وإليك ما قال مرة أخرى: (يقول
خليل: ولا سقط ما لم يستهل صارخاً ولو تحرك
أو بال أو رضع)!!؟!! وزعم
ابن القاسم أن عمر رضي الله عنه عندما طعنه
أبو لؤلؤة المجوسي كان معدوداً في الأموات
رغم أنه كان يتكلم ويعهد ويدرك ويحس
الآلام... الخ. ولا
شك أن علامات الفقهاء للموت ستؤدي إلى
كارثة حقيقية إذا أخذنا بها. ولا شك أن
الآلاف سيُحكم عليهم بالموت وهم أحياء حسب
هذه التعريفات الفقهية للموت.. وقد أدت
تعريفات الموت عند الفقهاء إلى دفن آلاف
بل ملايين الأطفال الذين لم يستهلوا
صارخين وهم أحياء كما أدت إلى دفن آلاف
ومئات الآلاف من الأشخاص الذين أصيبوا
بالسكتة وكما قال الفقيه ابن عابدين فإن
أكثر الذين يموتون بالسكتة يدفنون وهم
أحياء. ولهذا
فإن تشخيص الموت لايترك للفقهاء ولعامة
الناس، وقد تنبهت الحكومات في العالم أجمع
إلى ذلك، فأوكلت تحديد الحياة بدءاً
وانتهاء إلى أهل الذكر في هذا المجال وهم
الأطباء. وقد قال الله تعالى: {فاسألوا أهل
الذكر إن كنتم لا تعلمون}. ومن
الخطورة بمكان أن نأخذ بهذه العلامات
البسيطة التي كان الفقهاء يأخذون بها
ويعتبرونها علامة للموت مثل استرخاء
القدمين وانفصال الكفين وميل الأنف
وامتداد جلدة الوجه وانخساف الصدغين،
وتقلص الخصيتين إلى فوق مع تدلي الجلدة،
وبرودة البدن. فهذه العلامات جميعا ليست
علامة للموت.. بل إن توقف التنفس لديهم وهو
علامة هامة للموت قد يكون عارضاً ويمكن
إنقاذ المصاب به.. وقد لا يكون علامة للموت
إلا إذا استمر وقتاً كافياً. والغريب
حقاً أن الفقهاء لم يوضحوا كيفية
الاستدلال على توقف التنفس كما أنهم لم
يعرفوا أهمية الدورة الدموية ونبض القلب
ولم يذكرها أحد منهم في تعريفهم لعلامات
الموت سوى ما ذكره فضيلة القاضي بمحكمة
قطر الشرعية الأولى الشيخ عبدالقادر
العماري في بحثه نهاية الحياة من أن بعض
الفقهاء المتأخرين اعتبر جس العرق الذي
بين الكعب والعرقوب وجس العرق في الدبر.(36)..
وحتى هذه العلامات لا تُعتبر علامة على
الموت إذ أن المصاب ببعض أمراض الدورة
الدموية يفقد النبض من الشريان الموجود
بين الكعب والعرقوب (الشريان القصبي
الخلفي) (Posterior Tibial Artrey). ولم يكتف الفقهاء بذلك كله
بل تحدثوا عن الموت حكماً والموت تقديراً.
وقسموا الموت إلى حقيقي وهو انعدام الحياة
إما بالمعاينة (وهو ما تحدثنا عنه فيما سبق)
أو بالسماع أو بالبيئة، وإلى حكمي وهو أن
يحكم القاضي بموت شخص مع احتمال حياته
ومثاله المفقود، أو مع تيقن حياته ومثاله
المرتد الذي فر إلى أرض الكفار أهل الحرب.
فهؤلاء جميعاً تعتد زوجاتهم عدة الموت
ويجوز لهن الزواج. وتقسم التركة بالنسبة
للمفقود أما المرتد فلا يرثه أهله بل تأخذ
الدولة ماله.(37).. والموت
التقديري هو إلحاق الشخص بالموتى تقديرا.
وذلك في الجنين الذي انفصل بجناية على أمه
وهي التي توجب الغُرّة (تقدر بخمسة في
المائة من دية الإنسان أو 50 دينار ذهبا)
بأن يضرب الشخص امرأة حاملاً فتلقي جنيناً
فتجب الغرة وهي عبد أو أمة، وتقدر بنصف عشر
الدية الكاملة.(38).. أنواع حركة
المذبوح: وقد
فرق الفقهاء بين من وصل إلى حركة المذبوح
نتيجة عدوان أو افتراس وحش، فإن هذا يحكم
بموته وتسري عليه أحكام الموت وتعتد زوجته
وتقسم تركته. ولو اعتدى عليه شخص آخر فذفف
عليه وأجهز فلا يعتبر الثاني قاتلاً بل
الأول. وإنما يحكم على الثاني بالتعزير
لامتهانه كرامة الميت. فرّق
الفقهاء بين من وصل إلى حركة المذبوح
نتيجة عدوان أو افتراس وبين من وصل إليها
نتيجة مرض. فإن من وصل إلى حركة المذبوح
نتيجة مرض لا تسري عليه أحكام الموت ولا
تقسم تركته ولا تنكح زوجته ويلزم قاتله
القصاص. قال النووي في المنهاج: ولو قتل
مريضاً في النزع وعيشه عيش مذبوح وجب
بقتله القصاص.(39).. قال الشارح: لأنه قد يعيش
بخلاف من وصل بالجناية إلى حركة المذبوح.
قال العلامة عميرة في حاشيته على منهاج
الطالبين: «وعبارة الإمام (أي النووي) لو
انتهى إلى سكرات الموت وبدت أمارته وتغيرت
أنفاسه لا يحكم له بالموت بل يلزم قاتله
القصاص. تعليل الاختلاف في
الحكم: ويقول
الدكتور محمد نعيم ياسين في تعليل هذا
الاختلاف في الحكم بين حالتين متماثلتين:
«والذي يظهر أن الفرق الذي ذكره الزركشي
بين الصورتين غير مؤثر في اختلاف الحكم
ويدل على ذلك ما صرح به نفسه وصرح به غيره
من علماء الشافعية، فيما نقلناه سابقا، من
أن صاحب الفعل الأول لو كان حيواناً
مفترساً وأخرج حشوة المقتول وأبانها فإن
القتل لا يضاف إلى أي صاحب فعل لاحق مهما
كان. وإضافة
الفعل الأول إلى حيوان مفترس لا يختلف من
حيث النتيجة عن إضافته إلى أي حادث سماوي
يوصل الشخص إلى النتيجة نفسها كانهيار بيت
عليه مثلا ونحو ذلك. ولكن
المعنى المعقول الذي يمكن أن يفرق بين
الصورتين هو مدى التحقق من وصول الشخص إلى
الحياة غير المستقرة التي يتيقن من عدم
إمكان انعكاسها إلى حياة مستقرة. ومظاهر
النزع في عهد أولئك الفقهاء لم تكن كافية
لتغليب الظن، فضلاً عن التيقن، على أن
المريض قد انتقل فعلاً إلى مرحلة عيش
المذبوح، كما سموه بدليل أن حالات كثيرة
يوصف فيها الشخص بأنه وصل إلى حالة النزع
الأخير ثم يتجاوزها ويعيش إلى ما شاءه
الله. وإذا
كان هذا هو الفرق الحقيقي بين الصورتين
السابقتين، فإنه لا يؤثر على فهمنا السابق
لموقف الفقهاء، من تحديد زمن الوفاة في
مسألة الاشتراك على التتابع في جريمة
القتل بل يؤيده.(42).. انتهى. ومقتضى
كلام الدكتور محمد نعيم ياسين أنه لا فرق
بين من وصل إلى حركة المذبوح نتيجة افتراس
وحش أو اعتداء إنسان أو حادث سيارة أو هدم
أو غيرها من الحوادث أو نزف في الدماغ لأي
سبب إذا أمكن التيقن من التشخيص وأن
المصاب قد وصل فعلا إلى حركة المذبوح وهو
من فقد الإدراك والنطق والإحساس والإبصار
ولم تعد له حياة مستقرة، وإن كان قلبه ينبض
والدم يجول في عروقه وكثير من أعضائه لا
يزال يعمل، بل لا يزال يتنفس بدون منفسة
ولا آلة!! فإذا
كان الفقهاء قد حكموا على مثل هذا الشخص
بالموت، وهو ما لا يجرؤ الأطباء على فعله
فإن تشخيص موت الدماغ بمواصفات الأطباء
اليوم أشد بكثير من مواصفات الفقهاء في
تعريف الحياة غير المستقرة وحركة المذبوح
وما شاكل ذلك. مفهوم الموت عند
الأطباء: لا
شك أن الروح أمر من أمور الغيب. قال تعالى: {ويسألونك
عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم
من العلم إلا قليلا} (الإسراء: 85). وبما أن
الأطباء مثل غيرهم من البشر لا يعرفون
شيئا عن كنه الروح فإنهم بالتالي لا
يستطيعون أن يفهموا حقيقة الموت. فإن الذي
لا يعرف سر الحياة لا يعرف سر الموت كما
أشار إلى ذلك الإمام الغزالي. ويعرّف
الفقهاء كما أسلفنا الموت بأنه مفارقة
الروح للجسد. وبما أن الأطباء لا يستطيعون
أن يدركوا من أمر الروح شيئاً سوى ما تدلهم
عليه النصوص أو اجتهادات الفقهاء، فإنهم
مثل الفقهاء اتخذوا علامات تدل على الموت.
ولا شك أن علامات الموت عند الأطباء أدق
وأصدق من تلك العلامات التي اتخذها
الفقهاء والتي وقفنا عندها طويلا،
وأوضحنا مدى الاضطراب وعدم الوثوق فيها
حيث يشخصون ويعتبرون الإنسان ميتاً وهو لا
يزال حياً نتيجة قصور معلومات زمنهم في
هذا الباب. والموت
عند الأطباء هو نهاية الحياة في البدن
الإنساني ولا يعني ذلك موت كل خلية فيه.
وقد جاء في تقرير الاجتماع العالمي الثاني
والعشرين للأطباء المنعقد في سيدني في
أستراليا عام 1968م: إن الموت عملية متدرجة
على مستوى الخلايا وأن الأنسجة تختلف في
مدى قدرتها على تحمل انقطاع الأوكسجين (بحيث
تموت خلايا الدماغ بعد أربع دقائق فقط من
انقطاع التروية الدموية بينما يمكث الجلد
والقرنية والعظام فترة تتراوح مابين
اثنتي عشرة وأربع وعشرين ساعة بدون تبريد.
كما يمكن تبريد الخلايا والأنسجة
وإبقاؤها حية لمدة طويلة. فيمكن مثلا
تبريد الحيوانات المنوية وإبقاؤها حية
عشرات السنين وكذلك اللقيحة والخلايا
المولدة لليفين (Fibroblasts). ولكن الموت ليس مجرد موت
خلايا أو الاحتفاظ بها حية في ظروف معينة
وإنما هو موت الإنسان ككل، وبالتالي عدم
القدرة على الاحتفاظ بخلايا جسمه حية.. وهي
نقطة اللاعودة.. مهما بذل الأطباء من
محاولات الإنقاذ والإسعاف وسير الجسم في
طريق التحلل والانتهاء.(43).. ويعرف
قاموس أوكسفورد الموت بطريقتين: عملية
الموت (الاحتضار) أو أن الشخص قد مات فعلا.(43)..
ومن المعلوم أن كثيراً من خلايا الميت
وأنسجته تبقى حية لفترة محدودة بعد موت
الشخص ككل. وقد لاحظ الأوروبيون منذ أزمنة
طويلة نمو الشعر بعد الوفاة (يحلقون شعر
الميت ويلبسونه أفضل ثيابه ويبقى أياما
قبل دفنه) كما أنهم قد لاحظوا استطالة
أظافره بعد قلمها. كما أن العظم والأوعية
الدموية يمكن زرعها في شخص آخر بعد موت
الشخص بثمان وأربعين ساعة (دون تبريد)
ويبقى الجلد والقرنية صالحين للزراعة
لمدة 24 ساعة (كذلك بدون تبريد). وهذا يعني
ببساطة أنها لا تزال حية وتستطيع العمل.(44).. ويقول
الدكتور عصام الشربيني في بحثه المقدم إلى
ندوة الحياة الإنسانية: إن الموت ليس نقطة
واحدة أو خطاً رفيعاً، ولكنه عملية لها
امتداد يطول أو يقصر. والناس من قديم
يعرفون أن فلاناً دخل مرحلة الموت أو بدأ
عملية الموت أو في حالة الاحتضار، وتتحدث
كتب السنة عما يُسن عند الاحتضار. وربما
كان اللفظ مأخوذاً مما في الكتاب الكريم {أم
كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال
لبنيه} (البقرة: 133]. وقوله تعالى: {كتب عليكم
إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية
للوالدين والأقربين} (البقرة: 180). ثم يقول:
فالجسم مجموعة من الخلايا والأعضاء،
والأجهزة تقوم كل منها بوظيفتها، ولها
متطلبات لأداء هذه الوظائف من غذاء أو
طاقة أو وسط يحيط بها في توازن دقيق،
ويعتمد كل منها في ذلك على الآخر، فإذا
اختلت وظيفة عضو أثر ذلك على أداء الأعضاء
الأخرى لوظائفها بدرجات متفاوتة كما في
تشبيه الرسول ü للمؤمنين بالجسد: إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر
والحمى، أخرجه مسلم. والخلل إذا لم يتوقف
تداعى إليه عضو بعد عضو حتى يحدث الموت.(45).. والغريب
حقاً أن الفقهاء وعلماء الدين عندما حددوا
الموت بخروج الروح من البدن ومفارقتها له
جعلوا من صفات ذلك فقدان القدرة على
الإدراك والإحساس والنطق والحركة
الذاتية، وإن بقي الشخص يتنفس أو يجول
الدم في عروقه وينبض قلبه وذلك فيما أسموه
حركة المذبوح. واعتبروا ذلك الشخص ميتاً
وتسري عليه أحكام الموت إذا كان سبب وصوله
لحركة المذبوح اعتداء شخص على حياته أو
افتراس وحش أو حادث (سماوي) مثل هدم أو سقوط
في حفرة أو سقوط أو حادث مروري. والعجيب
حقا أن يقوم الأستاذ الدكتور كريستوفر
باليس Christopher Pallis في كتابه أبجديات موت جذع الدماغ بتعريف
الموت بأنه: فقدان الإدراك والإحساس
والقدرة على الحركة الإرادية بالإضافة
إلى فقدان تام لا رجعة فيه للقدرة على
التنفس.(46).. ولا شك أن تعريف الدكتور باليس
أدق وأضبط في هذه الناحية من تعريفات
فقهائنا الأجلاء. إذ أنهم أهملوا في هذه
النقطة موضوع النفس والتنفس مع أنهم
انتبهوا له في مواضع أخرى، حتى قال بعضهم
أن النفس هي النَفَس وهي النسيم الداخل
والخارج من الرئتين (ذكره ابن القيم في
كتابه الروح). ولا
شك أن الجمع بين التعريفين هو الصواب وهو
فقدان الإدراك والإحساس والإرادة والحركة
الذاتية بالإضافة إلى فقدان القدرة على
التنفس.. وينبغي أن يكون كلاهما قد فقد إلى
غير رجعة. علامات الموت عند
الأطباء: يُعد
توقف التنفس والقلب والدورة الدموية
توقفاً لا رجعة فيه علامة هامة وأساسية
وفارقة بين الموت والحياة. وبما أن القلب
يضخ الدم المحتوي على الأوكسجين (الذي
سماه القدماء الروح الحيواني والبخار
الذي تنضجه حرارة القلب).(47). إلى كل خلية في
الجسم فإن توقف القلب والدورة الدموية
يعني موت جميع خلايا الجسم. ولا تموت هذه
الخلايا دفعة واحدة بل بالتدريج وأولها
موت خلايا الدماغ التي تموت بعد انقطاع
التروية الدموية عنها بأربع دقائق فقط.
وتوقف القلب وحده دون توقف الدورة الدموية
لا يعني الموت. ولكي
نزيد هذا المفهوم وضوحاً فإن توقف القلب
في العمليات الجراحية التي تجرى للقلب (عمليات
القلب المفتوح) لا تعني أن هذا الشخص قد
مات، رغم أن قلبه يُوقف أثناء العملية
لمدة ساعتين أو أكثر. والسبب هو أن وظيفة
القلب تقوم بها مضخة تضخ الدم الذي يتجمع
من الوريد الأجوف السفلي والوريد الأجوف
العلوي بعد أن يمر في جهاز يقوم بوظيفة
الرئة ثم يُعاد إلى الشريان الأورطي الذي
بدوره يوزع الدم على بقية أعضاء الجسم. وفي
هذه الحالات رغم أن القلب متوقف والتنفس
متوقف إلا أن الشخص حي بكل تأكيد. وذلك لأن
الدورة الدموية لم تتوقف ولو لثوان معدودة.
والدماغ يتلقى التروية الدموية دون
انقطاع.. ووظيفة الرئتين تقوم بها آلة أخرى
تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الدم وتعطيه
الأوكسجين. وهذا المثال يوضح أن القلب رغم
أهميته البالغة للإنسان إلا أنه يمكن
الإستغناء عنه لمدة ساعتين أو ثلاث بواسطة
آلة تقوم مقامه.. وكذلك الرئتين. ويمكن
كذلك استبدال هذا القلب التالف بقلب شخص
آخر (توفي دماغيا)، أو حتى بقلب حيوان آخر..
ولولا عمليات الرفض للجسم الغريب لأمكن
استخدام القلوب من الحيوانات لزرعها في
الإنسان، ولكن عمليات الرفض الشديدة تجعل
هذه العملية محفوفة بالمخاطر.. وهناك
تجارب متعددة على قلوب الحيوانات (وبالذات
الخنزير) ومحاولة تغيير جهازها المناعي
بتطعيمها بجينات إنسانية.. وسيتضح مدى
نجاح أو فشل هذه التجارب في خلال السنوات
القليلة القادمة. لهذا
ينبغي أن ندرك أنه حتى في الحالات التي
يُعلن فيها الموت بسبب توقف القلب والدورة
الدموية والتنفس إلا أن السبب الأول في
الوفاة هو انقطاع التروية الدموية عن
الدماغ، لهذا إذا أمكن مواصلة التروية
الدموية للدماغ حتى مع توقف القلب فإن هذا
الشخص يعد حيا. ولكن العكس غير صحيح. أي إذا
تهشم الدماغ وبالذات جذع الدماغ الذي فيه
المراكز الحيوية (اليقظة، التنفس، التحكم
في الدورة الدموية) ومات موتاً لا رجعة
فيها فإن الإنسان يُعد ميتا رغم أن قلبه
لايزال ينبض بمساعدة العقاقير وبعض
الأجهزة، وتنفسه لا يزال مستمراً بواسطة
المنفسة (الآلة). وهذا هو بالضبط ما نعبر
عنه بموت الدماغ. موت الدماغ: إن
موت الدماغ هو موت الدماغ بما فيه المراكز
الحيوية الهامة جدا والواقعة في جذع
الدماغ، فإذا ماتت هذه المناطق فإن
الإنسان يُعد ميتاً، لأن تنفسه بواسطة
الآلة (المنفسة) مهما استمر لا قيمة له ولا
يُعطي الحياة للإنسان. وكذلك استمرار
النبض من القلب بل وتدفق الدم في الشرايين
والأوردة (ما عدا الدماغ) لا يُعد علامة
على الحياة طالما أن الدماغ قد توقفت
حياته ودورته الدموية توقفاً تاماً لا
رجعة فيه. وهذا
يشبه تماما ما يحدث عندما تقوم الدولة
بتنفيذ حكم الله في القصاص، أو قتل
المفسدين في الأرض من مهربي وتجار
المخدرات. في هذه الحالة يضرب السياف
العنق فتتوقف الدورة الدموية عن الدماغ
ويموت الدماغ خلال دقائق معدودة (ثلاث إلى
أربع دقائق). بينما يبقى القلب يضخ الدم
لمدة 15 إلى 20 دقيقة ويتحرك المذبوح وهو أمر
نشاهده عند ذبح الدجاجة أو الخروف ولكن
هذه الحركة ليست بذاتها دليلا على الحياة،
طالما أن الدماغ قد مات. والأمر
ذاته يحدث في الشنق.. فعندما يشنق الإنسان
تتوقف الدورة الدموية من الدماغ بينما
يستمر القلب في الضخ لعدة دقائق قد تبلغ
ربع ساعة إلى ثلث ساعة.. وفي هذه الفترة لا
شك أن هذا الشخص قد مات رغم أن قلبه لا يزال
ينبض وذلك لأن الدورة الدموية قد انقطعت
عن الدماغ. وقد مات الدماغ بالفعل. أسباب موت الدماغ: إن
أهم أسباب موت الدماغ تتلخص في الآتي: 1 ـ إصابات الدماغ بسبب الحوادث
وأهمها حوادث المرور. وهذه الحوادث تمثل
خمسين بالمائة من جميع حالات موت الدماغ.
وفي المملكة العربية السعودية تمثل حوادث
المرور 60 بالمائة من جميع وفيات الدماغ
وتُعد حوادث المرور في المملكة ومنطقة
الخليج صاحبة الرقم الأعلى في العالم
وتبلغ عشرة أضعاف ما هو موجود في الولايات
المتحدة وأوروبا بالنسبة لكل مائة ألف من
السكان وفي عام 1994م وعام 1995م توفي في
السعودية في كل واحدة منهما أكثر من 3700 (ثلاثة
آلاف وسبعمائة شخص) أغلبيتهم المطلقة كانت
تحت سن الأربعين (أكثر من 75 بالمائة من
جميع الحالات)، كما أصيب في حوادث المرور
إصابات بالغة أدت إلى دخول المستشفى أكثر
من خمسة وثلاثين ألف شخص في كل عام.. وهذه
أرقام مرعبة جدا جدا وتسبب الإعاقة وإضاعة
أثمن وأغلى ثروة لدى الأمة وهي الشباب. إن
هذه الإصابات المروعة ينبغي أن تواجه بحزم
ومعالجة جذرية لأسباب هذه الإصابات
وأهمها السرعة الجنونية، وعدم استخدام
حزام الأمان، والاستهتار وقطع الإشارات
الضوئية.. الخ.. ولا بد من عقوبات زاجرة
رادعة حتى يمكن أن نخفض هذا النزيف في
قدرات الأمة وفي شبابها وفي ثروتها. 2 ـ نزف داخلي بالدماغ بمختلف أسبابه وهو
يمثل حوالي 20 بالمائة من جميع حالات موت
الدماغ. 3 ـ أورام الدماغ، والتهاب الدماغ وخراج
الدماغ والسحايا وتمثل حوالي 20 بالمائة من
حالات موت الدماغ. نكرر
القول بأن أهم سبب لموت الدماغ هو حوادث
السيارات وللأسف فإن أغلبية المصابين هم
من الشباب زهرة هذه الأمة وأهم مصادر
ثروتها. تشخيص موت الدماغ: يتم
تشخيص موت الدماغ حسب الشروط الطبية
المعتبرة وأهمها: 1 ـ وجود شخص مغمى
عليه إغماءً كاملا. 2 ـ لا يتنفس إلا
بواسطة جهاز المنفسة. 3 ـ تشخيص لسبب هذا الإغماء، يوضح إصابة أو
مرضاً في جذع الدماغ أو في كل الدماغ. 4 ـ عدم وجود أسباب تؤدي إلى الإغماء
المؤقت مثل تعاطي العقاقير أو الكحول أو
انخفاض شديد في درجة حرارة الجسم أو حالات
سكر شديد أو انخفاض شديد في سكر الدم أو
غير ذلك من الأسباب الطبية المعروفة التي
يمكن معالجتها. 5 ـ ثبوت الفحوصات
الطبية التي تدل على موت جذع الدماغ
وتتمثل: أ ـ عدم وجود
الأفعال المنعكسة من جذع الدماغ. ب ـ عدم وجود تنفس بعد إيقاف المنفسة لمدة
عشر دقائق بشروط معينة منها استمرار دخول
الأكسجين بواسطة أنبوب يدخل إلى القصبة
الهوائية ومنها إلى الرئتين، وارتفاع
نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم إلى حد
معين (أكثر من 50 مم من الزئبق في الشريان). 6 ـ فحوصات تأكيدية مثل رسم المخ الكهربي EEG وعدم وجود أي ذبذبة فيه، أو
عدم وجود دورة بالدماغ بعد تصوير شرايين
الدماغ أو بفحص المواد المشعة أو غيرها من
الفحوصات الحديثة. 7 ـ ينبغي أن يعاد الفحص مرة أخرى بعد مرور
فترة زمنية تختلف حسب الحالة وحسب عمر
المصاب وهي تتراوح مابين ست ساعات
للبالغين وثمان وأربعين ساعة (للأطفال أقل
من شهر). ماذا بعد تشخيص موت
الدماغ: إذا
تم التشخيص والتأكد منه بواسطة الفريق
الطبي المختص يتم إبلاغ المركز السعودي
لزراعة الأعضاء، كما يتم إبلاغ أهل المصاب. يحاول
فريق المركز السعودي لزراعة الأعضاء
التفاهم مع الأهل في أن يأذنوا باستقطاع
بعض الأعضاء الحيوية من متوفاهم لينقذوا
بذلك مرضى أوشكوا على حافة الخطر وأحدق
بهم الموت. فإذا أذن الأهل بذلك يتم
استقطاع الأعضاء الحيوية مثل القلب،
الكلى، الكبد. وتزرع كل واحدة منها في شخص
معين يعاني من مرض خطير وفشل لوظيفة ذلك
العضو. وقد
استطاعت المملكة العربية السعودية أن
تكون سباقة في هذا المجال حيث تم حتى نهاية
عام 1995م زرع 731 كلية من متوفين دماغياً كما
تم زرع 64 قلباً و84 صماما قلبيا و94 كبدا
وثلاث حالات زرع بنكرياس وحالتي زرع رئة. أما
إذا رفض الأهل الموافقة على التبرع فإن
الأطباء ينبغي أن يوقفوا المنفسة وفي خلال
ثلاث دقائق على الأكثر يتوقف القلب
والدورة الدموية. وقد أفتى مجمع الفقه
الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة في
عمان - الأردن - 1407هـ/ 1986م حيث قرر المجمع أن
الشخص يُعتبر ميتا إذا تبينت فيه إحدى
العلامتين التاليتين: 1
ـ إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً،
وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه. 2 ـ إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا
نهائيا، وحكم الأطباء الاختصاصيون
الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ
دماغه في التحلل. وفي
هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش
المركبة على الشخص، وإن كان بعض الأعضاء
لايزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة. وقد
وافق المجمع الفقهي لرابطة العالم
الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة
المكرمة (1408هـ) على رفع أجهزة الإنعاش
وإيقافها متى تبين بالفحوصات الطبية
المؤكدة من قبل المختصين بأن هذا الشخص قد
مات دماغيا. وبهذه
الفتاوى ظهر عهد جديد في ميدان الطب. وهو
تعريف موت الدماغ طبياً وبداية قبول هذا
المفهوم شرعيا. ومن ثم انفتح باب زراعة
الأعضاء من المتوفين دماغيا، وأمكن إنقاذ
مئات المرضى الذين يعانون من فشل نهائي
لأعضائهم الحيوية الهامة وبالتالي تم
إنقاذهم بإذن الله تعالى وبفضل التقدم
الطبي من موت محقق.
المراجع 1 ـ إحياء علوم
الدين باب حقيقة الموت ج4/493-494. 2 ـ ابن القيم:
الروح ص34. 3 ـ محمد بن محمد
الغزالي، إحياء علوم الدين ج4/493-495. 4 ـ كما ينقل عنه
الإمام ابن القيم في كتابه الروح. 5 ـ المصدر السابق. 6 ـ مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة
الثالثة 1408هـ/ 1987م مجلد 3ج2/ 529-541 الشيخ بكر
أبو زيد. 7 ـ إحياء علوم
الدين ج4/ 461. 8 ـ أخرجه البخاري
في صحيحه (كتاب المغازي) ابن ماجه في سننه
وأحمد في سنده. 9 ـ الروح لأبي
القيم ص180. 10 ـ الروح ص184. 11 ـ المصدر السابق (أخرجه
الشيخان). 12 ـ الروح ص46. 13 ـ ابن رجب الخبيل
جامع العلوم والحكم ص46 (دار المعرفة بيروت). 14
ـ ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن ص255. 15 ـ ابن حجر
العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري
كتاب القدر ج11/ 482. 16 ـ أخرجه أبو داود
ج3/ 83 والبيهقي ج6/257. 17 ـ أخرجه ابن ماجه
حديث رقم 2751. 18 ـ الموسوعة
الفقهية، وزارة الأوقاف، الكويت، الطبعة
الثانية، 1983م، ج3/66. 19 ـ وهو أيضا قول
الإمام مالك. 20 ـ يسمى هذا
المفهوم المخالفة عند علماء الأصول. 21 ـ المقصود بالحركة هنا الحركات
الاضطرارية مثل حركة الذبوح أو غيرها من
الحركات الانعكاسية والتي قد تحدث حتى في
حالات موت الدماغ وتعرف بالأفعال
الانعكاسية الشوكية. 22 ـ 23 ـ محمد المختار السلامي:
الانعاش مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة
الثالثة 1408/ 1987م مجلد 3 ج2/ 685. 24 ـ محمد سليمان الأشقر: نهاية الحياة،
ندوة الحياة الإنسانية والمنشور أيضا في
مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة الثالثة
694 مجلد 3 ج2/662. 25 ـ بدر الدين
الزركشي: المنشور في القواعد ج2/105. 26 ـ الرملي: نهاية المحتاج ج7/ 15، 16، نقلا
عن د.محمد نعيم ياسين: نهاية الحياة
الإنسانية في ضوء اجتهادات علماء
المسلمين، ندوة الحياة الإنسانية الكويت
والمنشورة أيضا في مجلة مجمع الفقه
الإسلامي مجلد 3 ج2 ص635-660. 27 ـ المصدر السابق. 28 ـ مفتي تونس الشيخ محمد المختار السلامي:
مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة الثالثة
1987 مجلد 3، ج2/ 685-694. 29 ـ الزركشي: المنثور في القواعد ج2/ 105،
نشر وزارة الأوقاف، الكويت الطبعة الأولى
1402هـ/1982م. 30 ـ د. محمد نعيم ياسين: نهاية الحياة
الإنسانية في ضوء اجتهادات الفقهاء: ندوة
الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها.
منشورة أيضا في مجلة مجمع الفقه الإسلامي
العدد الثالث ج2/ 635-660. 31 ـ الإحياء ج3/4
أجهزة. 32 ـ الشيخ بكر أبو زيد الإنعاش وحقيقة
الوفاة بين الفقهاء والأطباء، مجلة مجمع
الفقه الإسلامي، الدورة الثالثة، مجلد 3،
ج3/529-541. 33 ـ روضة الطالبين
للإمام النووي ج2/98. 34 ـ د. محمد الأشقر: نهاية الحياة (ندوة
الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها)
ومنشورة أيضا في مجلة مجمع الفقه الإسلامي
مجلد 3، ج3: 661-671. 35 ـ حاشية ابن
عابدين ج1/ 572. 36 ـ ندوة الحياة الإنسانية وهي منشورة في
مجلة مجمع الفقه الإسلامي مجلد 3/ ج2/ 189-721. 37 ـ د. وهبة
الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار
الفكر، بيروت الطبعة الثانية 1989، ج2/253. 38 ـ المصدر السابق. 39 ـ منهاج الطالبين
للنووي ج4، 103، 104. 40 ـ المصدر السابق. 41 ـ بدرالدين
الزركشي: المنشور في القواعد /2/ 106. 42 ـ د. محمد نعيم
ياسين: نهاية الحياة الإنسانية في ضوء
اجتهادات الفقهاء «ندوة الحياة الإنسانية»
والمنشورة أيضا في مجلة مجمع الفقه
الإسلامي، العدد الثالث، ج2/ 635-660. 43-PALLIS C: ABC OF BRAIN
STEM DEATH, BMJ, 1983, REAPPRAISING DEATH 1-4. 44
ـ المصدر السابق. 45 ـ د.عصام
الشربيني: الموت والحياة بين الأطباء
والفقهاء «ندوة الحياة الإنسانية»،
الكويت، ومنشورة أيضا في مجلة مجمع الفقه
الإسلامي 1408هـــ/ 1987م العدد ج2/ 573-587. 46 ـ مصدر رقم 43. 47 ـ انظر تفاصيل
ذلك في كتابي: موت القلب أو موت الدماغ،
الدار السعودية، جدة، 1986م، فصل الروح 37-57. الرئيس
الدكتور محمد هيثم الخياط: شكرا للأخ
الكريم الدكتور محمد علي البار على عرضه
الجيد والبحث الأخير للأخ الدكتور محمد
مليباري فليتفضل:
|