|
ثوب الحياة والموت "دراسة
طبية فلسفية حول موت المخ وشتل الأعضاء
البشرية" الدكتور عبدالمنعم عبيد مقدمة ما
الأسئلة التي يدور حولها الجدل في موضوع
العلاقة بين مفهوم «موت المخ» والممارسات
المتزايدة النجاح لجراحة شتل الأعضاء
البشرية؟ كان
النجاح في أول عملية جراحية معقدة لشتل.(1)
قلب بشري من إنسان مات مخه عام 1968م إلى صدر
إنسان آخر تدهورت وظيفة قلبه، لقد كانت
نقلة جوهرية في مسيرة الطب تشير إلى ما
تحقق بفضل تضافر الجهود في القرون الأربعة
الماضية في ميادين العلوم الأساسية
والممارسات والتقنيات الطبية المتكاملة،
وتجمعت حصيلتها كلها أخيرا في هذه العملية
الجراحية، بالغة التعقيد، ومثّل هذا
النجاح من ناحية ثانية بداية لثورة في «المفاهيم»
حول طبيعة الترابط بين جميع أجهزة الجسم
بتوجيه من المخ وطبيعة الاستقلال في وظائف
الأعضاء الأخرى، ومن ناحية ثالثة أحدث هذا
الإنجاز - صدمة لفكرنا التقليدي حول قضايا
فقهية وفلسفية وأفكار راسخة تتتعلق
بمسائل لا تعريف لها مثل «الروح» و«الحياة»
«والموت» «والعقل» «والذكاء» «واليقظة» «والفؤاد»،
وغيرها. وكذلك أخذ يتضح التمايز بين
الإنسان «خليفة الله الوحيد في الأرض» -
وبين المنظمة الحيوية التي ينتمي إليها في
عالم الحيوان. ودفعت هذه الخطوة جهود الإنسان لاستكشاف
كافة السبل «لتأجيل» الموت; هذا الهدف
الغالي الذي يراود الإنسان طيلة حياته حتى
النفس الأخير; طمعا في فرصة إضافية- حتى
ولو لسنوات قليلة يعيشها الإنسان بصحة
وعافية. وبعد أن
كان عالمنا الإسلامي المترامي الأطراف
حتى القرن السادس الهجري (الثاني عشر
الميلادي) يساهم (بأطبائه) (وحكمائه) في
مواجهة الموت بإنجازات في (الطب والجراحة)،
دخل في كسوف شبه كلي حين عزف عن حسم
المعركة بين النقل والعقل. في حين انطلق الغرب منذ أربعة قرون يفتح
للعلوم العقلية والتجريبية والعملية كل
باب، ويقرن بين أساليبها في سياق واحد،
ويحقق في ميدان مواجهة الموت، وزيادة
متوسط الأعمار إنجازات ملموسة. ورغم أن
طول العمر ينتج أساسا عن النجاح في إنجاز
تنمية بشرية وبيئية شاملة (اقتصادية
وسكانية وإسكانية وتعليمية...) فإن
النجاح في توفير الاحتياجات الصحية
الأساسية، ومساندة كل أفراد المجتمع في
حالات الطوارىء والحوادث الفادحة، هو
العامل الثاني ذو الأهمية الإنتاجية في
تحسين مستوى الأعمار وتوفير حياة صحية
سليمة وفاعلة. وأكد
النجاح في زراعة الأعضاء بعد بروز اعتراف
واسع بمفهوم موت المخ أن ما تحقق في مجال
الرعاية الصحية للمجتمات المتقدمة كان
نتيجة جهود متنوعة واسعة دؤوبة يشد بعضها
بعضا في مجال التقنيات الطبية والصناعية،
والعناية المركزة الشاملة، والترابط
المتزايد بين أفراد المجتمع المتمتعين
بالذاتية والحرية، وإيداء التوقير
والاحترام عندما يتأكد حلول الموت ولملمة
الأحزان من أجل التبرع الخيري بالأعضاء
لتحقيق الأمل بمد العمر لآخرين في
الإنسانية. أما في
عالمنا الإسلامي - رغم إنجازات لم تتجاوز
بعض بلدان الخليج العربية - فإن العزوف
السلبي ساد الموقف، ثم ما لبث الأمر منذ
عقد واحد من الزمان أن اتجه إلى رفض متصاعد
لعدد من الأطباء في مصر لمفهوم موت المخ
والتجريم والتحريم على أساس فقهي لمجمل
ممارسة شتل الأعضاء والأنسجة أيضا. ومن هنا
كان الاهتمام من جانبي بالمناقشات
المعمقة لهذا الموضوع المثير للجدل على
نطاق العالم; لتحليل الموقف العالمي
والإسلامي من هذه القضية إلى عناصره
الفكرية والعملية وإنجازاته الاجتماعية
الهائلة الصعبة، ورد الموقف الرافض إلى
أسبابه وعلاته، وذلك من خلال الإجابة على
المسائل التالية. أولا: كيف
أدى التقدم في مجالات العلوم والرياضيات
والفلسفة إلى تطور الممارسات والعلوم
الطبية؟وكيف تطور الذكاء البشري؟ وما
أهمية المخ بالنسبة لهوية الإنسان وكيانه
ووجوده؟ ثانياً:
كيف ظهر مفهوم موت المخ؟ وكيف ترسخت - في
الممارسات الطبية - معايير ومقومات
وأساليب واضحة لتشخيصه؟ وترسخت في
الممارسات الطبية معايير أو مقومات
واضحة، واستقرت أساليب تشخيصية، وكيف يتم
التأكد منه؟ مما يفتح الطريق أمام صناعة
طبية جديدة، ناجحة هي شتل الأعضاء البشرية.. ثالثاً:
ما هي الأساليب والآليات والأنشطة
والمؤسسات المجتمعية التي اعتمدها الغرب -
المتقدم - لإنجاح (صناعة) شتل الأعضاء؟ مع
دراسة مفصلة للمثال النموذج في استراليا
وللأمثلة المتطورة في أوروبا والولايات
المتحدة. رابعاً:
ما المعلومات المقارنة عن الموقف من موت
المخ؟ وما واقع إنجازات ومعوقات شتل
الأعضاء في الدول المعاقة النمو؟ نماذج من
آسيا والمكسيك ومصر. خامساً:
ما طبيعة الجدل الذي يشارك فيه الأطباء،
من الناحية الفلسفية ومن الناحية
العقيدية والفكرية؟ وما مستقبل محاولات
إطالة العمر وزراعة المخ كامتداد متواصل
للتطور البشري في القرن المقبل؟. الجزء الأول العلم والفلسفة والرياضيات
أساس فهم دور الذكاء ونشوء وتطور الطب
الحديث وبروز مفهوم موت المخ أولا: فهم تطور الذكاء
البشري ضروري للاقتراب من مفهوم الإنسان: 1 ـ تمدد قشرة المخ في الإنسان: لقد كان
من أبدع منح الخالق في تركيب الحياة، تمتع
الحيوانات في مرحلة من مراحل تاريخ الحياة
- على كرتنا الأرضية - بوجود «جملة عصبية»
قادرة على التواصل بين الكائن الحيواني
والعالم الخارجي. وبتعقد
الحياة الحيوانية وتعدد أعضائها وتحدد
وظائفها ظهر المركز المميز لغرفة
العمليات المتقدمة لهذه الجملة العصبية
وهو المخ، والذي ظهر تخصص جذعه في التحكم
في ترابط بقية أجهزة الكائن الحي وتناسق
شغلها المشترك، والذي أصبح معبرا «للأحاسيس»
و«للاستجابة الحركية» وساحة لشبكة ممتدة
مترابطة Reticular
Formation متواصلة مع فصي المخ
وصولا إلى قشرته الأحدث، ومتخصصة في وظيفة
«اليقظة» Consiousness أو
الإدراك أو الوعي Awareness. مع أن
المساحة الواسعة لقشرة المخ في الإنسان
وتعدد ما بها من مراكز، أدى إلى تخصصها في
وظائف جديدة متشابكة شكلت ما نطلق عليه
الذكاء البشري 2 ـ لغة
الخطاب والتخطيط والنظم والمهارة
والمرونة كمكونات للذكاء: أ ـ كان
في مقدمة هذه التخصصات لغة الخطاب Syntax? والتي تهيأ لها ترتيب خاص
في مكان في قشرة المخ يعلو الأذن اليسرى
وفي تكوين خاص للحنجرة يمكن الإنسان من
الترتيب المنظم للأفكار المنطوقة Verbal Ideas من خلال قدرته على تكوينها، بنظم (ضم)
ثلاثة أصوات على الأقل من مجموع 36 صوتا
تعبيريا لا معنى لها (تملكها القردة
العليا) ليكون الإنسان وحده كلمة جديدة
ذات معنى (محتوى)، ولينظم (يضم) عقدا من
الكلمات ذات معان تنبئنا نحن البشر عمن
فعل: ماذا، وبمن، ولمن، ومتى، ولماذا،
وكيف؟ وأخذت إجادتنا التدريجية للغة
الخطاب تعتمد بدورها وتترابط مع حاستي
السمع والبصر، ومهارات الحركات اليدوية
في الإشارة والتعبير والتشكيل، والموسيقى
والحركات التوقيعية. ب ـ
واعتمد الذكاء البشري على قدرة التخطيط Planning? وهي مما لا يملكه أرقى
حيوان إلا لفترة عارضة وحدث واحد، وقامت
قدرتنا التخطيطية على نفس أسس نظمنا
اللغوي، فأصبحنا (نفكر) و(نخطط) بالطريقة
التي يتكلم بها كل منا. ج ـ كما
امتلك الإنسان شبقا (لنظم الأشياء) في عقد
نضيد فأخذ ينظم الكلمات مع بعضها في جمل
والنوتات الموسيقية في أغانٍ، والخطوات
في رقصات، والحركات في ألعاب رياضية لها
قوانينها. د ـ وتدعم
(روح الإنسان - كيانه الإنساني) التخطيط
والذكاء بالمهارة في التصويب على الهدف في
أثناء الصيد، والتحريك المتزامن السريع
للأطراف مما استدعى نشاط شبكة أوسع بمقدار
64 مرة مع كل حركة منها. هـ ـ
وكذلك اعتمد الذكاء البشري على المرونة Versatility التي توفر إيجاد البدائل وعمل المقارنات
والنماذج العقلية، مما وفر له طرقا جديدة
للحماية والتنوع والإبداع معا. 3 ـ الذاكرة: كما
اعتمد الذكاء على ظاهرة عقلية هي الذاكرة Memory? تسمح بمرور فاصل زمني بين
السبب والنتيجة، كما تسمح بحدوث ظاهرة «التعلم»،
بحيث أصبحت العلاقات بين الصادر من
المثيرات والوارد من الاستجابات أكثر
وأكثر صقلا خلال حياة الفرد، مما أدى إلى
تراكم «المعرفة» والذي بات بدوره
متزايداً بسب (حفظ الأفكار) في «وثائق». 4 ـ الثقافات
والحضارات: وهكذا لم
يعد الموت للفرد يعني زوال الخبرة
المكتسبة، وساهم تراكم المعرفة والخبرات
في تكوين بنى مستقلة ذاتيا هي «الحضارات»
«والثقافات»، وهكذا لم يعد ما يسود عالم
الإنسان، كما في عالم الحيوان، هو مجرد
بقاء النوع الذي يعتمد أساسا على جذع المخ
في سيطرته وإحداثه للترابط مع بقية
الأعضاء، وإنما زاد على ذلك في الإنسان
بقاء الأفكار أيضا، وها هو الإنسان
المتميز بروحه التي نفخها الله فيه والتي
تتمثل، فيما تتمثل، في ذكائه المتمركز في
عقله المنتشر في مخه الأعلى، والمنسجم مع
بقية الأعضاء في جسده في وظائف مترابطة
شاملة Integrated
Functions والقادر على التعمق في
كيانه من الداخل، والمتطلع إلى الوجود من
حوله بمفاهيم تشكل كيانه العقلي،
وبأساليب متميزة للإبداع والعمل، وبجدائل
وارفة من الأحاسيس والاستجابات والمشاعر،
وبأنساق متغيرة أو ساكنة من الأخلاق
والعادات والقيم. 5 ـ المفاهيم
عن الذكاء والوعي إشارة إلى مفهوم الروح: هذه
المفاهيم إذن عن الذكاء والوعي واليقظة هي
مجرد إشارة إلى روح الإنسان «كمفهوم»
إنساني عنها، لا يتطاول إلى إدراك كنهها
وحقيقتها، كما دعتنا الآية القرآنية
الكريمة إلى ذلك: {ويسألونك عن الروح قل
الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا
قليلا} (الإسراء 85). ومن هنا كانت الاستطالة
في الحديث عن الروح تتطلب منا نحن البشر
قدرة «فوق عقلية» للوصول إلى كنه أو كيان «فوق
مفهومي» Super conceptual يتعلق «ببنية
الروح الواقعية» Actual
Soul Structure. وكل بحث عما هو وراء الطبيعة Metaphysical لا يمكن أن يتم بوسائل
فيزيائية محدودة نفصلها على مقومات للروح Criteria of soul كان قد تحدث بها بعض الفقهاء في الزمن
القديم بدلا من الامتناع المؤدب أو الأدب
الممتنع عن معالجتها بواسطة آخرين. أما إذا
لهثنا خلف مقومات الروح فلن يكون لها
استعمال عملي مفيد، فبشتل الأعضاء لم
نستأصل جزءاً من روح (لا من حي ولا من ميت)
مثل نقل الكلى، وبوصل الأعضاء المشتولة لم
نضف لروح المتلقى شيئا أبدا ولم نغير من
كيانه الروحي، وبتصفية دم الوليد دون أن
نستبدله بمثل كميته، سيموت الطفل بأسباب
عدة، وبتبديل دمه لن يموت ولن نستبدل
روحه، وقبض الروح حدث من أحداث ما وراء
قدرتنا الطبيعية أيضا Metaphysical departure of soul وهو
بالنسبة لنا يحتاج - لفهم طريقته - إلى قدرة
فوق مفاهيمنا أيضا، وإن كنا لا نعلمها علم
اليقين، وكل حديث قدسي يصف نزع الروح
ومفارقة الروح للجسد حديث نتقبله بالورع
والعظة كوصف إلهي يقرب من أذهاننا عناء
موتنا مقدما قبل حساب أخطائنا الدنيوية،
حتى نلتفت مثلا إلى مراعاة مرضانا
المصابين في حوادث موت الدماغ بما يمليه
علينا ضميرنا. وليس نزع
الروح واختلال العقل واختلاط الفكر في
أثناء بعض أمراض الموت الباطني إلا بسبب
الاختناق الحادث في بعض أنواع الموت،
والغرغرة «إذا بلغت التراقي» هو بسبب هبوط
القلب وتجمع الماء في الرئتين والقصبة
الهوائية حتى الحنجرة، وكم من مريض غرغر
في الماضي ومات، وكم من مريض يغرغر الآن
وننظف صدره ونساند دورته الدموية فيفيق
ويبعد عنه شبح الموت بإذن الله كتابا
مؤجلا إلى حين، ولا يموت الناس بالسكتة
القلبية أو الدماغية أو غرقا في بطن الحوت
بعلامات الموت المذكورة في الكتب المنزلة. ولم يمت 350 من ركاب الطائرة السعودية
مؤخرا في سماء الهند بنزع الموت، إنما
تبخروا في لمحة واحدة، وكذلك مات رواد
مكوك أمريكي في الفضاء الخارجي، وكذلك
سيتبخر رواد رحلات الفضاء عبر الكواكب في
المستقبل، ويوم يرث الله الأرض ومن عليها
فستكون الجبال كالعهن المنفوش، وإذا شاء
الله بعد أربعة مليارات عام فستنتهي طاقة
شمسنا ونموت مجمدين ثلجا، وإذا شاء الله
فصدم أرضنا مذنب فلن يتسع وقت الدمار
الصاعق لنزع الموت وغرغرة الصدر، وقد يشاء
الله فيتغلب على الجنس البشري وحضارته على
الأرض فيروس ضئيل، وقد تتواصل الحياة
يتلوها الموت في صور شتى في كواكب شتى في
الكون الفسيح وصدق القرآن الكريم {إنه هو
يبدىء ويعيد}، البروج (13). ثانياً:
التداخل والترابط بين العلوم والرياضيات
والفلسفة أرسى دعائم الطب الحديث، وأبرز
مفهوم موت المخ البشري كمفهوم لموت
الإنسان:- خلال ما
يقرب من مليونين ونصف من السنين - عبر فيها
الإنسان على قدميه السهول الأفريقية
منتشرا في كل أرجاء «المعمورة»، أفلت
البشر مما أصاب عشرات من الأجناس السابقة
على الإنسان من الحيوانات الضخمة من محو
وانقراض Extinction تحت وطأة الظروف القاسية للمناخ الجليدي
المتقلب وضربات النيازك الكونية الساحقة،
كما تغلب الإنسان الأول على عدوان الضواري
وفتك الأوبئة. وعاشت القبائل العربية
قبل الإسلام في مواجهة الأوبئة (عام الفيل)،
أو الموت الطبيعي الذي وصفه الدهريون، كما
جاء في القرآن الكريم {إن هي إلا حياتنا
الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}،
أو تخوض معارك السلب القبلية التي تسيل
فيها الدماء حول مصادر الماء. أ - لا تعريف للموت والروح
والحياة في الإسلام: ولم يحدد
الإسلام تعريفا للوفاة وإن فصل بين نوعيها:
الموت أو القتل {وما محمد إلا رسول قد خلت
من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم} آل عمران الآية 144، وهذه هي نفس
الآية الكريمة التي تلاها الصديق أبو بكر
لتقر نفس عمر بن الخطاب رضي الله عنه «الذي»
رفض فكرة موت الأنبياء قبل أن يفني الله
المنافقين». وربما كانت فكرة عمر تنبع من صعوبة
التصور أن يكون مصير الأنبياء هو توقف
وظائفهم عن العمل، كما يحدث وسيحدث ذلك
دائماً وأبدا لكل إنسان آخر حتى يرث الله
الأرض ومن عليها. وفي مرض
الموت الذي حل سريعا بالرسول e كان قد شكا لعائشة رضي الله عنها من صداع
استعز به «أي اشتد عليه وغلبه على نفسه»،
وقال أهله «إنا لنرى برسول الله ذات الجنب»
(ربما إشارة إلى الفالج)، وسار مستنداً إلى
العباس وإلى على، وقد عصب رأسه الكريم،
وقدماه تخط الأرض وحاول أهله أن يلدوه (يسقونه
دواء في أحد شدقيه) وطلب أن يريقوا عليه
الماء من سبع أبار متفرقة وسرعان ما صعدت
روحه الشريفة إلى الرفيق الأعلى.(2). ب - دور الإسلام في إرساء
مفهوم العقل لشق طريق الحضارة المعاصرة: إن في موت
الأنبياء عبرة لنا نحن الأطباء، فرسالتهم
تتحقق بالعبادة وبوضع أقدامنا على أول
طريق سنة التفقه والعقل، هذا العقل الذي
نحن بصدده، والذي يسر تطوير طرق العلاج
والرعاية وجراحة شتل الأعضاء وغيرها. غير أن
الحكمة الإلهية بختام الرسالات برسالة
محمد e، كانت بالغة الدلالة على تحقيق مبتغاها
بشروق شمس العقل الذي تمثل في الفقه
المستنير والعلم التجريبي اللذين سيذللان
الطريق أمام المصالح المرسلة عندما يتطلب
الأمر أن يكون المسلمون «أعلم بشؤون
دنياهم». وكان
العرب، والمسلمون قد قدموا خلال ستة قرون
هجرية للبشرية بدائع بدايات العلوم،
وترجم عنهم اللاتينيون الأوروبيون ما
عرفوه أو نقلوه في الطب، والفلك، وعلم
التنجيم. والصيدلة، والفسيولوجي، وعلم النفس،
وعلم الحيوان، وعلم الأحياء، وعلم
النبات، والتعدين، والبصريات،
والكيمياء، والفيزياء، والرياضيات،
والجبر، والهندسة، وعلم حساب المثلثات،
والموسيقى، وعلم الأرصاد الجوية،
والميكانيكا - والهيدروستاتيكا، والملاحة
البحرية، والتاريخ (3). كما فجر العرب قنبلتهم الفكرية التي هزت
أوروبا نتيجة للفلسفة التي حملتها معها
هذه المعارف، متمثلة في موسوعة ابن سينا،
أول موسوعة فلسفية تقدم أفكار أرسطو التي
صدمت وأثارت الغرب، لأنها وضعت الدين
المسيحي، والفلسفة في مركزين متساويين
كمذهبين في تفسير الكون، كما تعلم الغرب
من ابن سينا قوة الجدل السحرية بوساطة
القياس المنطقي الذي يحول استخدامه دون
الوصول إلى نتائج خاطئة غير منطقية، مما
فتح الطريق أمام إمكان النظر في الطبيعة
بطريقة منهجية تخضع للتحليل والقياس
المنطقي، وبأسلوب الشك المنهجي يصل
المفكر إلى التساؤل، وبالتساؤل يتم إدراك
الحقيقة. أما في الغرب - في إيطاليا
العصور الوسطى - فبرسوخ جمهورية بولونيا
الرومانية بعيدة عن سلطة الكنيسة في روما
وعن سلطة الإقطاع الذي خنق الأفكار في مدن
إيطاليا الشمالية، فقد تواجد مناخ صحي
يرفض احترام الطاعة العمياء للعقيدة
المسيحية الجامدة، وأصبحت بولونيا مقرا
لأول جامعة في العالم لا نظير لها في
العصور الوسطى في أي من الحضارات القديمة
أو الكلاسيكية. وفي عام 1219م أصبح نظام الدرجات العلمية
نظاما ذا قواعد راسخة، وانتشرت دعوة أرسطو
إلى استخدام المشاهدات المنطقية
التجريبية لبحث الطبيعة، وأخذت العلوم
العربية (واليونانية المترجمة عن العربية)
تتدفق على أوروبا منذ سنة 1130م، ولم تعد
الطبيعة من خلال هذه العلوم كتابا مغلقا
لا يفهم إلا عن طريق التلقين فحسب، وإنما
غدت الطبيعة جزءاً من الكون لها رؤاها
تماما مثل الإنسان نفسه، مفتوحة
للاستكشاف، ويمكن تقسيمها إلى مجالات
مختلفة لكل منها قوانينها الخاصة التي
تسيرها، ويتم فهمها من خلال القياس
المنطقي والاستدلال. ثم جاءت الصدمة الأخيرة لأوروبا مع
السنوات الأولى من القرن الثالث عشر فيما
شملته من تعليقات الفيلسوف العربي «ابن
رشد» على نظريات أرسطو، فقد أخضع ابن رشد
الحقيقة المشاهدة بأكملها إلى ضوء العقل
المجرد فيما انتهى إليه من أن عملية الخلق
قد حدثت قبل الأزل، وتبعتها حتماً أحداث
أخرى، وعلينا أن نواصل مسيرة حياتنا في
الكون بالعقل لنفهمه. وهكذا تم
فصل الفلسفة عن الدين المسيحي، وامتد
اهتمام الأوروبيين إلى توسيع أفكار ابن
الهيثم عن خواص الضوء والعدسات وانعكاس
الأشعة وانكسارها، وتوصل الأسقف جروستست
من ذلك إلى أن فهم الطبيعة يجب أن يرتكز
على استخدام علوم الرياضيات والبصريات
والهندسة، وأدرك أن هناك عديدا من العلل
البادية للظاهرة الواحدة، واقترح عقد
مقارنة بين الملاحظات المتكررة كأفضل
وسيلة للتحقق من علة الظاهرة إثباتا أو
نفياً، وأن فهم سبب حدوث أي شيء يحتاج
بالضرورة إلى الوصول إلى ما وراء الحدث
الظاهر وذلك بملاحظة آلية الظاهرة نفسها،
وأشار روجر بيكون (تلميذ جروستست) إلى أن «الوصول
إلى الحقيقة لا يأتي إلا من خلال التجريب»،
ثم قام ثيودريك عام 1310 بحساب آلية قوس قزح
بتجربة ضوئية على بلورة زجاجية في الماء،
وكان بذلك أول من قام بتجربة علمية صحيحة
في تاريخ غرب أوروبا، وفي نفس الوقت كانت
طليطلة قد سقطت... سقطت طليطلة الإسلامية في الأندلس في
منتصف القرن الحادي عشر الميلادي وحدث
النهب الثقافي لكنوزها الفكرية (أربعمائة
ألف كتاب تزيد على كل ما في أوروبا)، سقطت
طليطلة لافي ذلك التاريخ، ولكن منذ عزف
المسلمون عزوفا عن مؤلفات ابن رشد الشارح
الأكبر وشروحه (الكبرى والمتوسطة والصغري)
لفلسفة أرسطو - عزفوا عنها نهائيا، وسواء
أكانوا قد طردوه وابنه عبدالله من الجامع
وهو شيخ كبير وحبسوه في قرية اليهود،
وجمعوا ما تيسر من كتبه وأحرقوها أو لم
يفعلوا... فقد سادت سيطرة النقل على العقل في مغرب
الإسلام بعد مشرقه، في حين انطلقت الحضارة
الغربية المسلحة بالحصان العربي والفكر
اليوناني والاصطرلاب والهندسة
الإسلامية، تحاصر المسلمين وتقطع خطوط
تجارتهم الدولية وتنطلق مستولية على
الهند والعالم الجديد (الأمريكتين
وأستراليا)، وأدى الحصار الغربي إلى سيادة
الحكم الإقطاعي في المناطق الإسلامية،
وكرس حكم الإقطاع ثقافة النقل أكثر فأكثر
مع ضمور العقل فدخل في مرحلة الغيبوبة - في
الوقت الذي استعد العقل الغربي بين
القرنين الثالث عشر والسابع عشر الميلادي
لتجميع وترابط المعرفة العقلية والعلمية. جـ - حلقات التقدم الغربي
المعاصر: وإذا كان
علينا أن نفهم كيف توصل الطب المعاصر إلى
إنجاز تشكل الأعضاء واستمرار الجدل
الفلسفي حوله في نفس الوقت، فلا بد لنا
فيما يلي أن نشير سريعا إلى أهم المفاهيم
العقلية والفلسفية والعلمية التي طورت
الممارسة الطبية، وبدونها كان من
المستحيل الوصول إلى هذه الإنجازات أو
الاستقرار على أساليب محترمة لاستمرار
الجدل المفيد في الوقت نفسه. 1 ـ فمنذ مائتي عام فقط كانت الرؤية السائدة
للمرض في العالم تقتصر على أنه حالة تعم الجسد كله، نتيجة
عدم التوازن بين سوائل الجسم الأربعة (إشارة
لرؤية الكون على أنه يتكون من عناصر أربعة
أيضا هي التراب والماء والنار والهواء). كما اعتمد الطب على
مجموعة من «التصنيفات المرضية» وفق
الأعراض «الظاهرة» التي تصاحبها (ولم يكن
الطب «الباطني» قد رسخت أسسه بعد). 2 ـ الطب من
الخيال إلى المحسوس: وفي
القرن الثامن عشر أشار جوهانز فرانك - من
النمسا - إلى أهمية الالتفات إلى جذور
المشاكل في البيئة العامة، وضرورة اقتلاع
جذور الفقر، وإجبار الأطباء على ممارسة
التدريب على المرضى من الجنسين في قاعات
المرضى، ودراسة حالتهم في فترة النقاهة أو
بتشريح الجثث بعد الوفاة. وأكدت
حركة التنوير في أوروبا مصداقية (جون لوك)
الفيلسوف الإنجليزي - في أن المعرفة ليس
لها سوى مصدر واحد فقط هو الخبرة الخارجية
(من الاتصال بالعالم المحيط)، والداخلية(من
التأمل الذهني)، كما اعتبر (كونديلاط) -
الفرنسي- أن الوسيلة الوحيدة لفهم العالم
هي اعتبار «المحسوسات» المعطيات الأولى
للمعرفة، مع وجوب تحليلها والتخلي عن
الأفكار المسبقة. وأشار (كانط)
عام 1780 إلى أن العلم هو الوسيلة الوحيدة
التي تنظم الطبيعة تنظيما منهجيا في
تركيبات تضع «الظواهر المتداخلة» فيما
بينها في أوضح صورة لكي نفهمها. 3 ـ الطب
يتطور بالملاحظة والعلم: وبحدوث
الثورة الفرنسية وتوالي الحروب الأوربية
ارتفع شأن الجراحة التي لم تكن تعتبر طبا،
بفضل الحاجة للجراحين، وتعددت المستشفيات
في باريس وتخصصت فأصبحت عاصمة العالم في
العلوم الطبية، ومركزا لجذب الأطباء من
أوروبا وأمريكا. 4 ـ الرياضيات
والإحصاء في خدمة التطور الطبي: وكان (جرونت)
البريطاني قد اكتشف عام 1662م أن الأعداد
الكثيرة تكشف عن مظاهر الانتظام أو
الأنماط التي لا تستطيع الأعداد القليلة
تبيانها، وأن البيانات يمكن أن تساعد على التنبؤ بالأمراض الوبائية
وتشخيصها، ومع استعمال الإحصاء في شركات
التأمين على الحياة لوضع احتمالات
الوفاة، ساعد التحليل الإحصائيعلى إذكاء
النشاط الفكري العلمي المستنير وخاصة في
مجالات تقويم حجم وأوضاع السكان وغيره من
المجالات الاجتماعية. وهكذا
أصبح الأطباء في قلب «عالم الإنسان»،
وتحلوا بالتفكير المنظم المترابط،
واهتموا بعلم الأرقام الجديد بتشجيع من
الفلاسفة. وأدى
الترابط المنهجي بين العلوم التجريبية
والتحليل الرياضي والمفاهيم المنطقية
والفلسفية إلى توثيق ارتباط الأطباء
بمشاكل المجتمع في الغرب، ونقل الطب من
دراسة الظاهر إلى رحابة المعارف الباطنية
المدعمة للتشخيص لأسباب المرض. 5 ـ الطب
يتحول من الظاهرية إلى الباطنية: واكتشف (جوزيف
ليوبولد) في عشرينات القرن التاسع عشر
طريقة النقر على الصدر لتحديد موضع القلب
وحالة الرئتين. كما اكتشف (لايناك) عام 1816،
باسطوانة من الورق المقوى، كيف يمكن تضخيم
الأصوات الصادرة من الجسم (السماعة الطبية)
فأمكن بذلك فحص المريض فحصا تفصيليا دقيقا
أكثر من ذي قبل، ولم تعد أعراض الحياة
والموت الظاهرية هي المصدر الأول
للبيانات، كما تعودنا عبر القرون أن نفعل
من معايشتنا لموت الحيوان (إما نفوقا
كالجمل في البرية أو ذبحا من الوريد
للوريد، مع أهمية الإدماء وحركة المذبوح
وارتخاء أطراف الحيوان، وتوقف حركته،
وبرودة جسمه، وتغرب عينيه). أما في الطب المتحضر
الجديد فقد أصبحت الأعراض الظاهرية
للحياة والمرض والموت نتيجة لنشاط «المرض
الداخلي» أو «الباطني»، الذي أثر في مختلف
الأنسجة والأعضاء بأساليب متفاوتة ودرجات
مختلفة، رغم عدم تأثيره بالضرورة في الجسم
كله، وهذا النوع من المفاهيم - هو لب
المفاهيم الحالية حول موت المخ مع بقاء
الأعضاء الحيوية وغيرها تعمل بانتظام
بفضل المساندة الصناعية والدوائية. 6 ـ الخلايا
والأعضاء كيانات مستقلة ومترابطة: وأدى
التحسن الذي أدخله (ليستر) عام 1829 على
الميكرسكوب المعروف منذ القرن الرابع عشر
إلى جعل الصورة المجهرية واضحة تماما. مما أوصل
(شلايدن) الألماني عام 1831 إلى اكتشاف نواة
الخلية، وكيف أن (الخلايا) إنما هي كيانات
منفصلة، مما أحدث تغييرا جذريا في مفهوم
أصل المرض، وهذا ما يفسر ما يرد أحيانا من
تنظيرات بعض المهتمين من أطباء وجراحين
بموت المخ، الذي يقدمون به تصورا يقسم
أنواع «الحياة» إلى حياة خلوية وأخرى
نسيجية، وثالثة عضوية، ورابعة مخية تتعلق
بالروح... الخ، مما يحتاج إلى أن
يعيدوا التفكير في ذلك باستعراض ما تم من
اكتشافات في علم الأنسجة حول ميكانيزم
الحياة الخلوي والنسيجي كما سنرى حالا. ذلك أن (ثيودور شوان) ذكر
في كتاب أصدره عام 1839، أن كل أنسجة
النباتات والحيوانات هي بالضرورة الأنسجة
نفسها، وأن هناك مبدءاً واحداً جامعا فيما
يتعلق بتطور الأجزاء الأساسية في أجسام
الكائنات الحية، مهما كانت مختلفة، هذا
المبدأ هو تكوين الخلايا. كما اكتشف (شوان) أن الخلايا تتجمع في
مجموعات مختلفة في أنسجة مختلفة، هي أنسجة
«مستقلة منفصلة» في الدم (الذي هو نسيج
أيضا!)، وأنسجة «مستقلة في مجموعات» كما في
جدار الخلايا، وأنسجة «ملتحمة» في
العظام، «وليفية» في الأوتار..، ولكل خلية حياتها المستقلة ذات الوجود
المستقل، من خلال تمايز للمادة الأساسية
المشتركة، وهكذا اكتشف (شوان) أن الحياة
ليست حياة نفسية تجليا لفكرة ما، وإنما هي
حياة مادية. 7 ـ البروتوبلازم
والذرات ومصدر الحياة: واكتشف (بوركينجي)
عام 1839 في مادة هلامية في مبيض الحيوان
سماها البروتوبلازم - اكتشف «الذرات
الأولية للجسم العضوي الحي»، وتساءل إن
كانت هذه الذرات الأولية هي موطن الحياة
نفسها؟ وأعلن (ريمارك) عام 1852 - بعد ملاحقته
لانشطار الخلايا - أن كل الخلايا تخرج من
خلايا أخرى، إلا أن (فيرشوف) - باب الطب
الألماني - «اكتشف تخصص الخلايا في إنتاج»
«مختلف الأنسجة»، وعندما فحص النشاط
الخلوي اقتنع بأن المرض هو ظاهرة تهاجم
الخلية فتجعلها تتضاءل، وأن الخلية هي
الرابطة الموجودة باستمرار في السلسلة
العظيمة من التكوينات «التي يعتمد بعضها
على بعض». وتكون «جسم
الإنسان». وأن المرض ما هو إلا
الحياة في ظروف متغيرة. 8 ـ التخدير
يطور الطب وينقذ المرضى: وباكتشاف
أبخرة التخدير وغازاته منذ عام 1846 انتهى
عهد الموت بسبب الجراحة من جراء «الصدمة
الجراحية» في معظم الأحيان، ومن الألم
المبرح في أثناء الجراحة وبعدها، وقاد
التخدير الطب والجراحة إلى مرحلة جديدة
متقدمة وأسدى للإنسانية خدمة لا تقل شرفا
عن اكتشاف الإنسان للنار والزراعة. 9 ـ الرسوم
والمناظير والتصوير: وأصبحت
إبر الحقن متاحة عام 1840، واكتشف جهاز
تسجيل الموجات لضربات القلب في رسم بياني
عام 1844، وتزايدت إمكانات التصوير منذ عام
1850، وتوالت أجهزة قياس ضغط الدم، وأجهزة
المناظير ومراياها وعدساتها لفحص الأذن
والحنجرة وقاع العين وداخل المثانة
والمهبل والمستقيم والمعدة، وأصبح الشعار
الجديد: «لا تصدق شيئا دون أن تراه». 10 ـ الطب
ومواجهة الخطر بالعمل الاجتماعي المشترك: وأثبت
الأخصائي (وليام فار) أن الأجيال تتعاقب
وتتطور طاقاتها الحيوية، وتصاب بالأمراض
والاضمحلال الصحي على مدى مشوار حياتها
وفقا لقوانين ثابتة، وأن فناء الجسد
والمرض أمران ثابتان في ظل الظروف
الواحدة، ويختلفان باختلاف غلبة الأسباب
المواتية أو غير المواتية للصحة، وأظهرت
البيانات الإحصائية حقائق تفوق الخيال عن
سوء الصرف الصحي ومياه الشرب الملوثة،
والمرض والعدوى، وحجم وفيات الأطفال،
وحالات الترمل واليتم، أوضحت كلها سبب
انخفاض متوسط عمر المواطن الإنجليزي بما
لا يقل عن عشر سنوات، حيث أصبح 34 عاما فقط (وأصبح
متوسط عمر العامل 22 عاما!!!)، وأخذ يموت 8
أشخاص بالمرض في مقابل فرد واحد بالشيخوخة
أو العنف، وكانت الأمهات تستعد لموت
أطفالها بتحضير كفنه بدلا من ملابسه. وكان رد الفعل على وباء الكوليرا في
بريطانيا هو اكتشاف قوة ومواجهة الخطر
المشترك للمجتمع بأسره، وأهمية هذا في بدء
«التعامل الاجتماعي» الذكي مع الأحداث
الكاسحة من أجل الخير المشترك كما تمثل رد
الفعل أيضا في الاهتمام بالرياضة
البدنية، وكانت الرياضة مقصورة على
الأطفال، وأنشىء أول تجمع رياضي عام 1849،
وأول مسابقة رياضية داخل الجامعات عام 1864،
وأخذت التقاليد الرياضية تبدو أكثر
اتساقا مع الأخلاق والفضيلة. 11 ـاكتشاف
الجراثيم: وشك (جول
سنو) عام 1853 في حدوث عدوى الكوليرا عن طريق
الأيدي الملوثة بمخالطة مرضى القيء
والإسهال، وأعلن (لويس باستر) اكتشافه
للميكروبات عام 1864، (واكتشف جوزيف ليستر
الابن) طريقة قتل الجراثيم بحامض
الكاربوليك. وابتدأ استعمال الكيمياء غير العضوية في
تحليل السوائل الحيوية كالدم والبول
واللبن واللعاب وغيرها، وكان آندرال قد
اكتشف عام 1843 العلاقة بين المرض وحالة
الدم، والفريد بكريل عن طريق حالة البول? كما اكتشف فهلنج طريقة لتشخيص مرض السكر
في البول، ومن خلال دراسة مرض «الحمرة»
اكتشف روبرت كوخ الألماني - عام 1876، أن
ميكروبا معينا يسبب مرضا معينا، كما أعلن
فصل «ميكروب السل من خلال اكتشافه لمزارع
الجراثيم»، وفصل ميكروب الكوليرا في
الهند عام 1879، والمكورة العنقودية عام 1881،
والدفتيريا عام 1883 والتيفود والتيتانوس
عام 1884 ومرض الزهري عام 1905، كما اكتشف آلية
نقل المرض، وهكذا انتقل الاهتمام الطبي من
سرير المريض إلى المختبر، ونشأ أول معمل
جرثومي في نيويورك. 12 ـ انتشار
التخصصات المستقلة في الطب وارتباط الطب بالمجتمع: وهكذا
أصبح الطب رصيدا فريدا للرأي الموضوعي
الذي يعني به كل أنماط المجتمع، حين دخل
كثير من شؤون الحياة دائرة اختصاص الطب
بصورة أكبر، بداية من المرض إلى نقل
العدوى، إلى الأوضاع المعيشية إلى مؤهلات
الحصول على عمل، إلى التأمين، إلى التأثيم
الإجرامي. ومع بداية القرن العشرين تم تبني
التقنيات التي طورتها مهنة الطب على مدى
مائة عام، ومضت في «سياق اجتماعي» أوسع،
وانسحبت الفردية من الميدان لتفسح المجال
للتنظيم على هدي الأرقام، وأصبح المجتمع
سليما يمضي في طريق الشفاء من أجل خيره
وسلامته.(5). وهكذا استعدت المجتمعات
الغربية للدخول في مرحلة الجراحات
الشاملة، وهذا مما نحن بصدد مناقشته في
هذه الندوة. كما فهم العالم فسيولوجيا التفكير وقيمة
المخ. 13 ـ الطب
يدخل عصر الصناعة والتقنية وتنظيم
الرعاية الصحية للمجتمع: إن مجمل
التطورات التي أوردناها في المجالات
الطبية المختلفة، وما اقترن بها من خلفيات
علمية، وفلسفية ورياضية وتقنية واجتماعية
واسعة، قد تسارعت وتضافرت بشكل كبير بعد
نهاية الحرب العالمية الثانية مع انتصاف
القرن العشرين. ودخل
الطب في عصر الصناعة الثقيلة وعصر ما بعد
الصناعة بما يتميز به من: أ ـ استعمال الآلات
المعقدة في مجالات عديدة. ب ـ دوران العمل المركز
عليها في أماكن كالمصانع. ج ـ عمل فرق العمل بها على
مدار الساعة. د ـ أنها
تعتمد أساليب المراقبة الالكترونية
وإدارة العمليات المترابطة بدون تدخل
يدوي غالبا. هـ ـ أن
العمل المعقد يسير فيها حسب بروتوكولات
معدة وإرشادات تفصيلية وخرائط تشغيل
وتسجيل إحصائي دقيق. و ـ أنها
يتم فيها تحديد نقطة النهاية للعمليات
الصناعية المتداخلة عند إكمال الوصول إلى
الغرض المستهدف، وبعدها فورا يتم إيقاف كل
العمليات الصناعية الجارية، والانتقال
إلى مهمة جديدة بدون إبطاء. ز ـ أنه
يتم - في أثناء العمل وبعد انتهائه - مراجعة
كفاءة الأداء، والتأكد من تحقيق الأهداف،
وتصحيح الأخطاء بهدف عدم تكرارها. ح ـ استخلاص النتائج
النهائية بهدف إقرارها وتطوير الأداء. ط ـ ويضاف
إلى ذلك في صناعة الطب المعاصر في الحالات
الصعبة - أهمية الارتباط بظروف الإنسان
تحت العلاج والتأكد من إجراء كل هذه
العمليات المعقدة لصالحه هو أولا وأخيرا
في إطار رعاية أهله والمحيطين به وإشراكهم
في تفهم المراحل وتحمل المسؤولية إزاء
نتائج العلاج المعقد، سواء انتهت بالشفاء
أم بالإعاقة أم بالموت. ي ـ إجراء
ما يتطلبه كل ذلك في إطار من مصلحة
المجتمع، وتحديد الأولويات
والاستحقاقات، بروح العدل والاستفادة من
الخدمة المعقدة في حدود مصادر التمويل
الفردي أو المجتمعي أو التأميني المتاحة. ثالثا: بروز مفهوم موت
المخ بعد فهم وظائفه: (1) على
البرزخ بين الحياة والموت في أثناء
التخدير العام: 1 ـ بعد سنوات ثلاث من منتصف القرن العشرين،
وقد تخرجت حديثا من كلية طب قصر العيني
بجامعة القاهرة، وبدأ عملي في التخدير (حتى
اليوم)، كنت ألتقي يوميا بمرضاي تحت
التخدير العام وهم يحتلون أحد المواقع على
البرزخ القصير ما بين الحياة والموت،
وكثيرا ما تأملت الآية القرآنية الكريمة {الله
يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في
منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت،
ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} (الزمر:39)،
ويحمل التخدير (البنج) العام ملامح نوم
ثقيل لا يستجيب فيه المريض لنداء أو إثارة. وبزيادة جرعة المخدر
والنزول على السلم عبر البرزخ يقترب
المريض من موت المخ رويدا، (أو سريعا) ثم
مايلبث أن يتوقف تنفسه وتتسع حدقتا عينيه
ولا يستجيبان في النهاية للضوء بحركة،
وإذا لم يوقف مفعول أدوية التخدير يتوقف
القلب فيموت المخ نهائيا، وبذلك، يقبض (روحه)
ملك الموت بغير رجوع في وقت معلوم لنا، أما
إن أوقفنا التخدير في الوقت المناسب فإن
المريض يعود يصعد على درجات السلم
القهقهرى وتتقمصه روحه التي لاتفارقه
الآن، وما يلبث أن يعود إلى اليقظة
الكاملة والحياة النشطة الفاعلة. 2 ـ الأدوية
والأجهزة المستعملة في التخدير أبرزت إلى
الوجود مفهوم موت المخ: وباستعمال
الأدوية التي تشل العضلات الإرادية
للتنفس عن طريق الحقن بالوريد ينتج شلل
لدقائق أو لساعات طوال، لا يعيش المريض
أثنائها إلا بتنفيخ الرئتين من خلال قسطرة
في حنجرة المريض، أو باستعمال أجهزة
التنفس الصناعي بدلاً من جهد الطبيب. ولقد
تسببت هذه التقنية المزدوجة للأدوية
والآلات المستعملة في التخدير في كف مركز
التنفس بجذع المخ عن السيطرة على التنفس،
هذه الوظيفة الحيوية اللازمة لعمل القلب
وحياة المخ كليهما. وهكذا
فتحت سيطرة الأطباء على تنفس الإنسان
الباب أمام انفصال جديد بين وظائف الأجهزة
الحيوية المترابطة الثلاثة: المخ،
والقلب، والرئتين. ومكننا هذا الانفصال من التعامل مع أحداث
ثلاثة جديدة تماما لأول مرة عبر تاريخ
الإنسانية بأسره: أ ـ فإذا
أصابت المخ وحده إصابة رأس قاتلة يمكن (إسعاف)
المريض بالتنفس الصناعي حتى تمر الأزمة
ويشفى المخ. ب ـ أو
يموت المخ ويبقى القلب يعمل بانتظام،
طالما استمرت وظيفة التنفس بالأجهزة
الصناعية، كما تبقى كل أجهزة الجسم تعمل
إلى حين. ج ـ أما
إذا طال العطل بالقلب فبإمكاننا أن نبقي
المريض على أجهزة التنفس الصناعي حتى يتم
استئصال قلبه وتبديله بقلب بديل صناعي
إلكتروني، أو قلب مشتول من مريض مات مخه. 3 ـ القلب
والمخ يتعاونان تعاون الأعمى والمقعد في
حوادث إصابات الدماغ: والمسألة
باختصار أننا في حوادث إصابات الدماغ
سنبذل النفس والنفيس لإرجاع المخ إلى
وظائفه، أما إذا توقفت كل هذه الوظائف
المخية اللازمة لمزاولة الحياة الفاعلة،
فلن يعود للمريض ببقية جسده حاجة، وإن كان
في موته مع حياة بقية أعضائه حياة كاملة
فاعلة لثمانية مرضى على الأقل، يحصل أحدهم
على قلبه، أو رئتيه أو البنكرياس، أو إحدى
كليتيه، أو كبده، أو أمعائه، كما سيحصل
آخرون كثيرون على فرص لتحسين نوعية الحياة
إن كانوا في حاجة إلى أنسجة شفاء السكر أو
إلى الشرايين والجلد والمفاصل وقرنية
العين وغيرها. إذن ها هو القلب الأعمى
يتحرك على قدمين وهو يحمل المخ على كاهله
فيوجهه بدوره إلى الطريق - تعاون حضاري
رائع جديد بين الأعمى والمقعد إثر موت
المخ في حوادث الطريق بين من يملك قلبا وقد
مات مخه، ومن يملك مخا بلا قلب سليم. 4 ـ نشأة
العناية المركزة من رحم التخدير والتقدم
التقني: ولقد نقل
أطباء التخدير والجراحات وأطباء الأمراض
الباطنية تقنيات التنفس الصناعي إلى نشاط
جماعي جديد، أطلق عليه العناية المركزة،
وحظى بإسهامات لمساندة كل الوظائف
الحيوية: للمخ أولا في إصابات الدماغ،
وللقلب والدورة الدموية المستمرين
تلقائيا بعد فقد سيطرة مركز القلب في جذع
المخ، وللتنفس ثالثاً بوساطة جهاز التنفس
الصناعي وأجهزة الترطيب، وحظي بعدد كبير
من الأدوية الحديثة والعقاقير، وبعشرات
الأجهزة لمراقبة كل الوظائف الحيوية
للجسم البشري. (2) موت المخ
مفهوم واضح لعملية طويلة متوالية داخل
الدماغ.(6) (7) (8): 1 ـ أوضح
الإخوة المشاركون في الندوة توالي
الأحداث في حالة إصابة المخ بحادث أو نزيف
في فصي المخ أعلى الخيمة التي تقسم تجويف
الرأس، وارتفاع ضغط المخ المتورم في حجرة
مغلقة ذات جدران عظيمة، ولا يجد فصا المخ
طريقا إلا بالنزول في فتق في منتصف
الخيمة، فيحدث خنق لجذع المخ وتوقف للدم
في شرايينه، وموت حثيث أكيد كامل بتوقف كل
وظائفه، وأهمها اثنتان: أ ـ
مساهمته في استمرار اليقظة عن طريق شبكة
في داخل جذع المخ لها بفصي المخ وقشرته
صلة، مما يترتب على موته غيبوبة لا رجعة
فيها. ب ـ
وتوجيهه للتنفس من مركز خاص بجذع المخ
،يتوقف بدوره عن العمل مع موت جذع المخ. وقد شرح الكثيرون من الثقات من كبار
المشاركين في هذه الندوة وفي المجالس
العالمية المرموقة للاستشاريين في
الأعصاب والأشعة ووظائف المخ كيفية
التوصل إلى تشخيص إكلينيكي بجوار السرير،
أو باستعمال ما ينبغي استعماله من أساليب
الفحوص الإشعاعية والإلكترونية الحديثة.(3)
(4) (5). 2 ـ وفي حالات الإصابة المخية تحت الخيمة فإن
وظائف المخ العلوي قد تستمر لفترة أطول
لساعات أو أيام. ومن
الضروري التوصل إلى تأكيد توقفها بالرسم
الكهربائي الصامت للمخ كضرورة مطلقة. 3 ـ وفي كل الحالات بلا استثناء يلعب فهمنا
الدقيق لتاريخ الإصابة - وما حدث بعدها
زمنيا، واتضاح مراحل الإصابة وما بعدها
بكامل وسائل التأكد – دوراً له قدر كبير
في التيقن من موت جذع المخ. 4 ـ ولا يصح بحال أن يراودنا السأم أو العجلة
أو بقاء عوامل تدعو للشك في العزم الأكيد
والتنفيذ الكامل لكل عمليات التأكد من موت
جذع المخ بلا عودة في كل حالة بلا استثناء
مهما كلفنا ذلك من وقت وجهد. حتى إذا
تم لنا التأكد حسب أصول الصنعة واتفاق
الفاحصين بلا أي شك، حزمنا أمرنا وتوكلنا
على الله فأصدرنا فتوانا أو قرارنا بموت
المخ، وأعطينا الترخيص بذلك، ولسان حالنا
يقول {كل نفس ذائقة الموت} (آل عمران: 185). 5 ـ والتوقف النهائي لكل وظائف المخ، هو ما
نطلق عليه «مفهوم موت المخ»، الذي يعني
لنا «مفهوم الموت بصفته نهاية الحياة
البشرية الفاعلة»، والذي ينتهي إليه في
النهاية من توقف قلبه وتنفسه في بداية
الأمر في غير حالات إصابة الدماغ. إن ما حدث
هنا هو الموت (الذي هو شيء يحدث ولا نحيط
بكنهه)، وإنما نسمي ما حدث «مفهوما» للموت
ذلك أن «إدراك» الإنسان للأحداث «المجردة»
نسميه «مفهوما» وهذا الإدراك هو الظاهرة
العقلية لما يحدث بالفعل. والإدراك
أو الوعي خاصية للمخ البشري الذي يتميز
بالقدرة على الفهم، وليس عند الحيوانات
الدنيا مفاهيم بالطبع. (3) مفهوم
موت المخ في واقع ممارساتنا من وحدات
العناية المركزة (9): 1 ـ منذ ربع قرن كنا نعايش نحن - أطباء التخدير
والعناية المركزة - مرضى إصابات الرأس
الذين غفوا في غيبوبة عميقة والذين لا
تستجيب عيونهم بطرفة جفن أثناء تنظيفها،
ولا يستجيب إنسان العين المتسع للضوء
بحركة، ولا يظهر المريض رد فعل لقسطرة
الشفط في قصبته الهوائية، وقد استلقوا بلا
حراك لمصيرهم المتمثل في الموت التدريجي
لأنسجتهم مع الانهيار الحثيث للدورة
الدموية وانتشار الجراثيم وتقرح الجلد،
ولم نكن نملك من وسائل التشخيص المختبرية
ما يمكننا من اليقين باستحالة عودة مريضنا
الذي يدق قلبه إلى اليقظة من جديد، واشتدت
حاجتنا إلى إرساء مقومات لهذا المفهوم
الذي يتضح أمام عيوننا، وللتيقن من حالة
اللاعودة، للوظائف المخية، ولمعادلة ذلك (بالموت)
كما نعرفه تقليديا عن طريق (توقف القلب
والتنفس)، فبكليهما انتهت حياة الإنسان
النشطة الواعية الفاعلة. هكذا أخذ يدق السؤال تلو السؤال في مخنا
نحن الأطباء: هل موت كل المخ هو الموت؟ وهل
علينا أن نتبنى مقومات لموت كل المخ
ونستعمل هذه المقومات لتقرير حدوث الموت؟
وعندما تم إنعاش بعض المرضى بحيث أصبح
تنفسهم تلقائيا في حين فقد مخهم الأعلى
قدرته على اليقظة الواعية واحتفظ جذع المخ
بوظائفه أصبح علينا أن نتساءل: هل هناك
مقومات لموت المخ العلوي؟ وهل موت المخ
العلوي هو الموت؟ أي هل علينا أن نتبنى
مقومات موت المخ العلوي لتقرير «الموت»؟ 2 ـ المهمة الثلاثية: تحديد «مفهوم» لموت
المخ، و«مقومات» هذا المفهوم، و«وسائل
التشخيص» لموت المخ: إذن
تحددت مهمة الذين يراعون المريض المتوقع
موت مخه من تطور حالته تاريخيا في هذه
المهام، وبرز لنا بذلك سؤال مهم: وهذا
السؤال هو «كم من المخ يحتاج أن يكون ميتا
قبل أن نشخص الموت على أسس عصبية»؟ (9) . أ ـ
والإجابة عليه هي: «يكفي لذلك التأكد من أن
المريض في غيبوبة لا عودة منها، وأن تنفسه
توقف إلى غير رجعة» وهذه هي مقومات موت
المخ. ذلك أن
تدمير منطقة محدودة من السنتيمترات
المكعبة القلائل من الأنسجة المخية
الموجودة في الأمام بجوار قناة سيلفيوس
وفي الخلف في أرضية البطين المخي الرابع Fourthventricle? تشكل كل ما هو مطلوب
لتأكيد الفقدان الكامل لطاقة المخ على
اليقظة والتنفس التلقائي. ب ـ وما
نقوم به من فحوص متوالية للأفعال المنعكسة
العصبية من جذع المخ إن هي إلا وسائل غير
مباشرة للإيعاز لنا بتدمير هذه المناطق
الحرجة التي تقع في مواقع تشريحية لصيقة
بخطوط السير الذاهبة والراجعة لهذه
الأفعال المنعكسة، وموت جذع المخ هو
الأرضية للعلامات الجسدية مثل الإغماء
وتوقف التنفس وغياب الأفعال المنعكسة
التي يمكن تبينها بجوار سرير المريض وربما
كانت هي المقررة الرئيسة لمصير القلب الذي
لا رجاء فيه. ج ـ أما (المفهوم)
الذي يتحدث عن أن مقومات الموت العصبي يجب
أن تعني شيئا واحدا وهو التوقف الذي لا
رجعة فيه لوظائف كل المحتويات داخل
الجمجمة بما فيها كل خلية هرمونية أو
عصبية، وكل نسيج عصبي وكل خلية في جدار
وعاء دموي، فهذا المفهوم لا يوضح وظائف
المخ التي تفصل الحياة عن الموت، ولا
يستحق أن نصفه كمفهوم فلسفي عن الموت، في
حين أن توقف التنفس واليقظة على الأقل
مقومان متضمنان تاريخيا في نسيجنا
الثقافي بشكل مترابط. 3 ـ أما عن تسجيل رسم المخ فهو ليس حكما على
وظائف جذع المخ ولا يستطيع أحد - حين يتحدث
عن بقايا نشاط في رسم المخ - أن يفهمنا
مغزاها. 4 ـ وكذلك، فإن الشرائح المأخوذة من المخ
تعيش أكثر من ثماني ساعات وقد تستجيب
للاستثارة الكهربائية (أي أنها حية على
المستوى الخلوي) ولكن جهودها المشتركة لا
تؤدي إلى حياة إنسانية مترابطة، وما دام
جذع المخ قد مات فإن ما يدور من وظائف في
مكان آخر بالمخ لا يهم، فالحياة لا يمكنها
أن تعود. 5 ـ أما ما يدور فلسفيا حول الذهاب إلى أبعد
من موت جذع المخ إلى موت المخ الأعلى على
أنه الموت فإنه يشير بدون حسن نية إلى
تساؤل غير مريح: هل يجوز شتل الأعضاء من
المرضى المصابين بالحالة النباتية
الدائمة pvs؟
وبالطبع فهذا لا يجوز، والقصد من هذا
الحديث هو فقط مجرد وضع العقبات أمام نقل
الأعضاء من حالات موت المخ. وعلى هذا
فقد استوت الأمور إذن على أن موت جذع المخ
قرين فلسفي لفقدان الشخصية، مهما تبقى من
بعض التحكم في حركة امتصاص الأملاح
للسوائل Osmotic regulation وبعض
وظائف الغدة النخامية الأمامية، وارتفاع
ضغط الدم كاستجابة للألم، وكل هذا يوضح أن
التقييم الإكلينيكي لا يمكنه أن يوضح
الاختفاء لكل الوظائف البيولوجية للمخ،
وكذلك فإن بقاء بعضها لا يتماشى مع عودة
الحياة من جديد. 3 ـ ومن هنا اتجهت الجهود العملية لأغراض
عملية لضبط وسائل التقييم لمقومات موت
المخ المتفق عليها، ألا وهي الغيبوبة التي
لارجعة فيها، وتوقف التنفس التلقائي الذي
لا رجعة فيه; بالإضافة إلى معرفة أسباب
تدهور الحالة. ومن هنا فقد أصبحت الشكوك الحالية في
تشخيص موت المخ مسائل ثانوية جدا في
المجتمعات الواعية الفاهمة لهذا الأمر. 4 ـ وأصبح تشخيص موت المخ يسمح بإيقاف العلاج
الذي لا لزوم له، مما يسمح للأهل بقبول
المصاب، ويمكن من بحث فرصة منح الأعضاء
معهم. وفي
العالم المتقدم لم نشهد ما يدل على فقدان
المجتمع - عموما بصور لها مغزى للثقة في
مقومات موت المخ، أو في أساليب نقل
الأعضاء في الممارسات اليومية، ويأتي عدم
الثقة فقط من مشاكل عدم الاتصال مع الأهل
وعزلة المعالجين عنهم. 5 ـ بل إننا نفقد ثقة المجتمع إذا استمررنا في
رسم المقومات الحالية لموت المخ على أنها
ضمان للتأكد البيولوجي بدلا من
أن تكون كما هي، «أي نظرة للتصرف العقلاني». وكل ما
يجب أن نؤكد عليه هو أن نعمل على أن نجعل
المقومات الحالية لموت المخ أسلم وأكثر
انسجاما، وأن نعلم أطباءنا أن يكونوا أكثر
وضوحا في شرح القواعد الواقعية لممارستنا
مع عائلات مرضانا، وهناك الكثير مما
ينتظرنا في مجال الاستخدام الفردي
والاجتماعي من وسائل، وفي نشر مقوماتنا
الحالية وشرحها، أكثر بكثير من الشروع في
عمل تعريف جديد أو وصف مقومات جديدة. 6 ـ وفي أي حالة يتواجد فيها شك حول اكتمال
التشخيص الأولي لموت المخ أو لوجود عوامل
تساهم وتؤدي إلى احتمال عودة المريض
للحياة، مثل حقنه بالأدوية المهدئة وحدوث
اضطراب في التمثيل الغذائي، أو نقص في
درجة حرارة الجسم، فلا يجب علينا أن نشخص
موت المخ. وفي نفس الوقت تقدمت بشكل
كبير وسائل التأكد من حصول خلل بنيوي خطير
في المخ تؤدي مراقبته إلكترونيا وبوسائل
تشخيصية وإشعاعية عديدة بارعة بجوار
المريض بدون نقله إلى أماكن بعيدة إلى
وجوب التأكد من موت المخ. كما تلعب ملابسات الحادث وملابسات
العلاج دورها في التشخيص. 7ـ وها هي المقومات الإكلينيكية لموت المخ
وقد صمدت ثمانية عشر عاما للممارسة
الجادة، واستعمالها بحرص وعناية وتكريس
يمكننا من حماية المرضى والمجتمع وسمعته
ومشاعره ويؤدي أيضا إلى تشخيص الموت قبل
توقف القلب، ويقلل فترة عدم التأكد وفترة
توقع الموت التي ترهق الأهل والأصدقاء،
عندما يكون استمرار العلاج لا جدوى من
ورائه (Pallis). ورغم أن
نقل الأعضاء قد أصبح ممكنا من خلال تشخيص
موت المخ إلا أنه ليس له الاعتبار الأول
بأية حال. (4) تشخيص
موت المخ والإرشادات المفصلة حوله Guidelines For Brain
Death diagnosis 1 ـ لقد تم
بيان الطريقة المنهجية والخطوات
المتتالية لإحكام التشخيص في صورة خطط
إرشادية Guidelines في صورة تعليمات مكتوبة
مفصلة يجب اتباعها إكلينيكيا أو تقنيا من أجل سبر غور وظائف
المخ، والتأكد من توقفها الذي لا رجعة
فيه، مع الأخذ في الاعتبار تاريخ الإصابة
وخط سير المرض بسرعة وكيفية تطوره. 2 ـ كما يجب علينا في كل مراحل التشخيص، وفي
أثناء البحث عن مدى اكتماله أن نحل
المتناقضات التي تقع بين واقع الممارسات
الطبية وظروف القوانين السائدة بما يخدم
مصلحة المريض. كما أصبح واجبا علينا
تقليل الفروق بين أساليب الفحص; والتي
تنتج من أي خلافات منهجية لا تتعلق بلب
الوسيلة التي نستعملها في الفحص والغرض
الأصلي منها، وإنما قد تنتج من طبيعة عمل
الجامعات الكبرى في الخارج والعدد الهائل
من هذه الجامعات، وخاصة في الولايات
المتحدة الأمريكية، والتي كثيرا ما
تتناول قضية هامة في الوقت نفسه في أكثر من
مكان، ويحاول حلها عشرات الفرق التي
تتبادل الخبرات وتطلع على الأعمال
المشتركة في المجالات والمؤتمرات الدورية
العديدة، ويبدي كل منها حرصه على أن تتضمن
قائمة إرشاداته ما يتفق مع خبراته
العملية، وما يتسم به العلم الغربي من
حيوية ومن هامش للخلاف الدقيق حول كل لفظ
مخطط وكل أسلوب مرسوم لا يغير من الاتفاق
العام حول القضايا الرئيسة. 3 ـ وقد أشار الإخوة الأطباء
الرافضون للمفاهيم الحديثة إلى هذا
التعدد في البروتوكولات وجداول الإرشادات
على أنه يدل على الجدل والخلاف حول مسائل
رئيسة لم تحسم، وعدم الاتفاق على المواضيع
والمفاهيم الأساسية. وهذا أبعد ما يكون عن فهم الواقع، وأدعي
إلى عدم التسرع بطرح هذه التهيؤات على
الجماهير المصرية المحدودة المعرفة أو
الثقافة. والحقيقة أن هذه الممارسات لا تذكر
الحقيقة، ولا تذكرها صحيحة، ولا تذكرها
كاملة، ولا تذكرها معاصرة، ولا تذكرها من
مصادرها، لا تذكرها للحوار في مجالس العلم
المتخصص. وكذلك يمثل التشكيك في
أساليب العلم المحترمة وسيلة لبلبلة
الفقهاء الساعين إلى الاستنارة بكل سبيل
والمنصتين بذهول إلى خلافات وهمية بين
الثقات الأعلام من الأطباء. 4 ـ إن الهدف الأسمى لعمل الطبيب المتخصص في
وحدة العناية المركزة بجوار مريض يحتمل أن
يموت مخه هو تطبيق برامج الأداء المفصلة
الهادفة إلى استنقاذ المريض من بين براثن
الموت المحدق، والحرص على إعمال وسائل
التشخيص على فترات ملاحظة مستمرة متقاربة
آملين في رجوع المريض عبر برزخ الموت نحو
سطح الحياة اليقظة الواعية. ومن هنا تميز الأداء في وحدات العناية
المركزة بالتحلي بروح الفريق، وبتكريس
الممرضات كل جهد ممكن لمساعدة المريض
بعشرات من الوسائل التمريضية الحاذقة. وتهدف الإجراءات التي نتنادى بها الآن
إلى إعمال برامج التأكد من كفاءة الأداء Quality Assurance Programs لتحليل
عمل القائمين على تشخيص موت المخ حين يصل
المريض إليه، ومراجعتهم في أساليبهم
التشخيصية المستعملة، ومراقبتهم للتأكد
من تمسكهم بالتقاليد المنهجية السليمة
المنظمة والموثقة كتابة في كل مراحل
التشخيص السريري وغيره، وكل هذا لا يعني (تسمين
المريض من أجل ذبحه)، ويوم تسود تلك القيم
السلبية في رعاية مريض على شفا الموت، فإن
هذه الأعمال المنكرة التي لا تليق بجلال
الموت، تنهي أي تفكير في رعاية المرضى على
يد عصابات ظالمة وليست هيئات طبية راحمة. (5) فماذا
بعد التوصل إلى موت المخ؟
(تقدم شتل الأعضاء في
المجتمع الغربي): 1 ـ إذا تأكد (التوقف النهائي لوظائف المخ)
وأعني (الموت) فإن واجبنا قد أصبح - كما
سنوضح بعد - أن نقلل أية زيادة في آلام
الأهل والأقارب والأصدقاء، وأن نيسر لهم
الوقت والبيانات الواضحة وأن نوصلها إلى (إدراكهم)،
وأن نتأكد من تفهمهم لحدوث (موت المخ) الذي
هو تماما يعادل (الموت) للإنسان الذي شرحنا
معناه، وأن هذه اللحظة هي لحظة الترخيص
بحدوث الموت وإعطاء الشهادة بذلك.. 2 ـ حتى إذا تأكد الأهل من حدوث الموت (أي موت
المخ في إصابات الرأس) فإن الهيئة الطبية
التي كرست الوقت الكافي والجهد الكبير
لإنقاذ حياة المريض في العناية المركزة
إلى آخر مدى ولم توفق، أصبح عليها الآن،
الآن وليس غدا، أن تتلمس بكل رفق ووضوح
وثقة من أهل المريض إن كان قد عبر في حياته
أو رغب في (هبة) أعضائه قبل موته أو إذا رغب
أهله في تنفيذ وصيته، أو وجود أي رغبة
معلومة لديهم عنه لاتخاذ الإجراءات
الكفيلة بالاحتفاظ بوظائف الأعضاء في
مريضهم الميت مخه، والتي لا تزال تعمل بعد
موت المخ حتى إذا اتضحت الرغبة بعد فترة
سماح لمعالجة الحزن، فقد أصبح علينا
موالاة العناية بأهل المريض ومواساتهم
بكل أساليب الود والرحمة، ذلك لأن العقلية
التي يتوافر لها من الأريحية والبذل عند
المريض وأهله ما يسمح لها بالمساهمة في
إنقاذ مريض ينتظر الموت، هي عقلية تود من
صميم القلب أن تقدم هديتها أو عطاءها في
أحسن حال. وهل يضن
إنسان بهدية يقدمها عن طيب خاطر لمن يحب؟
ومن هنا نشأت في الدول المتقدمة فكرة
المحافظة على الدورة الدموية للأعضاء قبل
نقلها إلى جسم آخر; نظرا لما تعرضت له قبل
موت المخ من حرمان من الدورة الفاعلة،
كهدف لإنقاص حجم المخ أملا في استعادة (حياته)،
ويصبح إنعاش الدورة الدموية للأعضاء
المزمع نقلها أمرا منطقيا. وليس على حساب مخ مات وقد أصبح الآن وليس
له دورته الدموية. 3 ـ فإذا تبين لنا أن الأهل لا يودون المساهمة
بالتبرع بزراعة الأعضاء من مصابهم، فإن
المتفق عليه عند المجتمع بأسره وعند أعضاء
المهنة الطبية بأسرها أنه سيتم عندئذ وفي
الحال إيقاف (جهاز التنفس الصناعي) وكافة
أساليب (العلاج) الأخرى، متوقعين أن تتجه
كافة أجهزة الجسم الأخرى إلى توقف وظائفها
بما يستوجب (الدفن)، وفي نفس الوقت أصبح
واجبا علينا أن نحلل الأسباب التي رفض
الأهل بسببها التبرع بالأعضاء، وأن نتبين
إن كان ترددنا في الاتصال بهم أو عزوفنا عن
إدارة المناقشات الموضوعية المجدية معهم
قد ساعد على رفضهم، وكذلك فإن نقل تجربة
العائلات التي وافقت على التبرع إلى
الآخرين، وإبراز هذه القيمة الإنسانية،
وتفهم الضغوط الإنسانية التي يتعرض لها
الأهل عند إعلان الموت (موت المخ) (إذ
ساعتها يحين وقت الامتحان الكبير باتخاذ
قرار نقل الأعضاء من عزيز لديهم) كل ذلك
يسبغ إحساسا عميقا بقيمة الحياة (للجميع)
حتى لو شاءت الأقدار أن تحرم فلذة كبدهم
منها. 4 ـ ثم إن علينا أن نتبين ونتوقع ما يتعرض له
الأطباء الذين يتصدون لنقل الأعضاء من
ضغوط نفسية وردود أفعال، لا من الأهل فقط،
وإنما - ويا للغرابة - من بعض قرناء المهنة
الطبية نفسها. 5 ـ ويصبح من أهم واجباتنا أن نبذل جهودا
مضاعفة - من أجل الاتصال الحميم بشعوبنا في
كل فئاتها لحمايتها من غياب العقل وتحكم
الهوى، ولإيصال (المفاهيم) الناضجة إليها،
ولتفتيح وعيها حول ما يدور حولها من غياب
المصالح وضعف الوسائل وتقدم الدنيا وقصور
الحيلة، فأمامنا طريق طويل حتى ننشل
شعوبنا من مستنقع الوهم، وتتقدم بها في
طريق العمل الدائب، وبذل الجهد، وللبحث عن
اقتصاديات مناسبة للرعاية الصحية في ظروف
غياب التأمين الصحي وقصور البيروقراطية
الحكومية، وعدم شمول الخدمات الخاصة،
وعدم وضوح نصيب الفرد القومي المكرس
للخدمات الصحية، وغياب السياسات الصحية
والأولويات لمواجهة المشاكل المرضية، مما
يؤدي إلى ارتطام الشباب بالموت القبيح في
أسخف صوره في إطار من الإملاق والندرة، مع
عدم توافر شبكة لنقل المصابين والعناية
بإسعافهم، وافتقاد أي منظومة من وحدات
وأساليب وإمكانات العناية المركزة أو
مراكز للجراحات المتقدمة في أغلب الدول
الإسلامية. 6 ـ وها قد آن أوان الجد لكي نعتني بتلبية
الاحتياجات الصحية الأساسية لشعوبنا في
المقام الأول وتطوير العمل الصحي
الاجتماعي? وأساليب عمل الفرق المدربة، والعناية
بالإصابات الحرجة ونقل المصابين، ومواكبة
ممارستنا الطبية الجراحية للمستويات
العالمية، وإنشاء وحدات العناية المركزة،
ومواصلة اكتساب الخبرات فيها، والتدريب
المستمر على حل مشاكلها الضخمة، وتطبيق
سبل التأكد من كفاءة أداء وحداتنا
ومؤسساتنا الصحية من أصغرها وأدناها إلى
أكبرها وأعلاها، في بلداننا الإسلامية
المحتاجة لكل هذه الجهود التي يتمثل
الإتقان فيها أكثر ما يتمثل في علاج
الموقف العصيب لموت المخ وفشل الأعضاء. فإذا بذلنا الجهد في إطار من التفهم لظروف
شعوبنا الصعبة، إذا فعلنا ذلك كله معا،
إذن فلا لوم ولا تثريب لو خضنا مع الخائضين
فيما يثيره موت المخ وفشل الأعضاء وشتلها
من مناقشات فلسفية ودينية وخلقية جادة
وعميقة وهادئة مفيدة. الجزء الثاني مفهوم موت المخ فتح الطريق
أمام جراحة شتل الأعضاء على أساس الشراكة في
المجتمع الغربي شتل الأعضاء في أستراليا:
نموذج تفصيلي مهم (32) (33) أولا:
المثل الأسترالي النيوزيلاندي في وهب
الأعضاء وشتلها، وهو المثال المهم فيما
يتعلق بوفاة المخ وشتل الأعضاء والمواقف
الاجتماعية والإنسانية: ابتدأ
شتل الكلى في استراليا في الستينات، وتم
وضع البرامج لنقل الكبد والقلب والرئة
والبنكرياس في الثمانينات، وتطور هذه
الصناعة الصحية الإنسانية كان يتطلب
توافر عوامل ثلاثة: 1 ـ مرضى في حاجة إلى عضو وعلى
استعداد لخوض التجارب الأولى. 2 ـ جراحين
مستعدين لإعمال مهاراتهم في هذا الفرع
الدقيق. 3 ـ وواهبين
وعائلاتهم وأطبائهم مستعدين لتسهيل مهمة
العطاء. 4 ـ كما أحاط بهذه العوامل الإنسانية الحاجة
إلى بناء بنية محيطة تدير وتساند العمل
بدءا من عملية العطاء حتى (الخروج) من
المستشفى، ومتابعة المتلقي ومتابعة حالة
العائلة المتبرعة. وفي
الطريق إلى بناء هذه البنية المحيطة كان
على أستراليا أن تمسك بأهداب المعنى «الحقيقي»
للموت، وتخوض غمار الجدل على الأصعدة
الأخلاقية والضميرية التي دفعت بها قضية
شتل الأعضاء. ولا بد أن نضيف هنا بالنسبة لنا في العالم
الإسلامي - في غالبيته المحدودة الدخل
القومي - موضوعين مهمين هما: 5 ـ توافر
بنية تحتية واسعة من الخدمات الصحية
الأولية، ووسائل الإسعاف والنقل ووحدات
العناية المركزة المحددة الهدف والمدعمة
القدرة، وأطقم العناية المركزة، وبالطبع
لا بد من استناد كل ذلك على نظام صحي يؤهل
لبناء فرق العمل في المهمات الصعبة مثل
مهمتنا هذه، ويدرس ويتخذ القرارات
الاقتصادية في إطار العوز والإملاق، وقلة
المخصصات للرعاية الصحية، وانتفاء وجود
نظام علاجي متجانس. 6 ـ توافر الفرصة لمناقشة
الأمور الفلسفية والدينية والأخلاقية في
علاقتها بنضوب الموارد، وظروف العلاج
الفردي، ومشاكل تجارة الأعضاء وحواجز
الأمية اللغوية والثقافية، والتشوف إلى
العدل ووجود فجوة من عدم الثقة في كفاءة
النظام الصحي ومقاصد القائمين عليه. وتظهر
الإحصاءات الحالية عن نشاط شتل الأعضاء في
السنوات الخمس الماضية الآتي: 1ـ عدد
السكان 17.5/مليون نسمة. 2ـ معدل وهب
الأعضاء من ميتين 11-12/المليون. 3ـ عدد
الوفيات في العام 120 ألف. 4 ـ عدد مرضى
حوادث الطرق 2000. 5 ـ عدد
الواهبين في العام 220. 6 ـ عدد الكلى من كل الواهبين سنة 1992 «23» في
المليون في بريطانيا، 35 في بلجيكا، 40 في
النمسا. وهناك من
الهيئات في مجال شتل الأعضاء هيئة لغسيل
الكلى ونقلها، لها سجل منظم للحالات، كما
يوجد اتحاد منسقي شتل الأعضاء، ويظهر
السجل أن أسباب الموت في الواهبين في
أستراليا هي: نزيف المخ (52%)، وإصابات الطرق
(28%)، والإصابات الأخرى (10%)، وأمراض أخرى
(10%)، ومع قلة نسبة التبرع فقد زادت من 204
متبرع عام 1990 إلى 224 عام 1993، فإن عدد
المستفيدين المتلقين للأعضاء بلغ 573 عام
1990 وزاد إلى 698 عام 1993، مع زيادة في حجم
العائلات المتبرعة بين عامي 1992-1993 بمقدار
10% (من 17 إلى 27% من العائلات)، مما يعني
كفاءة وسائل الاتصال والوعي والمناقشات،
وينجز التنسيق في شتل الأعضاء شبكة من
المنسقين في الولايات وشبكة منهم في
المستشفيات المتبرعة، وتدفع وزارة الصحة
أجر منسقي الولايات الذين هم مسؤولون عن
خلق الصلات بين المستشفيات ووحدات شتل
الأعضاء، وتزداد الحاجة بشدة إلى شتل
الأعضاء من عام إلى الذي يليه، فيتم شتل 400
كلية من ميتين، وشتل 63 كلية من أصحاء (14%) من
المجموع من خلال برنامج شراكة منذ عام 1980،
خلال لجنة تبادل المنافع التي تدير عمليات
الانسجام النسيجي والدموي وفحص الحساسية،
ومن خلال خدمة كمبيوترية للتوليف بين
الكلى وبين المتلقين الذين يحتفظ
بسجلاتهم في حاسبات مختبر الأنسجة في كل
ولاية، ويتم التوليف في وقت وهب الكلى
لتحضير قائمة بالمتلقين المناسبين عبر
الولاية وعبر أستراليا كلها على وفق
معايير متفق عليها، وبلغت نسبة الحياة في
المرضى بعد شتل الكلى 93% بعد عام ونسبة
حياة الكلية 87% وتبلغ نفس النسب 82%، 70% بعد
مرور خمس سنوات. كما
يتلقى 115 مريضا عملية شتل كبد سنويا، وهم
إما أطفال ولدوا بأمراض كبد وراثية أو
بالغون أصيبوا بهبوط الكبد المزمن، وقليل
منهم حالات حادة، كما يتم قبول تبرع بجزء
من 9 من أصحاء وخاصة من الأبوين لطفلهم
والنتائج غير مشجعة. ويتم شتل
القلب لمرضى القصور التاجي (40%) وللأسباب
التضخمية في العضلة أما نسبة
بقاء شتلة البنكرياس فهي 75% في خلال عام. أما شتل
القرنية فهو أوسع الأنواع المستعملة،
وتبلغ نسبة صلاحية الشتلة من 72-84% بعد مرور
خمس سنوات، ويقوم بالجراحة 299 جراحا
يعالجون 6500 متلقٍ. ثانيا:
المجتمع الأسترالي النيوزيلاندي وتنظيم
شتل الأعضاء: أما عن
التنظيمات المشتغلة بشتل الأعضاء فهي
أربعة: أولها
جمعية شتل الأعضاء التي تمثل أطباء الشتل
والقائمين بالبحوث وغيرهم من الأخصائيين
وطلبة الدراسات العليا، وهدف الجمعية
الأول هو تقدم علوم شتل الأعضاء، ورعاية
الاجتماعات التعليمية والعلمية السنوية. والجمعية
الثانية هي جمعية منسقي شتل الأعضاء وتتضمن ثلاث
فئات من المنسقين: فئة للمتلقين، وفئة
للواهبين، وفئة لوهب القرنية. الجمعية
الثالثة: هي
المؤسسة الخيرية والتي ساهمت في بحوث
مختلف أمراض الكلى وأخذت على عاتقها وحدها
رسم استراتيجيات زيادة الوعي حول شتل
الكلى في المجتمع، عن طريق «وصفة» تعليمية
تستعمل في 25% من مدارس استراليا، تهدف إلى
خلق مجتمع فاهم ومقدر لأمور شتل الأعضاء،
وذلك بتشجيعهم على أن يناقشوا آباءهم
وعائلاتهم وأصدقاءهم عن الآثار الناجمة عن تحولهم إلى واهبين أو
متلقين للأعضاء. وتم تعميم هذه الوصفة عبر
استراليا وفي عدد آخر من البلدان. وهناك
اللجنة المنسقة بين السجلات والهيئات وهي
منظمة وطنية مسؤولة عن تطوير استراتيجيات
وطنية تهدف إلى تحسين عملية شتل الأعضاء
من الموتى وتنسيقها وتطبيقها. إن نجاح
شتل الأعضاء كوسيلة علاجية تيسر تمتع
المريض بحياة عادية كيفياً أو قريبة منها
لعدد كبير من المرضى على شفا الموت. وقد نتج
عن ذلك تجمع طوابير المنتظرين وزيادة
أنواع المرضى المحتاجين للشتل، وأهم
المعوقات في أستراليا - ومثلها في ذلك مثل
بعض البلدان المتطورة - سرعة الحصول على
الأعضاء بعد الموت. ويلاحظ
أن نسبة التبرع في المليون من السكان
تختلف باختلاف: 1 ـ عدد
حوادث الطرق ووفياتها. 2 ـ عدد
حالات نزيف المخ. 3 ـ الظروف
التشريعية. 4 ـ نظم شتل
الأعضاء وإدارتها. 5 ـ الأخلاقيات
والاتجاهات الفكرية والثقافية في أوساط
الجمهور والهيئة الطبية. 6 ـ أساليب
أداء الحملات الموجهة لزيادة التبرع. 2 ـ اتجاهات الرأي العام
بالنسبة لشتل الأعضاء: ولا بد من
إجراء مسح لاتجاهات الرأي العام وخاصة
الطبقة الوسطى الغالبة (على عكس العالم
الإسلامي فغالبية المجتمع من الفقراء)
وتشير النتائج الأولية لاستفتاء أجري عام
1987 إلى دراية 98% من المستفتين بأن هناك
موضوعا يسمى شتل الأعضاء، ويمكن أن يتحول
الإنسان إلى واهب (النسبة 91% في الولايات
المتحدة). وسبق أن وضع 59% من المستفتين في
اعتبارهم إمكانية التبرع وأبدى عزمه
الأكيد على ذلك 34% منهم، وناقش الأمر مع
أهله 26% ولم يدرك 67% منهم أنهم يمكن أن
يصبحوا موضع السؤال لطلب موافقتهم على منح
عضو من عزيز لديهم مات، وفي الوقت الذي عبر
65% عن نيتهم عدم التبرع فقد عبر 38% عن نيتهم
الموافقة على أخذ الأعضاء من أقاربهم، مما
يعكس إمكانية الكرم الأعلى مع النفس في
النيابة عن الأقارب، وخاصة إذا لم يكن
يعرف نيتهم قبل وفاتهم. وفي
استفتاء ثان عام 1991 زاد عدد الذين ناقشوا
أمر إمكانية وهبهم للأعضاء مع أصدقائهم
بمقدار 28%; بسبب التغطية الإعلامية
الواسعة، وأبدى 61% رغبتهم الأكيدة أو
المحتملة بالتبرع (بنقص 4% عن عام 1987، وقام
بتسجيل اسمه للتطوع وأظهر
الاستفتاء عدم مساندة الكنيسة
الكاثوليكية لموضوع شتل الأعضاء بين
رعاياها الإيطاليين في أستراليا. ـ كما أشارت إلى أسباب
أخرى للعزوف عن التبرع تتضمن خوف المثلة
أو الألم في أثناء الحصول على الأعضاء. ـ وكذلك فإن تقبل مفهوم
موت المخ كان محدودا، واعتقد الكثيرون أن تعريف
الموت هو التوقف التقليدي للقلب والرئتين. ـ وساد سوء الفهم حول
الوقت اللازم لاتخاذ قرار السماح بالحصول
على الأعضاء عموما. ـ وكان هناك نقص كبير في
المعلومات حول «عملية» وهب الأعضاء عموما. ـ ولا تعتمد برامج
التشجيع في أستراليا أساسا على المساندة
الحكومية أو الدعم من القطاع الخاص، وإنما
تعتمد على العمل التطوعي (برنامج الشريط
الأزرق). ـ ونتيجة حملة إعلامية
أطلق عليها «هيا.. قل نعم» ارتفع عدد المسجلين بموافقتهم
على بطاقات القيادة بمقدار 25% عام 1990. ـ ونتيجة حملة إعلامية
أطلق عليها «دردش حول الموضوع» لدعوة آباء
التلاميذ لمناقشة أمر وهب الأعضاء مع
أبنائهم ناقش 45% من العائلات (التي تلقت
خطابا) الموضوع مع أولادهم، ووافق 83% من
مديري المدارس على الاشتراك في حملة
التشجيع على عطاء الأعضاء في مجتمعهم
المدرسي، مما ساهم في إثارة المناقشات في
226 ألف عائلة تضم 720 ألف شخص. 3 ـ إذن يثور سؤال حول كيفية
التغيير الاتجاهي والسلوكي (للوسط) الغالب Middle majorty? وخاصة أن تيار الوسط
يتحرك إذا شمل التغيير كل طبقات المجتمع
وإذا أحس بالأمل في زيادة الاستجابة من
الجميع بدل البكاء على اللبن المسكوب. 4
ـ وفيما
يتعلق باتجاهات الأطباء العاملين في
العناية المركزة: فإن 58%
يمتلكون شهادة مكتوبة بموافقتهم هم على
العطاء. وكذلك 94%
يوافقون على السماح بالعطاء من أحد
أقاربهم. ويشارك أخصائي واحد للعناية المركزة على
الأقل في إعطاء شهادة الوفاة في 95% من
الحالات، كما يشاركون في طلب التطوع
بالأعضاء في 90% من الوقت، رغم أن ثلث أطباء
العناية يرون أن هذه المهمة ليست من
واجباتهم، ولم توجد فروق في درجة الحزن
بين العائلات التي طلب إليها التبرع وتلك
التي لم يطلب إليها، وبين العائلات التي
وافقت على التبرع وتلك التي لم توافق. وتتلخص
أسباب عدم الاقتراب من بعض العائلات
بالسؤال في حواجز اللغة والاتصال، وإدراك
الفروق الثقافية، ودرجة الحزن الذي تمر به
العائلة، ويعتقد 77% أن للعائلة حق
الاختيار. ولا يقوم
20% من أطباء العناية المركزة بمساندة
الدورة الدموية قبل التأكد من موت المخ. ويساند
أطباء العناية المركزة في استراليا
ونيوزيلاندا بموافقة كاسحة مفهوم موت
المخ، والطرق السائدة للتأكد من موت المخ،
وعطاء الأعضاء وشتلها. وتتضمن
أسباب عدم مساهمة بعض المتبرعين احتمالهم
أن لا تتم محاولة الإنعاش، سواء قبل
التأكد من موت المخ أو بعده، ولسيطرة
أطباء العناية المركزة الكبيرة على موضوع
التبرع بالأعضاء فإنهم يتحملون مسؤولية
مهنية كاملة عن هذا الجانب المهم من عمل
المستشفيات. وبدراسة
كل الوفيات في 13 مستشفى في أستراليا على
مدى 12 شهرا تبين أن: ـ هناك 7406 حالة وفاة. ـ منها 271، مصنفون على أنهم
يمكن أن يكونوا واقعيا وطبيا متبرعين
محتملين Potential donors ـ منهم 60%
فقط (22%) أصبحوا متبرعين في الواقع actvaldonors. ـ أما الباقون (211 ميتا)
فإن 30% منهم لم يمكن إنعاشهم. ـ و24% منهم رفض أهلهم
التبرع. ـ و36% منهم فشل الأطباء في
مساندة التبرع في حالتهم. وإذا
أمكن تحويل عدد أكبر من متطوعين (محتملين
إلى حقيقيين) يمكن على الأقل تغطية النقص
المزمن في المتبرعين الموتى. 5 ـ وتضمنت
البحوث الوصول إلى بعض التعريفات المهمة: 1 ـ فالمتبرع المحتمل: هو مريض يعاني من دمار لا
عودة فيه في المخ يسبب موتا واقعيا أو
محتملا للمخ. 2 ـ المريض المحتمل موت مخه، هو الذي كان في الظاهر
أو كان على وشك أن يصبح مخه ميتا قبل توقف
قلبه. 3 ـ المريض الميت مخه حقا، هم المرضى الذين تم
تسجيل تشخيص موت المخ فيهم رسميا حسب
مقومات مقبولة. 4 ـ متبرع محتمل غير واقعي، هو متبرع محتمل يكون قد
تقرر أن تبدأ مساندة التنفس والدورة
الدموية وكان قد انعقدت النية على كونه
غير ذي فائدة للمريض. 5 ـ فشل
الإنعاش، يتم تسجيل هذه الحالة إذا كانت
كل المحاولات المعقولة قد بدلت لإنعاش
المريض ولكن هذه الجهود لم تنجح. 6 ـ مريض في حالة نباتية مستقرة: هو المريض الذي استمر في
التنفس التلقائي لمدة ساعات أو أيام بعد
سحب التنفس الصناعي. 7ـ متبرع محتمل واقعي هو مريض مصاب بدمار في
المخ لا عودة فيه، والذي اعتبر أن إنعاش
تنفسه ودورته الدموية فيه مفيد للمريض بغض
النظر عما إذا كان وهب الأعضاء ربما كان قد
أصبح ممكنا تبعا لذلك بهذه الوسائل. 8ـ الملاءمة
الطبية: تم وضع
تعريف لها بالمقومات المذكورة في جدول خاص. 9ـ متبرع حقيقي هو مريض كان قد تم ترخيص
وفاة مخه بوساطة اثنين من الأطباء
الحاصلين على شهادات معقولة، وتم أخذ
موافقة على التبرع، والذي تم الحصول على
الأعضاء منه فعلا. 10ـ متبرع محتمل لم يحصل منه على العطاء، هو
متبرع محتمل واقعي ومناسب طبيا، ولكنه فشل
في أن يصبح متبرعا حقيقيا، لأن المساندة
للتنفس والدورة الدموية لم تتم أو تم
سحبها. 6 ـ مصير
مرضى شتل الأعضاء في أستراليا: بعد عام
من عملية الشتل فإن نجاح وثبات الشتلة بعد
عام وصلت نسبته إلى 85% في الكلى، 92% في
القلب، 80% في الكبد، 75% في الرئة، 82% في
البنكرياس، وتم رجوع أكثر المرضى
المشتولين نجاحا إلى صحة عادية أو قريبا
منها تؤهلهم للرجوع للعمل المنتج أو
الدراسة أو التمتع بالنشاطات الاجتماعية
والترفيهية مرة أخرى. وفي
الماضي حين كان شتل الأعضاء عملية تجريبية
ونتائجها طويلة المدى ومشكوكا في صحتها،
كان هناك تردد مفهوم، من جانب بعض
المشتغلين في العناية المركزة الذين
يراعون المرضى المصابين بدمار شديد حاد،
في تحويلهم إلى متبرعين محتملين، وكان من
يرعاهم أطباء باطنيين أو جراحين أو أطباء
تخدير، ممن لهم جميعا خبرة عامة في قاعات
الحوادث الحادة في المستشفيات العامة،
ولكنهم لم يكونوا متخصصين دائمين في
العناية المركزة، وكان مفهوم موت المخ (ليس
محددا تماما)، وليس مقبولا بصورة شاملة،
ولم تكن مقومات تشخيص موت المخ قد تم
الاتفاق عليها بعد. وبصدور
تشريع ذي حيثيات واضحة لتعريف موت المخ في
الثمانينات تغيرت الأمور. ونؤكد أن
هذا التشريع ومقومات موت المخ لم يتم
إدخالها في بادىء الأمر أساسا بسبب تسهيل
وهب الأعضاء، ولكنها صممت لتحل إشكال
المواقف التي لا ترضي أحدا والتي كان فيها
ترخيص الموت لا يتم إلا إذا توقف القلب
بالرغم من أن كثيرا من المرضى كانوا بكل
وضوح قد تجاوزوا أي أمل في انتعاش جهازهم
العصبي بسبب غياب الوظائف الحيوية لجذع
المخ. ومع ذلك
فإن للتشريع الحالي أثرا كبيرا على عملية
شتل الأعضاء، يسمح بالتبرع في حالة القلب
النابض، مما سمح بالحصول الروتيني على
القلب والكبد والرئة والبنكرياس وشتلها. 7 ـ وبالتوازن مع هذه التطورات في شتل
الأعضاء حدث تعديل متواصل، وتشذيب
للعملية التي بمقتضاها كان يتم الإساءة
للمرضى في حالة حرجة، والإساءة لذين كانوا
يصنفون كواهبين محتملين، ذلك لأنه تتم
الآن عادة رعاية هؤلاء المرضى بوساطة
أخصائيين معتبرين في فرع العناية المركزة
في وحدات عناية مركزة، مع تخصص احترافي في رعاية المرضى
في الحالات الخطيرة، والتي لم تكن متاحة
فيما مضى، وكذلك فإن مفهوم موت المخ الآن
مفهوم تماما ومقبول عموما والفحوص
المستعملة لتأكيد موت المخ محددة بوضوح. وإذا كان
هناك أي أمل في الإنعاش مهما كان ضئيلا فإن
مصلحة المريض لها الأهمية القصوى، ويجب أن
تكون مناط الأولوية والمسؤولية على عاتق
الأطباء الذين يتصدون لرعاية المريض، ومع ذلك
فعندما يكون موت المخ قد حدث فإن الطبيب -
كمحترف - لا تزال عليه مسؤوليات تجاه
المريض - الذي ربما كان قد عبر عن وصيته
بالتبرع بالأعضاء في حالة حدوث الموت -
وتجاه أقاربه الذين قد يستمدون بعض العزاء
والراحة في ساعة حزنهم وذلك بالموافقة على
العطاء. وكذلك
فإن احتياجات المرضى، الذين هم في أمس
الحاجة إلى شتل أعضاء من ميتين، يجب أن
توضع في الاعتبار. الحصول على الموافقة على
التبرع بالأعضاء في استراليا توضح الإحصاءات من تسع
مستشفيات في استراليا ما يلي:
كما
أوضحت الدراسة أن الواهبين المحتملين
يمثلون 2.9% من وفيات المستشفيات (بين 1.6 إلى
4.5%) وأن الذين طلب من عائلاتهم التبرع هم
فقط 1.8% والذين وافقوا يقلون عن 1% (0.8%). ونذكر
للمقارنة أن 8.2% من الذين يموتون في
العناية المركزة في بريطانيا ماتوا بموت
المخ المؤكد. 8 ـ وأوضحت الدراسة أنه يمكن
تحقيق زيادة عدد المتبرعين: 1 ـ
باتخاذ إجراءات تضمن وصول
المتبرع المحتمل إلى وحدة العناية
المركزة. 2 ـ
وأن تكون المقومات المتبعة لتحديد مدى
صلاحية الحالة للتبرع ليست غامضة، وتكون
معروفة على نطاق واسع. 3 ـ
وبأن تحدث تغيرات في
اتجاهات الرأي العام إزاء الموافقة على
التطوع. وقد تبين
أن من لم يطلب التبرع منهم يتراوحون بين 14%
إلى 57%، وكذلك تباعدت نسبة من يرفضون، فيما
بين صفر% إلى 70%!! وتظهر
التحليلات ما تعنيه الاتجاهات الطبية
والمجتمعية السائدة حاليا من أن ما بين
ثلث وخمس المتطوعين المحتملين قد يصبحون
متطوعين حقيقيين (واقعيين)، مما يدعو إلى
التفكير حول بنية المناقشات التي تدور بين
الأطباء والعائلات، ولذلك أهمية أساسية
واضحة في تزويد العائلات بالمعلومات
الوافية حول مفهوم موت المخ وأهداف التبرع
بالأعضاء، وكذلك فإن توقيت الطلب المقدم
للعائلة، له أهميته، حيث يسمح مرور بعض
الوقت بين إخبار العائلة عن موت المخ،
وطلب التبرع بحدوث موافقات أكثر، وطبعاً
هناك اعتراضات أخلاقية على مناقشة الأمر
قبل موت المخ حتى لو كان التشخيص يشير إلى
أنه سيكون، ولا مفر من حدوثه، وهناك
انخفاض في عدد الموافقين على التبرع في
حال سرعة وفاة المريض، وخاصة في صغار السن
الذين يموتون لأسباب غير الحوادث أو نزيف
المخ، وعلى العموم فإن إدخال المريض إلى
العناية المركزة يساعد على تشجيع الأطباء
على طلب التبرع حال وفاته، بعكس استحالة
الطلب تقريبا ممن يموت خارج العناية
المركزة. وعموماً
لزيادة عدد الذين يمكن أن نطلب منهم
التبرع، هناك عوامل ثلاثة: 1 ـ إن المرضى الذين تناسب حالتهم التبرع يجب
أن يكونوا قد أدخلوا العناية المركزة، وتم
تثبيت حالة القلب والدورة الدموية لهم. 2 ـ يجب أن تكون المقومات التي تحدد ملاءمة
المتبرع لذلك مقومات غير غامضة، وأن تكون
معروفة على نطاق واسع. 3 ـ ومن ناحية العائلات فيعتمد الأمر على
وصولهم في الوقت المناسب، وعلى مدى تفهمهم
معنى موت المخ. ومما لا
شك فيه أن زيادة النسبة الحالية للعائلات
الموافقة هي مفتاح توفير فرص أكبر، لشتل
الأعضاء لنسبة كبيرة، تنتظر فرصة الحياة. 9 ـ وقوع
الموت المفاجىء بفعل إصابات الرأس
وعلاقته بقابلية التبرع بالأعضاء(35). إن الموت
المفاجىء نتيجة إصابة حادة بالمخ هو
الباعث الضروري الذي لا يغفل عن التبرع
بالأعضاء الصلبة بعد الموت. كما أن
هذه هي المناسبة الأولى لعديد من العائلات
للمواجهة وجها لوجه مع موت المخ: 1 ـ إذ ليس هناك تحضير سابق
لهجوم الموت وأثره الصاعق على تماسك وحدة
الأسرة. 2 ـ وليس
هناك الحماية المعروفة لعاطفة الأهل
والتي تحدث مع الموت العادي. 3 ـ وليس هناك أساس تعليمي لأي بصيرة حول
الفكرة المخيفة لمخ دمر في إنسان يظهر أنه
حي. ثم يدور
الأمر حول عطاء عجيب في هذا الجو الغريب،
يدور حول وهب أعضاء هذا الميت المخ الحي
الجسد، ولا يدعو إلى الدهشة إذن أن
المساهمة بالعطاء يمكن صدقا أن تؤدي إلى
مضاعفة الأحزان، التي تعصف بالنفس، وأن
تعجل بخلخلة وحدة العائلة، أما هؤلاء
الأطباء وأعوانهم المساهمون في رعاية
مريض كذاك وعائلة كتلك فإنهم قد يضيفون
إليها مزيدا من الضرر; بإبراز ضيقهم
ومخاوفهم الخاصة وعدم قبولهم للعملية
برمتها، وبقدر ما أن هناك كثيرين يعتقدون
بأن وهب الأعضاء يخفف عملية الحزن، فهناك
مثلهم من يفترضون أن العكس سيحدث. والأطباء
الذين يراعون المرضى كملائكة الرحمة
ويحسون آلام الفراق، ويراقبون الانفعال
والغضب الساطع بعائلات الموتى، هم أيضا
الذين يتلقون حمم هذا الغضب، ولذلك فمن
الصعب أن نلومهم لافتراضهم أن التبرع
بالأعضاء كوضع الملح في جروح المصاب
الفادح، ومن هنا فإن التردد في المساهمة
وفي مناقشة التبرع بالأعضاء مع عائلة
المتوفى هي النتيجة المتوقعة لمثل هذه
العواصف من الإحساسات والعواطف. وتشير
البحوث الاجتماعية التي تمت مع أسر الموتى
إلى اتجاهات مهمة ومفيدة: فالمستخلص
من المقابلات مع عائلات المتبرعين
بالأعضاء هو أن العطاء مفيد وليس ضارا. وكذلك
تفيد كل البحوث العلمية في هذا الصدد أن
هناك تجارب مريرة، وذكريات مرة، وحزنا لا
فكاك منه، وتعبيرا عن الأسى والندم لا
مندوحة عنه، وهكذا فإن الربط بين الموت
المفاجىء مع ما يصاحبه من كمد وآثار مدمرة
على الفرد وعلى صلة الرحم من ناحية
والتبرع بالأعضاء من ناحية أخرى هو شيء لا
يمكن تجنبه، وكان قد
دعا هذا إلى التساؤل بحث حول ما إذا كان
التبرع بالأعضاء هو العبء الوحيد على كاهل
عائلة المتبرع، وقد اعترف ثلث العائلات
بأنهم لاقوا معاملة جافة أو متعجرفة على
الأقل مرة واحدة، وأحس خمس العائلات أنهم
مجرد شيء غير مهم يتعثر به الآخرون في
الطريق، وليس من السهل أن تقول للهيئة
التمريضية المثقلة بالأعباء الزائدة عن
الحد أن ممارساتهم أحيانا جافة أو متعجرفة. ولكن
ربما دلنا ذلك على الحاجة إلى لياقة أكثر
وإلى مرونة في قواعد زيارة المرضى، وإلى
كلمات أكثر رحمة، وإلى صلات أكبر مع
الأهل، وإلى حجر انتظار قريبة من المريض،
بحيث تكتحل عيونهم برؤيته لفترات أطول وأن
يحس الأهل بأنهم مقبولون من الممرضات،
ويحتاج الأهل أن يشعرهم الأطباء بوجود
الأمل الذي بدونه لا يستطيعون أن يواجهوا
سلسلة قادمة من النهايات المفزعة، وهناك
حاجة من الأهل لمعرفة المصير المتوقع، وأن
يتلقوا إجابات أمينة عن أسئلتهم مرة واحدة
على الأقل يوميا، وأن يتلقوا إجابات كافية، كذلك
فإن 50% من العائلات لم تكن تعرف بشكل كاف
معنى موت المخ، وليس بالتفصيل ولكن بثقة
يركن إليها ويا حبذا لو صدقوا في النهاية
ووثقوا في الأثر النهائي لهذا التشخيص،
وقد فهم 80% معنى موت المخ وعلم 75% لماذا ظل
القلب ينبض والجسد دافئا؟ ومع هذا فلا زال
هناك 20% ممن لم يتفهموا ذلك، وعدم وجود
القدر الكافي من المعلومات يصحبه بالطبع
نقص في الثقة، في القرارات المتخذة لا من
جانب الأطباء فقط وإنما من جانب أفراد
العائلة أنفسهم أيضاً، وخاصة إذا لم يكن
قرار التبرع بالأعضاء قد اتخذه المريض
نفسه قبل وفاته، وأوضح البحث أن رؤية
العائلات أنفسهم صور الأشعة والرسوم
التشخيصية الأخرى كان مفيدا، ولئن كانت
هيئة العناية المركزة تبذل جهودا كبيرة في
شرح المسائل الخطيرة التي تجرى فإن الجو
المتوتر وتزاحم المعلومات والتفسيرات
المتضاربة لمختلف أعضاء الرعاية تشكل
كلها مصدرا للتشويش وذكريات عن عدم
الكفاءة، وتساعد البيانات المكتوبة
والرسوم على تأكيد الشروح وعلى استعادة ما
حدث عندما تثور شكوك فيما بعد، وعرض صورة
الأشعة أو الأشعة المقطعية وإيضاح ما بها
يساعد الأهل، وكذلك فإن عدم التضارب بين
التفسيرات وتقديمها بوساطة شخص واحد محدد
يوميا هو شيء يبعث على الاطمئنان، ورغم كل
ذلك فليس هناك اطمئنان لدينا بأن تقديم
تفسيرات أكثر وأحسن سيؤدي بسهولة إلى قبول
الأهل بأن جسما دافئا يتم التنفس فيه ويدق
قلبه هو ميت فعلا، وقد يتقبل ثلث الناس،
الذين سئلوا، الموت عقليا وإن استمروا
عاطفيا يحسون أن المريض ما فتىء حيا،
وربما كان المهم الذي يساعد على وهب
الأعضاء إنما هو المعرفة السابقة بموت
المخ بوساطة القريب المباشر والمعرفة
بوصية الشخص الميت أو رغبته. وقد عبر
نصف الذين سئلوا عن وهب الأعضاء عن
إحساسهم بالتوتر وقتذاك وصعوبة الطلب
وحرج الوقت الذي يتم فيه، والذي يقلل منه
المناقشة السابقة للعائلة حول وهب
الأعضاء، كما أن وجود فترة زمنية تفصل
بين تمام موت المخ وطلب الأعضاء يسهل
الأمور أكثر ويؤدي إلى نسبة أعلى من
الموافقة، وبالطبع فإن كثيرا من
العائلات يشعرون بأن ما حدث لهم يكفيهم
وعليهم أن يخلعوا أرجلهم من هذا المكان
الكئيب، ومع ذلك فإن العائلة التي يظهر
عليها الرغبة في الإفلات، ستهرب من الموقف
مهما كان الأمر وسترفض في النهاية إذا طلب
منها ذلك. وقد يقرن
البعض ذلك الرفض بالغضب فتأخير الطلب
قليلا قد يزيد عدد من يقبلون ويقلل عدد من
يتلكؤون ويغضبون ويرفضون، وتدعو الدراسة
إلى الحذر من استعمال أي كلام يفيد الضغط
عليهم مثل أن نشير إلى رغبتنا في مساعدة
الآخرين الذين «ينتظرون في الخارج»!!
وربما إذا تردد البعض فإنه من المفيد إذا
تدخل عضو آخر من القائمين بالعناية
المركزة أن يظهر بمظهر المحايد الذي لا
مصلحة له في الأمر. 10 ـ تجارب
العائلات التي توافق على العطاء (35) لم تظهر
العائلات التي تم سؤالها ووافقت على
العطاء - أن ذلك سبب لها توترا زائدا،
وأبدت بعض الراحة في وقت الحزن والألم،
وأن الوسائل المتخذة في منح الأعضاء
مناسبة مع بعض الجوانب التي تحتاج إلى
تطوير أو تحسين. فرغم أن
غالبية العائلات اعتبرت أنهم تلقوا
تحضيرا كافيا ومعلومات كافية وفرصا
للأسئلة في حينها، فإنهم أكدوا في الوقت
نفسه على أن صدمة الموت المفاجىء جعلتهم
مذهولين وحدّت من قدرتهم على الأسئلة واستيعاب
المعلومات المقدمة لهم. كما
أوضحت الدراسة نقصا كبيرا في خدمات
المتابعة بالرعاية الواجبة للعائلات
الواهبة، وإبداء واجبات العزاء للعائلات
المكلومة، وإعطاء الوقت الكافي للواهب
وخاصة إذا استوعبت هيئة الرعاية المركزة
أيضا سرعة حدوث الموت الصاعق الذي لم يكن
في حسبان العائلات، ولم يسمح بمرور وقت
كاف لتمثل الحزن الدفين والتعبير عنه، ومن
هنا تأتي أهمية توفير الخصوصية والمرونة
في زيارة جثمان المتبرع وقضاء الساعات
المتبقية من موت المخ بدون الإحساس بضغوط،
والسماح للعائلات برؤية ذويهم بعد عملية
التبرع، ذلك أن الدراما التي تفارق الواقع
في رؤية الفقيد الذي مات مخه ولا يزال قلبه
ينبض وجسمه دافئا، ويظهر من حركة جهاز
صناعي أنه لا زال «يتنفس»، كل ذلك يمكن أن
يكثف الإحساس بالحزن، وفك هذه الأزمة
الحزينة يتمثل في تصور مختلف يكونه الأهل
المكلومون عن فقيدهم الذي مات،. وهنا
تساعد رؤيته بعد إعطاء الأعضاء على اليقين
من اكتمال حدوث الموت، ويجب أن يتضمن
برنامج عمل وحدة العناية المركزة تمكين
الأهل من رؤية فقيدهم العزيز بعد إكمال
العطاء بمساعدة أشخاص مدربين على ذلك. ثالثا - تحسين نسبة العطاء
(36). والآن انتقل المجتمع الغربي إلى
إيجاد إجابة عن السؤال الملح، بعد أن
تقاطر المرضى على قبول شتل الأعضاء ممن
ماتوا: هل يمكن تحسين نسبة العطاء من
ميتين؟ 1 ـ وهناك
ملاحظات قبل الإجابة عن هذا التساؤل: أ ـ
فأولها يتعلق بالضغوط - على هيئة العناية
المركزة - الناتجة عن الحاجة إلى أجهزة
التنفس الصناعي والسرير الجاهز لخدمة
المرضى الذين ينتظرون وجود مريض يحتمل أن
يصبح واهبا للأعضاء، مما يتطلب ميزانيات
إضافية لوحدات العناية المركزة إذا زادت
الحالات التي تسمح بوهب الأعضاء. ب ـ ومن
ناحية أخرى فهناك معوقات أمام وهب الأعضاء
يمكن التخلص منها، وقد لا تكون واضحة جلية أمام هيئة
العناية المركزة، وتدور حول درجة اتساع
دائرة السماح بوهب الأعضاء مع مزيد من
التحرر لمقومات العطاء للواهبين
المحتملين، ومدى استمرار التنفس الصناعي
لصالح شتل الأعضاء من المرضى الذين يتوقع
أن ينتفي الأمل في شفائهم بوضوح. وكذلك
فقد يأتي طلب التبرع من الأهل المقربين في
غير وقته المناسب أو بطريقة غير ملائمة
تؤدي إلى الرفض. وقد
أظهرت البحوث أن سقوط بعض المتبرعين يأتي
من الأسباب الآتية: 1 ـ عدم التأكد من ملاءمة الحالة طبيا
لإمكانية الشتل، مما يدعو إلى عزوف الهيئة
المعالجة عن بدء مساندة
الجسم الذي تستمر وظائفه بعد موت المخ، أو
عن الحديث مع الأهل بخصوص تبرعهم المحتمل،
والعوامل الطبيعية الأربعة لعزوف الأطباء
تتعلق بعمر المريض، ووجود عدوى جرثومية في
جسده، وبعض النقص في وظيفة الكلى، ووجود
مرض سابق أو أسلوب للحياة يتعارض وعملية
الشتل. أ ـ وفيما
يتعلق بالعمر فقد ارتفع متوسط العمر الذي
يسمح فيه الآن بالحصول على الأعضاء من ميت. ب ـ وإذا
ما تم علاج الالتهابات في الجهاز التنفسي
والبولي فلن يتعارض ذلك مع شتل كل
الأعضاء، وإذا كان الالتهاب في الرئتين
مثلا فإن ذلك لن يعيق الحصول على الكليتين
والكبد والبنكرياس وربما القلب، وكذلك لن
يمنع بعض الالتهاب في المسالك البولية من
جراء قسطرة البول الحصول على الأعضاء، إذا
استعملت المضادات المناسبة. ج ـ وقد
يظهر - وهذا غير حقيقي - أن ارتفاع نسبة
الكرياتينين في الدم يمنع وهب الأعضاء، مع
أنه قد يحدث بسبب السياسة الانكماشية في
المحاليل التي يتبعها أطباء العناية
المركزة في أول الأمر لتقليل حجم المخ
المصاب، وتقليل الضغط، محاولة منهم
لإفاقة المريض، ويزول هذا الارتفاع في
الكرياتينين بمجرد موت المخ وإعطاء
المريض مزيدا من المحاليل لغسل هذه المادة
من الدم وإنعاش الأعضاء، وكذلك لا يعوق
بعض الخراب المؤقت الحاد في الأنابيب
الدقيقة في نسيج الكلى Acute tubular Necrosis إمكانية
نقل الكلى أو الأعضاء الأخرى، إذ إنه يمكن
أن يزول. كما أن غسيل الكلى مؤقتا بعد شتلها في
مريض آخر يواجه هذه المشكلة ويحلها. د ـ وقد
يفهم أطباء العناية المركزة - خطأ - أن
المريض مسبقا بارتفاع ضغط في الدم يعوق
مرضه نقل الأعضاء إليه، سواء كان ارتفاعا
طفيفا مستجيبا للأدوية المناسبة أو
ارتفاعا شديدا أو غير مستجيب للعلاج، فرغم
كل ذلك نجد أن إمكانية وهب الأعضاء موجودة
إذ يمكن فحص العضو ساعة عملية جمع الأعضاء
وأخذ العينات المقررة منها إذا ثار شك في ذلك، وكذلك
المريض المصاب بمرض السكر الذي قد يمنع
أخذ البنكرياس، ولكنه لا يحول دون الحصول
على الكلى أو الكبد أو القلب أو الرئتين
بشرط التأكد من عدم إحداث مرض السكر لدمار
ذي بال في أعضاء الجسم الأخرى، والآن تبرز
الأهمية الكبيرة لوظيفة منسقي عطاء
الأعضاء المحترفين في المستشفيات، إذا ما
ثار شك حول ملاءمة الأعضاء المنقولة في
حالة موافقة المريض أو أهله على العطاء،
وهؤلاء المنسقون موجودون على مدار الساعة
لإسداء النصح واستجلاب استشارة من أخصائي
شتل الأعضاء بشأن قضايا متخصصة محددة،
وتقديمها إلى العاملين بالعناية المركزة. 2 ـ الواهبون
الاحتماليون الواقعيون منهم وغير
الواقعيين لقد كانت
المقومات المستعملة لتعريف (الواهبين
الاحتماليين الواقعيين) مقومات محافظة
بما يتفق مع الممارسات الطبية السائدة في
الوقت الراهن في المستشفيات الأسترالية،
وقد درجت الممارسة على عدم تصنيف المريض
على أنه واهب واقعي (أي يمكن عمليا الحصول
على الأعضاء منه) إذا لم يكن من المنتظر أن
يؤدي إجراء التنفس الصناعي له فائدة لهذا
المريض، وكان هذا الاتجاه المحافظ كفيلا
بحرمان المرضى الذين يموتون، وعائلاتهم،
والمرضى المتلقين للأعضاء من المساهمة في
ذلك، وهؤلاء المرضى الواقعيون كانوا تحت
التنفس الصناعي الذي تم إيقافه، أما في
حالة (الواهبين الاحتماليين «غير
الواقعيين») فإن قرارا كان قد اتخذ بشأنهم
بالامتناع عن مساندتهم بوضع قسطرة في
حنجرتهم، ووضعهم تحت سيطرة التنفس
الصناعي منذ البدء; لأن الأمل في شفائهم
اعتبر معدوما، ولا يؤثر في (نهايتهم)
استعمال أساليب المساندة الصناعية. وقد ثارت
قضايا أخلاقية تتعلق بما إذا كان مناسبا
وضع قسطرة الحنجرة ومساندة المريض بموت
المخ بالتنفس الصناعي لمجرد صلاحيته لوهب
الأعضاء، وخاصة حين أوصى أحد المرضى مشددا - وحرص أهله بقلق واضح على الإصرار على
تنفيذ وصيته - بأن توهب أعضاؤه بعد وفاته،
كانت حالته تزداد تدهورا وتشير إلى فقدان
الأمل في الشفاء نتيجة نزيف متكرر واسع
المدى في المخ، وأشارت هذه القضية إلى
مسألة نقل بعض المرضى الميؤوس من شفائهم
قصدا من القاعة العامة بالمستشفى إلى وحدة
العناية المركزة لوضع قسطرة في حنجرتهم
ووضعهم تحت التنفس الصناعي عند تدهور
حالتهم. وقد استقر الوضع القانوني على اعتبار ذلك
غير شرعي في بريطانيا. إذن من المتفق عليه ألا ينقل إلى العناية
المركزة إلا المرضى الذين سيستفيدون هم من
ذلك لصالح إنعاشهم والإبقاء على حياتهم في
المقام الأول، لا بناء على نية مسبقة
للحصول على أعضائهم، بناء على ما تشير
إليه درجة تدهور لبضع ساعات فقط لو كانت
حالتهم قد تدهورت واقتضت إدخالهم فورا
لوحدة العناية المركزة (وعدم تركهم في
القاعات العامة) مما يسمح بالحصول على
الأعضاء منهم. وهناك
أيضا مرضى سرطان المخ الذين يتوقع موتهم
بدون إنعاشهم، ويتم إدخالهم في القاعات
العامة بالمستشفى، ويكونون قد طلبوا وهب
أعضائهم بعد وفاتهم، وهنا يمكن الحصول على
الكلى بعد توقف القلب مباشرة، ويناقش الآن
في جامعة بتسبرج بالولايات المتحدة وضع
برنامج رسمي للحصول على الأعضاء بعد الموت
من المرضى (الذين يختارون انصراف الجهود
الطبية عن مساندتهم)، ويتوفر بالتالي
الوقت والمكان الملائمين بصورة محكمة
للحصول على أعضائهم. وفي
الدراسة الاسترالية فإنه تم ضم المرضى (الذين
لم يمكن إنعاشهم) رغم كونهم أصلا ملائمين
طبيا لوهب الأعضاء - إلى مجموعة المرضى
الملائمين طبيا وواقعيا لنقل الأعضاء
الاحتمالي، وعندما حل الموت أخيرا بعد
إنعاش فاشل، سمحت تقنية جديدة سهلة بالغمر
والتبريد الفوري للأعضاء الداخلية بمحلول
حافظ داخل الشرايين بالبطن مع تصفية الدم
الوريدي الخارج من جرح صغير في الصفن، وتم
الحصول على الأعضاء بانتظام باستعمال هذه
الطريقة في هولندا وبريطانيا، وتناسب هذه
التقنية البلدان التي يسود فيها «الموافقة
الافتراضية» بحيث لا يحتاج الأمر إلى
موافقة الأهل طالما لم يسبق رفض الميت
كتابة من قبل، حتى إذا رفض الأهل ذلك فيما
بعد فإن القساطر المستعملة في حقن المواد
الحافظة تزال، ويقفل الجرح الصغير في
الجلد، ويمارس هذا الأسلوب مراكز طبية
قليلة في أوروبا، في الوقت الذي يدور جدل
عنيف حوله أثر تطبيقاته أخلاقيا، ولا يزال
غير مقبول أخلاقيا وقانونيا في أستراليا،
أما في بريطانيا فقد تم الحصول مسبقا على
موافقة لجان الأخلاقيات الطبية قبل تنفيذ
هذه التقنية، وكذلك فإن الإعلان
الجماهيري الواسع والمتواصل في وسائل
الإعلام لم يجتذب أي رد فعل معاكس، وربما
تغيرت اتجاهات المجتمع وتعدلت التشريعات
في استراليا في المستقبل بحيث يمكن اعتبار
«المرضى الذين يفشل إنعاشهم» «واهبي
أعضاء احتماليين». 3 ـ
"الالتماس
المطلوب» و«الموافقة المفترضة
والاستجابة المطلوبة" وفي
محاولة لتقليل النقص الحرج في الأعضاء
الصالحة للشتل في الولايات المتحدة،
أدخلت حكومات معظم الولايات تشريع (الالتماس
المطلوب)، والذي يجعل من الضروري تقديم التماس رسمي للأهل للحصول على الأعضاء،
فكلما أعلنت وفاة إنسان في مستشفى، فعلى
الأطباء المشرفين أن يتأكدوا من صلاحية
هذا المريض لوهب الأعضاء أو الأنسجة
ويهيئوه لذلك، ويجب أن يناقش خيار العطاء
مع أقرب الأهل، تلافيا لتردد هيئة الأطباء
في طلب الإذن من الأهل الأقرباء، ورغم ذلك
فقد فشل هذا التشريع في زيادة الواهبين
فعليا بسبب ارتفاع نسبة رفض الأهل، ويلقي
هذا الوضع ضوءا على النقص الحادث، حيث لا
يأخذ في الاعتبار رغبة الواهب الاحتمالي،
ويحيل مسؤولية اتخاذ القرار على أهله، وفي
أستراليا وافق 44% من الأهل، مما يتناقض مع
البحوث السابقة التي أشارت إلى أن 60% من
الاستراليين يحبذون وهب الأعضاء، وما
أشارت إليه إدارات المرور من أن 66% من
الذين يبدون رغباتهم على بطاقة القيادة هم
على استعداد لوهب الأعضاء في حالة الوفاة،
ومع ذلك فإن من يوافق من الأهل لا يتجاوز 38%،
لما يجده الأهل من صعوبة تحمل المسؤولية
في غمار الأزمة العاطفية والحزن الجياش في
مواجهة موت غادر سريع، ورغم عدم نص
القانون الذي لا يفترض الحصول على إذن
الأهل، إلا أن السعي إلى الحصول على
موافقتهم دائما هو الممارسة السارية في
أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة
حتى لو كان الميت قد أبدى رغبته مسبقا قبل
وفاته على بطاقة تطوع أو على إجازة قيادة
للسيارة، وهذا يعني أهمية بذل كل الجهود
لشرح مفهوم موت المخ للأهل بطريقة تمكنهم
من تقديم موافقة حقيقية متبينة Truly Informed consent على وهب
الأعضاء، وقد يستغرق التوضيح بعض الوقت،
كما قد يحتاج الأهل فترة إضافية للتشاور
فيما بينهم والوصول إلى قرار مشترك، وعلى
هذا فبينما هناك درجة من الاستعجال في
البدء في الحصول على الأعضاء (تفاديا
لفقدان التوازن للدورة الدموية في الجسد Hemodynamic Stability)، فإن احتياجات ورغبات الأهل يجب أن يكون
لها القدر العالى، وأن يوفر لهم من الوقت
ما يحتاجون إليه ليأخذوا في اعتبارهم
الرجاء المقدم إليهم بالتبرع، ويكون الرد
إيجابيا لو مر وقت بين إخبار الأهل عن وفاة
المخ وبين الطلب بالتبرع. وقد
يساعد على التغلب على هذا الموقف الصعب أن
يتم إدخال تشريع (الموافقة المفترضة) في
أستراليا مثلما هو معمول به في النمسا
وبلجيكا والدانمرك وفنلندا وفرنسا
والنرويج وسنغافورة، وبمقتضى هذا التشريع
فكل شخص تفترض موافقته على وهب أعضائه في
حالة وفاته، إلا إذا كان قد اعترض بإرساله
مذكرة رسمية إلى أحد السلطات حول رغبته في
ألا يصبح متبرعا بعد وفاته، ولمثل هذا
التشريع بعض محاسنه الظاهرة، فهو يلغي
الحاجة إلى الأهل في قرار وهب الأعضاء في
مرحلة الحزن العميق وطوفان الأسى،
فالقرار هو قرار إنساني في وقت يكون فيه
قادرا على تأكيد عزمه، أو مصرا على رغبته
في ذلك بكل حزم، إلا أن العائق الأخلاقي في
مثل هذه الحالة هو أننا لا نعلم عن كل شخص -
ممن لم يعترضوا - إن كان قراره افتراضيا
مجردا أو نابعا من موافقة حقيقية. وللتغلب على هذه العقبة فقد أصدرت «اللجنة
الأخلاقية لشبكة الشراكة في الأعضاء في
الولايات المتحدة» ورقة مناقشة تقترح
فيها نظاما يسمى «الاستجابة المطلوبة» Required Concent وبمقتضاه يكون التبرع إجباريا، بالنسبة
لكل شخص تم تسجيل رغبته بالنسبة لوهب
الأعضاء، من أجل استكشاف أفضليات الواهب
في أثناء حياته، وللتأكد من أن حق كل امرىء
في العطاء لا يمنعه رغبات الأهل بالرفض في
وقت لا يكون بإمكان الميت أن يدافع عن
رغبته بالتبرع، ولب هذا النظام من الناحية
الأخلاقية هو ولاؤه بدون شائبة لقيمة
الهوية الفردية والقيمة الذاتية للإنسان. وبإعطاء
كل شخص بالغ الحق في رفض نظام الهبة فإن (نظام
«الاستجابة المطلوبة») هذا يحترم حق الفرد
في أن «يقف بعيدا عن المجتمع»، ويختلف هذا
النظام عن نظام الموافقة الافتراضية Presumed consent الذي لا
يقدم إلا حماية محدودة ضد خطر جمع الأعضاء
من أفراد كانوا يعترضون على وهب أعضائهم،
وتنتج الفائدة الجلية من مفهوم «الاستجابة
المطلوبة» من إمكانية التغلب على الحيرة
التي تنشأ كلما كان لا بد من اتخاذ قرار
باستمرار مساندة التنفس والدورة الدموية
في مريض ميؤوس من شفائه، فإذا كان مثل هذا
الميؤوس من مساندته قد أبدى رغبته في
التبرع، فإن الاستمرار في التنفس الصناعي
والدوري يضمن تكريم هذه الرغبة إن أمكن
ذلك، وعلى العكس من ذلك، وبنفس الأهمية
فإنه إذا كان الميؤوس من شفائه قد أبدى
رغبته في عدم التبرع فإنه لن يكون على هيئة
العاملين في الرعاية المركزة أن (يجاهدوا)
باستعمال الوسائل المساندة إذا اعتبرت
غير ذي فائدة للمريض وسيؤدي نظام «الاستجابة
المطلوبة» لا شك إلى تقليل الفاقد من
حالات وهب الأعضاء إلى حد كبير. 4 ـ ومهما يكن النظام المتبع في الحصول على
الموافقة على وهب الأعضاء، فمن الواضح أن
أخذ التبرع في الاعتبار مسبقا قبل الوفاة
أمر مرغوب فيه، «ومن
المأمول أن يصبح مفهوم عطاء الأعضاء
والأنسجة عندما يحل الموت هو الشيء
الطبيعي، بدلا من أن يكون مصحوبا بقرار
مشحون بعواطف بنت وقتها التعيس في حالة
حزن الأهل الغامر». إلا أنه
في الوقت الراهن على جميع العاملين في
رعاية المرضى في حالات خطرة أن يعملوا في
إطار التشريعات السائدة والبرامج
المستقرة لوهب الأعضاء، ومن الواضح أن
تطوير التشريع أمر وارد، وعلى كاهل
العاملين في مجال رعاية المرضى، الذين
يتلقون الأعضاء والمرضى المحتملين في هذا
الصدد، تقع مسؤولية تعليم وإقناع الجمهور
حول وهب الأعضاء في حالة الموت، والتأكد
من أن قانونية وهب الأعضاء ومفاهيمه واضحة
على نطاق جماهيري واسع، وأنها مفهومة
تماماً من جانب الهيئة الطبية، وعلى الذين
يراعون المرضى في حالات حرجة ويتوقع أن
يصبحوا واهبين محتملين للأعضاء، تقع
المسؤولية تجاه مرضاهم - إذا لم يكونوا - أي
المرضى - قد عبروا عن رفضهم لوهب أعضائهم،
وتقع عليهم المسؤولية أيضا تجاه المرضى
الآخرين الذين هم في حاجة ماسة إلى شتل
لأعضاء بدل التالفة في أجسامهم الواهنة
وهم على شفا موت يمكن إنقاذهم منه بفضل
أريحية الآخرين وتكافلهم. رابعا: بيان
وإرشادات جمعية العناية المركزة
الأسترالية والنيوزيلاندية حول موت المخ
عام 1995 (37). 1 ـ تم تكوين فريق عمل حول موت
المخ لإصدار بيان قياس للممارسة الطبية
الحديثة للتأكد من تشخيص موت المخ، لما له
من أهمية خاصة في وقت ثارت فيه الشكوك حول
صلاحية الأساليب السريرية للتأكد من هذا
التشخيص، وكذلك فقد هدف هذا البيان إلى
تقديم توضيح وحلول للاستخلاصات المشوشة
المؤقتة التي تدور حول الإرشادات
والتشريعات ونظم الممارسة الطبية (وما
أحوجنا نحن في مؤتمرنا إلى مثل ذلك). ولقد
استرشدت لجنة العمل الاسترالية
النيوزيلاندية ببيانين رئيسين سابقين صدر
أحدهما عن أمين مؤتمر الكليات الطبية
الملكية في المملكة المتحدة في 11 أكتوبر
1976، وصدر الثاني عن المستشارين الطبيين
حول تشخيص الموت، المكلفين من «اللجنة
الرئاسية لدراسة المشاكل الأخلاقية في
الطب والبحوث الطبية الحيوية»، وهذا
التقرير الثاني قدم «إرشادات لتقرير
الموت» ويشار عليه في الوثيقة المذكورة
تحت اسم تقرير اللجنة الرئاسية»، وكان
الهدف من دراسة هذين البيانيين وغيرهما من
الأدبيات العالمية في الموضوع هو إصدار
توصيات منطقية واضحة وحازمة إلا أنها تجمع
المنطق الرئيسي والأدلة الواردة في
البيانين المشهورين أعلاه، وترضي كلا من
التعريفات القانونية، والتعليمات، كما
تقدم مستويات قياسية للممارسة الطبية
تطمئن الجمهور والأطباء الممارسين في نفس
الوقت، إلا أن تشخيص موت المخ قد تم التوصل
إليه دون أدنى شك أو ريبة، وقد وجد الأعضاء
- رغم أنهم لم يسبق لهم تأكيد موت المخ تحت
ظروف ضاغطة مماثلة - أنهم كانوا غير قادرين
على مقاومة الحجج القوية التي تبدت ظاهرة
واضحة، وأحسوا جميعا بأنهم مضطرون إلى
التوصية بهذه الإرشادات المحددة المضبوطة. (ويشير بيان لجنتنا هذه إلى تشخيص وتأكيد
موت المخ في البالغين وفي الأطفال فوق سن
شهرين من العمر، حيث إن تشخيص موت المخ تحت
عمر شهرين قد يكون أكثر صعوبة ويحتاج إلى
فترات زمنية مختلفة عنه في الكبار). 2 ـ السياسة
المثلى للجمعية الاسترالية/النيوزيلاندية
حول وهب الأعضاء: لقد أدى
النجاح المتزايد لشتل الأعضاء والنسبة
المتدنية للعطاء إلى نقص واضح معتبر فيما
يمكن أن يتاح من الأعضاء لبرامج الموهوب،
ويقترب هذا النقص من نسب حرجة في الوقت
الذي أوضحت فيه صناعة شتل الأعضاء
احتياجاتها المالية للدول والسلطات
المقررة للميزانية، وتصاعدت الضغوط
لزيادة الحصول على الأعضاء، وتزايدت
المطالبات باتخاذ مواقف عملية مفيدة،
وترى الجمعية أن المسؤولية ستكون على عاتق
الأخصائيين في العناية المركزة للتحكم في
حركة الحصول على الأعضاء، والتي إذا تركت
من غير مراقبة فإنها قد تؤدي إلى عكس ذلك
وتدمر برامج وهب الأعضاء، وهذا مما يهدد رعاية المرضى في
الحالات الحرجة ورعاية أقربائهم. ولذلك
فإن الدور الذي يلعبه أطباء العناية
المركزة سيكون محوريا في استدامة التبرع
بالأعضاء، ويحتاج للعلاقة بين الطبيب
والمريض، هذه العلاقة التي تملي على
التصرف السلوكي أنساق القيم الخلقية
والضميرية أكثر من التعليمات الإدارية
والقانونية، ولا يتمنى أحد أن يفرض
القانون على أطباء العناية المركزة، وأن
يشخصوا موت المخ أو يفتشوا عن بطاقة كتبها
مريض يوافق فيها على منح أعضائه حسب قانون
يعين بذلك، والبديل هو أن نصبح نحن - أطباء
العناية المركزة - الجسم المعنوي القياسي
الذي يبني شفرة للممارسة الطبية تزيل من
الطريق الحاجة إلى القوانين التي تملي
سلوكياتنا، وتحاول - وهذا أكثر أهمية - أن
تتلمس مشاعر المجتمع وتعلنها للأطباء
ليعملوا بمقتضاها، وتظهر استطلاعات الرأي
في استراليا أن من يساندون وهب شتل
الأعضاء هم من 60 - 80% من السكان، وأصبح مزيد
من السكان يناقشون الهبة ويتطلعون إلى
التبرع بأعضائهم، وهناك تشوف واضح من
الجميع، متوقع تماما، إلى أن تحترم هذه
الرغبات في التطوع بصورة تلقائية، (ودور
أطباء العناية المركزة في مساندة واحترام
هذه الرغبات الجماهيرية لا يمكن الإفلات
منه). 3 ـ ملاحظات مهمة حول عناصر
الاضطراب في التفكير الحالي مما يدعو إلى
إحكام العمل بالإرشادات السياسية الجديدة
للجمعية. 1 ـ أظهرت البحوث عام 1989 أن الأطباء
والممرضات المتوقع اشتراكهم في برامج
الحصول على الأعضاء عندهم نقص مزعج في
تفهم موت المخ، ورغم أن أخصائي العناية
المركزة كان يتوقع تمتعهم بمقدرة جيدة على
تفهم موت المخ إلا أن الفروق بين موت جذع
المخ وتعريف موت كل المخ لم تزل غير مفهومة. 2 ـ وكذلك فإن الهدف من ترخيص
الموت كان مشوشا، وكثيرون كانوا لا يعون
أن التصريح الرسمي بوساطة طبيبين يتعلق
بالتأكيد على موت المخ وبصفة خاصة في وهب
الأعضاء. 3ـ ولم يكن كثيرون مستيقنين مما يمكن فعله إن
كان هناك انسداد في الأذنين بشمع أو دم، أو
كانت العينان مغلقتين بالكدمات أو
باستعمال التصوير الإشعاعي عندما يكون
المريض قد تلقى مهدئات. 4 ـ واختلفت الممارسة
بالنسبة لضغط الدم وحرارة الجسم عند تقييم
موت جذع المخ اختلافا كبيرا. 5 ـ كما كانت هناك اختلافات
حول مدى تكرار الفحوص، والفترة الزمنية
بينها، ومدى تفهم البيانات الرئيسية
السابق ذكرها، وبالطبع فإن موضوعا خطيرا
محوطا بكثير من الانعكاسات العاطفية مثل
موت المخ يجب أن يعالج بأساليب تتحلى بحسن
الاضطلاع بالمسؤولية، كما أن إصدار
التعليمات حول جوانب المعرفة الأساسية
والفهم والإرشادات الأساسية التي تهدف
كلها إلى تناول موحد للتثبت من موت المخ
مما يتسق مع مستوى من الأداء الطبي يمكن
الدفاع عن سلامته. وليس
معقولا أن يتوقع أحد موافقة تلقائية
وقبولا مباشرة إذا كانت هناك اختلافات
واسعة في الأساليب المستعملة لتقييم موت
المخ حتى ولو كانت نتيجة التقييم واحدة
بعد استعمال الأساليب المختلفة (مثلما يحس
به بعض الإخوة الأطباء في مصر). وكذلك
فإن ممارسات الأطباء لا يكفي أن تعكس فقط
وجهات النظر الطبية الموضوعية حول موت
المخ وإنما يجب أن تعبر أيضا عن متطلبات
المجتمع الذي ينتظر أن يُطَمْأن على أن
الممارسات الطبية متماسكة ويعتمد عليها
وليست منحازة. 4 ـ نص بيان الجمعية
الأسترالية النيوزيلاندية وإرشاداتها
حول موت المخ:- أ ـ إن
التعريف القانوني للموت في أستراليا (ما
عدا الغرب) بولاياتها ومناطقها هو أن
الشخص ميت حينما يكون هناك توقف لا رجعة
فيه Irreversible لدوران الدم في جسم الشخص
أو توقف لا رجعة فيه لكل وظيفة مخ الشخص
وفي غرب استراليا يمكن أخذ الأعضاء
والأنسجة بغرض الشتل إذا شهد اثنان من
الأطباء أن توقفا لا عودة فيه لكل وظيفة
المخ قد حدث. ب ـ يجب
أن يستعمل التعبير (موت المخ) ليدل على
التوقف الذي لا رجعة له لكل وظيفة المخ،
ولا يجب استعمال التعبيرين «موت المخ» و «موت
جذع المخ» لوصف المريض الذي مات مخه. فموت
المخ يكون حادثا عندما يحدث فقدان لا رجعة
له لليقظة وفقدان لا رجعة له للاستجابات
المنعكسة من جذع المخ ووظيفة مركز التنفس،
أو توقف لا رجعة له لسريان الدم داخل
الدماغ. ج ـ ويؤكد
الاختبار الإكلينيكي لوظيفة جذع المخ موت
المخ على شريطة أن يتم الوفاء بكل الشروط
المسبقة Preconditions كما ذكرت
هذه الاختبارات وشروطها المسبقة في تقرير أمين
كليات الطب الملكية البريطانية في 11
أكتوبر 1976 مع الإضافة التالية: في نهاية
فترة الفصل عن جهاز التنفس الصناعي لا بد
أن يكون قد تواجد مثير تنفس كافٍ ألا وهو
مستوى لضغط غاز ثاني أكسيد الكربون في
الدم قدره أكثر من 60 مم زئبق وأن تكون
حموضة الدم أقل من 7.3. د ـ
الترخيص بموت المخ: حين يحدث جمع الأنسجة أو الأعضاء بعد
الموت بغرض شتلها في نفس الوقت الذي يتم
فيه إدامة تشغيل التنفس وبالتالي الدورة
الدموية للشخص بوسائل صناعية: إن إصدار
الترخيص بالتوقف الذي لا رجعة له لوظائف
المخ بوساطة اثنين من الأطباء حسب
مواصفاتهما المحدودة قانونا هو مطلب
قانوني حيث سيتم أخذ الأعضاء أو الأنسجة
لشتلها بعد الموت. ويتطلب
تأكيد تشخيص موت المخ أن يتم تأكيد
اللارجوع عن توقف وظيفة المخ Irreversible cessation of brain function في خلال
فترة مراقبة مناسبة ويجب إجراء فحصين
منفصلين خلال هذه الفترة بوساطة طبيبين
يتم تقرير مستواهما قانونياً من أجل تأكيد
توقف وظيفة المخ وإظهار اللارجوع فيها
بجلاء. ولا يكون الترخيص صحيحاً Valid حتى يتم عمل فحصين
إكلينيكيين منفصلين ولا يجب إجراء الفحص
الرسمي الأول Formal حتى تكون فترة ساعات أربع
على الأقل قد مرت يكون المريض في أثنائها
في غيبوبة، من غير أن تستجيب حدقتا عينيه
للضوء وفي غياب انعكاسات عصبية من القرنية
وغياب الاستثارة للكحة والبلغم، وغياب
النشاط العضلي التلقائي والتنفسي، ويجب
أن يكون قد تم تسجيل هذه المراقبة
المستمرة طيلة هذه الفترة بوساطة
الممرضات أو الهيئة الطبية، ويجب ألا يجري
الفحص الثاني قبل مرور ساعتين على الأقل
بعد الفحص الأول، أما بعد إصابة المخ بنقص
أولي في الأكسجين Primary Hypoxic Brain injury فيجب ألا
يتم الفحص الأول قبل مضي فترة من المراقبة
المستمرة، لمدة اثنتي عشرة ساعة متواصلة
على الأقل، وقد يختار الطبيبان أن يتواجدا
في كلا الفحصين، إلا أن كلا منهما يجب أن
يجري في الحقيقة واحدا من الفحصين ويكون
مسؤولا عنه. هـ ـ
ترخيص موت المخ Cerification
of Brain death في الحالات التي لن يتم فيها جمع الأنسجة
بعد الموت بغرض شتلها: ليس هناك في هذه
الحالة متطلبات قانونية لترخيص موت المخ
بوساطة اثنين من الأطباء حيث لم يجر جمع
للأنسجة لشتلها، ومع ذلك.? ورغم عدم
التبرع بالأعضاء، فإنا نوصي بممارسة
إصدار ترخيص رسمي بموت المخ بوساطة اثنين
من الأطباء. وـ إذا لم
يكن من الممكن توفير الظروف السابقة قبل
التشخيص الإكلينيكي لموت المخ وتأكيده،
فيجب إجراء فحص إشعاعي لثلاثة أو أربعة
أوعية دموية بالحقن المباشر للصبغة
الذرية Direct Three or Four Vessel Radio Contrast
Angiography غياب سريان الدم داخل
الدماغ Absent Intracranial Blood flow ، ويجب
أن يكون هذا الغياب للدورة الدموية من كل
من الدورة القاعدية العنقية Vertebro- Basilar والدورة
فوق الخيمة داخل الدماغ Supratetnorial
Circulation كما يمكن بوساطة فحص
بالإشعاع النووي Radio Nuclide Exam من أن يظهر بثقة حالة سريان الدم في جذع
المخ والمخ على أن: زـ شهادة
الموت المكتوبة النهائية يجب إصدارها
بوساطة اثنين من الأطباء الممارسين الذين
يحدد القانون صفتهما ولا يتضمنان الطبيب
الذي قام بالفحص ويجب أن تتبع أيضا قاعدة
الملاحظة لفترة ست ساعات للغيبوبة وغياب
الانعكاسات من جذع المخ كلما كان فحصها
ضروريا، وأن تسبق هذه الفترة إجراء الفحص. ح ـ يجب
تسجيل وقت الموت The
time of Death على أنه
الوقت الذي تم فيه اكتمال ترخيص موت المخ Certification of Brain Death أي بعد الفحص الثاني
المؤكد للفحص الأول. 5 ـ السياسة
النموذجية لجمعية الرعاية المركزة
الاسترالية النيوزيلاندية حول وهب
الأعضاء Model Policy On Organ
Donation. وهب
الأعضاء: المبادىء المرشدة: * إن هذه السياسة تقوم على مبدأ أساسي Fundamental Principle ألا وهو استمرار واجب
الرعاية للمريض الذي هو: أساس علاقة
المريض/ الطبيب. ·
إن تأكيد
الوفاء بتلبية رغبات إنسان ليهب أعضاءه
بعد الموت يتسق مع هذا المبدأ المذكور
أعلاه. ·
إن
التأكيد على أن توفير الرعاية الطبية لهذا
المريض له الأسبقية على المصلحة في وهب
الأعضاء هو مكون وضروري لهذا المبدأ. ·
إن حماية
وقار وخصوصية الشخص هو جزء من الواجب على
عاتقنا نحن الأطباء إزاءه. ·
إن مد
التعهد للمريض برعاية عائلته يكمل واجب
رعاية المريض. * إن اعتبار حاجات الأشخاص الاحتماليين
المتلقين للأعضاء هو مسؤولية ثانوية تقوم
على عاتق الممارسين الأطباء إلا أنها مع
ذلك مسؤولية حيوية. مسؤولية
أخصائي العناية المركزة في التأكد من
رغبات المريض وتوفير الأعضاء لشتلها،
وتقديم وإدامة المساندة للواهب المحتمل:- · إن
مساندة عملية وهب الأعضاء كاستمرار لأداء
واجب للمريض والالتزام إزاءه، ومن أجل
الفائدة المحتملة للمرضى الآخرين - إنما
هي مسؤولية مهنية وخلقية على عاتق أخصائي
العناية المركزة. · إن
الواهب المحتمل هو مريض بإصابة حادة في
المخ حيث تدل شدة تلك الإصابة على احتمال
قوي بحلول موت المخ. · إن إدامة
التنفس Ventilation وغيره من أساليب
المساندة، حين قد يكون وهب الأعضاء هو فقط
الناتج الإيجابي The only postive outcome? هو عمل أخلاقي مبرر
واستعمال سليم للموارد طالما اتسق مع
المبادىء المرشدة للعمل. إن البدء
في تقديم المساندة الطبية أو إكمال
المساندة الأولية، عندما يكون وهب
الأعضاء هو الناتج الإيجابي الوحيد، يمكن
أن يتأسس على احترام رغبات المريض ويعتمد
على المعرفة بهذه الرغبات التي سبق
التعبير عنها. ويجب ألا
تكون مستويات المعالجة الطبية للواهب
المحتمل للأعضاء أقل من تلك التي تقدم إلى المريض بإصابته في المخ. ـ وحتى يتم تأكيد موت المخ
رسميا، فليس من المنطقي ولا المنسجم أن
يتم تنفيس المريض من غير مساندة ضغط الدم
والحفاظ على حرارة الجسم وغيره من أساليب
الرعاية عامة، إن الفشل في بدء مثل هذه
الأساليب المساندة أو في سحبها بغرض تفادي
طلب التبرع بالأعضاء هو عمل غير مبرر
أخلاقيا. ـ ويجب أن تستمر كل أساليب
المساندة بعد التأكد من موت المخ حتى يتم
التأكد من أن وهب الأعضاء لن يحدث. ويجب أن
يكون المريض صالحا لوهب الأعضاء أو
الأنسجة. ـ وما لم يتم استبعاد وهب
الأعضاء بسبب عائق مطلق Absolute
Contraindication فالنصيحة هي أن تستجلب كل القرارات حول
مدى الملاءمة الطبية للواهب من خلال منسق
شتل الأعضاء، وكلما ثار شك فيما يتعلق
بعمر الواهب أو بمدى ملاءمته طبيا فيرجع
في ذلك إلى منسق شتل الأعضاء. ج- وصايا المريض ومناقشة
وهب الأعضاء. ـ يجب أن تحترم رغبات
ووصايا المرضى فيما يتعلق بوهب أعضائهم أو
أنسجتهم. ـ وفي
معظم الحالات فإن رغبات المريض الميت وأي
تغيير تالٍ فيها يمكن فقط التأكد منها من
خلال مناقشة العائلة، وعندما لا تكون
رغبات الميت معروفة فيجب التحري من أقرب
أقربائه حول قرارهم بالنيابة عن فقيدهم. ـ وليس من
اللائق للطبيب أو غيره من ممارسي المهنة
الطبية أن يقرروا الامتناع عن وهب الأعضاء
من تلقاء أنفسهم. د- مسؤوليات أخصائي
العناية المركزة في سؤال وهب الأعضاء:- ـ يجب أن تكون المناقشة
حول وهب الأعضاء قد سبقتها دائما توصيات
كافية ومناقشات حول مرض الموت. ـ وإنه لمن مسؤولية
أخصائي العناية المركزة أن يؤمن
استمرارية الاتصالات مع عائلة المريض. ـ ويجب أن يكون الشخص الذي
سيدير المناقشة حول وهب الأعضاء شخصا كفؤا
ويتحلى بخبرات كافية وأن يكون عضدا وسندا
لوهب وشتل الأعضاء. ـ إن من مسؤوليات أخصائي
العناية المركزة الذي يرعى المريض أن
يتأكد من كفاءة الشخص الذي سيناقش قضية
وهب الأعضاء. ـ كما أن من المقبول مهنيا
أن يقوم الطبيب الذي كان يعالج المريض
بمناقشة وهب الأعضاء. فإذا فضل
أخصائي العناية المركزة ألا يكون هو الشخص
الذي يناقش وهب الأعضاء (مع العائلة) فإنه
يصبح من مسؤولياته أن يتأكد من وجود شخص
آخر على كفاءة ملائمة للولوج في هذه
المناقشة وأن يقدم هذا الشخص إلى العائلة. ـ وليس من المستحب عادة أن
تكون قد جرت مناقشة وهب الأعضاء مع عائلة
المريض قبل موته، ولكن هذه الملاحظة لا
تنطبق على الحالة التي يقترح فيها بدء
العلاجات المساندة فقط بهدف الحصول على
الأعضاء، وإذا كان هناك ضرورة للمناقشة
فيجب أن تتسم بالحرص الشديد. ـ ويجب أن يتم إعلام
العائلة إعلاما كافيا بالقوانين المتعلقة
بالإقرارات وبدورهم في الإفصاح عن
الرغبات المعروفة لقريبهم أو قيامهم
بالتصرف نيابة عنه. ـ ويجب إتاحة وقت كاف
للعائلة لقبول حقيقة موت المخ، كما يجب أن
يتأجل أي نقاش حول وهب الأعضاء حتى يحدث
هذا التقبل للموت، وإذا كان هناك قرار
مطلوب اتخاذه من أقرب المقربين للمتوفي،
فيجب عدم استعجالهم لاتخاذ قرار بوهب
الأعضاء. ـ كما يجب أن يتأكد أخصائي
العناية المركزة من حصول العائلة على
بيانات كافية، ووقت كاف ومساندة كافية
عندما يطلب منهم اتخاذ قرار بالنيابة عن
فقيدهم. ويجب أن تبني الموافقة Consent على أساس من المصارحة
التامة. د - رعاية الواهب وعائلته: ـ يجب أن يعالَج المريض
الواهب بما يستحق من رعاية واحترام. وبمجرد
إتمام الموافقة فمن الضروري أن يتغير واجب
الأخصائي إلى مساندة نجاح وهب الأعضاء. وإنه لمن
مسؤولية أخصائي العناية المركزة أن يتأكد
من أن عائلة الواهب تحظى بمساندة عاطفية
واجتماعية كافية في الفترة التي تلي
الموافقة على وهب الأعضاء من فقيدهم. هــ - مسؤولية الهيئة
العلاجية ومستواها: - يجب أن
تتم رعاية كل الهيئة العلاجية - ممرضات
وأطباء وغيرهم - ومساندتهم بالتساوي كما
يجب أن نعي أن موضوع كفاءة أداء العمل في
وحدة العناية المركزة Quality Assurance Standard هو
التعرف على واهبي الأعضاء المحتملين
ومساندتهم والحصول على الموافقة على وهب
الأعضاء، ورعاية عائلة الواهب والعناية
بالهيئة الطبية المعالجة. ثانيا: المثال الأوروبي
(31) يضم
المجتمع الأوروبي الذي يجمع النمسا،
وبلجيكا، وهولندا، وألمانيا حوالي 110
مليون نسمة، وكانت نسبة التبرع بين عامي
1992-1993 هي: 20 ـ 29 متبرعا في المليون من
السكان في النمسا وبلجيكا. 12 ـ 13 متبرعا في المليون من
السكان في ألمانيا وهولندا. وترجع
الفروق إلى اختلاف الظروف الاجتماعية
والاقتصادية والتشريعية والدينية،
والعدد المتاح من أسرة العناية المركزة،
وعدد حالات حوادث الرأس المميتة، واختلاف
طرق التعليم الملائمة، ونشاط فرق التنسيق
وغيرها. وعند
مناقشة أسباب رفض العائلات للتبرع نجد أن
نسبة 14.3% تعود إلى الرغبة في احترام
الجثمان، ولا ترغب في جمع الأعضاء من
الميت بالجراحة، وتخاف من المثلة
بالجثمان. وهناك 25.4%
من حالات الرفض لأسباب عنصرية أو دينية (28%
كاثوليك + 6% مسلمون + 6% يهود + 5% بوذيون + 2%
بروتستانت). كما أن
هناك أسبابا عائلية تصل إلى 60.3% من أسباب
الرفض (لم يتفق الأب مع الأم، أو بسبب
الحزن الشديد أو بسبب عدم قبول فكرة موت
المخ أو لصعوبة التمادي في الإقناع من
جانب الأطباء). وفي
دراسة ضمت 2.4 مليون فرد تبين أن: 46.9 % سمعوا
بالحملة المتعلقة بالدعوة لشتل الأعضاء. 65 % ناقشوا
الموضوع مع عائلاتهم أو أصدقائهم. 63 % يعتبرون أنهم لم يتم
تبليغهم جيدا. 92 % يعتقدون
بأهمية شن حملة على المستوى القومي. 92 % يودون
الحصول على بطاقة مشاركة مع احتمال أن
يغيروا قرارهم مستقبلا. وقد
ناقشت البحوث في هولندا كيف يزيد الإحساس
بالاطمئنان في لقاء الأهل بالأطباء
والهيئة التمريضية للحث على التبرع لشتل
الأعضاء، واتضح أن هذا الهدف يمكن التوصل
إليه بأسباب منها: ـ المران على لقاء الأهل
والحديث معهم - والمران على توصيل الأخبار
السيئة - واستعمال الفيديو لمراجعة خبرة
الأهل المكلومين في هذا الصدد - العمل في
فريق من الأطباء والهيئة التمريضية في
لقاء الأهل. ـ كما تم عمل برنامج
لمجموعة الدول الأوروبية لتسهيل مهمة
التفاهم مع الأهل وإقناعهم بأهمية التبرع
وخيريته، وكانت الأهداف هي: ـ رفع مستوى الوعي
الوظيفي بنقل الأعضاء بين أعضاء الفرق
الطبية والمساعدة. ـ تطوير وعي هذه الفرق
باحتياجات المكلومين وتطوير الوعي
باحتياجات التعامل مع مجموعة من ردود فعل
الأحزان عند طلب التبرع بالأعضاء. ـ عمل برنامج كامل من
وسائل الإيضاح يتضمن تاريخ نقل الأعضاء
والأنسجة وواقعه وبعض ملامح النقص الحالي
بالنسبة لاحتياجات المرضى وبعض الحلول
الممكنة. ـ كما تم تكوين ورشة عمل
حية لمدة يوم كامل لرفع مهارات الوعي عند
مختلف التجمعات المهنية والطبية التي لها
علاقة بالأهل بهدف تعليمهم كيفية التلطف
في توصيل الأخبار الحزينة ودراسة رد الفعل
إزاء الحزن. المثال الإسباني - مثال
متقدم في أوروبا من الناحية المجتمعية (29):- نجح
الأسبان في رفع معدل وهب الأعضاء من 14.3
واهبا في المليون من السكان عام 1989 إلى 25
واهبا في المليون من السكان عام 1994. وهكذا
زاد الحصول على الأعضاء بمقدار 90% بالرغم
من نقص إصابات الدماغ بحوادث الطرق بمقدار
28%، مما يعكس ازدياد النشاط الاجتماعي
المرموق في إسبانيا، بالتركيز على توعية
الأطباء، وبتعيين منسقين محترفين في
مختلف مناطق البلاد للتأكد من كفاءة
المنسقين الموجودين في كل مستشفى يحتمل
وجود واهبين محتملين بها، ولمساعدة
العاملين بالمستشفى على التعرف على
الواهبين، والمحافظة على أعضائهم من
التلف، وحسن التعامل مع العائلات
المكلومة، والمساعدة والتنسيق في العملية
الجراحية لجني الأعضاء. وهناك
اهتمام في إسبانيا بتوفير الخبرات
العالية في الإدارة والاتصال، وتوفير
التعليم المستمر والتدريب للمنسقين وفق
برامج تغطي كل الجوانب العلمية والعملية
لشتل الأعضاء، وبتوثيق الصلات بين
المنظمة الوطنية لشتل الأعضاء ووزارة
الصحة، لتبادل المعلومات وتقليل
المشكلات، وتوثيق عرى التعاون بين
المنظمة - كهيئة خدمة عامة - وكثير من
الوكالات الاجتماعية عن طريق عمل على مدار
الساعة للاستجابة لأسئلة الواهبين أو
الجمهور أو رجال الإعلام، ولزيادة توفير
جو إيجابي في جميع الأوساط في إسبانيا حول
شتل الأعضاء، والقضاء على التردد في
الاتصال بعائلات موتى المخ، وكل ذلك يعني
الاحتراف وإحكام التنظيم حيث يتواجد مرضى
موت المخ. ويوضح
ذلك أن المجتمع الإسباني قد تخطى عقبة
القبول الواعي الواثق المطمئن الذي لا
يثبط من همته التخويف، وكون منظماته
الخيرية التطوعية، وحدد مشاكله الإدارية
والتدريبية، وخلق فرصا للاحتراف في تذليل
عقبات المنح بوساطة منسقين محترفين مما
يعكس قبولا مجتمعيا عاما. ثانيا: المثال الأمريكي:
(30). تتكون
الشبكة الموحدة للشراكة في الأعضاء عبر
الولايات المتحدة من 277 مركزا لزرع
الأعضاء لديها: 866
برنامجا (247 برنامجا للكلى، 114 للكبد، 116
للبنكرياس، 167 للقلب، 92 للقلب/ رئتين، 84
للرئتين، 26 للأعضاء الأخرى، 20 للبنكرياس
وجزر أيليت). 69 منظمة للحصول على الأعضاء. 153 مختبرا لتجانس الأنسجة. 12 عضوا عاما، 39 مديرا، 11
إدارة داخلية، 11 منظمة عبر أمريكا. في عام 1994
حصلت الشبكة الموحدة للشراكة في الأعضاء
على 19210 عضو، وشتلت منها 18251 عضوا من أحياء
ومن أموات، وتضم قائمة الانتظار 37 ألف
مريض، وتزيد قائمة الانتظار عام 1988 عن
الزرع بمقدار 25%، تزيد قائمة الانتظار عام
1994 عن الزرع بمقدار 50%، وتزيد قائمة
الانتظار في الكلى عام 1994 بمقدار 159%. ويتم
تخصيص الأعضاء للمرضى المنتظرين على أسس
طبية تماما بدون تفرقة بسبب العنصر أو
الجنس. ولا يحدث
تغييرات في نظم التخصص إلا بوساطة لجان
مختلفة تشير على مجلس الإدارة بذلك بعد أن
ترسل استشارات إلى ثلاثة آلاف جهة في
الحكومة والجمهور والقطاع الخاص لتقييم
التغيير المطلوب، وتبذل الشبكة جهودا
فائقة لزيادة وهب الأعضاء من خلال التعليم
العام وفي مدارس التمريض وكليات الطب
وبرامج تدريب الأطباء القائمين بإجراء
فحوص التأكد من موت المخ. وقامت
الشبكة بتكوين «هيئة التبرع التضامني»
القومية للتضامن بين منظمات المرضى
والمحترفين والعلماء والحكومة والهيئات
التطوعية والتجارية المكرسة لجهودها
لزيادة الوعي لاحتياج الآلاف للتبرع، مع
مساعدة من هيئات المدرسين لشن حملة قومية
منسقة لتعليم الجمهور، وتحصل الشبكة على
فترات إعلانية مجانية مقدارها 25-30 مليون
دولار. وهناك
خدمة كمبيوترية على مدار الساعة لتنظيم
إيداع كل عضو متبرع به أو نقله إلى المحتاج. وهناك
مواصفات مكتوبة مفصلة عن كل عضو يتم
التبرع به تتعلق بمواصفات المتبرع الميت
والمتبرع الحي والمتلقي وعدد مرات التئام
العضو بالمريض، ومواصفات المريض المنتظر،
ومتوسط وقت الانتظار، ونشاط منظمة جمع
الأعضاء، ومراكز شتل أعضاء وغيرها.. وأصدرت
الشبكة تقريرا عن نشاط شتل 60800 عضو إلى 45757
مريضا ما بين 1987-1991، وتم تحليل عوامل الخطر
لكل عضو، لتبين حيوية بقاء كل عضو مزروع
على المستوى القومي مقارنة بذلك في كل
مركز لشتل الأعضاء. وباستعمال
مزج للمخاطر على المتبرع والمتلقي في كل
مركز فإن مدى الحياة المتوقع يمكن مقارنته
بمدى الحياة الفعلي، وتقييم أداء كل مركز
بالنسبة لكل عضو مشتول، مقارنة بالحياة
المتوقعة على المستوى القومي، ونشر ذلك في
تقرير من 2700 صفحة في تسعة أجزاء. وقد
أوضحت الإحصاءات أنه بين عامي 1988-1993، كان
عدد الواهبين 26510، ومتوسط عدد الأعضاء من
الواهب 3.4، والعدد الكلى 80592 وعدد المتلقين
79019 (ومنها 45702 كلية + 15961 كبدا + 12049 قلبا + 3036
بنكرياسا + 1919 رئة + 352 قلبا، ورئتين + 1573
تلقوا أكثر من عضو واحد). وارتفع
عدد الأعضاء الموهوبة، من 2.9 من الواهب
الواحد إلى 3.71، فزاد بذلك عدد الأعضاء
المجموعة بمقدار 48%. وتشتد
الحاجة إلى الكلى بمقدار 15% سنويا، وبلغ
عدد المرضى المنتظرين لشتل كلى 30 ألف مريض
في 1995، وزادت مدة الانتظار عن سنتين، في
حين كان عدد الكلى في عام 1991 هو 7734 كلية
ووصل عام 1994 إلى 8374 كلية، ويتوقع ألا يزيد
عدد الواهبين عن سبعة آلاف هذا العام. ويوافق
على التبرع الآن 56% من عائلات المرضى
المتوفين، وبزيادتهم إن أمكن إلى 80% سيزيد
الواهبون بمقدار ألف واهب جديد (ألفي
كُلية) بما قد يغطي قائمة الانتظار
الحالية مع وجود 12 ألف مريض يضافون إلى
القائمة سنويا. وتمثلت
الاقتراحات للتغلب على نقص الأعضاء في عمل
جهود حثيثة: ـ لتوسيع قاعدة الهبة إلى
الواهبين من توقف القلب، والأطفال
الميتين بين سنة وخمس سنوات، وكبار السن
حتى 79 سنة. ـ ولمنح حوافز للواهب
الحي ولأهل الميت. ـ واللجوء إلى تشريع
الهبة المفترضة (كل من لم يعترض قبل الموت
كتابة فهو واهب). وهناك 22.3% من الواهبين
الآن فوق سن الخمسين، واتسعت قائمة
الواهبين إلى مرضى السكر وارتفاع ضغط الدم
والالتهابات المحدودة وأوضحت الإحصاءات
في ولاية واشنطن العاصمة وجود 40 ألف
أمريكي على قائمة انتظار الولاية (49% من
الأقليات ينتظرون، و22% منهم يتبرعون)
ويموت 8 أشخاص من المنتظرين يوميا، ويمكن
لواهب واحد أن يقدم من 8-10 أعضاء تنقذ قدرا
مماثلا من المرضى? وحوالي عشرين نسيجا تحسن نوعية الحياة. ويتبرع
الأمريكيون البيض بمعدل 25 متبرع في
المليون من السكان والأمريكيون المختلطون
15 في المليون، والأفارقة 20 في المليون،
وإذا زادت النسبة إلى 25 في المليون للجميع
فستعطي وفرا في الميزانية مقداره 44-46
مليون دولار للكلى، وإذا تضمن بقية
الأعضاء يصل إلى بليون دولار. خامسا: النتائج التي
حققتها جراحة شتل الكلى في العالم المتقدم
(38):- بالتقدم
الذي حدث في الأدوية الكابتة للمناعة حدث
تقدم كبير في شتل الكلى في العقد الأخير. 1 ـ وبلغت
نسبة إعاشة الكلى المنقولة إلى 80%، وقد جعل ذلك
النجاح من شتل الكلى اختيارا بديلا لأي
علاج لمرض الكلى المتأخر End stage Renal Disease في المدى القصير، وبدأ
التركيز على الإعاشة الطويلة الأمد Long
Term Survival وعلى
نوعية الحياة في المدة المعاشة Quality of Life وتقدر مدة الحياة بعشر
سنوات في 60%، وعشرين سنة في 44%، وقد
اعتبرت نوعية الحياة من هذه الجوانب أحسن
النوعيات العلاجية لمرضى الكلى المتأخر. وتقدر
حالة المراجعين على المدى الطويل (25 عاما)
بأنها بين الجيد والممتاز في 75% من المرضى. كما تقدر
نوعية الحياة بأنها ممتازة إلى جيدة في 91%
من الأطفال فقد عاشوا أكثر من عشر سنوات
ونسبة تشغيلهم في أعمال تراوحت بين 55 إلى
65% ما بين عمل حرفي إلى عمل جسماني، وتزوج
أكثر من 50% من الأطفال الذين بلغوا، ويعيش
أكثر من 80% منهم حياة جنسية نشطة في حين أن
الحياة الجنسية كانت ضعيفة فيمن فشل فيهم
شتل الكلى. ولا يظهر
أن الحمل يؤثر على مجرى حياة الكلى
المشتولة، مع الإشارة إلى أطفال ناقصي
النمو في 49% من الحالات، وصغار الحجم في 29%
وتشوهات خلقية في 6%. وظل هناك ارتفاع في ضغط
الدم في أكثر من 60% (يرتفع إلى 65-80% في
الأطفال)، وإصابات الجلد (85% عند عشرين
عاما) ومعظمها متعدد ولكنه حميد، وكذلك
سرطان الجلد فهو أكثر انتشارا وذو قدرة
على الغزو، أما مشاكل النمو في الأطفال
فهي معتبرة ويعبر 30% منهم مع البقاء الطويل
عن عدم الرضا، ومما يؤثر على النمو عوامل
مثل العمر الذي يتم فيه الشتل، ومقدار عمل
الكلى، والأدوية الكابتة للمناعة وغيرها
من العوامل الهرمونية وكلها قد تتحسن مع
أدوية جديدة Steroid Spacing CYA? ويركز الباحثون خلال
العقد الحالي على المنع أو السيطرة
الفعالة على الآثار المرضية كهدف رئيسي
والمتمثلة في عدم الانجسام في الأطفال وفي
الشباب ومع ذلك
فإن المحزن هو مقارنة هذه النتائج بما حدث
في أندونيسيا عن وفيات عالية لأسباب
جرثومية، وما يحدث في بلدان العالم الثالث
التي تتشكل فيها شبكات أو مراكز لنقل
الأعضاء وتسود فيها العمليات الفردية أو
الأساليب التجارية. 2 ـ الإنجازات
والتحديات في الغرب كما استخلصها المؤتمر
الدولي الثالث للجمعية الدولية للشراكة
في الأعضاء (39):- وأوضحت
أعمال المؤتمر الدولي الثالث للجمعية
الدولية للشراكة في الأعضاء والمنعقد عام
1996 الحماسة الشديدة التي عبر عنها
المشاركون ببحوثهم من أجل حل مشاكل شتل
الأعضاء في العالم والتخطيط من أجل تخفيف
آلام البشر، وإزالة العقبات التي تقف حجر
عثرة أمام استعمال شتل الأعضاء على نطاق
واسع لعلاج آلاف المنتظرين من المرضى (8) ،
على الوجه التالي: 1 ـ يتوقع أن يكون أهم إنجازات المستقبل
المنظور إيجاد التخصص «المحترف» لوظيفة «منسق»
شتل الأعضاء. 2 ـ تكمن الأهمية القصوى في التعامل بحرارة
فائقة مع الواهب المنتظر، وذلك من أجل
المحافظة على حيوية ووظيفة العضو الموهوب. 3 ـ تساعد الاستفادة من المتبرعين الأحياء
على تقليل النقص الحالي في الأعضاء نظرا
لتفوق العضو الموهوب من واهب حي، بسبب
السرعة في تنفيذ العطاء وقلة المشاكل
الناتجة عن التبريد المطلوب، وتطور تقنية
التبرع بجزء من الكبد، وما يمثله ذلك من
تقدم كبير ساهم في زيادة الحصيلة المتاحة،
حتى بتقسيم الجزء المستأصل إلى قطعتين
واستعماله في مريضين بدلا من مريض واحد!. 4 ـ وفيما يتعلق بالواهب المتوقف القلب، فقد
كان نقص محاليل الحفظ وتخلف وسائط النقل
منذ طبق هذا النظام عام 1960 عقبة في هذا
السبيل. 5 ـ ثم قدم وهب الأعضاء من ميت ذي قلب ينبض
فرصة لحل موفق لنقص مصادر الهبة إثر اتفاق
شبه إجماعي على مفهوم موت المخ، مما يسر
أوسع فرص لنقل كلى الأموات في العالم (وهو
الممارسة القياسية المعتمدة الآن)، كما
فتح الباب أمام زرع الأكباد والقلوب
والرئات والأمعاء، وأحال نقل الأعضاء ممن
توقفت قلوبهم إلى الظل. 6 ـ إلا أن موتى المخ - بقلوب نابضة أو متوقفة -
هم مصدر محدود، مهما اتسع، أمام الإقبال
المنقطع النظير والحاجات المتزايدة من
البشر المرضى، مما حدا إلى الأمل بتحقيق
تقنيات تمكننا من نقل أعضاء أخرى غير
الكلى مثل الكبد ممن توقفت قلوبهم، وذلك
بحلول عام 1997. 7 ـ ويظل تحقيق حلم نقل أعضاء الحيوانات
بعيدا إلى حد ما رغم الاهتمام به كمصدر
رخيص وافر، غير أن الخنزير يقدم لنا مصدرا
غير متوافق للشتل في الإنسان، ويدعو إلى
إعادة النظر في الاستعانة بأعضاء
الحيوانات من الفصيلة الأقرب للإنسان،
فعقبات استغلالها أقل. 8 ـ وقد أبدى المؤتمر اهتماما فائقا بالقضايا
الأخلاقية المحيطة بشتل الأعضاء، والتي
قد تصبح من مشاكل الماضي إذا تم فك أزمة
نقص الأعضاء بتكثيف التعامل مع الواهبين
الذين توقفت قلوبهم، وبحل مشاكل حفظ
الأعضاء وتبريدها، ذلك أن الأزمة الخانقة
أدت إلى جرائم التجارة المحرمة في الأعضاء
بوساطة الوسطاء المنظمين في عصابات بين
مرضى الفشل الكلوي الأغنياء، والواهبين
الفقراء، ومن مرضى أحد مستعمرات الجذام في
الهند الذين تم نقل كلاهم إلى آخرين،
وكذلك تم نقل التهاب الكبد من النوع «ج»،
وحتى مرض الإيدز بعد الجذام، في وجود علاج
لتقليل المناعة مما يفاقم مرض المريض
المتلقي للعضو، وأوضح البعض أن العالم لا
يناقش الآن قضايا أخلاقية لمجتمع مؤدب ذي
خلق، وإنما مجتمع يسوده احتقار الواهب،
والخطر الماحق على صحة المتلقي من جراء
الأمراض المعدية، وهو لا ينتظر ذلك في
مراحل مرضه الأخيرة، وتم اقتراح إنشاء
منظمة بوليسية عالمية مثل الإنتربول يكون
لها علاقة مع محكمة حقوق الإنسان الدولية
في هولندا كلما اقتضى الأمر، وتكونت لذلك
لجنة للتحرك التشريعي على مستوى دولي.(40).-.(41).. وفيما
يتعلق بإنجازات شتل الأعضاء في مختلف
مناطق العالم، توضح الصور الماثلة في آلاف
البحوث المنشورة الجميل العظيم الذي
تسديه إلى الإنسانية، صناعة شتل الأعضاء
المنتشرة في العالم، وإن تراوحت
إنجازاتها بين الدول المتقدمة والنامية.
الجزء الثالث: دراسة مقارنة لمفهوم موت المخ وشتل الأعضاء في العالم
الثالث: أمثلة من آسيا والمكسيك ومصر توضح
أحوال القارة الآسيوية الاختلاف الواسع
في مدى الإنجازات بين مختلف دولها حسب
مستوى المعيشة، ووجود شبكة من الخدمات
الصحية تلبي الاحتياجات الطارئة، وخدمات
العناية المركزة لإصابات ونزيف المخ. أ ـ ومن
الأمثلة على اتباع المنهج العالمي
المتقدم نأخذ السعودية وهونج كونج
وتايوان وإسرائيل. ب ـ ومن الأمثلة على وجود
بعض العوائق الثقافية نستغرق حالة البيان. ج ـ ومن
الأمثلة على الإنجازات البسيطة والمحدودة
نجد تركيا (والمكسيك من أمريكا اللاتينية)
وإندونيسيا والهند ومصر. 1 ـ شتل
الأعضاء في هونج كونج وقد
ابتدأ شتل أول كلوة من ميت من منتصف عام 1970ومن
متبرع عام 1980. 1 ـ وتشير
إحصاءات عام 1994 حول شتل الكلى إلى:
2 ـ أما عن شتل
الكبد فالإحصائيات هي : ـ
3 ـ شتل
القلب في عام 1992: 5 حالات. 4 ـ شتل
الرئتين عام 1995: حالة واحدة. 5 ـ العقبات
أمام شتل الأعضاء: 1 ـ نقص
الحالات من الأموات. 2 ـ حالات شتل الكلى لا تمثل إلا 8% من
الاحتياج مما يبقي الغالبية تحت الغسيل
لمدة غير مقبولة. 3 ـ تعليم
السكان حول المشكلة. 3 ـ شتل
الأعضاء في تايوان: بدأ منذ
عام 1968. 1 ـ الكلى: تم
شتل ألف حالة حتى الآن.
2 ـ الكبد:
منذ عام 1984 - النجاح في 55 حالة من 60-80%. 3 ـ القلب:
منذ عام 1984 - النجاح في 110 حالة 85.7% وأطول
حياة 7 سنوات. 4 ـ الرئة
الواحدة: عام 1991 ومات بعد 6 شهور. 5 ـ البنكرياس:
4 حالات (+ شتل كلى) ونجحت. 6 ـ القلب (+
كلي): حالة واحدة ونجحت. 7 ـ القلب
والرئتين = حالة واحدة ومات. 3 ـ شتل
الأعضاء في اليابان
في عام 1980
وافقت الرابطة الطبية اليابانية على أن
موت المخ هو موت الشخص وأقرت أهمية منح
الأعضاء من مرضى موت المخ وهناك مشروع
قانون في المجلس التشريعي الياباني لم يتم
إقراره بعد. أعداد العاملين في شتل
الأعضاء: 1 ـ الجراحون في نقل الكلى
194. 2 ـ أعضاء
منظمة منسقي شتل الأعضاء
244. 3 ـ اتحاد
ممرضات رعاية الكلى
306. 4 ـ أطباء الحالات الطارئة
218. 5 ـ أعضاء
جمعية جراحة الأعصاب
171. وتم
إيجاد وظيفة منسق شتل الأعضاء ومهماته هي: أ ـ تشجيع انتشار التنوير
حول طب شتل الأعضاء. ب ـ ممارسة تنفيذ وهب
الأعضاء من الواهب وعائلته. ج ـ حسن الممارسة في إتمام
شتل العضو بصورة هادئة وحميدة. د ـ تنسيق عمل كل التخصصات
الطبية المتعلقة بنشاط شتل الأعضاء
والأنسجة. هـ ـ
تعليم المرضى المنتظرين لشتل الأعضاء أو الذين
تلقوا أعضاء والاتصال بعائلاتهم
وبالأطباء المعنيين. كما حدث
الآن تفريع للمنسقين: منسق للوهب ومنسق
للتلقي لتأكيد المساواة في شراكة الأعضاء. 4 ـ شتل
الأعضاء في المملكة العربية السعودية: أ ـ أسباب وفاة المخ في 1363
حالة بين عامي 1986-1995 وأنواع المصابين: ـ
حوادث الطرق 61%. ـ نزيف المخ 13% (61% منهم غير
سعوديين). ب ـ بالرجال 84% (1293 حالة)
والنساء 15.3% (250 حالة حتى عام 1994). ج ـ عمر الواهبين بين 1-77
سنة وتبلغ نسبتهم 23% من جملة عدد حالات
وفاة المخ.
هـ ـ ومن أسباب نجاح
برنامج شتل الأعضاء الأخذ بكثير من الأساليب
العالمية مثل: 1 ـ زيادة
الوعي في وسائل الإعلام ببرامج واسعة. 2 ـ تعيين منسقين لزراعة الأعضاء، إما محليين
(أطباء وممرضات، وأخصائي اجتماعي) في
المستشفيات أو منسقين عالميين من جنسيات
مختلفة. 3 ـ قرار إيجابي من لجنة الفتوى الشرعية
بالموافقة على مبدأ وهب الأعضاء باعتبار
حسنته يرجى حسابها عن الله. وـ حالات فشل الأعضاء في
المملكة العربية السعودية: ـ تبلغ حالات فشل الكلى من
70 إلى 110 حالة في المليون. يقدم
غسيل الكلى لحوالي 4018 حالة في 104 مركز غسيل. زـ وتبلغ حالات هبوط
الكبد 50 حالة في المليون. ـ وكان قد
تم شتل أول كلية عام 1979 خارج السعودية وحدث
الكثير من المشاكل الاجتماعية والطبية،
وكان النقل من أحياء يفي بالاحتياجات، كما
أن النقل من غير الأقارب ممنوع رسميا ودعا
ذلك إلى البحث عن كلى من ميتين. ـ وتحسنت الأحوال بعد
الفتوى بإنشاء شبكة كمبيوتر تنسق بين
مراكز الشتل. ـ يهدف
البرنامج السعودي إلى تشجيع التبرع من
أحياء نظرا لكبر حجم العائلات. 5 ـ شتل
الأعضاء في إسرائيل ـ يبلغ عدد السكان المعلن
5.5 مليون (4.5 يهود، 0.8 مسلمون، 0.2 مسيحيون). ـ وهناك
نظام صحي وطني يقدم إمكانات وخدمات
مجتمعية واسعة، وتغطية صحية شاملة لكل
السكان بما فيها نقل الأعضاء. ـ وقانون موت المخ وشتل
الأعضاء في إسرائيل مثلها مثل القوانين
الغربية.
وينص على أن موت المخ هو الفقد الكامل
وبلا عودة لوظائف المخ، ويتم تحديده
بوساطة اثنين من الأخصائيين لا علاقة لهم
بفريق شتل الأعضاء، ويجرون فحوصا
إكلينيكية بدون فحوص إضافية إلا إذا تطلب
الأمر ذلك. ـ ويتطلب القانون عدم
اعتراض الأهل، والحصول على موافقة واعية Informed consent. ـ كما يمنع القانون
التعويض المالي. ـ وهناك مركز لنقل
الأعضاء يقوم بتقديم الخدمات والمعلومات
وينظر في قوائم الانتظار ويوثق ما تم من
شتل، ويقدم المعلومات للواهبين، وحول
مشاكل الحصول على الأعضاء وحفظها على مدار
24 ساعة يوميا. ـ وقد بلغت نسبة العطاء 9
في المليون من السكان عام 1992 (7.6/م عام 93 ثم
9.4/م عام 1994)، وهي مثل النسبة في اليونان
وأعلى منها في إيطاليا وأقل منها في
إسبانيا وفرنسا وأستراليا. ـ وقد زاد المنح لأعضاء
متعددة من 10% عام 89 إلى 90% عام 1994. ـ وبلغت نسبة حالات
العطاء في إسرائيل ما يلي:
6 ـ شتل الأعضاء في تركيا بدأ منذ
عام 1975 وصدر قانون الحصول على الأعضاء عام
1979، وتم حتى الآن نقل 713 حالة كلى مات منهم
59 حالة في مدة تتراوح بين يومين وأربع
سنوات بعد العملية (بسبب العدوى في 20 حالة -
ورفض الأنسجة 6 - وهبوط الكلى 6 - والسرطان 5 -
وهبوط القلب 5 - ونزيف الأمعاء 3 - وبسبب غير
معروف 1). وبلغت نسبة الأحياء بعد
خمس سنوات:
وهناك
قائمة انتظار طويلة، والحياة الفاعلة
ممكنة مع حسن الشتل عنها في غسيل الكلى. 7 ـ شتل الأعضاء في أندونيسيا:
(عدد السكان 190 مليوناً يعيشون في 13 ألف
جزيرة). ابتدأ
عام 1977 (والقرنية قبلها بكثير عام 1954) -
وسمح القانون الصادر عام 1992 لشتل الأعضاء
وحدد المؤسسات لأطباء ومنع التجارة وترك
التفاصيل لتحددها وزارة الصحة بما فيها
النقل من الحيوان (في المستقبل). وبلغت
حالات نقل القرنية 3073 حالة من سيريلانكا،
358 حالة محلية، 31 حالة من أمريكا، 28 حالة من
هولندا، وحالتين من الهند. وهناك 10
مستشفيات لديها برامج لنقل الكلى ولديها 8
فرق، والمتبرعون فقط من الأحياء وقد فقد
معظم المتلقين الكلى للأسف الشديد بسبب
العدوى الجرثومية (30 حالة في السنة). أما من
أجروها في الخارج فيبلغ 13.3% عاشوا عامين
بعد الزرع. وتتمثل
الصعاب الشديدة في هذه الدولة الإسلامية
الكبيرة جدا في التقاليد السائدة، وشراء
الكلى من الخارج، وارتفاع التكلفة،
والمشاكل التقنية والعدوى. 8 ـ شتل
الأعضاء في الهند منذ عام
1971 تم شتل 15 ألف كلى حتى الآن. وصدر عام
1995 قانون شتل الأعضاء البشرية وتمت
الموافقة على تشخيص موت المخ بأساليب
إكلينيكية. واشترط
الحصول على موافقة مسبقة قبل جمع الأعضاء،
كما وافق على شتل الأعضاء من الأقارب
الأحياء ومن الزوجة بعد موافقة لجنة رسمية. ونص
القانون على المنع الكامل للتجارة،
والسجن من 2-7 سنوات وفرض غرامة مالية على
الوسطاء. تم نقل 4
آلاف حالة كلى من غير الأهل وتوقفت الآن
قانونيا. البداية
في نقل الكلية من الأموات لا تزال متواضعة
(تبلغ حالات حوادث الطرق 48 ألفاً سنويا). ومن
العوامل السلبية اتساع البلاد مع قلة
المراكز وغياب شبكة شاملة والمتوقع أن
يكون إنشاء مراكز متمركزة في الولايات
تكتفي ذاتيا هي السياسة الأوفق في
المستقبل. 9 ـ شتل
الأعضاء في مدينة المكسيك (من أمريكا
اللاتينية):- بدأ عام 1966، وتم في
السبعينات والثمانينات شتل 20-25 في السنة
من أحياء. وفي
التسعينات ابتدأ الجمع من الموتى وتم في
ثلاث سنوات ونصف جمع 120 عضواً ونسيجاً من 24
واهباً. تم شتل 190
كلوة (زادت من 30/ السنة عام 1988 إلى 53/ السنة
عام 91). عاشت
الكلى إلى ما بعد 41 شهرا في 95% عند النقل من
أقرباء، و82% من متبرعين أحياء، و76% من
متوفين. تم شتل
البنكرياس (4 حالات) ولكن (حالة واحدة)
والقلب (7 حالات) والقرنية (40 حالة). ويعاني
برنامج شتل الأعضاء من نقص الإمكانات وضعف
الفرق والتنظيمات والاتجاهات الثقافية
المضادة. ونرى من
كل ذلك أن الدولة التي نجح فيها برنامج شتل
الأعضاء في خارج الدول الغربية تنحصر في
بلدان قليلة في آسيا في مقدمتها المملكة
العربية السعودية والكويت، وهو نجاح
محدود اعتمد على بنية تحتية صحية قوية
وشبكة من وحدات العناية المركزة، وموافقة
شبه مرضية من جانب هيئات الفتوى المحرمة
ومن جانب مؤتمر بداية الحياة الإنسانية
ونهايتها المنعقدة بالكويت عام 1985. 10 ـ شتل
الأعضاء في مصر: ومصر
العزيزة هي قلب العالم العربي والإسلامي
ومناط تدينه السمح وموئل عزته الفكرية
والعلمية ومحط آماله في التوصل إلى حلول
تخدم ملايين العرب والمسلمين وتتفق مع روح
العصر ولا تنبوا عن قيم الحق والكفاءة
والعدل والفضيلة وتمر مصرنا بمزيج من
امتلاك ثروات الأطباء المهرة المتخرجين
والعاملين في كليات الطب الأعرق في
العالم، مع زيادة سكانية تخل بالتوازن
البيئي والتنموي، وكثافة سكانية في
الوادي تعطل انتشار الخدمات وراحة السكان
على الأرض، ودخل متواضع للفرد في حدود 750
إلى ألف دولار في السنة (23 ألف دولار في
الكويت وقطر، 15 ألف دولار في السعودية،
سبعة آلاف في ليبيا، ثلاثة آلاف في العراق
وتونس، 350 دولار في السودان وأقل من ذلك في
الصومال وموريتانيا). كما
تتواضع الميزانيات الصحية في مصر مع جهود
حثيثة للصعود فوق خط الفقر ومحاولة لترشيد
نظام لابأس به للتأمين الصحي على العمالة
عند حدود الخدمات الصحية الأولية وبعض من
احتياجات المستشفيات، وفي وجود شبكة
متواضعة الإمكانات في المستشفيات
الحكومية التي ينقصها الكثير من ناحية ما
فصلناه حول سياسة تخصيص الموارد وحساب
التكلفة في إطار الندرة، كما ابتدأ ينتشر
قطاع خاص طبي نشط لخدمة الطبقة القادرة،
في مصر والعالم العربي وتجمعت في مصر
مشاكل الفشل الكلوي المنتشر، والانتشار
الحديث للفشل الكبدي كحالتين خطيرتين
تحتاجان الكثير من الجهود الوقائية
والعلاجية، وأصبح الآلاف من مرضى الفشل
الكلوي يقفون طوابير على مراكز غسيل الكلى
المثقلة الأعداد والمحدودة الموارد أما
مرضى الكبد فلا غسيل ينقذهم، وهكذا تمثلت
في قضية فشل الأعضاء في مصر صورة لجهود
مشكورة (مثل مركز نقل الكلى بالمنصورة،
بجهد عالم رائد من أبناء مصر هو الدكتور
محمد غنيم)، وجهود فردية لنقل الأعضاء في
المراكز الكبيرة ومستشفيات القطاع الخاص
وفشلها في التوصل إلى حلول مجتمعية واسعة،
وأصبحت مصر مركز قفز لتجار الأعضاء مثلها
مثل الهند والبرازيل، مما لا يتفق مع قدر
مصر الكبير في عالمها العربي والإسلامي،
وتوزعت الأفكار والخطط والطموحات وساحات
الجدل بين سعي حثيث من جانب الأطباء
وأساتذة القانون ورجال الدين المستنيرين
إلى ترشيد سياسة شتل الأعضاء والبدء في
رسم سياسة مجتمعية شاملة تتفق مع روح
العصر وتتغلب على مشاكل ندرة الموارد وبين
تيار محدود من الأطباء الذين أزعجتهم
الصورة المضطربة للتجارة المحرمة في
الأعضاء من الأحياء استغلالا للفقراء
لحساب المقتدرين في غياب الضوابط ودرءا
للمفاسد باستنباط الموانع الشرعية
والقواطع الدينية على أساس شخصي وتحشيدا
لهيئات الفقه والقضاء وتجمهرات الإعلام
المنتشرة. ومن هنا أهمية الندوة الحالية للتبصر في
مختلف الجوانب العلمية والطبية
والأخلاقية والقانونية المحيطة بنسيج ثوب
الحياة والموت، وقد شرحنا في ورقة أخرى
الجوانب الطبية والفلسفية حول الموت،
وأسهبنا في الورقة الحالية في تفاصيل
صناعة شتل الأعضاء في العالم المتقدم
وتحركها البطيء في العالم الثالث،
ونستعرض فيما يلي بعض النقاط الأخلاقية
والمجتمعية والاقتصادية لهذا الموضوع
المهم. الجزء الرابع: ثوب الحياة
والموت من المنظور الفلسفي والاجتماعي
والاقتصادي/ الصحي [وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونــــاء
بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا} (الإسراء:
83). أولا: طبيعة الجدل من
المنظور الفلسفي والفكري والديني: ـ استعرض
كثير من الباحثين بكثير من الجدل والحوار
ما يكتنف لحظة رحيل إنسان، وكنه موته،
والأشكال الانتقالية المتعددة ما بين
الحياة والموت والتي كشفت عن نفسها بتقدم
تقنيات التنفس الصناعي في أساليب رعاية
إصابات الرأس الحرجة بصورة مكثفة، وتركت
لنا مرضى - وقد مُسِح ذكاؤهم وفقد مخهم
الأعلى وظائفه وإن تنفسوا، ومرضى مات مخهم
الأدنى وجذع المخ وبقي كل جسدهم يعمل بلا
نفس ولا عقل ولا يقظة. ـ ومن
الطبيعي أن تتطلع صناعة الطب والجراحة إلى
استبدال الأعضاء التالفة من جسم الإنسان
في نفس الوقت بقطع غيار صناعية، أو بأعضاء
مماثلة محورة من الحيوانات الفقرية
القريبة من جنس الإنسان. وهناك آمال كبيرة، في أن
يحدث تقدم له قيمته في العقود القليلة
القادمة في هذا الصدد. ولكن كل
ذلك لن يسد حاجة البشر المرضى بفشل أي عضو (خلا
المخ في الوقت الراهن) إلى استمرار الحياة
ما ظل فيهم مخ يعمل أو «قلب ينبض». وستستمر
صناعة شتل الأعضاء وتتسع على نطاق واسع
حتى تتكامل مع قطع الغيار الصناعية وشتل
أعضاء الحيوانات إلى الإنسان في منح البشر
فسحة جديدة من الوقت تمد في حياتهم
الفاعلة وحركتهم العاقلة. إلا أن
المهنة الطبية الشريفة - هذه المهنة التي
يكرس أهلها أنفسهم لخدمة الحياة في مواجهة
الموت - كانت تقدم هذه الخدمات من منظور
احترام الحياة وأصحابها بدون أدنى
استهانة بمفهوم الحياة وقيمتها الفضلى،
هذه الهدية الإلهية التي تسمح لكل إنسان
بأن يدرك معنى العيش والإحساس والفهم
والإدراك والشعور. ومن هنا كان الجدل حول مفهوم الموت لكي
نحدد مفهوم الحياة التي نريد لها أن تستمر
سنين. (1) الجدل
الذي بدأه تقرير جامعة هارفارد عام 1968
وبداية الجدل الفلسفي العميق: كانت
جامعة هارفارد عام 1968 قد أوصت بأنه يمكن
استعمال أحد المقومات الذي يقول «بموت كل
المخ» لتقرير الموت في المرضى المعتمدين
على أجهزة التنفس الصناعي، وزودتنا
بتشخيص لتقرير موت المخ بما فيه جذع المخ. ما هي
الأسئلة التي لم تطرحها لجنة هارفارد
وبالتالي لم تقدم إجابة عليها؟ هذه
الأسئلة هي: أ ـ لماذا يكون مريض موت
المخ ميتا؟ ب ـ ولماذا يكون موت المخ
موتا؟ ج ـ ما هي مفاهيم موت
الإنسان وقبض الروح، التي تندرج تحت
استعمال مقوم موت المخ؟ وهكذا
فإن لجنة هارفارد كانت قد افترضت مفهوما
جديدا لموت الإنسان هو موت المخ وحددت
الاختبارات التشخيصية لمقوماته، ولكنها
لم تبرر استعمال هذه المقومات كما أن
الاختبارات الإكلينيكية لم تعكس التوقف
الدائم للوظائف الموجودة في المخ بأجمعه
وإنما قيل إنها تعكس التوقف الدائم لكل
وظائف المخ الضرورية للعمل المترابط
للمخلوق ككل، وأن النشاط الخلوي المتبقي
إن هو إلا بقية لا أهمية لها في تقرير حالة
الحياة والموت، وأن مفهوم موت المخ هكذا
يعكس مفهوما كافيا لموت الإنسان وذلك
بالتوقف الذي لا رجعة فيه لكل الوظائف
المترابطة للإنسان ككل، وأن الترابط بين
جذع المخ والرئتين والقلب ترابط صوري ناتج
عن عمل جهاز التنفس الصناعي، وهكذا فإن
موت المخ هو الموت. ولو لم يكن جهاز التنفس الصناعي يقوم
بعمل جذع المخ لتوقفت الرئتان عن العمل
وتبع ذلك توقف القلب عن الخفقان، ومن هنا
فإن موت المخ هو الفقدان الذي لا رجعة فيه
لوظائف الجسم المترابطة ككل، تماما مثلما
أن التوقف النهائي للوظائف المترابطة
لجذع المخ مع الرئتين والقلب يعتبر كذلك. إلا أن
البعض يعتبر أن الانتقال من اعتبار الحياة
الإنسانية كحقيقة تتمحور حول القلب إلى
اعتبارها تتمحور حول المخ يعتبر انتقالا
كبيرا لا مبرر دينياً أوفلسفيا له في حين
تقبل البعض الآخر إمكانية التعريف
الجديدللموت تحت ظروف التغير التقني. (2) وفي عام 1981 صدر في
الولايات المتحدة القانون الموحد لتقرير
الموت والذي أمكن قبوله لاعترافه
بالمقومات التقليدية للموت، وبمقومات موت
المخ الذي لا يعني تغييرا في مفهوم (الموت)
على أنه الفقدان الذي لا رجعة فيه للوظائف
المخية للكائن البشري. إلا أنه
ليس هناك، ما يدعو إلى التفكير بأن
التعريف الجديد للموت يتطلب منا التخلي عن
اعتبارات الاحترام والتعامل الوقور
المناسب مع جسد الميت. فنحن لن ندفن إنسانا يتنفس تلقائيا أو
جسما مات فيه المخ ولا يزال متصلا بجهاز
التنفس الصناعي. ولهذا
فإن توقف ما تبقى من وظائف القلب النابض
والتنفس سيكون مناسبا من الناحية
الأخلاقية في حالة الغيبوبة الدائمة مثل
إيقاف جهاز التنفس في حالة موت المخ. (3) وقد تواصل الجدل لصيقا
بموضوع القلب النابض وأهميته في اعتبار
الإنسان حيا، وبالموقف «الاختزالي»
للمنادين بموت الإنسان إذا مات مخه، هذا
الاختزال المخل بالحياة الإنسانية، وشرح
ذلك مارتن ايفانز كما يلي (19): أ ـ إذا
كان تعريف الموت لصيقاً في الموقف
التقليدي بتوقف آخر نبضة للقلب، إذا فإن
إنكار النبض لأي شخص يعني إنكار حياته (وهذا
غير معقول في كل حال)، كما أن القلب النابض
يعبر بصورة عملية واقعية عن حياة صاحبه. وإذا كان
من ينبض قلبه قد اعتبر - بموت مخه - ميتا،
فلماذا لا ندفنه قبل توقف قلبه؟ وكل ذلك
يشير إلى «استرخاص» قيمة حياة الإنسان،
والاجتراء بأعمال تعتبر من «السوابق
الخطيرة»، وتؤدي إلى فقدان العاملين في
الرعاية الصحية (للمريض الذي مات مخه ولا
يزال قلبه ينبض واعتبر ميتا) - للوازع
الأخلاقي، وفقدان الخدمة الطبية لقيمها
التي نذرت نفسها لها. ب ـ كما اتهم آخرون من
ينادي باعتبار موت المخ موتا بالاختزالية Reductuionism إذ أن أنصار موت المخ يؤكدون على أنه مهما
كان مفهوم «النفس» أو «الشخص» فإن أحد
الملامح المعترف بضرورتها لكي يصبح إنسان
ما «شخصا» Person هو وجود طاقة اليقظة capacity for Consciousness. فإذا فقد إنسان ما يقظته
بصورة دائمة كما يحدث في موت المخ فإن
الشخص أصبح غير موجود.. أي أن
الشخص أصبح ميتا، وإننا نظن إنسانا قد مات
- لا لفقدان طاقة اليقظة، ولكن ببساطة لأنه
أصبح غير موجود، أي عندما يتوقف قلبه
وتنفسه ويبرد جسمه ويزرق.. فأنا لا أبكي «شخص الميت» وإنما «أبكيه
هو» فقد يفقد الإنسان شخصيته ويبقى في
حياة نباتية Vegitative State فترة طويلة، ولا يموت... ومهما تغيرت علاقتنا به، فهو لا يكون قد
مات، وطالما تنفس وظل أحمر اللون وبه دورة
دموية فلا يمكن أن نرخص بوفاته. وأضافوا
أن الطريقة الوحيدة للمصالحة بين المفهوم
«القلبي» للموت وبين موت المخ مع شتل
القلب النابض، هو أن نعترف بأننا نشتل
الأعضاء الحيوية.. لا ممن ماتوا WHO ARE DEAD بل ممن يعانون الموت who are dying كما يرون
أن مفهوم الموت متعدد الجوانب، وتحديد ما
يعنيه الموت ربما كان مهمة لا طائل من
ورائها، ويجب أن نأخذ كمرشد لنا في تعريف
الموت - الخبرات اليومية عن الموت
والمشتركة في ثقافة معينة، فإن الطريقة
التي نرى بها الأشياء ونفعلها بها تعبر عن
قناعتنا الخلقية التي هي بعيدة عن
حساباتنا المنطقية أو تفسيراتنا. ج) ويرد المتحمسون لمفهوم
موت المخ باعتباره الموت «الحقيقي» Real
Death بالآتي:
(20). 1 ـ إذا كان القلب بهذه الأهمية فإن الإنسان
الذي دفن بعد أخذ قلبه منه وشتله في آخر،
قد يعتبر من جانب البعض ما زال يعيش عن
طريق قلبه المنقول، في حين أن الآخر الذي
فقد (حياته) بدفن قلبه المريض، لم يمنعه
هذا الفقد (الموت) - لحسن حظه من التجول في
الحياة الدنيا في سعادة بعد أن تلقى قلبا
آخر! 2 ـ وزاد على
ذلك كله ديفيد لامب بأن أوضح أن المخ في
حياة صاحبه كان ضروريا لاستمرار الحياة،
وبمخ ميت «فليس هناك حياة». وهذه قد
يسميها البعض النظرة الضرورية Essentialism ولكنها ليست نظرة
اختزالية تشير إلى (أن الشخص هو مخ)، أو أن
جذع المخ هو كل شيء بالنسبة للحياة). فمقومات الموت المتعلقة بالمخ تكون
اختزالية إذا نحن أصررنا على أن الإنسان «ليس
أكثر من مخه». وبالطبع
فهناك الكثير بالإضافة إلى المخ بالنسبة
للشخص، إلا أننا حين نقول «إن الإنسان لن
يكون إذا لم يوهب مخا يعمل «ليس كما نقول»
أن الإنسان هو مخه «فالإنسان لا يكون بغير
رأس، ولكننا لا نقول أن الإنسان هو رأسه،
وليس هناك شيء في مقومات الموت المتعلقة
بموت المخ يشير إلى الارتهان للاختزالية». 3 ـ ويجادل المدافعون عن موت جذع المخ بأن
فقدان وظيفة جذع المخ مفهوم «ضروري» و«كافٍ»
للموت، من ناحية أنه يتضمن عدم القدرة على
الترابط للكائن البشري ككل INTEGRATION وذلك أن الاختبارات التي
نجريها لفحص وظائف المخ، لتقرير فقدان
المخ لوظيفته بلا رجعة، تعتبر مطلبا أكبر
بكثير وأكثر دقة من مجرد توقف نبضات
القلب، فهذه الفحوص لا تبحث عن توقف وظيفة
عضو، ولكنها تشير إلى النقطة التي عندها
لا يعود الإنسان يعمل «كوحدة بيولوجية
مترابطة». 4 ـ وكذلك فإنه بالاعتماد على الحرارة ولون
الجسم الأحمر وسريان الدم، لا يمكن
استمرار الحياة تلقائيا، ولا يمكن العودة
مرة أخرى إلى حياة تلقائية. 5 ـ ويؤكد لامب أن الكلام عن الطريقة التي نرى
بها الأشياء على أنها تعبر عن قناعاتنا
الخلقية والدينية بعيدا عن حساباتنا
المنطقية تعني أننا نتساءل: لماذا نبحث
ونفكر ما دمنا نعتقد؟ كما يوضح أن
التكنولوجيات الحديثة للطب قد أوجدت مشاكل «أخلاقية» لا يمكن حلها بالالتجاء
إلى المعتقدات. (3) طبيعة
الجدل من المنظور الفكري (21): لبست ثوب
العيش لم أستشر وحرت فيه
بين شتى الفكر وسوف انضو الثوب عني ولست أدري
لماذا جئت.. أين المفر (شعر عمر
الخيام - ترجمة أحمد رامي) لقد
احتدم الجدل حول تعريف الموت في السبعينات
والثمانينات في الغرب، وطالت أمواجه
شواطئنا في العالم الإسلامي عام 1985 ثم
أخذت دوامات هذا الجدل تلفنا منذ سنوات
قلائل وتكاد تغرقنا بدون أن نتماسك في
مواقفنا. وقد
ابتدأ الجدل في مستويات ثلاثة: 1 ـ مستوى
المفاهيم أو التعريفات. 2 ـ مستوى
المقومات للمفهوم الذي ترسو عليه
قناعاتنا. 3 ـ مستوى
التشخيص الطبي الذي تتأكد به المقومات
ويتدعم خيارنا للمفهوم. أ ـ وتحدث المعتقدات
الدينية والفلسفية آثارها عند المستوى
الأول.. مستوى
المفاهيم. وهنا تدور الإجابة حول
الفقدان الذي لا رجعة فيه لهذا الشيء الذي
يتميز بالأهمية الأساسية بالنسبة للطبيعة
المميزة للإنسان على أنه نسيج وحده ماديا
وجسمانيا، أو على أنه سبيكة مادية ذهنية
أو كائن روحاني أساسا وإن كان متضمنا في
جسد. والاختيار
الذي سنقع عليه فيما هو ذو مغزى رئيسي في
نظرنا بالنسبة للإنسان - بحيث يشكل غياب
ذلك موتا - يمكن أن يحدد تعريفنا للموت أي
مفهومنا عنه. ب ـ وسيلي
ذلك رسم إطار عمل للمقومات التي نستعملها
لتقرير حدوث الموت كما نفهمه. فبينما تعتمد المقومات التقليدية مثلا
على وظيفة القلب والرئتين - مما يوحي أن
ملامح الإنسان ذات المغزى الخاص هي عمل
الدورة الدموية والتنفس، فإن مقومات موت
المخ تعمل في الترابط الوظيفي للكائن
البشري من ناحية والوعي أو اليقظة من
ناحية أخرى. ج ـ أما
على المستوى التشخيصي فالاختبارات الطبية
المستعملة هي لتقرير أن الفشل الوظيفي -
والذي تم تحديده كمقومات للموت - قد حدث
فعلا. وتتم هذه الاختبارات بوساطة الأطباء
لتقرير ما إذا كان قد تم الوفاء بمقومات
الموت فأصبح من الواجب إعلان حدوثه. والمقومات
بدون اختبارات لا فائدة منها، وبدون
مفاهيم فإنه ينقصها المبرر لوجودها. وهكذا
فإن المهمة الفلسفية الدينية لبناء مفهوم
أو تعريف لموت الإنسان هي التي تحتل موقعا
مركزيا لتطوير المقومات الكافية لتقرير
الموت. وعلى سبيل المثال إذا نحن استعملنا مقوم
موت المخ لتقرير موت الإنسان، فبدون وجود
إجابة متفق عليها للسؤال المهم: لماذا
كانت الحالة التي تم تعريفها بواسطة هذا
المقوم - والذي هو موت المخ - يمكن اعتبارها
موتا لهذا الإنسان؟ فلن يكون للمقوم قيمة. وللإجابة
على ذلك فإن التفكير المعتقدي أو الفلسفي
سيأخذ في الاعتبار ماهية الإنسان،
وإشكالية الصفات الجوهرية للكائن البشري. د ـ وكل
ذلك مطلوب لعرض الاحتمالات الدينية
والفلسفية والتداخل بينها وبين
الأخلاقيات الطبية وتحديد الاعتبارات
المتعلقة بتكوين الرأي العام والموت
عملية بيولوجية (حيوية) ولا يحدث القطع في
حياة الإنسان كاملا حتى يحدث التعفن
ويحتاج الناس إلى تقرير: متى - في مسار
عملية التعفن - يمكن إعلان أن إنسانا ما قد
مات؟ ولذلك يجب أن يقرر هؤلاء الناس أي
الوظائف لها هذه الأهمية الضرورية لحياة الإنسان، والتي يعني توقفها الدائم
موتا. (2)وقبل
التقدم التقني اعتمد الإنسان بثقافته على
المشترك بين الإنسان وفصائل الحيوانات
الأخرى ذلك أن
سريان الدم والتنفس كانا يمكن التنبؤ بهما. وهكذا
أصبح للوقف الدائم لوظائف القلب والتنفس
هو المقوم المستعمل لتقرير وفاة إنسان ما. وصمد هذا المقوم التقليدي لاختبار القرون
بدون سبب لتغييره في غياب تكنولوجيا
مساندة الحياة المتوافرة حاليا. ومع ذلك فإن اختيار المقوم التقليدي كان
كثيرا ما يتم فيه فرض القيم على الحقائق
البيولوجية، أي أنه قرار محمل بمعتقدات
رئيسة هي الأساس الفلسفي الديني الذي نقوم
بموجبه بتشريح البيانات البيولوجية
ونقسمها إلى (حياة) وإلى (موت). وتشكل
هذه الافتراضات مفهوماتنا الرئيسة، وتعمل
كإطار غير مرئي، نستطيع من خلاله أن نرى
الحقائق وأن نقيمها وأن نحورها وهذا
الإطار يتم تلقينه خلال المدى الواسع
للعمليات الاجتماعية التي تستعملها
الجماعة لتشكيل أفرادها، وتنظيم واستقرار
خبراتها. ومن المعروف أن المعتقدات عميقة الجذور
وبراجماتية ويمكن تضبيطها واقتباسها أو
الاجتهاد حولها أو حتى الاستغناء عنها
عندما تسبب اضطرابا شخصيا أو اجتماعيا أو
عندما تتوقف عن أن تكون مفيدة أو معقولة أو
حين تصبح لغواً كهذا اللغو الحادث حين
تغيرت قدراتنا على إنعاش ومساندة الإنسان
في حالة الغيبوبة. (3)أما وجهة
النظر المادية حول النفس فتعتبر الإنسان
ماهية مادية كاملة بلا روح وأن هدف هذه
الحياة أن يعيش المرء حياته كما هي بصورة
جيدة وألا يجزع من الموت لأنه نهاية
التجربة وليس معاناة. وليس هناك حياة أبدية
للأرواح. ويتحلل الجسم إلى طبيعته المادية من حيث
نشأ، كما يمثل الموت علاقة لنهاية الوعي
وبالتالي لموت النفس. وتوقف
الوعي في حد ذاته يعتبر موتا سواء استمر
الجسم في العمل بطريقة مترابطة أم لم
يستمر. كما يعتبر بعضهم الموت نهاية مطلقة لوعي
النفس ويوجهون الشخص لأهمية التحلي
بالشجاعة إزاء الموت الذي لا مفر منه،
وعلى الشخص أن يتعامل مع كل لحظة من لحظات
الحياة على أنها فرصة خلاقة، وبالتالي
تصبح ضرورة الموت هي الدافع النشيط إلى
الطريق الذي تسلكه الحياة التي لها مغزى. 4 ـ أما
الوجودية فتعتبر أن حتمية الموت تؤدي إلى
حياة إنسانية تافهة لا معنى لها، وأن
الموت - بدلا من أن ينشر مغزى في الحياة
والتزاما أملا في مكابدة العيش - فإنه يوضح
تفاهة السعي الإنساني، وليس هناك قيمة
موضوعية يمكن أن يوجه إليها السعي في
الحياة، والأشخاص في سعيهم يحاولون تحقيق
قيمة شخصية، وكل سعي لا محالة بغير قيمة. وطالما كان الموت نهاية للنفس فليس هناك
ما يمكن التحضير له بعد الوجود المادي
والوعي الذي يسانده هذا الوجود. (4) الجدل
على المستوى الديني: (22-27) 1 ـ يبين لنا موقف الإسلام الواضح من العمل «أن
ليس للإنسان إلا ما سعى» وأن سعيه سوف يرى،
والمثل المصري الدارج يقول (اسعى يا عبد
وأنا أسعى معاك) فالله تعالى يأمرنا أن
سيروا في مناكبها وإليه النشور، وأن لا
بأس علينا من حب الحياة لكي نعمر الأرض
التي لا يحب الله لعباده أن يسعوا فيها
بفساد، أي أنه علينا أن نبقيها جميلة كما
خلقها «والله لا يحب الفساد». 2 ـ وتشير الآية الكريمة {ما خلقت الجن والإنس
إلا ليعبدون} إلى أن العبادة من عناصرها
عمل الصالحات قرين الإيمان، وعمل
الصالحات معناه تحسين الحياة لنا
وللآخرين، {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم
ورسوله والمؤمنون}. وهي إن شئنا فلسفة هدفها العبادة والسعي. وهل نسعى أكثر ونعبد أقدر إلا بجسم سليم؟
فالسعي يمشي على قدمين، والفلسفة
الإسلامية تتوجه إلى إتقان العمل أي حب
الدنيا التي فيها العمل، وإصلاح الأداء في
الدنيا أملا في دوام السعادة في الآخرة
بعد إفلات الروح من الموت. ودوام السعادة هي الشباب الدائم. ولا يعني قصد المولى من خلقه للبشر
ليعبدوه أن يقتصر البشر على العبادة في
الحياة فالعبادة قرين الاستخلاف
والإعمار، والعمل الذي يشغل حياة
المسلمين، بدون عكوف طويل وعزلة في
الأديرة. 4 ـ فالفلسفة الإسلامية هي فلسفة نضرة مبتهجة
متفائلة راجية طامعة في العفو والمغفرة (لكل
الذنوب إلا أن يشرك به) ولا بد هكذا من أن
ندمج هذه الفلسفة الإيجابية في نظرتنا إلى
نسيج ثوب الحياة والموت. هذا الثوب الذي نلبسه على وجه ويتلبسنا
على وجهه الآخر. والمسلمون
أوغلوا في موضوع «الروح» برفق، وركزوا على
ما يجري عليها من قدر الله عقابا أو ثوابا،
وتأدبوا في الحديث عن كنهها، ولم يناقشوا
من «الموت» إلا ما ظهر في بعض حالاته حثا
على الإتقان في الأداء الدنيوي ونهيا عن
المعاصي، وناقشوا من «القلب» ما يتعلق
بالتقوى التي تقود إلى العمل الصالح صونا
لمصالح الفرد والناس. واستقر رأي الفقهاء والمعاصرين على أن كل
المعنويات الدينية «التي وقرت في القلب»
قصد بها العقل ومركزه المخ وما انشغال
القلب وانفعاله إلا انعكاسا للتدبر
والتأثر العقلي، ولا يمكن أن نعزوهما إلى
القلب التشريحي الذي ينبض. 5 ـ وناقش
البعض من الأطباء المتفقهين موقف الإسلام
من التدخل في الجسم البشري من زاوية فكرية
أشبه بالتمسك الفرعوني بالجسد لتحل فيه
الروح بعد عودتها، إلا أن الموقف الإسلامي
الصحيح من علاقة الجسد بالروح في الآخرة
متروكة طبيعته للتصرف الإلهي ينفذه كيف
شاء. فلن يبقى جثمان في تربة
فترة طويلة إلا في ظروف المناطق المتجمدة
الجليدية، وسرعان ما يتحول معظم الجثمان
إلى الجراثيم، وتتشربه قشرة الأرض التي
تدور فيها دورة واسعة بين أجساد الإنسان
والحيوان والنبات وبينها وبين الأرض
والجو والبحر. والله
وحده قادر على جمع جسد الإنسان، يجمع
عظامه ويسوي بنانه كيف شاء وكل ذلك رهن
إرادة إلهية تعلو على مدارك البشر. 6 ـ وفيما يتعلق بالدفن فإن التكريم الإسلامي
رفيع المنزلة للجثمان إذا كانت ظروف الموت
عادية، فنحن نغسل موتانا ونضمخهم ونصلي
عليهم ونودعهم ونوسدهم قبورهم ونحوطهم
بالدعاء وطلب المغفرة. لكن
تاريخ الجهاد الإسلامي مليء بالمعارك
الضارية عبر فتوحات استمرت قرونا،
واستعصى فيها الدفن المنظم أو التعرف على
الأشلاء بين الكر والفر. كما أن تاريخ الصراع على الملك العضوض سمح
بصور من جور الحكام وتدافع الأبناء على
سلطة الآباء لا تبعث على الرضا عن مصير
الجثث لمن هزم في انقلابات القصور ومعارك
الملك. وما يدور
في شتل الأعضاء عمل نظيف الأسلوب والقصد،
إذا ما قورن بتاريخ الصراع الدموي في
عالمنا المسكين منذ الفتنة الكبرى في صدر
الإسلام وحتى الفتنة العظمى في أفغانستان. وإذا استعرض البعض كيف نظم المجتمع
الغربي أساليب احترام الإنسان في العناية
المركزة وما يحظى به من حدب وسهر وتعب، ثم
العناية بأهله، وعناية المريض نفسه - قبل
أن يصاب - بالتبرع بأعضائه تواصلا مع مصلحة
مجتمعه وناسه وشعبه، وعناية الأطباء في
مهنة شتل الأعضاء بعواطف الأهل ودماثتهم
في التعامل معهم، والإمكانيات التي
خصصوها لراحتهم ولإعلامهم بحالة مرضهم
فنحن واثقون من خجله إزاء ما يتم من
ممارسات في عالمنا الإسلامي مع مرضى
الحوادث، وإزاء غياب أي عناية مركزة تذكر
بمعناها الغربي المعاصر في طول البلاد
الإسلامية وعرضها. 7 ـ أما عن الفكرة التي تطرح عن استرداد الله
تعالى لوديعته (الجثمان بعد الموت) فقد
أوضح كثير من الفقهاء المرموقين أن
التعامل مع الجثمان في إطار الممارسات
الطبية التي أقرتها مجالس أهل الاختصاص،
سواء كانت للتشريح أو لوهب الأعضاء في
ظروف طبية محكمة، هو أبعد ما يكون عن العبث
بالجثمان أو التصرف في الوديعة. وإذا نقلنا كلوة من ميت
إلى حي، فأين ستختفي هذه الوديعة في نهاية
الأمر؟ إن مصيرها الحتمي إلى الموت بعد
سنوات. 8 ـ ولنا جميعا الحق - كل طبيب يعيش في دار
الإسلام - أن نهلع مما يتم في سوق نخاسة
الأعضاء وما أحاط بها من جرائم يتصدى لها
المجتمع الدولي الآن. إلا أن المصدر الرئيسي سيظل هو الاستقطاب
الشديد بين الغني والفقر في المجتمعات
الإسلامية، بدون مظلة من الخدمات الصحية،
وبدون أرضية من التنمية الشاملة. ونزعم أن
الامتناع عن ممارسة شتل الأعضاء لن يوقف
التجارة المحرمة وإنما سيحولها إلى مصارف
بديلة، كما أنه ليس بمقدور شعوبنا تأجيل
علاج حالات فشل الأعضاء. ذلك أن الجسم السليم كله - بما له من قيمة
يتعرض للموت بسبب فشل عضو واحد. وشاءت الإرادة الإلهية أن تمنحنا
الوسائل لاستبداله، مما يعتبر تكريما
للحياة الكلية وإن ظهر للبعض على أنه شرخ
في جدار الجسد الميت. 9 ـ وماذا تفعل المهنة الطبية بإنجازاتها
التي يحبها الناس ويحترمونها ويقبلون
عليها، فتبعث فيهم أحاسيس المروءة
والنخوة ونجدة الغير والتضحية بالنفس
والإيثار؟ وكم دعا الصحابة للنبي الكريم
قائلين «بأبي أنت وأمي يا رسول الله». 10 ـ إلا أنه يلزم توافر الشروط لتتم ممارسات
كريمة على أسس علمية محكمة وعلى أسس
اجتماعية عادلة في مسألة شتل الأعضاء. وباب العمل الصالح في عالمنا الإسلامي
مفتوح لإنجاز ذلك بصورة أحسن، وعمل أرحب،
ومجتمعات أنظم وأوعى، وإتقان أكبر،
وتكلفة أقل، ورحمة أتم. ولا يزال بيننا وبين العمل الصالح خرط
القتاد.. والكثير من الجدل!! . ثانيا:
طبيعة
الجدل من المنظور الاجتماعي والاقتصادي
والصحي القضايا
الأخلاقية والاجتماعية المحيطة بشتل
الأعضاء من زاوية المجتمع، في العالم
الثالث - ومنه عالمنا الإسلامي خاصة -
وأخلاقيات الندرة والتضحية: (43) لقد
أوجدت بعض الموضوعات الطبية المعاصرة
إشكالات فكرية وخلقية وحياتية واقتصادية
للعالم الثالث. فشتل الأعضاء - مثل العلاج الجينيي - هو من
مشاغل الدول المتقدمة، وقد لا يمثل «أولوية»
في اهتمامات الدول التي تحاول النمو (أو «المعاقة
النمو» Economically Handicapped.(44).)
وبتحول الكرة الأرضية إلى قرية كوكبية
اندفعت أمواج عاتية من مشاكل العلم
المتقدم وأساليبه في التأقلم الاجتماعي
والحلول التي يطرحها للمشاكل الجديدة
لتضرب شواطئنا الساكنة والتي تحيط
ببحيرتنا الراكدة منذ قرون. 1 ـ فأطباؤنا
ومؤسساتنا الطبية تشربوا النهج الغربي في
العمل والعلوم الطبيبة وتلبسوا بالروح
الغربية، «والأخلاقيات» الطبية الغربية،
ولم تتكون لديهم مناهج تنموية (اقتصادية مجتمعية Socio Economic)? أخلاقية/طبية Bioethical تتعمق في مشاكل عالمنا،
واختلطت فينا كأطباء - وكمرضى وكمجتمع -
قيم العدل الفردي بالعدل القانوني بالعدل
الاجتماعي. ويدرس علم الأخلاق الطبية Bioethics - الذي لا ندرسه - المشاكل
الناجمة عن اتساق القيم الطبية في تداخلها
مع مشاكل التقدم التقني المعاصر، ويوضح
هذا العلم أن القيم التي كانت تمثل إطارا
للمجتمع منذ سنوات قلائل أخذت تتبدل،
وأصبحت الأخلاقيات شيئا متحركا لا ساكنا،
وخاصة مع التغيرات الواسعة في نظم الرعاية
الصحية في الخمسين عاما الماضية، وقد حدث
ذلك نتيجة الانفجار في المعلومات الطبية
الذي أدى إلى فهم أعمق للمرض واختلال
الوظائف - ونتيجة للتقدم التقني الهائل
وخاصة في مجال التشخيص وبالأخص في مجال
الأشعة الكمبيوترية المقطعية وبالرنين
المغناطيسي وباستعمال المحقونات الذرية. وأدى ذلك
إلى وعي متزايد للمجتمعات الغنية
والفقيرة بمسائل الصحة والمرض. وإلى وضع الإنسان في مواجهة مصيره حتى
النهاية بحيث ألقى على عاتقه اتخاذ قرارات
مصيرية على البرزخ بين الحياة والموت
وكذلك تحول الطب في نظر العامة من مهنة
مبجلة إلى إدارة عمل Business غير شخصي في أحيان كثيرة مع تكنولوجيا
متطورة، وتحول الطبيب إلى شخص يورد لنا
حقائق علمية باردة وتقنية عالية القدرة
والتدريب، وبعد أن كان رؤوفا وإنسانا -
أصبح مشغولا ومتباعدا ومحايدا. 2 ـ وأدت التقنيات الجديدة، مثل شتل الأعضاء،
إلى إعادة تقييم للقيم وإلى إحداث تطور
كبير يتطلب قدراً أكبر من التفهم
والاستيعاب من جانبنا كمسلمين، نحن الذين
تعودنا على احترام (كيان) الجسم البشري
كوحدة متكاملة، نلم أعضاءه مهما تفرقت،
ونغسله ونضمخه عندما يتوثق الموت منه،
ونحيط جثمانه بأنفسنا مرفوعا على
كواهلنا، ونوسده متماسكا ونكرمه بدفنه
مصحوبا بالعبرات مشفوعا بالدعاء والتأسي
والعبرة. ومن هنا
فقد صدمتنا التقنيات الجديدة التي توزع
أعضاء الجسم بعيدا عن (شخصها).... عن صاحبها .. عن
مستودع روحها المستقرة في أعماق وجداننا
الديني... بل
وجداننا العقيدي الذي سبق الإسلام بخمسين
قرنا عكف فيها الإنسان في مصر على تحنيط
الجثمان وإيداعه في هرم منيف لتلتقي فيه
الروح بعد رحلتها الطويلة إلى السماء في
مراكب الشمس. 3 ـ ولا غرو في أن يرتفع منا الصوت بالجدل
الحميم والحماس المتدفق والتساند على ما
نقدس من نصوص، والاستجارة بالله تعالى
وبالسلطات وبالقضاء وبجماهير الناس عندما
تصطدم قناعاتنا الثابتة بجبال
الثلج المتحركة في محيط التقدم الطبي،
وكذلك فقد ساعدت وسائل الاعلام على الخروج
بالمواضيع المتعلقة بشتل الأعضاء قبل أن
تنضج أولا في المجالس الطبية والاجتماعات
والمجلات العلمية وبالتسابق إلى باحة
الجمهور المندهش في عالمنا الثالث والذي
لم يختبر من قبل ولم يتعود على الاستماع
والمشاركة بدون انفعال وانحياز ورأي مسبق
- لا ينتوي تبديله أصلا - قبل أن يبدأ أي
نقاش، وهكذا نستبدل لغة البحوث بصنعة
البلاغة الفارقة، وجدل العلم البارد
المحدد برحابة الاقتباس الديني وتعبيره
العميم المحيط، واحتمالات الشك المنهجي
المؤدي إلى التغيير عند الاقتناع العلمي
بموثوقية الثبات الديني قبل المناقشة،
واستبدال الرغبة في تفهم الحقائق الجديدة
بجمع الأنصار للتحزب لما وقر في القلب،
وأصبحنا نفضل الانتصار في ساحة الكلام على
قبول التغييرات الخطيرة وتحمل التبعات
الجسام. 4 ـ ومن
ناحية أخرى فقد أصبح الحق في حصول (الجميع)
على الخدمات الطبية الأساسية وما يتوصل
إليه الطب في نفس الأهمية الحيوية للحصول
على التعليم الأساسي وتوافر العدل والأمن
العام. وبدلا من حل المشاكل الصحية عن طريق
الأطباء المتخصصين أصبح الأمر في حاجة إلى
الخبراء في الاقتصاديات الصحية، وأصبح
حتى الطبيب المتخرج حديثا يحسب أولا ثمن
العلاج وأهمية عدم التفريط في مصادر
التمويل. 5 ـ وظهرت (مجموعات ضغط) أو مراكز قوى تحاول
الاستفادة من مصادر التمويل الصحي
وتحويلها من الأفقر إلى الأغنى وزاحم
المحامون وخبراء التأمين الأطباء سباقا
نحو المرضى. 6 ـ ولقد قيل إن القيم الرئيسة الطبية هي ست
قيم: وصول الناس إلى الخدمات الطبية
الكافية، وكفاءتها، والمساواة في نصيب كل
فرد منها، والإنسانية في تداولها،
واستعمال أعلى مستوى تقني، واستقلالية
الطبيب والمريض كليهما. وفي أغنى البلدان لا يمكن الحصول على كل
هذه الأشياء سويا،.(45). وبالتالي فلن يمكن
تنظيمها معا في العالم المعاق نموه Economically Handicapped World والذي
يسمونه العالم الثالث ويعم جزءا كبيرا من
عالمنا، وحتى الهدف الأول - الحصول على
الخدمات الصحية الكافية - لا يمكن تحقيقه،
حتى لو وضعت هيئة الصحة العالمية قالب
السكر في أفواهنا منذ عام 1978 حين أعلنت
هدفها: «الصحة للجميع بحلول عام 2000»
وليتها قالت ذلك بحلول عام 4000!! وحتى في
كندا يتم إنفاق 26% من الموارد الصحية على 6%
من السكان... ولم يتوصل نظام طبي إلى تقديم خدمات صحية،
يسهل الحصول عليها، وبسعر رخيص لكل إنسان يحتاجها، مع منح حرية
الاختيار للمريض وطبيبه المعالج في نفس
الوقت! . ومع ذلك
فالتكلفة الأعلى ربما لا تعني خدمات صحية
أرقى للمجتمع، إذ تنفق اليابان نصف إنفاق
الولايات المتحدة الأمريكية وعند اليابان
عمر متوقع أطول (78 عاماً إلى 75) ووفيات
الأطفال أقل كثيرا (5 في الألف من المواليد
الأحياء بالمقارنة بعشرة) ويبلغ الإنفاق
على الخدمات الصحية للفرد في عام 1990 ما
مقداره 2566 دولارا في الولايات المتحدة عام
1990 زاد إلى 3380 دولاراً عام 93 بمجموع 900
مليار دولار في الولايات المتحدة، 1770 في
كندا، 1233 في السويد،
972 في بريطانيا، 915 دولاراً في اليابان،
فما هي مخصصاتنا المالية للخدمات الصحية
في مختلف بلداننا الإسلامية؟. إنها
شديدة التواضع أو متدنية أو غير موجودة
أصلا!! 7 ـ وفي العالم الثالث تتجمع
الخدمات والتقنيات في المدن الكبيرة
بعيدا عن الأرياف. ويمتلك
أي مجتمع موارده، ويتمنى وجود نظام
لتخصيصها، وذلك مسؤولية الهيئات الصحية،
لكي تتقاسم المجتمعات (الخيرات المشتركة)
بما فيها الحصول على الخدمات الصحية
الأساسية. ويؤدي الارتفاع الكبير في تكلفة النفقات
الحديثة إلى إفادة قلة مختارة من هذه
الموارد وحرمان الكثير من وسائل منع المرض
والتشخيص والعلاج، فما بالنا بمهمة جليلة
كشتل الأعضاء، مما يخل بمبدأ التوزيع
العادل الملتزم من قبل المجتمع إزاء
أفراده. وأصبح تقييم البرامج
الصحية مكونا مهماً من بحوث الخدمات
الصحية وتحليلاتها الرياضية والاقتصادية
عند الكثير ولم يصبح عندنا هذا الأمر كذلك
بعد. ومجتمعنا
الإسلامي (الفقير) يشكل جزءاً أساسيا من
الدول النامية التي تغطي ثلثي وجه البسيطة
(4 مليار إنسان يمثلون ثلاث أرباع البشر)
وتتمثل إعاقته التنموية في الفقر وقلة
الحيلة والتبديد وانعدام العدل، ويتدنى
الإنفاق الصحي في أفريقيا جنوب الصحراء
إلى 50% من إنفاق أمريكا اللاتينية، 30% من
إنفاق الدول الآسيوية. 8 ـ وفي الثمانينات - عقد
الأزمات - انخفض الإنفاق على الصحة في 37 من
أفقر الدول في العالم بمقدار 50% عما كان
عليه من قبل، وتحولت جهود محدودة جدا أصلا
إلى مواجهة الايدز في البلدان الفقيرة،
وأحيانا ليس هناك مخصصات صحية على الاطلاق. إذ تنفق
الأموال على سلع الاستهلاك وإصلاح الطرق
والمشتريات العسكرية. أما الأدوية المشتراة من أموال دافعي
الضرائب فلا يشتريها إلا القادرون في
المجتمع الفقير. وقد أدى التكيف الهيكلي
الذي نصح به البنك الدولي إلى الدخول في
سياسة إلغاء الدعم الحكومي على سلع الغذاء
الأساسية والأدوية وكتب المدارس وتقليص
التوظيف الحكومي، وانحدار قيمة العملة
المحلية والتحول إلى تجميع العملة
الأجنبية من خلال تقليل الواردات وتشجيع
الصادرات وزيادة أسعار الأدوية المستوردة
وهكذا. في المدى
القصير حدث اهتمام بصحة الاقتصاد وانصراف
عن صحة المجتمع. وواجهت الحكومات في العالم النامي ضرورة
إصدار قرارات مؤلمة في محاولة لتخصيص
الموارد للقائمة الكبيرة لمختلف الحاجات
التنموية. ويحدث كل ذلك في غياب قاعدة صناعية قوية
تمتص البطالة أو الطرد من قطاع الدولة،
وفي غياب مساندة من التأمينات
الاجتماعية، ومن هنا تعبر برامج الموازنة
الاقتصادية عن حقائق الحياة المرة في معظم
مجتمعاتنا وتظهر لنا الصعوبات الكبيرة في
تنفيذ برنامج شامل لشتل الأعضاء. 9ـ وقد أدى ارتفاع الخدمات الصحية المكلفة
مثل نقل الأعضاء ووسائل التشخيص المرتفعة
الثمن إلى طرح مسألة الندرة أو الإملاق
الاقتصادي Economic Scarcity التي تشكل في العالم
الثالث الوجه الآخر للثمن (Cost). وتقل المخصصات للصحة عن
خمسة دولارات للفرد سنويا في معظم
المجتمعات الفقيرة وتتدنى في بعض البلدان
الأفقر إلى دولار واحد (وتزيد عن آلاف من
الدولارات في الدول الغنية). وانهيار سعر العملة في الدول الفقيرة مع
تدني مواردها يعني التضحية Sacrifice وكان أول
ما عانى هو التعليم والخدمات الصحية. ومن هنا وجب اعتبار لزوم التقنين - (كما لو
بالبطاقات) لتوفير الاحتياجات، ووجب
إشراك عامة المسلمين في التعبير عن هذه
الاحتياجات التي تحتاج تقنينا (تنصيبا)
شديدا (ولا يبيتن أحدكم شبعان وجاره على
الطوى). (46، 47، 48). 10ـ وقد اقترحت لجنة الأخلاقيات الطبية في
كلية ستانفورد ست قواعد أساسية أخلاقية
طبية المفروض أن نهتدي بها نحن الأطباء
وهي:- 1 ـ الحفاظ
على الحياةPreserve Life 2 ـ تقليل أو
رفع المعاناة والألمAlleviate Suffering 3 ـ عدم
إحداث الضررDo no Harm 4 ـ المصارحة
بالحقيقة Tell
the Truth 5 ـ احترام
استقلالية المريضPatient’s Autonomy 6 ـ عامل
المرضى بالعدلDeal Justly With Patients ورغم
وضوح هذه المبادىء فإن الممارسة الطبية
تقتضي تقليل التناقضات فيما بينها. فكيف نحافظ على الحياة ونقلل المعاناة
والضرر مع حرب البسوس في أفغانستان؟ وكيف
نصارح المرضى وأهلهم يطلبون غير ذلك؟ وكيف
نظل أخلاقيين في عالم يكيل بمكيالين؟ وكيف
لنا ونحن نوزع خدماتنا الصحية عشوائيا
وبدون مشاركة ديمقراطية أو إشراف شعبي أن
نعامل الناس سواسية كأسنان المشط؟... كيف ؟ 11 ـ كما أن الحرية في الاختيار تختفي أمام
تخصيص الموارد اليسيرة للطلبات الكبيرة
والكلام المتحرر عن العدالة نجده في
المقولات الدولية وليس في حقائق العالم
الثالث التعسة، ويجب اعتبار ذلك كله في
إساءة سياسات شتل الأعضاء. 12 ـ وتتوزع جهودنا نحن الأطباء بين مصلحة
مرضانا، ومصلحة المجتمع وربما مصالحنا في
عياداتنا الخاصة. ويزيد
هذا (الشتات) كلما جرى تقنين الموارد
الصحية اليسيرة، ويصبح من الضروري
الالتزام بقوائم أدوية محدودة وبإرشادات
في العلاج يتبعها كل طبيب بحيث تكون بقدر
الإمكان متفقة مع التقدم وواضحة وتمثل
الممكن للفقراء. 13 ـ كما أن البحث عن (أولويات المضطر) أصبح من
مهام الخدمات الطبية في العالم الثالث. فهل ننفق على مرضى
السرطان الذي لاعلاج له ما يحتاجه تطعيم
الأطفال؟ إلا أنه من ناحية أخرى فإن معظم
مرضى السرطان يطلبون الرعاية في العالم
الثالث وهم في مرحلة متأخرة ولا بد من علاج
يداوي بعض جراحهم وإن لم يشفيها Palliation ليعيشوا
عند أقصى مستوى مقبول من الحياة لهم
ولعائلاتهم، وأن تكون النهاية مريحة، ومن
غير ألم، وباحترام. وكذلك فليس بمقدورنا أن
نترك مرضى الفشل الكلوي على غسيل دائم
بدون شتل الكلى (49). 14 ـ ربما فكرنا أحيانا في تقديم أوسع الخدمات
لأكبر عدد من الناس (مثل الطب الوقائي
وأمراض شلل الأطفال). (The greatest good for greatest number). إلا أننا
يجب ألا نتخلى عن المرضى في حالات صعبة
ويجب أن نعمل على المزج بين صالح الكثيرين
وبين تخفيف آلام المحتاجين لرعاية مركزة
وتحمل المسؤولية إزاءهم. نعم إن الأولويات في العالم الثالث يجب أن
تتمحور حول التحكم في الأمراض المعدية
وتوفير مياه الشرب النظيفة ومنع الأمراض
مثل مرض السرطان ومرض القلب ومع هذا فإن
ذلك يجب ألا يغطي على المسؤوليات تجاه
المشاكل الطبية الأخرى مثل معالجة الفشل
الكلوي والكبد ولا يمكننا أن نرى في
الوقاية عملا على حساب من هم مرضى فعلا. يجب أن نضع ذلك كله في اعتبارنا ونحن
نواجه حاجتنا إلى خدمات شتل الأعضاء التي
تحظى بتطلع عشرات الآلاف من المرضى. 15 ـ وبالطبع فلن يمكننا أن نحصل على إنجازات
في شتل الأعضاء مقاربة في نتائجها وشمولها
لتلك التي في الدول الصناعية المتقدمة إلا
أننا يجب أن نستدعي اعتمادنا على أنفسنا
وننتهز الفرص لتدعيم قدراتنا على عمل
المهام الصعبة بأسلوب الفريق، بأدويتنا
وبآلاتنا التي نصنعها، وبخبرائنا وأطبائنا الذين نثق في قدرتهم لو أمكننا
تنظيم عملهم لمواجهة المهام المشتركة
الجديدة في التقنيات الطبية التي تحتاج
إلى تكامل الخبرة مع إشراك الناس في تفهم
مشاكلهم والمساهمة في تكاليفها، وتنشيط
المنظمات الشعبية لتوضيح غامضها، وبعث
الأمل والرجاء بدل القنوط واليأس،
والسيطرة على أساليب الدكاكين الطبية
لحساب الصناعات الطبية المعتمدة، والبحث
دائما عن أولويات لتقليل المعاناة عن
الكثيرين، وعدم إهمال المشاكل الملحة
الجديدة من خلال تفهم جديد للطبيب المسلم
في خدمة مجتمعه المحتاج (50).
الجزء الخامس: نظرة مستقبلية إلى ثوب الحياة
والموت [يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا
من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا
تنفذون إلا بسلطان} الرحمن {ألم تروا أن
الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} لقمان 31. [قال ربي أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر
وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء}
آل عمران 40. [ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف
سنة إلا خمسين عاما} العنكبوت 14 أولاً:
قصر العمر.. نعم، طول العمر... كيف؟! في
حياتنا (الدنيا)... نحس وندرك، ونعي، ونعاني،
ونبحث، ونتساءل ونتطلع ونتعب ونحب. وهي غير
حياتنا (العليا) حيث نواجه ونحاسب فنتعذب
ونشقى أو نسعد ونرغد كما لا عين رأت ولا
أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وخوفا من
العذاب - وإن كنا نرجو الرحمة ممن كتبها
على نفسه - وتمسكنا باستخلافنا في الأرض
كهدف مشروع، ولأننا نلمس أرضنا بأرجلنا،
وتتردد في أجوائها أنفاسنا، ونسمع ونحن
نيام وجيب قلوبنا، ونسعد بالتلاقي، ونحزن
للفراق، فإن جلّ ما نطمح إليه، وما نرجو
الله فيه أحر رجاء، هو طول العمر، مزدانين
بالمعرفة والحكمة، وممتعين بالثراء والعز. إلا أنه «ليس
كل ما يتمنى المرء يدركه»... فإن
إعصار الموت يأتي دائما بما لا تشتهي
السفن. كم تأملت وتبصرت واستكهنت من خلال هذا
البحث توجيه القول المأثور لنا «أن نعمل
لدنيانا كأننا نعيش أبدا». إن دعاء
كل منا - من حضور هذه الندوة بلا استثناء
لنفسه ولمن يحب هو أن تطول أعمارنا وأن
تتحسن قدراتنا العقلية..... لندرك
أكثر ونعيش أطول! إلا أن هدفاً عزيزاً
كذلك، يستدعي تغييرات تحدث في جسمنا ومخنا
كليهما. ولكي
تحدث تغييرات (جوهرية) في أجسامنا، وجب على
كل من بنى شبكة للرعاية الصحية الأولية،
ووفر فرصا للتداوي على مراحل العمر، وأنشأ
نظاما للإسعاف والإنقاذ في الملمات
والحوادث، ووفر نظاما للرعاية المركزة لا
يفرق فيه بين عربي وعجمي إذا حلق ملاك
الموت.. وجب عليه أن يتصور طرقا
جديدة كالتي ذكرنا ما أنجزه العالم
المتقدم منها، لإحلال «قطعة غيار» بدل
أجزاء (أنسجة أو أعضاء) من الجسم يكون قد
طالها البلى أو فشلت إثر مرض سقيم لا برء
منه. وقد كان الطب قبل هذه المرحلة، أي إلى عهد
قريب، يحاول تشغيل الأعضاء المريضة
بأساليب دوائية أو جراحية أو استئصالية أو
تصليحية. ثم ابتدأ من أمد قصير ينحو أيضا نحو
التخلص من الأنسجة والأعضاء التالفة
وتركيب قطع غيار بمعنى الكلمة تحل محلها. وإذا تم
شتل العديد من الأعضاء ما عدا المخ - أصبح على
البشرية أن تخترع أساليب لتقوية وظائف
مخنا للوصول إلى مزيد من الشطارة والحكمة. إننا لن نرتدع عن فعل شيء في سبيل إنفاذ
المشيئة الإلهية باستخلافنا في الأرض،
والتوجيه بأن نعمل لدنيانا كأننا نعيش.. أبدا..! آه لو
استطعنا أن نستبدل أنسجة المخ التالفة في
دماغنا والمتعلقة بالوعي والإدراك
والمعرفة.. إذن لفعلنا. لا سبيل
لنا في المستقبل المنظور لمثل هذه «التقنية
الحيوية» Biotechnology. وأما
السبيل الممكن فهو بالتقنية الفائقة
الصغر Nano Technology (النانو هو واحد مقسوم على
أصفار عديدة من المليمتر) والتي ستزودنا
بأعضاء مصنوعة ميكروسكوبية الحجم، كبيرة
السعة، فائقة القدرة، (مثل الفيل، ونصرها
في منديل). ربما
بتطوير هذا النانو تكنولوجيا ستتاح لنا
فرصة لتدعيم المخ البشري. باختصار.. إننا
نحاول الإفلات من (حصار) حياتنا
البيولوجية، وربما يسمح لنا الخالق جل
شأنه أن (ننفذ من أقطارها) فنغير بإذنه من
طول حياتنا القصيرة الحالي، ونختار فوق
ذلك لأنفسنا طاقات عقلية Mental Capacities لم تطرأ
من قبل على قلب (أو على عقل) بشر. ولقد
أوضحت في الجزء الأول من هذا البحث
المتواضع، أننا - البشر - منذ ثلاثة قرون
فقط أسرعنا في تعلم الكثير من وسائل المحافظة على صحتنا
من خلال طب حديث، هو ابن شرعي لتقدم العلوم
والفلسفة والرياضيات، وسيادة المفاهيم
التي تلد التقدم الطبي والتقني. ورغم أننا اخترعنا آلافا
من العلاجات المحدودة لآلاف من الأمراض
والمعوقات والأعراض الجسدية، إلا أنه لا
يظهر أننا نجحنا في زيادة طول العمر. ولو
استعرضنا تاريخ النبوة والخلافة الراشدة،
لوجدنا أن النبي (e) لم
يتجاوز الستين عاما بكثير، وتوفي الخلفاء
الراشدون أو قتلوا في متوسط الأعمار
السائدة في عصورهم، في حين أن القصص
الديني المعتبر يبشرنا بأعمار طالت
واستطالت فيما بين أهل الكهف ونوح عليه
السلام مئات السنين عددا. ومن ناحية أخرى يقدر «والفورد» أستاذ
الباثولوجي (علم الأمراض) في جامعة
كاليفورنيا أن متوسط عمر الإنسان في روما
القديمة كان 22 عاما (ولا نظن متوسط العمر
في الأمصار الإسلامية كان يزيد عن ذلك
كثيرا عند منتصف الثلاثينات مع تاريخ
الحروب والأوبئة والمجاعات) ثم أصبح متوسط
العمر خمسين عاما عام 1900 في الدول (الغنية)
ويقف العمر الآن عند قمة 75 عاما في (الولايات
المتحدة والكويت) بمنحنى ينتهي عند 115 عاما
على الأكثر. وهكذا
فإن قرونا من التقدم الطبي والصحي لم تؤثر
جذريا على طول العمر.. وكأنه قدر؟ لماذا كان عمرنا قصيرا (هكذا)؟!. إن الإجابة بسيطة: 1 ـ "فالحياة» تفضل الجينات Genes عند الحيوانات التي تنجب
في وقت أبكر من غيرها، ولا تبقى على
الشفرات التي تطيل الحياة بعد الزمن الذي
يحتاجه الحيوان البالغ ليكمل رسالة
العناية بصغاره. بل إن (الحياة)
قد تفضل (الذرية) التي لا تتنافس مع (والديها)
الذين هم على قيد الحياة، هذه المنافسة
المريرة التي قد يؤدي تواصلها لو عاش
الآباء إلى «تكأكئ» (Accretion) الجينات التي تحدث (الموت). وكثير من الحيوانات صمم خالقها حياتها
لكي تموت بعد الانتهاء من فترة التكاثر
بسرعة ويستثني من ذلك الفيل والإنسان،
اللذان يتعلم صغارهما، بفضل الصحبة بين
الأبناء والآباء، الشيء الكثير بواسطة
الانتقال الاجتماعي (للمعرفة المتراكمة) (انظر
جزء البحث المتعلق بتكوين الذكاء وتراكم
المعرفة). ونحن البشر يظهر أننا أطول الحيوانات ذات
الدم الحار عمرا (ضعف الحيوانات الرئيسة
الأقرب من الثدييات الفقرية) ويعود ذلك
إلى حكمتنا!! وأطفالنا هم أقل ذريات
الحيوانات أعدادا للبقاء المستقل بعد
ولادتهم، وقد يحتاجون لا إلى جهود آبائهم
وأمهاتهم فقط ليعيشوا، وإنما ربما إلى
خبرة الجدود أيضا، لكي يعتني كل هؤلاء بنا
(وأعز الولد ولد الولد) وكي يسلمونا مفاتيح
حيوية غالية من أجل (البقاء). 2ـ ورغم ما نتلقاه من هذه الرعاية.. فنحن
نموت.. من جراء عوامل عديدة منها العدوى
الجرثومية. فهذه الجراثيم سبقتنا في الوجود على
كوكبنا بمليارات السنين حصرا وعدا،
واستمرت منذ البدء وستستمر إلى ما شاء
الله بنجاح مذهل على المقاومة والبقاء (كأنجح
الأنظمة الحيوية كافة). وقد طورت
أجهزة المناعة لدينا طرقاً مرنة لمواجهة
هذه الأمراض المعدية، إلا أننا - لحظنا
التعس - كثيرا ما نمرض حين تتعامل أجهزة
المناعة مع أنسجتنا كما تعامل الميكروبات
الغازية لا فرق. هذه المناعة العمياء تسدي
لنا جميلا، وتؤدي في نفس الوقت إلى مرض
السكر والالتهابات المفصلية شبه
الروماتزمية والتليفات المتعددة وغيرها
من الأمراض. 3 ـ وإلى جانب العدوى
الجرثومية فإننا (نموت) بالإصابات التي لا
يصلحها الجسم تلقائيا في حوادث الطريق،
ومن جراء الاختلال في نظام التغذية (التي
تصاحب ولائم الندوات في الكويت) وبفعل
السموم الكيميائية والحرارة الفائقة (وبرحمة
الله تكفينا) وبالاشعاعات (من هيروشيما
إلى تشيرنوبل)، وبغيرها مما يشوه أو يغير
التركيب الجزيئي لخلايانا ويجعلها تفقد
أعز ما تملك.. تفقد وظيفتها، عندما تتكأكأ عليها هذه
الخطايا المميتة. 4 ـ إلا أن أهم أسباب الموت الطبيعي (كما
يسميها أهل مصر): موتة ربنا، وتنبع من
تأثير الجينات الموروثة المسؤولة عن
أمراض القلب والسرطان (أهم سببين للوفاة
في العالم المتقدم) بالإضافة إلى عديد من
الاضطرابات المرضية الأخرى. ومن المتوقع أن تتمكن التقنيات الجديدة
من منع بعضها، بإبدال هذه الجينات المعوجة
أو بشتل غيرها (شتل الجينات) Genetic Transplant أو بالعلاج الجيني. 5 ـ ورغم ذلك، فإننا إذا «أصلحنا» الكثير من
أسباب المرض «وأبطأنا» الكثير من حدوث «الخلل
الوظيفي»، فلا يزال يواجهنا خطر (البلي) Wear and tear. فجسمنا بتصميمه لا يمكنه
إصلاح كل الأخطاء الصغيرة الناتجة عن
حيوية الخلايا.. عن
حياتها نفسها، وجهازنا الجيني صممه خالقه
لكي لا يستمر طويلا. وليس بجسمنا كتالوج إصلاح ذاتي مفهرس. ذلك أن إصلاح الأخطاء في الخلايا - إن كان
قد حدث - فإنه سيوقف تكيفها، مما يبطىء في
النهاية سرعة تطور ذريتها، حتى تصبح عاجزة
عن التأقلم مع تغيرات البيئة التي ستعيش
عليها في زمانها. 6 ـ ونحن البشر نختلف
عن الشمبانزي في عدة آلاف من العوامل
الجينية فقط ( من بين ملايين نتفق فيها) إلا
أننا نعيش ضعف عمرها. وحتى نتمكن في المستقبل
المنظور من تركيب قطع غيار جينية تطيل
عمرنا مئة عام أخرى فإننا نسلك طرقا أخرى
عمليا في الوقت الراهن لمقاومة البلى،
بإحلال الأعضاء الفاشلة ببديل صناعي أو
حيوي. وهكذا أصبحنا نعيش وفي أجسادنا ما يزيد
عن ستين قطعة غيار صناعية، كما أصبح شتل
بعض الأعضاء البشرية روتينيا والباقي
يلوح في الأفق. فالقلب هذا الذي يدق بالحب - ما هو إلا
مضخة ذكية، والعضلات محركات، والعظام
خوابير أو ساندات، والأجهزة الهضمية
مفاعلات كيميائية، وسنجد في النهاية
أساليب لشتل أو تعديل كل هذه الأجزاء. ثانيا: محدودية الذكاء
البشري ومستقبل زراعة المخ: 7 ـ إلا أننا
في النهاية لايمكننا شتل مخ آخر بدل مخنا
لكي نبقى نحن كما كنا! فسنفقد المعرفة
والإدراك وكلها تشكل هويتنا وتفردنا identity. ربما أمكننا شتل بعض
الأنسجة العصبية من مزارع لأنسجة الأجنة
مكان أنسجة بالية في مخ الإنسان - لكن هذه
العملية المحدودة لن تعيد لنا معارف
فقدناها. إلا أننا
علينا أن نصلح معارفنا 8 ـ وقبل أن تبلى أجسادنا، فالظاهر أن
قدراتنا العقلية يصل فيها ذكاؤها إلى (سقف)
مستو Plateau لا
تتعداه، ولا يظهر علينا أننا نصبح أذكى: لم
يصل أحد منا إلى فطنة النبوات ولم يصل شاعر
معاصر إلى شاعرية المتنبي أو شكسبير وربما
لم يتفوق اينشتاين على نيوتن أو فلاسفتنا
المسلمون المعاصرون على ابن سينا وابن رشد. وكثير من حكمة القرون الخاليات لا تزال
تنير طريقنا. 9 ـ ونحن كذلك لا نزال غير قادرين على حل
المتناقضات بين أهدافنا الفردية ومصلحتنا
الكلية، وكثيرا ما نترك للصدف ما لا نتأكد
منه أو لا نستطيع اتخاذ قرار بشأنه. فهل محدودية الذكاء هذه
عند البشر ناتجة عن قصر العمر اللازم
للتعليم؟ أو إلى قصور القدرة الاستيعابية
في المخ؟ أو استعمال جزء محدود من المخ فقط؟ وهل يجدي تعليم
أحسن في زيادة حكمتنا إلا إلى حد محدود كما
يحدث الآن؟.. ذلك أن
أكثرنا (عبقرية) لا تزيد سرعة تعلمه عن ضعف
سرعة الإنسان العادي. وكذلك يستغرق تعلمنا وقتا طويلا، لأن
مخنا شديد البطء وله حدوده التي لا نعرفها
والتي في النهاية لها حدود تبلغها. 10 ـ علينا طبعا أن نسعى لزيادة طاقة مخنا كلما
علمنا المزيد عن طرق عمل المخ، فلا نزال لا
ندري الكثير عن طرق عمل مئات المناطق
المتخصصة في المخ البشري أو عما تفعل. فإذا علمنا ذلك في
المستقبل فسنسعى لا بد لتوسيع طاقات هذه
الأجزاء باختراعات جديدة، بتوصيلها
إلكترونيا مثلا بملايين الأقطار
الميكروسكوبية التي نزرعها في الجسم
الثفني corpus callosum، ولن
يفلت جزء من المخ من توصيله بالزوائد (الإضافات
- Accessories). وربما ستصبح عقولنا
حينئذ من (بنات أفكارنا our mind children). نحن نتطور الآن أسرع
بكثير مما مضى من الناحية العقلية،
وتنوعنا في هذه الناحية أسرع من التنوع
البيولوجي.. سنقدم خططا جديدة ونتخذ لأنفسنا أهدافا
جديدة، لكي نرث بها صفات مكتسبة جديدة Inheritence Of Acquired Characters ولكي يتم ذلك علينا أن نعلم كيف تنتقل
الإثارات العصبية عبر المشبك Synapse الذي
يربط بين خليتين عصبيتين. فرغم حدوث ملايين من
الحوادث الكيميائية والبيولوجية بجوار كل
خلية عصبية طول الوقت، فهي لا تلتفت إلا
إلى القليل لتؤدي وظيفتها في التأثير على
الأجزاء الأخرى. وبنشأة
النانو - تقتنيه - الميكروسكوبية، سنبني
قطع غيار وإضافات صناعية بصورة ذرية فائقة
الصغر، نضيف فيها كل جزيء حيث نريد، وبذلك
ننتج قطع غيار متماثلة تماما، متخطين
صعوبات الأحجام الصناعية الكبيرة للأسلاك
الحالية مثلا ونصل إلى مواد لم يسبق
تصورها أو صنعها، وسنكل إليها القيام
بمهام كمية جديدة الصفات تماما Novel Quantum Properties مما يؤدي إلى صنع كمبيوتر
صغير في حجم المشبك العصبي، يتمتع بسرعة
وكفاءة لم تحدث من قبل، ويعمل على المستوى
الذري ويمكنه أن ينتج مليون نسخة من نفسه
في السنة!.. وستغير
هذه الوسائل وجه العالم، حين تصبح قادرة
على جمع الطاقة الشمسية لتزويد نفسها بها
وتبنى نسخا من (أنفسها)!. وهكذا
سنستطيع أن ننمي هذه الحقول لهذه المصانع
الدقيقة كما ننمي الأشجار، وهكذا سنجني
الكثير من الثروات الدنيوية، وتصبح
مهمتنا أن نتحكم فيها بحكمتنا لكي نكمل
الوفاء بالقول المأثور... «واعمل لآخرتك كأنك تموت
غدا». فإذا
أردنا أن ندعم من قدرات المخ البشري - ونحن
نريد ذلك ونعمل له فعلا - فعلينا أن نسأل
أنفسنا: إلى أي حد بلغت معارفنا اليوم؟ وكم
كانت المعارف قد بلغت في الماضي يا ترى؟.. إن كل ما يمكننا أن
نتعلمه إذا التزمنا بالدراسة المنتظمة
لمدة 12 ساعة يوميا لمدة مائة عام متواصلة
يمكن تضمينه على قرص كمبيوتر قطره 5 بوصات
وفي المستقبل على شريحة كمبيوتر صغيرة chip. ويحتوي
المخ البشري على تريليون مشبك عصبي وفي
المستقبل يمكن تجميع موسوعة فكرية على قرص
في حجم حبة عدس. وسنبني حينئذ قطع غيار
للمخ لا تتقيد بالزحف البطيء في العمل حسب
خطو الزمن الواقعي Crawling Pace Of Real Time. وما يحدث في أقراص
الكمبيوتر حاليا له سرعة تزيد ملايين
المرات عما يحدث في خلايا الجسم البشري. وسيمكننا تصميم بنات أفكارنا لتفكر أسرع
ملايين المرات مما نفعل حاليا. وفي (حياة) إنسان مثل هذا فإن نصف دقيقة من
عمره فقط قد تمثل سنة من عمره الحالي،
وتمثل ساعة مقدار عمره الذي يعيشه في
الوقت الراهن. وبالطبع
يشير كثيرون إلى افتقاد هذه التركيبات
المخية أو الذهنية الصناعية إلى كثير مما
يتحلى به العقل البشري من (يقظة) و(إدراك) و(روح). فلن (تفهم) الماكينات بمثل ما يفهم البشر،
بفعل نفحة سحرية لا ندرك كنه صفاتها. فالتفكير البشري يتسم
بالمرونة والتكيف وغنى المنابع وثراء
الأصول.. وعندما
يخطىء البشر في الحكم فهم يجربون بديلا
مخالفا. ويحتوي
المخ البشري على إمكانيات واسعة القدرة لا
نعرفها حتى الآن كما أسلفنا. وفي
الوقت الراهن يستعمل الكمبيوتر وسيلة
واحدة من وسائل عديدة في أداء وظيفته (للتفكير)
حسب برنامج وحيد موضوع له يمثل المعلومات
المقدمة إليه، مثل قاعدة «إذا... إذن If,
Then» ونظام
الأطر المعلوماتية (مثل النماذج التي
نملؤها) ومثل الشبكات العنكبوتية web أو شجيرات اتخاذ القرار Decision Trees أو النماذج التخطيطية
المختلفة. وقد يخزن الكمبيوتر المعلومات في جمل
شبيهة باللغة أو تعبيرات رياضية منطقية. وإذا فشل أحد هذه البرامج
فسيتوقف العمل فنشكو الكمبيوتر الذي (لا
يفهم) ما يعمل. وقد سبق
أن أشار الفلاسفة إلى أن الفهم Understanding والمعنى meaning واليقظة أو الإدراك consciousness لا بد
أنها تمثل قدرة أساسية لا يمتلكها إلا
العقول البشرية. فهل هذا انحياز لجنسنا نحن البشر؟ لقد
كتب منسكي في كتابه «مجتمع العقل Society of mind» يقول: "إذا فهمت شيئا بطريقة
واحدة فقط، فأنت إذا لا تفهم هذا الشيء على
الإطلاق، لأنه إذا حدث شيء مخالف لك، فأنت
رهن فكرك القابع في قعر ذهنك في قاع مخك، (وطريقك.. مسدود.. مسدود.. يا ولدي)!!! إن السر
فيما يعنيه أي شيء لنا، يعتمد على كيف نربط
بينه وبين الأشياء الأخرى التي نعرفها. ولذلك فإنه عندما يحفظ إنسان ما معلومات
عن ظهر قلب فإنه حقا لا يفهم. ومع ذلك فإن كنت تملك خيارات كثيرة مختلفة
ويفشل أحدها، يمكنك تجريب الآخر. ذلك أن الخيارات المترابطة جيدا تجعلك
تقلب الأفكار في ذهنك، وتستبصر الأمور من
زوايا مختلفة، حتى تعثر على أحدها الذي
يعمل كما تهوى، وهذا ما نقصده بمفهوم
التفكير». إن (المرونة) versatility هي التي تفسر لماذا كان التفكير سهلا لنا في
الوقت الراهن وصعبا بالنسبة للكمبيوتر. فالمخ قلما يستعمل
اختيارا واحدا، ولكنه يجري سيناريوهات
متوازية لكي يتوافر دائما وجهات نظر عديدة. وكذلك تشرف على كل نظام معين للتفكير.. نظم أخرى أرقى في المستوى تقوم بمتابعة
أداء نظام التفكير المعين ذاك وتعيد ترتيب
المشاكل إذا لزم الأمر. ولأن كل
جزء من المخ قد يعتوره نقص ما، فلنتوقع أن
نجد أجزاء أخرى تحاول اكتشاف وإصلاح الخلل. ولكي «نفكر» جيدا فإننا نحتاج إلى عمليات
عديدة تساعدنا على أن «نصف» «ونتنبأ»، و«نفسر»
و«نختصر» و«نخطط» ما يمكن أن تفعله عقولنا
في الخطوة التالية. فنحن إذن نفكر جيدا كبشر، لا لأننا نمتلك
نفحة خفية من المواهب والعطايا، ولكن
لأننا نمتلك تجمعات من «الوكالات» AGENCIES التي تعمل كفريق موسيقي لكي تمنع حبسنا
في زوايا فكرية لا نتحول عنها ولا نريم. وعندما
سنكتشف كيف تعمل هذه «الوكالات»،
فسنضمنها داخل الكمبيوتر، حتى إذا وصل أحد
برامج تشغيله إلى طريق مسدود، فسيقترح
برنامجا بديلا. وإذا
صادف أن رأيت آلة تعمل هكذا فسيخيل إليك
أنها تدري ماذا تفعل. وليس
هناك منظومة أخلاقية تستطيع أن تواجه
التحديات التي أخذت تواجهنا في هذا الصدد مثل: كم من البشر يمكنهم العيش على
كوكبنا؟ وما نوعهم؟ وكيف نتقاسم المساحة
المتاحة؟ ربما كان علينا أن نغير طريقتنا
في الحياة حول مسألة إنجاب أطفال إضافيين. فالحمل الآن يتم جزافا، وربما كان من
المستحسن الحصول على أطفال وتنشئتهم حسب (رغبات)
وبمقتضى (وصفات) معتبرة لدينا. وعندما
نشكل أمخاخنا مستقبلا فليس من الضروري أن
نبدأ من الطريقة الحالية التي تعمل بها
أمخاخنا، بمعارفها القليلة حول العالم. إذن: ماذا
على (بنات أفكارنا) أن تعي؟ وما دورها؟ وكم
ننتج منها؟ إن
المناهج الأخلاقية التقليدية تركز أساسا
على الفرد كما لو كان أهم بند وحيد (للقيمة). ولكن
علينا أن نضع في اعتبارنا مستقبلا حقوق
وأدوار الكيانات الكبيرة مثل الثقافات
والنظم الكبيرة للنمو التي تسمى (العلوم)،
والتي تساعد على فهم العالم. فكم إذن من هذه نريد؟ وما هي الأنواع التي
نرغب فيها أكثر؟.. يجب أن نكون أيضا على حذر من تلك الأنواع
من الثقافات التي تقاوم كل نمو مطرد. وهناك
خيارات مستقبلية لم يشهدها أحد من قبل. ولنا أن
نتصور (نظاما) يستطيع أن يراجع عقليتك
وعقليتي ثم يكون عقلا جديدا بازغا معتمدا
على هذه الخبرة المشتركة. ثالثا:
ماذا يخبىء المستقبل القريب، في عالم
العقول إذن يا ترى؟ الإنسان في القرن
القادم.. إلى أين؟
" لماذا
الذي كان ما زال يأتي؟ لأن الذي
سوف يأتي.. ذهب» (أبو الطيب المتنبي) مهما كان
ما سيأتي به المستقبل المجهول، فنحن نغير
الآن القواعد التي صنعتنا. وسيخاف معظمنا من هذا
التغيير. إلا أن
آخرين منا يودون أن يفلتوا من التقييدات
الحالية. وربما
تساءل كثيرون: ولماذا يرغب أحدنا في العيش
«إلى أرذل العمر»، عندما يصل العمر إلى
ألف سنة إلا خمسين عاما؟ ماذا حينئذ إذا
عاش مثل هذا الإنسان أطول كثيرا من جيله
ومن جيل أصدقائه؟ (ومن هنا صعوبة مهمة نوح
عليه السلام حين افتقد الأجيال التي تركته
لعمره المديد)! وماذا سنفعل نحن إذا طال
عمرنا هكذا في كل ذلك الوقت الطويل المتاح
لنا؟ وكأنما من يتساءل هكذا يحس أنه كان
يجب ألا يعيش ما عاش فعلا على قصره!
وكثيرون يعدون أنفسهم للموت فعلا، وليس
لديهم ما يخسرونه بعد أن يتيقنوا من
مراجعة أنفسهم، خشية الوقوع في (الخطيئة)
من جديد، وربما أصبح بعضهم عقبة منطقية في
طريق الحياة؟ أما
البعض الآخر من العلماء (وإنما يخشى الله
من عباده العلماء) فإنه يتمنى أن تمد له
بضعة قرون إضافية أخرى إلى عمره الحالي
ليحل المسائل العلمية التي يبحثها الآن،
والتي هي بمثل صعوبة مؤتمرنا هذا. إلا أن من المؤكد أن «الخلود» يفقد
جاذبيته إذا كان يعني مرض الإنسان الذي لا
نهاية له، وضعفه وهزاله، واعتماده على
الآخرين، وهوانه على الناس. ولكن دعونا نأمل ونفترض حالة من الصحة
العامة مثل تلك التي تمتع بها أهل الكهف أو
نوح عليه السلام. كذلك فقد
أفصح كثيرون عن وجوب موت العواجيز حتى
يتمكن أولادهم من (طرح) أفكارهم المسنة
البالية بعيدا. فمن هرم فقد بلغ سقف حدود
الذكاء الذي باستطاعته أن يبلغه، ولن
يستطيع أن يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا. إلا أن ذلك يعني أننا لا نزال منفصلين عن
الأفكار العظيمة التي تسبح في بحر الحكمة الممتدة إلى ما
بعد قدرتنا على الإدراك. ونحن ندين بعقولنا إلى كل من ساهم منا في
صراعنا معا من أجل تطوير عقولنا. ومهمتنا الحالية في مثل مؤتمرنا هذا، أن
نتأكد أن كل هذه الجهود لم تذهب سدى!
مراجع وتعليقات 1ـ ربما
عبرت كلمة «شتل الأعضاء» عن القصد من
الكلمة الأصلية Transplant وهو نقل عضو من شخص إلى
آخر وتثبيته به أكثر من كلمتي «نقل وزرع»
اللتين تختصران في الكتابات العربية تحت
كلمة زرع فقط. وعموما فالكلمتان «شتل وزرع» هما استعارة
موحية من عالم النبات لعالم الإنسان. 2ـ البداية
والنهاية لابن كثير - دار إحياء التراث
العربي - بيروت - جـ 5 ص 244 - 245. 3ـ عندما تغير العالم - سلسلة عالم المعرفة -
الكويت، العدد 185 - مايو 1994 جيمس بيرك -
ترجمة ليلى الجبالي. 4 ـ وكان أثر الاتصال بفرنسا كبيرا في عصر
محمد علي كما يظهر في فكر رفاعة رافع
الطهطاوي وفي الخدمة الجليلة التي أسداها
إلى الطب في مصر بإنشائه كلية طب قصر
العيني ذات التاريخ العريق في نشر الطب في
العالمين الغربي والإسلامي. 5- Calvin,W.H.,(1994):TheEmergence
of intelligence. Scientific American,October issue,P 79-85. 6-
Widicks E.F. M.(1995)Determining Brain Death in Adults, Neurology;
45: 1003-1011. 7- Practice Parameters For
Determining Brain Death in Adulsts (Summary Statement). Report of the
quality standards sub committee of the American Acadmey of Neurology. Neurology,(1995);45:1012-1014. 8- Assessment and Management in Persistent Vegitative
State (Summary Statement)- P. 1015-1018. 6ـ7
ـ8 بيان
الاكاديمية الأمريكية لعلوم الأعصاب -
الصادر عام 1195 حول «معايير تقرير موت المخ
في البالغين» وحول «التقييم والتعامل مع
الحالات العصبية النباتية المقيمة» وكذلك
التعليق الهام على بيان موت المخ من «ويديكس»
وكلها منشورة في مجلة الأعصاب الأمريكية
عام 1995. وقد عكفت
الأكاديمية الأمريكية للأعصاب على تحديد
كل ما كتب في الأدبيات العالمية المختصة
بموضوع موت المخ بين أعوام 1967 إلى 1994 من
جميع المكتبات ومراكز الوثائق العالمية،
وتم اختيار المواضيع التي حظيت بموافقة
باحثين دوليين على أساس جودة البحث الأصلي. كما تم مراجعة الكتب
المرجعية وكتب الملخصات في علوم الأعصاب
والطب الباطني والرعاية المركزة وأمراض
الرئتين والتخدير. وتم تقسيم هذه المراجع إما على دراسات
سريرية جيدة أو تقارير عن حالات مرضية أو
خبرة شخصية. وهكذا تم التوصل إلى وضع
معايير لتستعمل عمليا مع مرضى موت المخ،
وقسمت هذه المعايير إلى قياسية Standard أو ارشادية Guidelines أو اختيارية Optional. وهكذا
توصلت الأكاديمية الأمريكية للأعصاب إلى
إصدار وتعميم المعايير التي تلح على
التمسك بها على أوسع نطاق والاسترشاد بها
أثناء إجراء الفحوص السريرية والبحوث
المختبرية والمعاونة وإرساء أسس دقيقة
متفق عليه في إجراء هذه الفحوص. وقد تم
الاتفاق عالميا على المواضيع التالية
عناوينها:- 1 ـ التعريف
الذي لا اعتراض عليه مطلقا للفحوص
الاكلينيكية لوظائف جذع المخ. 2 ـ وصف
الحالات التي قد تتشابه جزئيا أو كليا مع
موت المخ. 3 ـ التوصيف
الواضح لفحص وتوقف التنفس اللازم لتشخيص
موت المخ. 4 ـ صحة هذه
الفحوص المختبرية وإمكانية إعادة إجرائها. 5 ـ إرشادات
عملية أولية لنقل الأعضاء. 9-PlallisC.(1995):FurtherThoughtson Brainstem Death.
Anaesth Intens, Care, 23:37-43. 10- Doeb, G.J. et. al
(1995) Clinical Confirmation of Brain Death; Ibid. 37-43. 11- Pearson I.Y. (1995): Brain Death And Organ Donation- Editorial; Ibid;
23: 11-13. 12-Ali H.A. (1996).
Old and New Thoughts on the Determination of death. Islamic Organization
for Medical Sciences, Kuwait. 13- Cranford R.E.
(1995) criteria for Death; Death Definition and Determination of
Encyclopedia of Bioethics, Macmillan library Reference, USA, 1,529-533. 14 ـ دكتور/ عدنان خريبط (1996):
موت الدماغ - التعريف والمفاهيم - ندوة
تعريف الموت - المنظمة الإسلامية للعلوم
الطبية. 15 ـ دكتورة
اسمهان فرحان الشبيلي: نهاية الحياة
الإنسانية - (1996) - نفس الندوة السابقة -
الكويت. 16 ـ دكتور
محمد علي البار: ما هو الفرق بين الموت
الإكلينيكي والموت الشرعي 17 ـ دكتور
محمد إبراهيم مالليباري: تعريف الموت في
المفهوم الطبي الشرعي 18 ـ دكتور
محمد إبراهيم السبيل: الفشل العضوي
النهائي والآثار المترتبة على موت أحد
الأعضاء الرئيسية مثل القلب والرئتين
والكبد - (1996) - نفس الندوة السابقة. 19-Evans
M. (1990) Death in Denmark: J. of Med. Ethics. 16, 191-194. 20-Lamb D. (1991)
Death in Denmark: a Reply. Ibid, 17, 100-101. 21-Gervais, K.G.
(1995) Death. Definition and Determination of; Philosophical and
Theological perspectives. Encyclopedia of Bioethics, 1,540-549. 22ـ الأستاذ الدكتور محمد نور
فرحات: البحث عن العقل - مجلة المصور
القاهرة - (عدد 3764 - 29 نوفمبر 1996) - ص 50 - 51. ص 73. 23 ـ دكتور
أحمد القاضي: القلب وعلاقته بالحياة - ندوة
المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية عن
الحياة الإنسانية، بدايتها ونهايتها من
المفهوم الإسلامي - الكويت 1985) ص 383 - 394. 24 ـ دكتور
عصام الشربيني: الموت والحياة بين الأطباء
والفقهاء - المصدر السابق 25ـ دكتور
عصام الشربيني: موت جذع المخ - مراجعة
ومناقشة - ندوة تعريف الموت - (1996) مطبوعات
المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية. 26ـ دكتور صفوت حسن لطفي: المفهوم الحديث فيما
يتعلق بموت المخ - (1996) - نفس الندوة - الكويت. 27 ـ دكتور
رؤوف محمود سلام: التعريف العلمي للموت -
1996 - نفس الندوة - الكويت. 28- Minisky M. (1994) - Will the Robots inherit the
Earth- Scientific American-October Special Issue, 87-94. 29- Matesnaz R. et al
(Feb. 1996): Organ Donation: The ``Spanish Model’’ - Transplantation
proceedings, 28, 1, 11. 30- Piece G.A. et al.
(1996): The United Network for Organ Sharing: 1984 to 1994. Ibid, 12-15. 31- Van Dolen J. et al
(1996): European Donor Hospital Education Program. Ibid, 398-399. 32- Mcbride M. et al
(1995). An overview of Transplantation in Australia Anaesth., Intens Care.
23: 60-64. 33-Dyep. P. (1995)
Organ Donation in Australia: An Historical Overview, Current Directions
and Future Principles. Ibid; 65-67. 34-Pearson Z. Y. et.
al. (1995). A survey of Famillies of Brain Dead Patients: Their
Experiences, Attitudes, to Organ Donation and Transplantation, Ibid,
88-95. 35-Douglass G. E.
(1995) Donor Families Experience of Oragan Donation Ibid, 96-98. 36-
Thompson J.F. et al (1995). Can Cadaveric Organ Donation Rates be
Improved? Ibid, 99-103. 37- Person I.Y. (1995)
Australia and Newzealand Intesnive Care Society Statement and Guidlines on
Brain Death And Model Policy On Organ Donation. Anaesth. Intens. Care,
Ibid: 104-108. 38- Lee.H.
N.(1996).Quality of Life After Renal Transplantation. Transplantation
Proceedings. 28,3, 1171. 39-Rapaport.F.T.(1996)[Honarary
President, the Society for Organ Sharing] A Summation of the Third
International Congres of the Society for Organ Sharing Transplantation
Proceedings, Ibid, 433-435. 40-Dausset J.et al.
(1996). Criminal Hazards of Human Organ Traffic. Ibid, 42. 41-Guttmann A et al.
(1993). Attitudes of Health Care Professionals and the public Towards the
sale of Kidneys for Transplantation. J. of Med. Ethics, 19:148-153. 42- Current Status Of
Organ Transplantations in Indonesia (p 1186-89), Hong Kong (1190-92),
Japan (260-63 & 1193-95) TAIWAN (1196-98), INDIA ((1199), SAUDI ARABIA
(1200-1201, 252-253 and 247-251). Transplantation Proceedings: Feb. 1996. 43-Olweny C. (1994).
Bioethics in Developing Countries: Ethics of Scarcity and Sacrifice. J. of
Med. Ethics, 20:169-174. 44 ـ نقصد بالبلدان المعاقة
النمو Economically Handicapped "STATES" ما يطلق عليه «دول العالم
الثالث» أحيانا، «والدول النامية» (وهو
وصف متفائل قل استعماله الآن لأسباب تعثر
النمو)، و«دول الجنوب» (مقارنة بدول
الشمال الغني) وغيرها من أوصاف المجاملة. وقد فضلت صك هذه التسمية وبنيتها للمجهول
الذي هو مجمل أسباب الاعاقة المحلية أو
الدولية، الاقتصادية والحضارية وغيرها،
ولا يقصد بهذه التسمية أي وصف طبي، وإن لم
يكن الوصف بعيدا عن الدقة الطبية في حد
ذاته! 45- James, A. E. et. al.(1991)The Diffiusion of
Medical Technology: Free Enterprise and Regulatory Models in the U.S.A. J.
of Med. Ethics, 17, 150-155. 46-Attfield R. (1990) The Global Distribution of Health Care. Ibid, 16,
153-156. 47-Whitaker P. (1990) Resource Allocation: a Plea of Touch of Realism. J.
of Med. Ethics. 16, 129-131. 48-Black Douglass (Sir) (1991). Paying for Health. Ibid, 17, 117-123. 49-Goodmann N.W. (1991) Resource Allocation: Idealism, Realism,
Pragmatism, Openness, Ibid, 17, 179-180. 50-Lewis P.A(1990).Resource Allocation:Whose Realism?.Ibid,16,132-133. 51-The Appleton International Conference: Developing Guidelines for
Decisions to Forgo Life-Prolonging Medical Treatment (Editor: John M.
Stanley)- Wisconsin. J. of Med. Ethics-Sept. 1992-Vol. 18-Supplement). ·
مؤتمر
أبلتون عام 1992 أصدر ارشادات للأطباء حول
التوقف عن مساندة الحياة في مرضى موت
المخ، مع التباطؤ في استدبار الحياة
باستعمال التقنيات الجديدة. ·
وقد
توالت الحلقات التمهيدية لبحث الموضوع -
عبر سنوات على الوجه التالي: - 1 ـ بدءاً
بعام 1987 (34 مشاركاً من تسع دول لاستعراض
الحالات المرضية التي سبب فيها إيقاف
العلاج نوعا من التوتر الأخلاقي). 2 ـ في عام 1988
(33 عضوا) من عشر دول لوضع نموذج «للارشادات» Guideiines لمناقشتها في المجتمعات
الطبية والطب/ أخلاقية على المستوى الدولي
لاصدار قرار بالتخلي عن العلاج بناء على
طلب أ- المرضى، ب- أو من يعولهم، ج- أو تحت
وطأة العوز الاجتماعي والاملاق Scarcity. 3 ـ في عام 1990
وزعت الدراسة الإرشادية على 152 مجموعة
نقاشية التقت في 15 بلدا وضمت لجانا
للأخلاقيات في المستشفيات ومن ملاجىء
العجزة وخبراء الاقتصاد الصحي والممرضات
والأخصائيين الاجتماعيين ورجال الدين في
المستشفيات والإداريين والأطباء والعديد
من فرق المجتمع المدني (1450 مشاركاً أمضوا
731 ساعة لدراسة الوثيقة وقدمت مقترحاتها
إلى: 4 ـ
"مؤتمر
ابلتون الدولي حول تطوير الإرشادات
الموجهة للقرارات حول العزوف عن العلاج
الذي يطيل أمد الحياة»(عام 1991) (24 مندوبا)
وناقشوا الإرشادات في ثوبها النهائي من
حيث: أرؤيتها لفكرة احترام
الحياة البشرية. بوفكرة
الأمانة والسلامة والاستقامة الشاملة في
ممارسة المهنة الطبية (قسم أبوقراط) على
أسس من: 1 ـ الحفاظ
على الاستقلالية الذاتية للإنسان تحت
العلاج Autonomy. 2 ـ وتجنب
الضرر. 3 ـ وعمل
الخير. 4 ـ والتعامل
مع المرضى على أساس العدالة. وضمت
الوثيقة النهائية إرشادات في حالات: أ ـ المرضى الذين يتمتعون
بقدرة على اتخاذ القرار أو تركوا وصية
برغباتهم. ب ـ المرضى الذين فقدوا
هذه القدرة أو لم يتركوا وصية. جـ ـ إيقاف العلاج للمرضى
تحت ظروف الندرة. الرئيس الدكتور عبد
الرحمن العوضي: شكراً للدكتور عبد المنعم
عبيد على هذا العرض الطيب والمتكلم الثاني
هو الأستاذ الدكتور صفوت حسن لطفي فليتفضل: |